اعتقال مادورو و«أميركا أولاً»... ترمب يعيد صياغة قواعد التدخل الخارجي

انقسامات حول الأرضية القانونية للعملية العسكرية وتساؤلات حول مستقبل رودريغيز

إلقاء القبض على مادورو أثار أسئلة حول الأساس القانوني الذي اعتمده ترمب (أ.ف.ب)
إلقاء القبض على مادورو أثار أسئلة حول الأساس القانوني الذي اعتمده ترمب (أ.ف.ب)
TT

اعتقال مادورو و«أميركا أولاً»... ترمب يعيد صياغة قواعد التدخل الخارجي

إلقاء القبض على مادورو أثار أسئلة حول الأساس القانوني الذي اعتمده ترمب (أ.ف.ب)
إلقاء القبض على مادورو أثار أسئلة حول الأساس القانوني الذي اعتمده ترمب (أ.ف.ب)

منذ وصوله إلى البيت الأبيض، يُوظّف الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبارات كثيرة، من «العزم المطلق» إلى «عقيدة دونرو» و«أميركا أولاً»، مروراً بـ«عقلية المحارب» و«مشروع 2025».

تعابير قد تبدو غير مترابطة في ظاهرها، لكن مضمونها يكشف عن استراتيجية رسمتها إدارته بعناية وروّجت لها بتأنٍّ. فاعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو رغم دهشة الكثيرين لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة خطة مدروسة مهّد لها ترمب وفريقه المصغر، وشقّ طريقاً مختلفة كلياً عن نهج الإدارات السابقة، متحدياً علناً أعراف الداخل الأميركي وقواعد النظام الدولي.

ترمب حيّد في قراراته الكونغرس، الذي بدا يتخبط في متاهة واجباته الدستورية، إذ بات من الصعب على المُشرّعين تحدّي رئيس أثبت مراراً أنه يعرف خبايا الثغرات القانونية، ويختبر الصلاحيات التنفيذية الواسعة كما لم يفعل أحد من أسلافه.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، الأساس القانوني الذي استندت إليه إدارة ترمب في عملية اعتقال مادورو، والدور الأميركي في إدارة فنزويلا.

ديمقراطية أم أطماع اقتصادية؟

يُعرب براين نيكولز، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون نصف الكرة الغربي والسفير السابق لدى بيرو وزيمبابوي، عن دهشته من أن ترمب ألقى القبض على مادورو وقرر إبقاء نائبته ديلسي رودريغيز لتقوم بمهام الرئيس بالنيابة.

ترمب يتحدث مع الجمهوريين في مركز «ترمب - كينيدي» يوم 6 يناير 2026 (رويترز)

ورأى نيكولز أن «ما هو مثير للدهشة أكثر هو أن الإدارة لم تتحرك لوضع إدموندو غونزاليس، مرشّح المعارضة الذي يؤكّد فوزه في انتخابات عام 2024، في قيادة البلاد، إلى جانب ماريا كورينا ماتشادو، وهما شخصان مؤيدان للولايات المتحدة وللأسواق الحرة، ويحظيان بدعم الشعب الفنزويلي»، على حد تعبيره.

وأضاف: «هذه فرصة لتحرير الشعب الفنزويلي من الديكتاتورية الرهيبة التي عانى منها، ووضع الأشخاص المؤيدين للولايات المتحدة والسوق الحرة في المناصب التي انتُخبوا لها. آمل ألا تضيع هذه الفرصة».

من جهته، يرى جون بنس، كبير المستشارين السابق في حملة ترمب الانتخابية، أن قرار الإبقاء على نائبة مادورو في الحكم يعود إلى حرص واشنطن على استقرار الوضع في فنزويلا.

وأوضح: «الإدارة تحرص على أن تكون أميركا في المرتبة الأولى، وأن تبدأ فنزويلا في شراء المنتجات الأميركية، وأن نحصل على النفط الفنزويلي الذي من شأنه أن يساعد شعب فنزويلا أيضاً». وذكَّر بأن هذه أمور «لن تحصل بين ليلة وضحاها، لذلك هناك ثلاث مراحل فصّلها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهي: مرحلة الحرص على استقرار البلاد ومرحلة التعافي والمرحلة الانتقالية».

تزداد التساؤلات حول سبب الإبقاء على نائبة مادورو في السلطة (أ.ف.ب)

وفي ظل التقارير التي تقول إن إدارة ترمب اختارت هذا النهج في فنزويلا للسيطرة على النفط، يعارض راي ترافينو، رئيس شركة «بيكوس» للطاقة هذا التقييم.

ويقول إن ما جرى له علاقة بـ«عقيدة مونرو» أكثر مما له علاقة بالنفط أو المخدرات، مشدداً على أهمية التركيز على فناء أميركا الخلفي المتمثل بأميركا الجنوبية لحماية الأميركيين.

أما عن النفط، فتساءل: «لماذا لا يمكننا أن نكون هناك في حين أن الصين وروسيا كانتا هناك من أجل النفط؟».

لكن نيكولز يُحذّر من أن رودريغيز هي التي تقود برنامج النفط في فنزويلا، ويصفها بـ«الاشتراكية المخلصة» التي ستحاول التخلص من سيطرة الولايات المتحدة، مضيفاً: «لا أرى كيف يمكن تحقيق الاستقرار في ظل وجودها هي وشقيقها (خورخي رودريغيز رئيس الجمعية الوطنية) والأشخاص الآخرين من النظام. أعتقد أن وجود أشخاص ملتزمين بالسوق الحرة والعلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة سيوفر استقراراً أفضل على المدى الطويل لفنزويلا، ويستجيب لرغبات الشعب الفنزويلي».

وتابع أن «إعادة تنشيط الاقتصاد هو هدف عظيم لعلاقتنا مع فنزويلا، ويجب أن يشمل ذلك انفتاحاً أوسع للاقتصاد في ذلك البلد». ويعطي نيكولز مثالاً على ذلك، فيقول إنه في اليوم الذي أدّت فيه رودريغيز اليمين الدستورية رئيسةً مؤقتةً لفنزويلا، تمّ إصدار مرسوم قمع الحقوق والحريات الأساسية للشعب الفنزويلي وفرض مزيد من القيود على حرية التعبير وحرية التنقل.

إضافةً إلى اعتقال مجموعة من الصحافيين وترحيل أحدهم». ورأى أنه «إذا كان هدفنا هو تغيير فنزويلا، فعلينا الإصرار على احترام الحقوق الأساسية والمضي قدماً نحو إرساء الديمقراطية هناك».

الكونغرس ومبدأ «أميركا أولاً»

يتّهم الديمقراطيون ترمب بتخطي صلاحياته في عملية إلقاء القبض على مادورو، ويسعون جاهدين لفرض دور الكونغرس في التدخلات العسكرية حول العالم. وقد نجحوا في تصويت إجرائي يحُدّ من العمليات العسكرية في فنزويلا، بمساعدة 5 جمهوريين. ورغم أن هذا المشروع في حال إقراره في المجلس سيصطدم بحائط الفيتو الرئاسي، فإن نيكولز رأى أن هذا التصويت دليل على أن قاعدة الحزب الجمهورية لديها آراء مختلفة عن الإدارة بشأن استخدام القوة العسكرية في الخارج، وأن السياسة التي انتهجها ترمب تتناقض مع شعار «أميركا أولاً» الذي اعتمده.

زعيم الديمقراطيين في «الشيوخ» تشاك شومر والسيناتور الديمقراطي تيم كاين يتحدثان عن التصويت للحد من صلاحيات ترمب بفنزويلا 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وهنا هبّ بنس دفاعاً عن الإدارة، فأكد أن نهجها متناغم مع شعار «أميركا أولاً». ويفسّر قائلاً: «(أميركا أولاً) لا تعني أميركا وحدها. ففي نصف الكرة الغربي، فرّ 8 ملايين شخص من الشيوعية، وفي النهاية أصبحت مشكلاتهم هي مشكلاتنا على حدودنا. وبسبب ضعف القيادة خلال السنوات الأربع الماضية، كانت هناك فوضى عارمة استمرّت في التفاقم بسبب أزمة الهجرة وأزمة فنزويلا». وتابع: «الآن، يسعى الرئيس ترمب لاستخدام القوة الأميركية لتحقيق السلام في نصف الكرة الغربي، وهذا سينعكس إيجاباً على ملف الهجرة. لهذا السبب، فإن هذا يتماشى تماماً مع سياستنا».

ويتّفق ترافينو مع تقييم بنس، فيرى أن ترمب مستمرّ بالتّحدث مع قاعدته الشعبية، ويقول لها إن «أميركا أولاً» تعني الحفاظ على سلامة الاميركيين وسلامة حدود أميركا وأمنها. كما يشير ترافينو إلى أن هدف الإدارة هو إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأميركيين من المخدرات التي تتدفّق من أميركا الجنوبية، ووجّه انتقادات حادة إلى الديمقراطيين وإدارة الرئيس السابق جو بايدن، قائلاً إن «مذكرة اعتقال مادورو كانت سارية المفعول في عهد بايدن. لماذا لم يقبضوا عليه في ذلك الوقت؟».

السيناتور الجمهوري جوش هولي كان بين الذين صوَّتوا للحد من صلاحيات ترمب في فنزويلا (أ.ب)

ويجيب نيكولز، الذي كان مسؤولاً عن ملف نصف الكرة الغربي في وزارة الخارجية في عهد بايدن، عن هذا التساؤل، فيقول: «كنا سننفذ مذكرة توقيف بحقه لو كان في مكان خاضع للولاية القضائية الأميركية أو في بلد يتعاون مع أميركا، لكنه كان حريصاً جداً على تجنب الذهاب إلى الأماكن التي يمكن أن يخضع فيها للقانون الأميركي، ولم يكن الدخول إلى فنزويلا واستخراجه دون وجود وسيلة قانونية دولية للقيام بذلك أمراً نرغب في القيام به. كنا نريد بناء وتحقيق تحالف دولي قوي ضد الحكومة الفنزويلية غير الشرعية». وعن نقطة المخدرات، يستغرب كولينز من حجة الإدارة، مشيراً أن المخدرات التي تقتل الأميركيين حالياً هي الفنتانيل الذي لا يمر عبر فنزويلا، ويرى أن هذه الحجة غير منطقية أبداً.

صفقات النفط

وتصب إدارة ترمب تركيزها على قطاع النفط في فنزويلا. ويؤكد ترافينو أن عدد شركات النفط الأميركية التي ترغب في الاستثمار في فنزويلا سيزداد مع استقرار الأوضاع فيها، لكن الأمر سيتطلب وقتاً. ويفسر قائلاً: «أعلم أن شركات مثل (إكسون موبيل) التي طُردت من ذلك البلد وتمت مصادرة أصولها ونفطها، كانت مستعدة للعودة. لكن هذا لن يحدث بين ليلة وضحاها. سنكون بالتأكيد في حالة استنفار، وسنحتاج إلى مزيد من عناصر الأمن هناك لمراقبة كل ما يجري بسبب تدهور جميع البنى التحتية للمصافي. كما أن الطرق التي ننقل بها النفط من المضخات إلى المصافي تحتاج إلى إعادة بناء».

ويُرجّح ترافينو أن تستغرق هذه العملية ما بين 18 و24 شهراً، إضافةً إلى مليارات الدولارات من شركات النفط الكبرى لإعادة إنتاج كميات كبيرة من النفط، وإضافة مزيد من البراميل إلى الاقتصاد العالمي.

شركة «إكسون موبيل» من الشركات الأميركية التي قد تعاود عملها في فنزويلا (أ.ب)

لكن نيكولز يعارض هذا التقييم، ويصف الجدول الزمني الذي طرحه ترافينو بـ«المتفائل للغاية»، مضيفاً: «سيستغرق الأمر أكثر من عقد للوصول إلى ثلاثة ملايين برميل في اليوم. سيتطلب هذا العمل الكثير من الاستثمارات. وسيتطلب أن يكون لدى المغتربين الفنزويليين الثقة للعودة».

وذكَّر بأن الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز، أقال كامل قيادة شركة «بتروليوس دي فنزويلا (PDVSA)»، مشدداً على أهمية عودة الخبرات التي غادرت البلاد جراء هذه السياسات. وأضاف: «إذا لم تكن لديهم الثقة في الوضع السياسي وحقوق الإنسان في فنزويلا، فإن الجالية الفنزويلية الموهوبة حقاً لن تعود. كما أن الشعب الفنزويلي عموماً سيرغب في معرفة أنه يحصل على مستحقاته العادلة من بيع النفط إلى الولايات المتحدة أو إلى دول العالم. وإذا شعر أنه لا يحصل على حصته العادلة، فسوف يُولّد ذلك شعوراً بالاستياء تجاه الولايات المتحدة، وقد لا يمثل ذلك مشكلة في العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة، لكن على المدى الطويل، سيؤدي ذلك إلى الأمور التي أوصلت هوغو تشافيز إلى السلطة. يجب أن نفكر ليس فقط في التأثير قصير المدى، ولكن أيضاً في التأثير متوسط وبعيد المدى».


مقالات ذات صلة

البيت الأبيض: ترمب سيواصل مناقشة ملف لبنان مع نتنياهو

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ) p-circle

البيت الأبيض: ترمب سيواصل مناقشة ملف لبنان مع نتنياهو

أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض ‌كارولاين ‌ليفيت للصحافيين ‌الأربعاء ⁠أن الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب سيوفد فريق التفاوض ⁠مع ‌إيران إلى باكستان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - إسلام آباد)
الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

حذّر وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على اليورانيوم الذي تملكه إيران، في حال رفضت تسليمه.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

هدنة إيران تُعمّق الانقسام في واشنطن

ترددت أصداء وقف إطلاق النار مع إيران في أروقة الكونغرس، بين تشكيك ديمقراطي بجدوى الحرب وترحيب جمهوري بـ«النصر» الأميركي ومهارة ترمب في التفاوض.

رنا أبتر (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (إ.ب.أ) p-circle

إردوغان يحذر في اتصال مع ترمب من تخريب مسعى السلام

ذكر ​مكتب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اليوم الأربعاء ‌أنه ‌أبلغ ​نظيره ‌الأميركي ⁠دونالد ترمب ​بضرورة عدم ⁠منح أي فرصة لتخريب عملية ⁠وقف ‌إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
المشرق العربي سحب كثيفة من الدخان فوق بيروت بعد الهجمات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

لبنان يتحول نقطة خلاف رئيسية حول وقف النار

اكتنف الغموض موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مما إذا كان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين مع إيران يشمل أيضاً لبنان.

علي بردى (واشنطن)

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

حين خرج وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كاين، إلى منصة البنتاغون، صباح الأربعاء 8 أبريل (نيسان) 2026، لم يقدّما رواية انتصار نهائي بقدر ما رسّخا وصفاً أدقّ: «تجميد مؤقت لحرب مفتوحة».

فالإدارة الأميركية أرادت أن تقول إن «عملية الغضب الملحمي» حققت أهدافها العسكرية، وإن إيران وافقت على وقف إطلاق النار من موقع الضعف. لكنّ مضمونَ المؤتمرِ نفسَه كشف عن أن جوهر النزاع لم يُحسم: مضيق هرمز لم يعد إلى وضعه الطبيعي بالكامل، وملف اليورانيوم عالي التخصيب ما زال مفتوحاً، والتفاوض المرتقب في إسلام آباد يبدأ من روايتين متناقضتين لا من أرضية مشتركة صلبة. هذا التناقض هو ما يجعل منطقة الشرق الأوسط الساحةَ الأكبرَ عرضةً لارتدادات الأسبوعين المقبلين، وفق خبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط».

تدمير قدرات إيران

قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، خلال مؤتمر صحافي الأربعاء، إن واشنطن «دمّرت تماماً القاعدة الصناعية للدفاع في إيران». وصرّح هيغسيث: «لم يعودوا قادرين على صناعة صواريخ وقذائف ومنصات إطلاق أو مسيّرات. دُمّرت مصانعهم». وأعلن أن «(عملية الغضب الملحمي) شكّلت نصراً تاريخياً ساحقاً على أرض المعركة»، في إشارة إلى التسمية الأميركية للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. وأكّد أن هذه العملية «سحقت القوات العسكرية لإيران، وجعلتها عاجزة عن القتال للسنوات المقبلة».

كما حذّر هيغسيث بأن الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على اليورانيوم الذي تملكه إيران، في حال رفضت تسليمه. وقال: «نعرف ما عندهم، وسيسلّمونه، وسنحصل عليه، وسنأخذه إن اضُطررنا إلى ذلك... يمكن القيام بهذا الأمر بكل الوسائل الممكنة».

رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، دان كاين: «هاجمنا مع شركائنا نحو 90 في المائة من مصانع الأسلحة»، بينها «كلّ مصانع إنتاج المسيّرات المفخخة من نوع (شاهد)»، فضلاً عن «كلّ المعامل التي تُنتج أنظمة التوجيه» الخاصة بهذه المسيّرات. وبشأن الأسطول البحري، أوضح كاين أن «الأمر سيستغرق سنوات قبل أن تعيد إيران بناء المنشآت القتالية السطحية».

وأفاد الجنرال بأن «نحو 80 في المائة من القاعدة الصناعية النووية الإيرانية استُهدفت؛ مما قوّض من شكل أكبر محاولات تطوير السلاح النووي». وحذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة بأن القوات الأميركية جاهزة لاستئناف القتال مع إيران في حال انتهاء الهدنة بين البلدين. وقال: «لنكن واضحين، وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة، والقوات المسلحة تبقى على أهبة الاستعداد؛ إذا صدرت الأوامر أو طُلب منها ذلك، لاستئناف العمليات القتالية بالسرعة والدقة نفسيهما اللتين أظهرناهما خلال الأيام الـ38 الماضية».

القاذفة الاستراتيجية الأميركية «ب 52 ستراتوفورتريس» داخل القاعدة الجوية «فيرفورد» في بريطانيا يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتشير تصريحات كاين، وتلويحه باستئناف القتال، إلى أن إعلان تعليق الحرب جاء تحت التهديد الأميركي، وفق مايكل روبين، الباحث في «معهد أميركان إنتربرايز». أما عن استعادة حرية الملاحة، فلم تُشر تصريحات المسؤولين العسكريين إلى أنها باتت أمراً محسوماً، واكتفت بالتشديد على ضرورة «ضمان امتثال إيران» ومرور السفن بأمان.

في الوقت نفسه، استمرت مؤشرات إلى أن سفناً تلقت رسائل من قوات إيرانية تُفيد بأنها تحتاج إلى إذن لعبور المضيق؛ مما يعني أن طهران تحاول تثبيت معادلة جديدة: فتح هرمز مشروط بالاعتراف بدور رقابي أو سيادي لها. وإذا صحّ ذلك، فإن المنطقة، والاقتصاد العالمي، يدخلان مرحلة تختلف عن مجرد وقف إطلاق النار؛ لأن الخطر ينتقل من الصواريخ إلى قواعد المرور والتأمين والتسعير والرسوم البحرية.

أبرز نقاط الخلاف

تصريحات قادة البنتاغون، وما تبعها من تصريحات ترمب، كشفتا عن أن الخلاف الحقيقي ليس على وقف النار نفسه، بل على تعريف ما بعده. فواشنطن ترفض استمرار تخصيب اليورانيوم الإيراني، وتُطالب بتسليم المخزون عالي التخصيب أو «أخذه» بالقوة إذا لزم الأمر. أما الروايات المتداولة في الإعلام الإيراني عن «النقاط العشر» لاتفاق وقف النار، فتذهب في اتجاه مختلف تماماً: الاعتراف بحق إيران في التخصيب، ورفع العقوبات، من دون وضوح بشأن مصير المخزون المخصب. هُنا تحديداً يكمن التناقض البُنيوي الذي قد يُقوّض جولة التفاوض منذ يومها الأول، وفق روبين.

إيرانيون يحتفلون في طهران بالإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الشق الثاني من الخلاف يتعلق بنطاق التهدئة؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل أوضحتا أن وقف النار مع إيران لا يعني وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان ضد «حزب الله»، فيما توالت تقارير بشأن استمرار هجمات صاروخية ومسيّرة على دول الخليج في الساعات التي تلت الهدنة؛ هذا يعني أن المنطقة تواجه نسخة من «خفض التصعيد الانتقائي» وفق مراقبين؛ أي تهدئة مباشرة بين واشنطن وطهران، مقابل بقاء ساحات الوكلاء والرسائل المتبادلة مفتوحة.

كما أن تصريحات هيغسيث عن أن واشنطن كانت مستعدة، قبل ساعات، لضرب محطات كهرباء وجسور وبنية نفطية وطاقوية «لا يمكن لإيران إعادة بنائها» تكشف عن أن قرار الهدنة لم ينبع من تسوية مكتملة، بل من تعليق ضربة تصعيدية هائلة ضد طهران. لذلك؛ يبدو وقف النار أشبه بمهلة اختبار: فإذا استجابت طهران لشروط الملاحة وتسليم اليورانيوم، فقد تستمرّ الهدنة وتُمهّد لنهاية فعلية للحرب. أما إن لم تستجب، فقد تعود الولايات المتحدة إلى خيار التدمير الشامل للبنية التحتية.

هشاشة الاتفاق

القراءة الأرجح أن المنطقة تدخل فترة هدوء تكتيكي، يعتمد على مخرجات المفاوضات في إسلام آباد ومدى التزام الجانبين شروط وقف النار.

رجال إطفاء يعملون على إخماد حرائق جراء غارة إسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

ويقول رزين نديمي، الباحث في الشأن الإيراني بـ«معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يرى ما جرى «توقفاً في القتال» أكثرَ منه نهاية له، وإن الهدنة «هشة بالفعل، لكنها مرجّحة الصمود». في المقابل، بدا أكبر تشككاً تجاه المفاوضات نفسها، متوقعاً «ألّا تفضي إلى شيء حاسم، وأن نشهد فترة توقف مطوّلة قبل بدء المرحلة التالية». وتكمن أهمية هذا التقدير في أنه يُميّز بين قدرة الأطراف على تجميد النار مؤقتاً، وعجزها عن إنتاج اتفاق نهائي بشأن أسباب الحرب نفسها.

أما مايكل روبين، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل اتفاق يجلب السلام»، لافتاً إلى أن فكرةَ فرض إيران رسوماً على الملاحة أو التعامل مع المنطقة كأنها مجالها الخاص «فكرةٌ سخيفة».


هدنة إيران تُعمّق الانقسام في واشنطن

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

هدنة إيران تُعمّق الانقسام في واشنطن

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز في مؤتمر صحافي 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

تردّدت أصداء وقف إطلاق النار مع إيران في أروقة الكونغرس الأميركي، بين تشكيك ديمقراطي بطبيعة الاتفاق وجدوى الحرب من جهة، وترحيب جمهوري بـ«النصر» الأميركي ومهارة ترمب في التفاوض من جهة أخرى.

وأتى أبرز ردّ ديمقراطي على لسان كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جين شاهين، التي اعتبرت أن خفض التصعيد هو «خطوة طال انتظارها بعد أكثر من شهر من حرب بلا هدف واضح، ومع تكلفة متصاعدة يتحمّلها الشعب الأميركي». ودعت شاهين، في بيان صادر عن مكتبها، إلى «إجراء تقييم حقيقيّ لما حقّقته حرب الرئيس دونالد ترمب» على حدّ وصفها، مضيفة أنه «بعد أسابيع من القتال، ومقتل 13 عسكرياً أميركياً، واضطرابٍ كبيرٍ في الاقتصاد العالمي، يبدو أن الرئيس ترمب قد أسهم، عملياً، في استبدال المرشد الأعلى لإيران بابنه المتشدّد، ومسؤولين في (الحرس الثوري) لا يقلّون خطورة. وفي الوقت نفسه، ما زلتُ أشعر بقلقٍ بالغٍ من أن تكون الإجراءات الأميركية قد حفّزت إيران على السعي لامتلاك سلاحٍ نووي».

وركّزت شاهين، كغيرها من الديمقراطيين، على تأثير الحرب على أسعار الطاقة ومعيشة الأميركيين، مُعتبرة أنها «لم تجعل الأميركيين أكثر أماناً، ولم تُحسّن أوضاعهم»، على عكس ما تقوله إدارة ترمب.

حذر جمهوري

وفيما رحّبت وجوه جمهورية لا تنتمي إلى القيادات بالاتفاق، وأشادت بالرئيس، التزمت القيادات الجمهورية الصمت حتى الساعة، باستثناء السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي انطوى تصريحه على تحذيرات مبطنة. فقد قال غراهام، الذي كان من أبرز الداعمين للحرب، إنه «يفضل المسار الدبلوماسي إذا كان سيقود إلى النتيجة الصحيحة فيما يتعلّق بالنظام الإيراني الإرهابي»، على حد تعبيره. وأضاف أنه، في هذه المرحلة المبكرة، يتعامل بحذرٍ شديد «حيال ما هو حقيقة، وما قد يكون تضليلاً أو تحريفاً» في تفاصيل الاتفاق.

رئيس مجلس النواب مايك جونسون في الكونغرس 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وذكر غراهام نقطة من شأنها أن تُحدث جدلاً واسعاً في واشنطن، وهي آلية مراجعة الاتفاق في الكونغرس «للمضي قدماً»، مُشيراً إلى أن مجلس الشيوخ اعتمد الآلية المذكورة في الاتفاق النووي الإيراني، الذي توصلت له إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.

فرغم أن الاتفاق النووي السابق مع إيران لم يُطرح بشكل معاهدة على مجلس الشيوخ للتصويت عليه، فإن المجلس سعى إلى إبطال الاتفاق عبر التصويت لوقفه، وهي آلية يمكن للمشرعين اعتمادها. لكن في عهد أوباما، لم يتمكن المعارضون من حشد الأصوات الكافية لتخطي الأصوات الستين اللازمة في مجلس الشيوخ.

باختصار، يمكن للكونغرس التصويت بهدف وقف الاتفاق، وليس الموافقة عليه، وذلك ضمن صلاحيات أقرّها عام 2015 في قانون «إينارا» لمراجعة الاتفاق النووي الإيراني، الذي يُلزم الإدارة بعرض أي اتفاق نووي مع إيران على الكونغرس، ويمنح المجلس التشريعي فترة 30 إلى 60 يوماً لمراجعته، لا يمكن خلالها أن يرفع الرئيس العقوبات عن طهران.

جهود عزل الرئيس

وفي ظل هذه الأجواء، تنفس الجمهوريون الصعداء لدى الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أتى قبل أقل من 7 أشهر على الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني). فهم أمضوا ساعات عصيبة يوم الثلاثاء، بعد تصريحات مثيرة للجدل للرئيس الأميركي حول «تدمير حضارة بأكملها»، ما وضعهم في موقف دفاعي محرج. وفيما تجنبت قياداتهم التعليق، سارع عدد منهم لانتقاد تصريحات ترمب، في تغيير لافت للهجة الداعمة للحرب. وأدان النائب الجمهوري نثانيال موران التهديدات، قائلاً: «لا أؤيد تدمير حضارة بأكملها. هذا ليس ما نُمثّله، ولا يتماشى مع المبادئ التي وجّهت أميركا على مدى عقود طويلة».

ترمب في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 6 أبريل 2026 (أ.ب)

من جهتها، شدّدت السيناتورة الجمهورية ليزا موركوفسكي على ضرورة عدم «تبرير تهديدات ترمب على أنها محاولة للضغط على النظام الإيراني خلال سير المفاوضات»، كما قال بعض زملائها. وقالت محذرة: «هذا النوع من الخطاب يُعدّ إساءة إلى القيم التي سعت بلادنا إلى ترسيخها وتعزيزها حول العالم على مدى ما يقارب 250 عاماً».

لكن مواقف الديمقراطيين لم تقتصر على الانتقاد، بل صعّد الحزب لدرجة طرح بنود العزل بحق الرئيس، ودعوا الجمهوريين إلى التصدي له مشككين بصحته العقلية. واعتبر أكثر من 70 مشرعاً ديمقراطياً أن «ترمب يجب أن يُجرّد من صلاحياته الرئاسية بسبب ترويجه لتدمير حضارة بأكملها» في منشوره، على حد وصفهم. وفيما من المتوقع أن تصطدم جهود الديمقراطيين سريعاً بحائط مسدود بسبب الأغلبية الجمهورية، إلا أن المسعى الذي كان من المُرجّح أن يُبصر النور في حال عدم التوصل إلى اتفاق هو إقرار مشروع يُقيّد صلاحيات الرئيس في حرب إيران، بعد إسقاطه أكثر من مرة في الكونغرس. وأعرب بعض الجمهوريين عن استعدادهم للتصويت لصالحه. ولعلّ هذا يُعدّ من الأسباب التي دفعت بترمب والبيت الأبيض إلى السعي لاحتواء التداعيات السياسية والتوصل إلى تسوية للتهدئة.

النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين في مؤتمر بالكونغرس 18 نوفمبر 2025 (أ.ب)

كما واجه ترمب «نيراناً صديقة»، بعد أن دعت حليفته السابقة مارجوري تايلور غرين، إلى جانب الناشط اليميني ألكس جونز، إلى تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور. وهو نص دستوري يتيح لنائب الرئيس، بموافقة أغلبية أعضاء الحكومة، إعلان عجز الرئيس عن أداء مهامه، ما يؤدي إلى نقل صلاحيات الحكم إليه. ويُفعَّل هذا الإجراء في حال رأت الإدارة أن الحالة الذهنية أو الجسدية للرئيس تحول دون قيامه بواجباته.

ورغم أن هذا السيناريو يبقى مستبعداً، في ظل دعم غالبية أعضاء حكومة ترمب له، فإنه يُلقي بظلاله على المشهد السياسي المضطرب في واشنطن، مع اقتراب الحزبين من انتخابات حاسمة في نوفمبر. ويتزامن ذلك مع تسريبات لصحيفة «نيويورك تايمز» تفيد بأن نائب ترمب، جاي دي فانس، كان من المعارضين لشنّ الحرب، وهو ما قد يفتح الباب أمام تصدعات داخل الإدارة، في وقت تسعى فيه إلى احتواء التداعيات الداخلية للصراع.


ميلانيا تُعطي بارون مساحةً خاصة… استبعاد الإخوة الأكبر يثير التساؤلات

بارون ترمب أغلى الناس إلى قلب ميلانيا (أ.ب)
بارون ترمب أغلى الناس إلى قلب ميلانيا (أ.ب)
TT

ميلانيا تُعطي بارون مساحةً خاصة… استبعاد الإخوة الأكبر يثير التساؤلات

بارون ترمب أغلى الناس إلى قلب ميلانيا (أ.ب)
بارون ترمب أغلى الناس إلى قلب ميلانيا (أ.ب)

تداولت تقارير إعلامية غير مؤكّدة روايةً تفيد بأن ميلانيا ترمب استبعدت كلاً من دونالد ترمب الابن وإيفانكا ترمب من احتفالات عيد الميلاد العشرين لنجلها بارون ترمب، في خطوةٍ أثارت تساؤلاتٍ حول طبيعة العلاقات داخل واحدة من أكثر العائلات حضوراً في المشهد الأميركي. وفقاً لموقع «إنترناشيونال بيزنس تايمز».

وبحسب ما أورده كاتب أخبار المشاهير الأميركي روب شيوتر عبر نشرته «Naughty But Nice» على منصة «Substack»، فقد أُقيم الحفل في مارس (آذار) الماضي بولاية فلوريدا، ضمن أجواء عائلية ضيّقة للغاية. وأشار التقرير إلى أن ميلانيا تولّت تنظيم المناسبة شخصياً، مكتفيةً بدعوة عدد محدود جداً من الحضور، بينهم فرد واحد فقط من أبناء دونالد ترمب الأكبر سناً، في حين غاب دونالد جونيور وإيفانكا عن قائمة المدعوّين.

وفي ظل غياب تأكيدات رسمية، يُفهم من هذه الرواية أن ميلانيا سعت إلى جعل المناسبة أقرب إلى احتفالٍ خاص بابنها، بعيداً عن الأضواء والامتدادات العائلية الواسعة، وربما أيضاً تجنّباً للطابع العام الذي يلازم اسم العائلة، بما يحمله من حضور إعلامي وسياسي كثيف.

مكانة مختلفة داخل العائلة

لطالما بدا أن بارون يشغل موقعاً مختلفاً داخل عائلة ترمب. فهو الابن الوحيد لميلانيا، وقد نشأ في توازنٍ دقيق فرضته والدته، بين الظهور المحدود خلال فترة وجود والده في البيت الأبيض، وحرصٍ واضح على إبقائه بعيداً عن الضجيج الإعلامي، حمايةً لخصوصيته.

ورغم مشاركته في مناسبات رسمية بارزة، فإنه ظلّ بعيداً عن التصريحات العلنية، ونادراً ما ظهر في تفاعلٍ مباشر مع إخوته الأكبر سناً، ما عزّز الانطباع بوجود مسافةٍ طبيعية أو مقصودة داخل العائلة.

مسافة محسوبة

وبحسب المصدر الذي نقل عنه شيوتر، فإن ميلانيا كانت المسؤولة بالكامل عن تفاصيل الحفل، وحرصت على أن تكون الدعوات محدودةً للغاية، مضيفاً أن استبعاد بعض الأسماء لم يكن سهواً، بل كان مقصوداً.

وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى حضور تيفاني ترمب بوصفها الوحيدة من بين الإخوة الأكبر سناً، وهي التي تُصوَّر أحياناً في الإعلام الأميركي على أنها الأقرب إلى بارون، من خلال لقطاتٍ عائلية عفوية تعكس علاقةً أقل رسمية داخل العائلة.

فجوة الأجيال... تفسيرٌ محتمل

لقد يجد هذا الطرح ما يدعمه في فارق السن الكبير بين بارون وإخوته. فحين وُلد عام 2006، كان أشقاؤه من زواج والده الأول قد بلغوا سن الرشد، وبدأوا بالفعل مساراتهم المهنية، بل وانخرط بعضهم في أعمال العائلة.

وهذا التباعد الزمني غالباً ما يخلق علاقاتٍ أقرب إلى تداخل الأجيال منها إلى الأخوّة التقليدية، وهو أمرٌ لا يخرج عن المألوف في العائلات الكبيرة، وإن كان في حالة عائلة ترمب يخضع لتدقيقٍ إعلامي دائم، حيث تُقرأ التفاصيل الصغيرة بوصفها مؤشراتٍ على القرب أو التباعد.

حماية مستمرة

يُضاف إلى ذلك نهج ميلانيا المعروف في حماية نجلها من الأضواء، إذ تجنّبت منذ وقتٍ مبكر إشراكه في الحياة السياسية، خلافاً لدور بارز أدّاه كلٌّ من دونالد جونيور وإيفانكا خلال الحملات الانتخابية، ما أبقى بارون في مساحةٍ أكثر هدوءاً واستقلالاً.

بين الخصوصية والتأويل

إذا صحّت هذه الرواية، فإنها قد تعكس توجهاً واعياً لمنح بارون حياةً أقل صخباً، وتعويضاً مناسباً عن سنواتٍ قضاها في ظل متابعةٍ إعلامية مكثّفة. ومع ذلك، يبقى احتمالٌ آخر قائماً، وهو أن شاباً في العشرين من عمره قد يفضّل ببساطة احتفالاً محدوداً يقتصر على الدائرة الأقرب إليه.

وفي المحصّلة، يظلّ ما جرى إن صحّ تفصيلاً عائلياً خاصاً، لكنه في حالة عائلة ترمب يتحوّل سريعاً إلى مادةٍ للتأويل، بين من يراه تعبيراً عن خصوصيةٍ مشروعة، ومن يقرأه مؤشراً على مسافةٍ تتجاوز حدود الاحتفال.