من ممداني إلى ترمب… الشعبوية تغيّر وجه السياسة الأميركية

فوز الاشتراكي الشاب يعمّق الانقسامات الديمقراطية ويفتح باب المواجهة مع اليمين

ترمب وممداني دليل على تنامي الشعبوية الأميركية (أ.ف.ب)
ترمب وممداني دليل على تنامي الشعبوية الأميركية (أ.ف.ب)
TT

من ممداني إلى ترمب… الشعبوية تغيّر وجه السياسة الأميركية

ترمب وممداني دليل على تنامي الشعبوية الأميركية (أ.ف.ب)
ترمب وممداني دليل على تنامي الشعبوية الأميركية (أ.ف.ب)

يصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني، بالشيوعي اليساري، ويقول عنه إنه سيدمر المدينة التي يحب مهدداً بوقف التمويل الفيدرالي عنها. لكن الرجلين، حسب كثيرين، يتشابهان رغم التناقض في المواقف والانتماءات، فهما وجهان لعملة الشعبوية الأميركية التي أوصلت ترمب إلى سدة الرئاسة من جهة، وسلمت ممداني مفتاح نيويورك من جهة أخرى. اليوم وبعد الفوز الساحق والتاريخي لممداني، الذي أصبح أول مسلم يستلم المنصب، ينظر الديمقراطيون إلى أنفسهم في مرآة الواقع الذي يقول التقدميون إنهم انشقوا عنه وضلوا طريق التواصل مع الناخب الأميركي الذي ابتعد عن النخب الحزبية، ولجأ إلى وجوه أقرب إليه كممداني، تماماً كما فعل أنصار «ماغا» مع ترمب خارج الإطار التقليدي للحزب الجمهوري.

من ناحية أخرى، يحتفل الحزب بالنصر في انتخابات فيرجينيا ونيوجرسي التي أوصلت ديمقراطيتين إلى منصب الحاكم، وفي كاليفورنيا التي صوتت لصالح إعادة رسم الخرائط الانتخابية ما قد يعطي الديمقراطيين 5 مقاعد إضافية في النواب.

يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» انعكاسات فوز ممداني على الحزب الديمقراطي واتجاهات الحزب في زمنٍ تتقاطع فيه الشعارات الشعبوية من اليمين واليسار، بالإضافة إلى وجوه التشابه بين ترمب وممداني.

ترمب وممداني وجهان لعملة الشعبوية

ممداني بعد فوزه في 4 نوفمبر 2025 (رويترز)

يقول تيم فيليبس الرئيس السابق لجمعية «americans for prosperity» المحافظة وأحد المنظمين السابقين لـ«حزب الشاي» المحافظ، إن ترمب وممداني يوفران لبعضهما البعض «أزمة وفرصة» في الوقت نفسه، ويعتبر أن الفرصة المتاحة للجمهوريين هي تصوير الحزب الديمقراطي الجديد على أنه صورة لممداني وهو «شخص اشتراكي صريح في خطابه يقترب من كونه زعيماً شيوعياً يريد تدمير الرأسمالية»، ويعرب فيلبس عن مفاجأته الكبيرة من خطاب ممداني ليلة الانتخابات، إذ إنه وبدلاً من محاولة جمع الناس وتخفيف حدة النقاش، قام بتكثيف استخدام اللغة الاشتراكية، مضيفاً: «كان هذا خطأً من جانب الديمقراطيين على الصعيد الوطني، ربما سيساعده ذلك في حكم مدينة نيويورك. لكن التحدي الذي يواجه الديمقراطيين هو أن مدينة نيويورك ليست مثل بقية البلاد. يمكنك أن تحقق نجاحاً سياسياً في تلك المدينة وتخسر بقية البلاد إذا لم تكن حذراً».

ويوافق الصحافي الاستقصائي مارك ألبرت على أن خطاب فوز ممداني ليلة الانتخابات كان مفاجئاً بحدته، ويصفه بالخطاب الناري الذي هاجم فيه ترمب بشكل مباشر. لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن الرجلين تجمعها علاقة مترابطة، فكلاهما استخدم الشعبوية بشكل فعال للغاية وتمكنا من جذب الناخبين الأصغر سناً الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، وأضاف: «لقد تمكن ممداني، تماماً مثل دونالد ترمب، من جذب أشخاص لا يصوتون عادة، فقد أدلى أكثر من مليوني شخص بصوتهم في انتخابات نيويورك لأول مرة منذ 40 عاماً، وهذا إنجاز. وأعتقد أننا سنراهما في الأعوام المقبلة في موقع الهجوم والدفاع، يتقدمان ويتراجعان ويستفيدان من بعضهما البعض. أما إذا كان سكان نيويورك وأميركا سيستفيدون من ذلك، فلا أعلم».

فرصة أم مجازفة ديمقراطية؟

زعيم الديمقراطيين في الشيوخ تشاك شومر لم يعلن عن تأييده لممداني (رويترز)

رغم فوز ممداني الساحق فإن الكثير من القيادات الديمقراطية تحفظت عن دعمه في بداية السباق، حتى إن زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، السيناتور عن ولاية نيويورك، تشاك شومر، لم يعلن عن دعمه لممداني أبداً، ويعتبر أنتوني دايفس جونيور، المسؤول السابق في حملة السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن الرئاسية، أن على الحزب الديمقراطي تعلم الكثير من الدروس من فوز ممداني الذي يعطي للحزب «فرصة اتخاذ قرار»، على حد تعبيره، ويفسر قائلاً: «اليوم ومع خروجنا من هذه الانتخابات وانتقالنا إلى انتخابات التجديد النصفي في عام 2026، هل سنقرر الاستمرار في دعم وتشجيع مرشحي المؤسسة من الحزب الديمقراطي، أم أننا نريد الترحيب بالناس الذين قد يُنظر إليهم على أنهم غرباء أو أشخاص لا ينتمون إلى المؤسسة الديمقراطية؟»، وتابع: «أحد الأمور التي أظهرها فوز ممداني هو أنه عندما تتبنى أفكاراً جديدةً، يمكنك جذب أشخاص جدد إلى الطاولة. فقد تمكن من تغيير الناخبين وزيادة عددهم. وتمكن من جعل الناخبين أكثر شباباً وتنوعاً. ونتيجة لذلك، تم انتخابه كأصغر عمدة في نيويورك منذ قرن. لذا، هذه فرصة حقيقية»، واعتبر فيليبس أن المختلف أيضاً في فوز ممداني هو أن الأغلبية الساحقة من الناخبين صوتوا له وليس ضد شخص آخر، كما جرت العادة في الانتخابات الأميركية، حيث يختار الناخبون، خصوصاً الديمقراطيين، «أهون الشرين».

صورة تظهر ممداني مع حاكمتي فيرجينيا ونيوجرسي الديمقراطيتين (أ.ب)

ويشير ألبرت إلى أن المرحلة المقبلة تطرح أسئلة مهمة بالنسبة للأميركيين، أبرزها ما إذا كانت أميركا «ستسير في طريق المؤسسة أم في طريق الشعبوية؟»، ويعتبر أن الشعبوية نجحت بالفعل في مدينة نيويورك على خلاف ولايتي فرجينيا ونيوجيرسي، حيث لم يسلك المرشحون الفائزون طريق ممداني، بل كانوا يتحدثون أكثر عن الاقتصاد وقضايا الميزانية، وليس عن الحرب الثقافية، وكانوا أكثر اعتدالاً. ويضيف: «إنه دليل على أهمية معرفة جمهورك. وهذا درس استفادت منه السياسة على مدى قرون. لذا أعتقد أنه سيكون من الخطأ أن يقول أي من الحزبين إن لديهما تفويضاً للسير في هذا الاتجاه وليس في ذاك الاتجاه. عليهما تقييم السياسات المحلية على أرض الواقع، والناخبين، وترشيح الأشخاص الذين سيحققون أفضل أداء في تلك المنطقة».

تغيير ثقافي عميق

ممداني مع السيناتور التقديمي برني ساندرز والنائبة التقدمية ألكسندريا وكاسيو كورتيز في 4 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

يتحدث فيليبس الذي كان من المنظمين الأساسيين لـ«حزب الشاي» المحافظ في أميركا عن التغيير الثقافي الكبير في أميركا مؤخراً، مشيراً إلى أن أكبر تغيير ثقافي في التاريخ الأميركي الحديث خلال الـ25 عاماً الماضية هو «الفقدان الدراماتيكي للثقة في المؤسسات الأميركية»، ويفسر قائلاً: «لقد فقد الجمهور ثقته في كل من اليسار واليمين. هذه مشكلة بالنسبة لبلدنا. لكنها فرصة أيضاً لإحداث بعض التغييرات المهمة. وأعتقد أن كلاً من (حركة ماغا) من اليمين و(الحركة الاشتراكية) من اليسار تحاول التطرق إلى هذا الوضع من منظورها الخاص»، واعتبر فيليبس فوز ممداني ووجود ترمب في البيت الأبيض يعكسان «تغييراً جيلياً في الوجوه التقليدية»، مشيراً إلى أن فوز وجه كممداني يعطي دفعاً لوجوه شابة في الحزب الديمقراطي كالنائبة التقدمية ألكنسدريا أوكاسيو كورتيز للترشح للرئاسة أملاً بالفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في عام 2028 والتغلب على الشخصيات الأكثر رسوخاً في الحزب، مثل حاكم كاليفورنيا غافين نيوسم.

من ناحيته يشدد دايفس على ضرورة أن يستمر الحزب الديمقراطي في التركيز على الملفات الاقتصادية التي تهم الأميركيين منبهاً من العودة إلى منهج التركيز على القضايا الاجتماعية المثيرة للجدل، التي كلفت الحزب انتخابات العام الماضي. لكنه يحذر في الوقت نفسه من «انحراف الحزب كثيراً نحو اليسار»، مضيفاً: «أن الأجواء السائدة في فرجينيا ونيوجيرسي وحتى في جورجيا وميسيسيبي تظهر أن هناك فرصة للديمقراطيين، لكن لا ينبغي لهم أن يسمحوا لعلامتهم التجارية وصورتهم بأن تصبح متطرفة جداً نحو اليسار وتقدمية جداً بطريقة تجعلهم يفقدون الناخبين الذين صوتوا لهم في هذه الولايات».

اشتراكي في عاصمة الرأسمالية

بورصة نيويورك في 5 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وهنا يحذر فيليبس من سياسات ممداني الاشتراكية في عاصمة الرأسمالية نيويورك، فيقول: «إذا نفذ العمدة المنتخب وعوده بفرض ضرائب جديدة ضخمة وغيرها من وعود، فسوف تشهد نيويورك هروب رؤوس الأموال من القطاع المالي من مدينة نيويورك إلى ولايات حمراء كتكساس»، ويضيف: «إن مدينة دالاس لديها الآن عدد وظائف في القطاع المالي يساوي عدد وظائف مدينة نيويورك. وإن لم يتوخ الديمقراطيون الحذر، فقد تفقد نيويورك مكانتها عاصمة مالية للولايات المتحدة».

ويذكر ألبرت بأن ولاية تكساس ستفتتح بورصة للأوراق المالية مقابل وول ستريت وتسميها «يو إل ستريت» في خطوة تظهر بوضوح أمل ولاية تكساس في جذب بعض الشركات بعيداً عن الولايات التي تفرض ضرائب أعلى ونقلها من نيويورك إلى تكساس.


مقالات ذات صلة

ترمب: الطائرة البديلة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

الولايات المتحدة​ ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)

ترمب: الطائرة البديلة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأربعاء إن الطائرة التي استقلها بعد أن غادر سرا على متن رحلة جوية عسكرية من تركيا الشهر الماضي كانت «معرضة لخطر أكبر».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب عن أسئلة من الصحافيين حول إيران منتصف يوليو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

ترمب: خياراتنا إما تنهار إيران اقتصادياً وإما «ضربها بشدة»

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإيرانيين بأنهم «مفاوضون مخادعون للغاية»، ولوّح بالتريث وترك طهران تنهار اقتصادياً أو ضربها «بقوة شديدة جداً».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

رغم اختلاف دوافع انتقاد إسرائيل فإن غالبية الأصوات المشككة تدعو إلى الحدّ من نفوذ تل أبيب في أروقة القرار الأميركي.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يتحدث خلال إحاطة في البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن يوم 12 نوفمبر 2025 (رويترز)

تحقيق «ترمب وروسيا»... كيف تحوَّل إلى ورقة ضغط وتجاذب حزبي؟

المذكرات التي رفع البيت الأبيض السرية عنها تكشف عن أن «إف بي آي» تعامل مع احتمال خضوع الرئيس لتأثير موسكو.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الصحة روبرت كينيدي واقفاً خلف الرئيس دونالد ترمب قبيل التوقيع على القرار التنفيذي في المكتب البيضاوي يوم 10 أغسطس (أ.ف.ب)

دفاع دولي عن اللقاحات في مواجهة «المعيار الذهبي» لترمب

دافعت منظمة الصحة العالمية عن الأسس العلمية لجداول تطعيم الأطفال، غداة توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراراً تنفيذياً غايته تقليل عدد اللقاحات، وفصلها.

علي بردى (واشنطن)

ترمب: الطائرة البديلة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
TT

ترمب: الطائرة البديلة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأربعاء إنه استقل الشهر الماضي طائرة بديلة سرا في تركيا بناء على توجيهات من جهاز الخدمة السرية الأميركي، لكنه أضاف أن ​الطائرة التي سافر عليها في النهاية كانت أكثر عرضة للخطر من طائرة الرئاسة (إير فورس وان).

وذكرت وسائل إعلام أميركية أنه عقب قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، نقل ترمب من طائرة الرئاسة إلى طائرة عسكرية على متن شاحنة لنقل الطعام، في عملية تمويه غير معتادة نجمت عن تهديد إيراني باغتياله. ولم يكشف البيت الأبيض عن هذا التبديل، وظل الأمر سرا حتى نشرت صحيفة واشنطن ‌بوست تقريرا عنه ‌لأول مرة يوم الاثنين.

وتساءل بعض المعلقين ​في ‌وسائل ⁠الإعلام ​عما إذا ⁠كانت هذه العملية قد عرضت مساعدي ترمب والصحفيين المسافرين معه للخطر على متن الطائرة التي كان يفترض أنها تقل الرئيس. وقال ترمب للصحفيين أمس الثلاثاء «أعتقد في الواقع أن الطائرة التي استقللتها كانت معرضة لخطر أكبر... لأنها الطائرة التي أعتقد أنهم كانوا سيستهدفونها على الأرجح».

وبعد يوم من انتشار صور ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي تصور ترمب وهو ⁠يختبئ في شاحنة نقل الطعام، قال الرئيس الذي ‌يهتم بصورته العامة، والذي غالبا ما ‌يروج لصور معدلة على الإنترنت تظهره ​قائدا جريئا وشجاعا، إنه كان يتبع ‌توجيهات جهاز الخدمة السرية، الوكالة المسؤولة عن حماية الرئيس. وقال ترمب «الأمر متروك ‌لجهاز الخدمة السرية وحده. أنا أتبع فقط ما يرغبون في فعله.. إذا أنا أتبع توجيهات جهاز الخدمة السرية والجيش». وأضاف ترمب « أعتقد أنه كان هناك تهديد ما. لم أسأل كثيرا عن الأمر. فأنا أتلقى الكثير من التهديدات».

وقال ‌البيت الأبيض حينها إن الرئيس سيسافر على متن طائرة الرئاسة (إير فورس وان) من تركيا إلى ⁠بريطانيا. لكن ⁠بعد لحظات من صعود ترمب إلى الطائرة، غادرها سرا عبر شاحنة نقل الطعام وصعد على متن طائرة أخرى متجهة إلى بريطانيا، حسبما ذكرت واشنطن بوست يوم الاثنين، نقلا عن مصادر لم تسمها.

وخلال توجهه إلى أنقرة لحضور قمة حلف شمال الأطلسي، استقل ترمب طائرة الرئاسة المقدمة من قطر والتي تم إدخال تعديلات عليها، لكن جرى الإعلان بشكل مفاجئ أنه سيستقل طائرة رئاسية أقدم عند مغادرته البلاد، وهي خطوة أثارت تساؤلات حول مدى أمان الطائرة الجديدة.

وكانت الرحلة إلى قمة حلف شمال الأطلسي هي أول رحلة ​دولية للطائرة الجديدة، التي أثارت عمليات ​تحديثها السريعة تساؤلات حول تكلفتها وأمنها. وجاءت الرحلة في وقت تصاعدت فيه حدة الأعمال القتالية مع إيران، الواقعة على الحدود مع تركيا.


واشنطن ودول حليفة لها تطالب بإخطار مسبق قبل اختبارات الصواريخ البالستية

صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن ودول حليفة لها تطالب بإخطار مسبق قبل اختبارات الصواريخ البالستية

صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

حذّرت الولايات المتحدة ونحو 40 دولة أخرى، الثلاثاء، من مخاطر إجراء اختبارات للصواريخ البالستية من دون إخطار مسبق، وذلك في بيان مشترك صدر بعد شهر من إطلاق الصين صاروخا قادرا على حمل رؤوس نووية فوق المحيط الهادئ.

وجاء في البيان الذي وقّعته دول من أوروبا ومنطقة المحيطَين الهندي والهادئ، أن «إجراء اختبارات لصواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية من دون إخطار مسبق وتفاصيل واضحة، يُعدّ أمرا خطيرا ويقوّض السلم والأمن للدول القريبة من مسارات هذه الاختبارات».

وأضاف البيان أن هذه الممارسات «تنطوي على مخاطر سوء التقدير، وتقوّض الاستقرار والأمن العالميَّين، ولا تنسجم مع المسؤوليات المترتبة على امتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى».

ودعت الدول الموقّعة كل البلدان إلى تقديم إشعار قبل الإطلاق بما لا يقل عن 24 ساعة، يتضمّن نوع الصاروخ المزمع إطلاقه، والنافذة الزمنية للإطلاق، والمنطقة والاتجاه المتوقّعَين.

كما شدّد البيان على ضرورة إصدار إخطارات واضحة للطيران والملاحة البحرية وفق المعايير الدولية للحدّ من المخاطر، بما في ذلك في المناطق المتوقع سقوط الصاروخ أو حطامه فيها.

وكانت بكين أخطرت عددا محدودا من الدول قبل فترة وجيزة من اختبارها صاروخا بالستيا عابرا للقارات الشهر الماضي، في خطوة اعتُبرت استعراضا لقدراتها العسكرية في منطقة تسعى منذ سنوات إلى تعزيز نفوذها فيها.

وقال مراقبون إن الصاروخ سقط في منطقة بحرية تقع بين جزر سليمان وناورو وتوفالو في المحيط الهادئ.


إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

عندما يلتقي أقصى اليمين وأقصى اليسار على موقف واحد، يصعب تجاهل التحول الذي يعكسه هذا التقاطع. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في الولايات المتحدة، حيث تتسع دائرة الانتقادات لإسرائيل عموماً ولرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو خصوصاً، لتتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية، وتجمع أصواتاً متباعدة سياسياً قلّما تلتقي على قضية واحدة.

وفي الوقت الذي بدأت هذه المواقف تتردد منذ فترة في الأوساط السياسية الأميركية، إلا أن حوار الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، المعروف بمواقفه المنتقدة لتل أبيب، مع نجل الرئيس السابق جو بايدن، هنتر، سلّط الضوء عليها، إذ أجمع الرجلان اللذان قلما يتفقان على موقف، على انتقاد نتنياهو. فوصف هنتر رئيس الوزراء الإسرائيلي بـ«الشر المتجسد»، ودافع عن كارلسون الذي يواجه اتهامات بمعاداة السامية بسبب انتقاده لإسرائيل، مستغرباً من ربط الملفين ببعضهما بعضاً.

معاداة السامية

لكن هذا الربط ليس جديداً، فلطالما واجه منتقدو إسرائيل في الولايات المتحدة اتهامات بمعاداة السامية. ولا يقتصر الأمر على كارلسون، بل يتعداه ليصل إلى نائب الرئيس الأميركي نفسه جي دي فانس الذي يواجه هو كذلك اتهامات من هذا النوع، بعد أن انتقد إسرائيل علناً «بسبب عرقلتها الاتفاق مع إيران».

هنتر نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في البيت الأبيض 16 ديسمبر 2024 (أ.ب)

فقد أعرب فانس في موقف لافت عن انزعاجه من سماح «القيادات الأميركية بأن يؤثر النفوذ الإسرائيلي على أحكامها والمواقف التي يدافعون عنها»، واتّهم أعضاء في الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على الرأي العام الأميركي لإطالة أمد الحرب.

وتطرق فانس بشكل مباشر إلى الاتهامات بمعاداة السامية، فقال بشكل حاسم: «ليس صحيحاً أن كل انتقاد للقرارات السياسية التي يتخذها نتنياهو يقود إلى معاداة السامية، أو يُعدّ بحد ذاته معاداة للسامية».

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في البيت الأبيض 5 أغسطس 2026 (أ.ب)

ومن الواضح أن التطرق إلى ملفات من هذا النوع بدأ يغير من طبيعة الحوار في الولايات المتحدة بشأن إسرائيل. وقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الأمر أكثر من مرة، كان آخرها في مقابلة مع «ريل أميركا فويس» قال فيها إن تأثير اللوبي الإسرائيلي يتراجع في واشنطن، مشيراً إلى تغيير المشهد الأميركي حيال إسرائيل. ورغم وجود كثير من المحافظين الذين ينتقدون تل أبيب، فإن ترمب لم يتردد بتوجيه أصابع الاتهام إلى الحزب الديمقراطي. وهاجم زعيمهم في مجلس الشيوخ تشاك شومر، مشيراً إلى أنه توقف عن دعم إسرائيل «وأصبح فلسطينياً» على حد تعبيره.

تغيير في المشهد الحزبي

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس 4 أغسطس 2026 (رويترز)

لكن شومر من الديمقراطيين القلائل الذين حافظوا على تأييدهم لإسرائيل في أجواء مشحونة سياسياً، إذ إنه صوّت ضد مشروع قرار طرحه التقدمي برني ساندرز لتقييد مبيعات الأسلحة لإسرائيل رغم انضمام 40 ديمقراطياً للتصويت لصالح المشروع في سابقة في الكونغرس.

وتكرر المشهد في الجانب المقابل من المجلس التشريعي، حين صوّت أكثر من 100 ديمقراطي لصالح مشروع مشابه طرحه الجمهوري المعارض لترمب توماس ماسي، في مواقف أظهرت بوضوح تغييراً بارزاً في المعادلة السياسية الأميركية.

ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

ورغم تأييد شومر المستمر لإسرائيل، فإن الرجل الذي يبلغ من العمر 75 عاماً سيخوض الانتخابات في عام 2028 للدفاع عن مقعده، ومن المتوقع أن تنافسه على هذا المقعد النائبة التقدمية الشابة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز المعروفة بمواقفها المنتقدة لإسرائيل. ومما لا شك فيه أن الناخبين الشباب هم الذين حركوا هذا التغيير في المواقف، فهم من صوتوا لصالح وجوه تقدمية ديمقراطية تعارض إسرائيل علناً، مثل رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، والمرشح الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد.

بين إيران وإبستين

ومن اليسار إلى أقصى اليمين، تتصاعد أصوات المؤثرين والمحافظين المعارضين لسياسات إسرائيل.

وقد تبنى هذه المواقف منشقون عن ترمب من حركة «ماغا» مثل النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي جو كنت. ويعتمد هؤلاء في انتقادهم على مبدأ «أميركا أولاً»، وقد شرحوا تحفظاتهم بشكل واضح في نقاط 10 توصلوا إليها بعد اجتماع بتاكر كارلسون، تقول إحداها إن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة إلى خوض الحرب مع إيران من خلال «الرشوة أو التهديد أو كليهما»، مع وصف الخضوع لنفوذ جماعات الضغط الأجنبية بأنه شكل من أشكال من «العبودية».

ملفات جيفري إبستين تقسم الصف الجمهوري (أ.ب)

ومن اللافت أن إيران هي القاسم المشترك بين تصريحات فانس وكارلسون، بالإضافة إلى ملف آخر هو ملف إبستين. وهنا الرابط الآخر المثير للاهتمام، فأغلبية المنتقدين لإسرائيل من اليمين يُجمعون على موقف موحد تجاه ملفات إبستين، ويصرون على ضرورة الكشف عن تفاصيلها.

ويشمل هؤلاء تشارلي كيرك الذي تم اغتياله في حدث بجامعة يوتا العام الماضي، مروراً بمقدم البودكاست جو روغان، ومارجوري تايلور غرين، ووصولاً إلى كارلسون الذي ادّعى أن إبستين عمل لصالح الاستخبارات الإسرائيلية. ولم يتردد فانس في الترويج للطرح نفسه، وقال رداً على سؤال لجو روغان: «من الواضح إنه (إبستين) كانت لديه علاقات مع أعلى المستويات من الاستخبارات الإسرائيلية».

وهكذا لم يعد الجدل الأميركي بشأن إسرائيل محصوراً بين جمهوري وديمقراطي. فخطوط الانقسام تداخلت بين الحزبين. ورغم اختلاف دوافع الانتقاد وأسبابه، فإن الهدف واحد: إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ورسم حدود النفوذ الإسرائيلي في أروقة القرار الأميركي.