ضربات القوارب تزيد المخاوف من صِدام أميركي مع فنزويلا وكولومبيا

المكسيك تنضم إلى الانتقادات وسط تلويح ترمب باستهداف العصابات بريّاً

فيديو يظهِر أحد القوارب التي استهدفتها القوات الأميركية في المحيط الهادئ (رويترز)
فيديو يظهِر أحد القوارب التي استهدفتها القوات الأميركية في المحيط الهادئ (رويترز)
TT

ضربات القوارب تزيد المخاوف من صِدام أميركي مع فنزويلا وكولومبيا

فيديو يظهِر أحد القوارب التي استهدفتها القوات الأميركية في المحيط الهادئ (رويترز)
فيديو يظهِر أحد القوارب التي استهدفتها القوات الأميركية في المحيط الهادئ (رويترز)

غداة استهداف القوات الأميركية لأربعة قوارب ومقتل 14 شخصاً كانوا على متنها، تزايدت المخاوف من اتساع رقعة الحملة العسكرية التي تقودها إدارة الرئيس دونالد ترمب ضد العصابات المتهمة بنقل المخدرات عبر البحر الكاريبي والمحيط الهادئ إلى الولايات المتحدة، واحتمال أن تؤدي إلى صِدام عسكري مباشر مع فنزويلا أو حتى كولومبيا.

وتفاقم الوضع مع إعلان الرئيس ترمب قبل أيام أن العمليات العسكرية التي بدأت في مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي في جنوب البحر الكاريبي، ثم اتسعت إلى غارات في المحيط الهادئ، ستشمل قريباً استهداف عصابات المخدرات بعمليات برية على الأراضي الفنزويلية والكولومبية، في خطوة يمكن أن تواجه انتقادات أكثر حدة حتى من المشرعين الأميركيين، فضلاً عن التشكيك بمشروعيتها بموجب القوانين الدولية. وفي ظل عدم تقديم إدارة ترمب أي أدلة على أن القوارب المستهدفة كانت محملة بالمخدرات، ذهبت صحيفة «واشنطن بوست» إلى وصف «ما تقوم به الولايات المتحدة في أعالي البحار» بأنه «قرصنة».

وأدت الحملة المتواصلة منذ نحو شهرين والحشد العسكري الأميركي الضخم في المنطقة إلى فتح أبواب التكهنات بأن هذه التحركات تهدف إلى إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي اتهمته الولايات المتحدة بالإرهاب المرتبط بالمخدرات. واستأثرت هذه التطورات باهتمام بالغ في الأميركيتين على رغم إعصار «ميليسا» القاتل الذي يضرب كل جامايكا وكوبا، ورحلة الرئيس الأميركي للمشاركة في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (آسيان) في كوريا الجنوبية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الدفاع بيت هيغسيث خلال اجتماع في واشنطن (رويترز)

وجاء ذلك بعد يوم واحد من إعلان وزير الدفاع بيت هيغسيث، الثلاثاء، أن القوات الأميركية نفذت ضربات في شرق المحيط الهادئ ضد أربعة قوارب؛ ما أدى إلى مقتل 14 شخصاً، ونجاة راكب واحد في أعنف هجوم منذ بدء حملة ترمب ضد تهريب المخدرات. ونشر هيغسيث لقطات للضربات على وسائل التواصل الاجتماعي، وفيهما يمكن رؤية قاربين يتحركان عبر المياه في لقطات منفصلة. أحدهما محمل بكمية كبيرة من الطرود. ثم انفجر كلاهما فجأة وشوهدا مشتعلين. ويبدو أن الضربة الثالثة نُفذت ضد قاربين كانا ثابتين في المياه جنباً إلى جنب. ويبدو أنهما كانا فارغين. وشوهد شخصان يتحركان قبل أن يلتهم الانفجار القاربين. وقال هيغسيث إن «السفن الأربع كانت معروفة لجهاز استخباراتنا؛ إذ كانت تمر عبر طرق معروفة لتهريب المخدرات، وتحمل المخدرات».

المكسيك لا توافق

وأفاد بيان لمسؤول في وزارة الدفاع (البنتاغون) بأن الضربات نُفذت، الاثنين، قبالة سواحل كولومبيا، مضيفاً أنه بعد الهجوم، رصد الجيش شخصاً في المياه متشبثاً ببعض الحطام، ونقل الموقع الدقيق للشخص الناجي إلى خفر السواحل الأميركيين وطائرة عسكرية مكسيكية كانت تعمل في المنطقة.

وأعلنت البحرية المكسيكية أنها تبحث على بعد نحو 400 ميل (نحو 645 كيلومتراً) جنوب غربي مدينة أكابولكو المطلة على المحيط الهادئ؛ ما يشير إلى احتمال أن تكون الضربة وقعت بعيداً عن كولومبيا وأقرب إلى ساحل المكسيك. وقال هيغسيث إن سلطات البحث والإنقاذ المكسيكية «تحملت مسؤولية تنسيق عملية إنقاذ» الناجي الوحيد من الهجوم، لكنه لم يوضح ما إذا كان أُنقذ بنجاح أم سيبقى في عهدة المكسيك أم سيسلم إلى الولايات المتحدة؟

وأدى الهجوم إلى توتر العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. صرحت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم خلال مؤتمرها الصحافي اليومي بأنها طلبت من وزير الخارجية مقابلة السفير الأميركي في المكسيك لمناقشة هذه القضية؛ لأننا «لا نوافق على هذه الهجمات»، مضيفة: «نريد احترام كل المعاهدات الدولية».

صورة جوية للسفينة الحربية الأميركية «يو إس إس غرافلي» الراسية في ميناء بورت أوف سباين (أ.ف.ب)

كما أدت الهجمات إلى توتر العلاقات مع حلفاء تاريخيين آخرين، مثل كولومبيا، التي تُعدّ معلوماتها الاستخبارية بالغة الأهمية لعمليات مكافحة المخدرات الأميركية في المنطقة. وفي تصعيد للنزاع مع الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، وهو أول زعيم يساري في بلاده، الذي فرضت إدارة ترمب الجمعة الماضي عقوبات عليه وعلى عائلته وعضو آخر في حكومته؛ بسبب اتهامات بالتورط في تجارة المخدرات العالمية.

وفي هجوم آخر نُفذ سابقاً هذا الشهر، أنقذ الجيش الأميركي ناجيين وأعادهما إلى بلديهما كولومبيا والإكوادور. وأطلقت سلطات كيتو الرجل الإكوادوري بعدما أعلن المدعون العامون أنه لا يوجد دليل على ارتكابه جريمة في الإكوادور.

أسوأ من «القاعدة»

ولم تقدم إدارة ترمب أي دليل يدعم ادعاءاتها في شأن القوارب، أو صلتها بعصابات المخدرات، أو حتى هوية الأشخاص الذين قتلوا في الضربات الـ13 المعلنة حتى الآن، والتي أدت إلى مقتل 57 شخصاً على الأقل. وقالت إدارة ترمب إن كثيراً من الضربات نُفذ قبالة سواحل فنزويلا، أو ألقت باللوم فيها على عصابة «ترين دي أراغوا»، التي نشأت في سجن فنزويلي، وأعلنتها الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية. وفي إعلانه الضربات الأخيرة، واصل هيغسيث المقارنة بين إجراءات الجيش ضد تهريب المخدرات والحرب على الإرهاب في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، مضيفاً أن الكارتلات «قتلت أميركيين أكثر مما قتلت (القاعدة)، وستُعامل بالمثل».

وبعدما أعلن البنتاغون الأسبوع الماضي إرسال حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد» للانضمام إلى السفن الحربية الثماني وآلاف الجنود الموجودين بالفعل في المنطقة، قال مادورو إن الحكومة الأميركية «تختلق» حرباً ضده.

أعضاء من الميليشيا الوطنية البوليفارية يشاركون بمظاهرة في كاراكاس ضد التدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وترينيداد وتوباغو (أ.ف.ب)

وأصرّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، على أن الولايات المتحدة تشارك في عملية لمكافحة المخدرات، بينما اتهم حكومة مادورو بالسماح بشحن المخدرات والمشاركة فيه.

وزادت واشنطن في أغسطس (آب) الماضي مكافأتها إلى 50 مليون دولار، لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال مادورو.

كما أرسل الجيش الأميركي قاذفتين ثقيلتين أسرع من الصوت من طراز «بي 1 لانسر» حلقتا قبالة سواحل فنزويلا، إضافة إلى غواصة تعمل بالوقود النووي ونشر مقاتلات من طرازي «إف - 35» و«إف - 16» ومسيَّرات ثقيلة وآلاف الجنود في المنطقة.


مقالات ذات صلة

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أطلقت الخدمة السرية الأميركية النار على شخص بالقرب من البيت الأبيض، السبت، كما أصيب أحد المارة بالرصاص، وفق مسؤول في إنفاذ القانون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب: مسودة الاتفاق مع إيران تتضمن فتح مضيق هرمز

 قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب  اليوم السبت إنه جرى التفاوض على جزء كبير من مذكرة ‌تفاهم حول اتفاق ‌للسلام ​مع ‌إيران

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يرافق المشير عاصم منير في جولة بميدان مشق وسط طهران قبيل مغادرته إيران (الخارجية الإيرانية)

واشنطن تتحدث عن «فرصة اتفاق»... وطهران «قريبة وبعيدة»

بينما تحدّثت واشنطن عن «فرصة» للتوصُّل إلى اتفاق «قريباً»، شدّدت طهران على أن الخلافات لا تزال عميقة، وأن أي تسوية تحتاج إلى وقت طويل.

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مظلة تحت المطر خلال وصوله على متن طائرة «إير فورس وان» يوم 22 مايو 2026 في ماريلاند (أ.ب)

ترمب وإيران بين «ضربة حاسمة»... و«جولة استنزاف»

أعاد تغيير الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، برنامجه لعطلة نهاية الأسبوع، واجتماعه بفريقه للأمن القومي، وضع الملف الإيراني على حافة جديدة بين الدبلوماسية والحرب.

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري إيرانية تمر أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتين (رويترز)

تحليل إخباري واشنطن وطهران... ما تبقّى من معادلة الربح والخسارة

رغم تعرضها لضربات عسكرية واقتصادية، قد تنتهي إيران بامتلاك قدرة على احتجاز خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
TT

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)

توفي مسلح أطلق النار على عناصر من الخدمة السرية قرب البيت الأبيض، مساء السبت، بعد إصابته بالرصاص، وفق ما أفاد الجهاز في بيان نشرته وسائل إعلام أميركية.

وأشار جهاز الخدمة السرية في البيان إلى أن أحد المارة أصيب أيضاً بالرصاص خلال تبادل إطلاق النار، دون أن يقدم معلومات عن حالته.

الشرطة أغلقت الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض (ا.ب)

وأوضح جهاز الخدمة السرية، أنه بعدما فتح المسلح النار على عناصر أمنية عند نقطة تفتيش قرب البيت الأبيض، «رد عملاء الخدمة السرية بإطلاق النار، ما أسفر عن إصابة المشتبه به الذي نقل إلى مستشفى في المنطقة حيث توفي لاحقا».

وانتشرت الشرطة وقوات الأمن بكثافة في المنطقة المحيطة بالبيت الأبيض، إذ كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، موجوداً في البيت الأبيض في ذلك الوقت حيث كان يعمل على التفاوض بشأن اتفاق مع إيران.

ضباط من جهاز الخدمة السرية في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (إ.ب.أ)

وطوّقت الشرطة مداخل البيت الأبيض، وقال جهاز الخدمة ​السرية الأميركي إنه على علم بالتقارير التي ‌تفيد ‌بوقوع ​إطلاق ‌نار ⁠في واشنطن ​العاصمة، عند ⁠تقاطع شارع 17 وشارع بنسلفانيا شمال غرب بالقرب ⁠من البيت ‌الأبيض.


حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)

منحت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أوكرانيا هامشاً سياسياً وعسكرياً لم يكن محسوباً قبل أشهر قليلة. فكييف، التي بدت في خريف العام الماضي تحت ضغط ميداني ومالي ودبلوماسي متزايد، وجدت نفسها فجأة في موقع مختلف: ليست فقط دولة تحتاج إلى السلاح والتمويل، بل طرف يملك خبرةً قتاليةً باتت مطلوبةً في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبحسب تقارير صحافية غربية، فإنَّ اتساع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد تسليط الضوء على التجربة الأوكرانية، بعد 4 سنوات من التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأنماط الحرب الرخيصة والكثيفة التي صارت عنواناً لمعظم النزاعات الحديثة.

مبنى مُدمَّر تابع لكلية ستاروبيلسك في جامعة لوهانسك التي ضمتها روسيا عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية يوم الجمعة (رويترز)

أوكرانيا تكتشف أوراقها الجديدة

لم يكن التحوُّل رمزياً فقط، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أنَّ كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تقود إلى استثمارات وتصنيع مشترك. هذا المسار، كما تقول نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيَّر صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

ويرى مراقبون أنَّ هذا التحوُّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقةً تفاوضيةً لم تكن واضحةً حين قال له ترمب سابقاً إنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران جعلت ما راكمته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجيةً قابلةً للتصدير: اعتراض المسيّرات، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

ولذلك تبدو المفارقة لافتة: الحرب التي سحبت جزءاً من الاهتمام والذخائر الأميركية من أوكرانيا، فتحت في الوقت نفسه نافذةً جديدةً أمامها. فهي أظهرت، وفق تقديرات غربية، أنَّ جيوشاً أكثر ثراءً وأفضل تسليحاً قد تجد نفسها محتاجةً إلى خبرة دولة قاتلت تحت ضغط دائم، وبموارد محدودة، ضد خصم أكبر حجماً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال بالكرملين يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

المسيّرات تغيّر موقع كييف

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يومياً، أن تعوِّض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. ولم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع باتت تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تعدّ بعيدةً عن الحرب.

وتنقل الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا الكلام لا يعبِّر فقط عن تصعيد عسكري، بل عن تصور أوكراني جديد: رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حدٍّ يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

في المقابل، يحذِّر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. وتنقل الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكِّر بأنَّ الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيُّف، وأنَّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوُّق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تقدُّم روسي بطيء بثمن مرتفع

على الجبهة، تشير تقديرات غربية إلى أنَّ التقدُّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. ويقول محللون إنَّ تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوَّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشريةً، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفَّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدَّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

ويرى ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أنَّ بوتين، لو كان يتحرَّك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

طائرة مسيّرة أوكرانية مخصصة لاعتراض الطائرات الروسية من طراز «شاهد» وغيرها من الطائرات المسيّرة في شمال منطقة خاركيف يوم 20 مايو 2026 (إ.ب.أ)

مأزق الصورة ومحدودية التسوية

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوَّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادراً على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

وتنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أنَّ الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيُّراً في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عناصر تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

بقايا صاروخ روسي في أحد الحقول بمنطقة خاركيف الأوكرانية يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهِ معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهوناً بقدرة كييف على تحويل التفوُّق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.


أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
TT

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

صدرت أوامر بإجلاء عشرات آلاف الأشخاص من منازلهم في كاليفورنيا، الجمعة، بسبب تسرب من خزان مواد كيميائية قد يؤدي إلى انتشار أبخرة سامة فوق منطقة مكتظة ويثير خطر وقوع انفجار. وكان الخزان يحتوي على 26 ألف لتر من ميثيل ميثاكريلات، وهو سائل قابل للاشتعال يُستخدم في صناعة البلاستيك، وحذّر عناصر الإطفاء من أن الوضع قد يتدهور.

وقال قائد العمليات في موقع الحادث كريغ كوفي: «أمامنا فرضيتان إما أن يتلف الخزان ويتسرب ما بين 6 إلى 7 آلاف غالون من المواد الكيميائية السامة جداً إلى موقف سيارات في المنطقة، أو أن ينفجر الخزان ما سيؤثر على خزانات محيطة به تحتوي أيضاً على وقود أو مواد كيميائية». وأضاف: «ننظّم عمليات الإجلاء استعداداً للفرضيتين: إما أن يتلف أو ينفجر».

رجل يجري إجلاؤه من منشأة كيميائية شهدت تسرباً في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

يقع التسرّب في منطقة غاردن غروف في مقاطعة أورنج في جنوب شرق لوس أنجليس. وقال أمير الفرا، قائد شرطة المنطقة إن أمر الإخلاء يطال حوالى 40 ألف شخص، إلا أن الآلاف يرفضون المغادرة.

وأظهرت لقطات جوية نشرتها محطات تلفزة محلية رش الخزان بخراطيم من المياه، وأفاد كوفي في وقت لاحق الجمعة بأن جهود تبريد الخزان تحقق نجاحاً. وقال في مقطع فيديو: «انخفضت حرارته إلى نحو 61 درجة، في حين أن 50 هي درجة الحرارة المثالية له، وبالتالي تُحقق الجهود نجاحاً»، مضيفاً: «سيفعل فريقنا ما بوسعه لإيجاد سيناريو ثالث ورابع وخامس».

وقالت مسؤولة الصحة في مقاطعة أورانج، ريجينا تشينسيو كوونغ، إن إخلاء منطقة واسعة في محيط الخزان إجراء احترازي ضروري. وأضافت أنه «إذا انفجر ونتجت عنه أبخرة سيكون الجميع في أمان ما داموا خارج المنطقة التي أُمر بإخلائها»، وحضت أي شخص يلاحظ «رائحة فاكهية وثقيلة» على إبلاغ السلطات. وقالت: «مجرد شمّ الرائحة لا يعني أنكم وصلتم إلى مستوى يسبب أعراضاً، لكننا لا نريدكم أن تشمّوا تلك الرائحة لذا نحتاج أن نعرف إن كنتم تشمونها».

شرطة لوس أنجليس يقدمون التوجيهات خلال عملية الإجلاء (أ.ف.ب)

ولم تُسجَّل أي إصابات حتى مساء الجمعة ولم تظهر بعد أي مؤشرات عن سبب التسرب الذي أُبلغ عنه الخميس. وقال كوفي إن الفرق تستعد لاحتمال حدوث تسرّب كيميائي واصفاً ذلك بأنه «أفضل سيناريو ممكن» وأفضل بكثير من وقوع انفجار يؤدي إلى انتشار سحابة سامة. وتعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث مجاري مياه الأمطار والأنهار التي تصب في المحيط.

وقالت وكالة حماية البيئة الأميركية إن ميثيل ميثاكريلات مادة مهيِجة للجلد والعينين والأغشية المخاطية لدى البشر. وحذر منشور على موقع الوكالة من «آثار على التنفس لدى البشر بعد التعرض لاستنشاق حاد (على مدى قصير) أو مزمن (على مدى طويل)». كما أفادت الوكالة بأنه «تم الإبلاغ عن أعراض عصبية لدى البشر بعد تعرض لاستنشاق حاد».