أميركا تعتزم تخفيض وجودها العسكري في أوروبا

واشنطن تؤكد أن الخطوة ليست انسحاباً

جنود أميركيون يسيرون بجوار دبابات «أبرامز إم1» داخل «قاعدة ميخائيل كوغالنيسيانو» الجوية في رومانيا (أرشيفية - رويترز)
جنود أميركيون يسيرون بجوار دبابات «أبرامز إم1» داخل «قاعدة ميخائيل كوغالنيسيانو» الجوية في رومانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

أميركا تعتزم تخفيض وجودها العسكري في أوروبا

جنود أميركيون يسيرون بجوار دبابات «أبرامز إم1» داخل «قاعدة ميخائيل كوغالنيسيانو» الجوية في رومانيا (أرشيفية - رويترز)
جنود أميركيون يسيرون بجوار دبابات «أبرامز إم1» داخل «قاعدة ميخائيل كوغالنيسيانو» الجوية في رومانيا (أرشيفية - رويترز)

أبلغت واشنطن رومانيا وحلفاءها أنها ستخفض عدد القوات الأميركية المنتشرة في البلدان الشرقية لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وفق ما أعلنت وزارة الدفاع في رومانيا، الأربعاء، في خطوة سارع «الناتو» رسمياً إلى التقليل من أهميتها.

وأوضحت الوزارة في بيان أن القرار كان متوقعاً نظراً للتغيرات في أولويات واشنطن، وأن نحو ألف جندي أميركي سيظلون متمركزين في رومانيا. وأضافت في البيان أن ما بين ألف وألف ومائتي جندي أميركي جرى سحبهم قبل شهر في مناوبة لن يتم إرسال آخرين ليحلوا محلهم.

قوات من حلف شمال الأطلسي تشارك في مناورات «السهم الثابت 2025» التي ينظمها الحلف في ميدان التدريب سماردان بالقرب من غالاتي في رومانيا 19 فبراير 2025 (رويترز)

تطمين أميركي

وأكد الجيش الأميركي، المنتشر في أوروبا، الأربعاء، أن سحب فرقة أميركية من رومانيا لا يعني «انسحاباً» من القارة الأوروبية. وقال الجيش في بيان: «ليس الأمر انسحاباً أميركياً من أوروبا، ولا مؤشراً إلى التزامٍ أدنى حيال (حلف شمال الأطلسي - ناتو) و(البند الخامس)» من معاهدته التي تنص على وجوب أن يساعد كل من الأعضاء اﻟ32 في الحلف أي دولة عضو في حال تعرّضت لهجوم.

وانتقد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، «الناتو» مراراً، وشدد على وجوب تحمّل الحلفاء الأوروبيين مسؤولية أكبر في الدفاع عن بلدان الحلف، عبر زيادة الإنفاق العسكري، في وقت تواجه فيه أوكرانيا الغزو الروسي.

وجاء هذا الإعلان الأخير بخفض عدد القوات الأميركية بعدما أفادت تقارير في وقت سابق من هذا العام بأن واشنطن قد تسحب 10 آلاف جندي من شرق أوروبا، وهو أمر رأى محللون أن من شأنه تشجيع موسكو على إجراء تحرّكات عدائية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن وزير دفاع رومانيا، يونوت موستيانو، أكد بدوره أن القرار الأميركي ليس «انسحاباً».

جنود أميركيون في بولندا (أرشيفية - رويترز)

وأورد، خلال مؤتمر صحافي عقده بعد صدور بيان الوزارة: «لا نتحدث عن انسحاب للقوات الأميركية، بل عن وقف مناوبات فرقة كانت تنشر عناصر لها في كثير من دول (حلف شمال الأطلسي)، بما فيها بلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا والمجر».

وجاء في بيان وزارة الدفاع أن قرار «تغيير عدد القوات الأميركية» هو «ثمرة أولويات جديدة للإدارة الرئاسية الأميركية، أُعلنت في فبراير (شباط)» الماضي.

وأضاف أن ألف جندي أميركي سيبقون في رومانيا للمساعدة في «ردع أي تهديد وليشكّلوا ضماناً لالتزام الولايات المتحدة حيال الأمن الإقليمي».

وتفيد آخر أرقام حكومية بأن نحو 1700 جندي أميركي ينتشرون في رومانيا.

جنود أميركيون في جنوب بولندا (أرشيفية - رويترز)

«يضعف الأمن»

وأكد مسؤول في «الناتو» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أبلغت «الحلف» مسبقاً بالخطوة، وقلل من أهميتها.

وقال: «حتى مع هذا التعديل، فإن وجود القوات الأميركية في أوروبا يبقى أكبر مما كان عليه لسنوات كثيرة، مع وجود عدد أكبر بكثير من القوات الأميركية في القارة، مقارنة مع ما كانت عليه الحال قبل عام 2022»، مضيفاً أن التزام واشنطن حيال الحلف ما زال «واضحاً».

وشدد وزير دفاع رومانيا، يونوت موستيانو، على أن «القدرات الاستراتيجية لم تتبدل»، لافتاً إلى أن «منظومة الدفاع المضادة للصواريخ في (ديفيسيلو) لا تزال تعمل بشكل كامل».

وأضاف: «تبقى القاعدة الجوية في كامبيا تورزي موقعاً أساسياً بالنسبة إلى العمليات الجوية والتعاون بين الحلفاء، في موازاة استمرار تطوير (قاعدة ميخائيل كوغالنيسيانو). والعلم الأميركي سيظل مرفوعاً في المواقع الثلاثة».

وأشار موستيانو إلى أن «مجموعة قتالية جوية ستبقى في (قاعدة كوغالنيسيانو)، كما كان الأمر قبل اندلاع النزاع في أوكرانيا».

دبابة رومانية تطلق نيران مدفعها الرئيسي خلال مناورات ينظمها حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ميدان التدريب سماردان بالقرب من غالاتي 19 فبراير 2025 (رويترز)

ما زال وجود الناتو «هائلاً»

وأوضح وزير الدفاع الروماني أن علاقات بوخارست مع واشنطن لا تزال قوية وأن الوجود الدائم للحلف لا يزال «هائلاً»، إذ يبلغ نحو 3500 جندي من حلف شمال الأطلسي، بمن فيهم جنود أميركيون.

وأضاف أن رومانيا حصلت على نظام دفاع جوي متطور من واشنطن، من شأنه أن يعزز قدرة البلاد على حماية نفسها من الطائرات المسيّرة التي تخترق مجالها الجوي.

لكن المحلل لدى جامعة سانت آندروز في أسكوتلندا، فيليبس أوبراين، حذّر من أن القرار الأميركي «سيضعف أمن» رومانيا التي تُعدّ دولة «على الخطوط الأمامية».

وأضاف عبر منصة «إكس»: «أرجوكِ استيقظي أوروبا. الولايات المتحدة لن تدافع عنك في وجه روسيا».

وعلى الرغم من المخاوف في الجناح الشرقي للحلف بشأن احتمال تقليص الوجود الأميركي في المنطقة في وقت تواصل فيه روسيا حربها في أوكرانيا، قال ترمب في سبتمبر (أيلول) إن واشنطن يمكن أن تزيد من عدد قواتها في بولندا.

وقال وزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك كاميش والمستشار الرئاسي الليتواني ديفيداس ماتوليونيس إنهما لم يتلقيا أي معلومات بشأن احتمال تقليص القوات الأميركية في أراضيهما.


مقالات ذات صلة

ميرتس: أوروبا تريد بقاء «الناتو» ووقف حرب إيران

أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء ​السويدي أولف كريسترسون (أ.ف.ب)

ميرتس: أوروبا تريد بقاء «الناتو» ووقف حرب إيران

قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم (السبت)، إن أوروبا ترغب في ​الحفاظ على استمرارية عمل حلف شمال الأطلسي.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
العالم الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته (أ.ب) p-circle

«الناتو»: رسالة ترمب بشأن الدفاع وصلت إلى الأوروبيين

قال مارك روته، الأمين العام لـ«الناتو»، إن الدول الأوروبية «وصلت إليها رسالة» من ترمب، وتعمل الآن على ضمان تنفيذ الاتفاقيات المتعلقة باستخدام القواعد العسكرية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (رويترز) p-circle

ميرتس يقلل من شأن الخلاف مع ترمب بعد قراره سحب قوات من ألمانيا

قال المستشار الألماني إن عليه تقبل حقيقة أن الرئيس الأميركي لا يشاركه آراءه في سبيل العمل مع الولايات المتحدة تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (ناتو).

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض مطلع مارس الماضي (رويترز)

برلين تحاول تخفيف تداعيات سحب 5 آلاف جندي أميركي

تستخدم الولايات المتحدة القواعد الألمانية في عملياتها بالشرق الأوسط، والتي كانت قد استخدمتها خلال الحرب في أفغانستان والعراق، ومؤخراً في إيران.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين بأنقرة في ديسمبر عام 2024 (الرئاسة التركية)

تركيا: الاتحاد الأوروبي فاقد للرؤية ولا يرغب في عضويتنا

اتهمت تركيا الاتحاد الأوروبي بافتقاد الرؤية الاستراتيجية والإرادة السياسية لقبول عضويتها وسط سعي أوروبي للتخفيف من أزمة تسببت فيها تصريحات لرئيسة المفوضية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مقتل شخص صدمته طائرة أثناء إقلاعها في مطار أميركي

طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» في مطار دنفر (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» في مطار دنفر (رويترز)
TT

مقتل شخص صدمته طائرة أثناء إقلاعها في مطار أميركي

طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» في مطار دنفر (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» في مطار دنفر (رويترز)

صدمت طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» شخصاً وقتلته أثناء الإقلاع، بعد أن قفز فوق سياج وكان يتواجد على مدرج في مطار دنفر الدولي بولاية كولورادو الأميركية، حسبما ذكرت سلطات المطار.

وأدى التصادم إلى نشوب حريق في المحرك مما أجبر الركاب على إخلاء الطائرة، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

ووفقاً لمنشور على الحساب الرسمي للمطار على منصة «إكس»، فإن الطائرة التي كانت في طريقها من دنفر إلى مطار لوس أنجليس الدولي «أبلغت عن اصطدامها بأحد المشاة أثناء الإقلاع في مطار دنفر في تمام الساعة 19:11 من مساء يوم الجمعة».

وقال متحدث باسم المطار إن الشخص الذي قفز فوق سياج محيطي قد توفي، وذكروا أن الشخص المجهول الهوية صُدم بعد دقيقتين من دخوله المطار، ولا يُعتقد أن الشخص موظف في المطار.

وقالت شركة «فرونتير إيرلاينز»، في بيان، إن الرحلة رقم 4345 هي التي تورطت في التصادم وإنه «تم الإبلاغ عن دخان في الكابينة وألغى الطيارون الإقلاع». ولم يتضح بعد ما إذا كان الدخان على صلة بالتصادم.

وقالت شركة الطيران إن الطائرة كانت تحمل 224 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم. وتم إجلاء الركاب عبر المنزلقات وقام فريق الطوارئ بنقلهم بالحافلات إلى المطار.

وقال المتحدث باسم المطار إن 12 راكباً أصيبوا بجروح طفيفة ونُقل خمسة إلى المستشفيات.


أميركا: وفاة أحد المشاة بعد اصطدامه بطائرة أثناء إقلاعها من مطار دنفر

طائرات في مطار دنفر الدولي 6 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرات في مطار دنفر الدولي 6 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

أميركا: وفاة أحد المشاة بعد اصطدامه بطائرة أثناء إقلاعها من مطار دنفر

طائرات في مطار دنفر الدولي 6 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرات في مطار دنفر الدولي 6 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

قالت سلطات مطار دنفر الدولي إن طائرة تابعة لشركة «فرونتير إيرلاينز» صُدمت بأحد المشاة على مدرج المطار أثناء إقلاعها، مما أدى إلى نشوب حريق في المحرك وإجلاء الركاب.

وكتبت سلطات المطار في حسابها على موقع التواصل الاجتماعي «إكس»، إن الطائرة التي كانت في طريقها من دنفر إلى مطار لوس أنجليس الدولي «أبلغت عن اصطدامها بأحد المشاة خلال إقلاعها من مطار دنفر الدولي، حوالي الساعة 11 و19 دقيقة مساء أمس الجمعة».

وأبلغ الطيار برج المقابلة، طبقاَ لموقع «إيه تي سي دوت كوم»: «سنتوقف على المدرج... لقد صدمنا شخصاً ما للتو. لدينا حريق في المحرك».

وقال الطيار لمراقب الحركة الجوية إن «هناك 231 شخصاً على متن الطائرة وإن شخصاً ما كان يسير عبر المدرج».

مسافرون عند أكشاك تسجيل الوصول الذاتي بمكتب تذاكر الخطوط الجوية المتحدة داخل المطار الدولي في دنفر (أ.ب)

وتم إجلاء الركاب عبر المزالق، ونقلتهم فرق الطوارئ بالحافلات إلى مبنى الركاب. وصرح المتحدث باسم المطار بأن 12 راكباً أصيبوا بجروح طفيفة، ونُقل خمسة منهم إلى مستشفيات.

وقال متحدث باسم المطار إن الشخص، الذي قفز فوق السياج المحيط بالمطار، قد فارق الحياة. وأضاف أن الشخص، الذي لم تُكشف هويته، صُدم بعد دقيقتين من دخوله المطار. ويُعتقد أنه ليس من موظفي المطار.

وجاء الحادث بعد يوم من مقتل موظف في شركة «دلتا إيرلاينز» أثناء تأديته عمله في مطار أورلاندو الدولي. وفي بيان لها، قالت الشركة إن الموظف قُتل ليلة الخميس دون تقديم تفاصيل عن الحادث أو اسم الموظف.

وقالت الشركة: «نحن نركز على تقديم كامل دعمنا لعائلة الضحية ورعاية فريقنا في أورلاندو خلال هذه الفترة العصيبة. ونعمل مع السلطات المحلية في إطار تحقيق شامل جارٍ لتحديد ملابسات الحادث».

Your Premium trial has ended


حرب إيران تشعل الانقسامات الأميركية

متظاهر معارض لحرب إيران يقاطع جلسة استماع لوزير الحرب في «الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (رويترز)
متظاهر معارض لحرب إيران يقاطع جلسة استماع لوزير الحرب في «الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تشعل الانقسامات الأميركية

متظاهر معارض لحرب إيران يقاطع جلسة استماع لوزير الحرب في «الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (رويترز)
متظاهر معارض لحرب إيران يقاطع جلسة استماع لوزير الحرب في «الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (رويترز)

تحوّل الخلاف حول حرب إيران في واشنطن من الانتقاد إلى التخوين في الأيام الأخيرة، مُنذراً بتصعيد شرس في حدّة الخطاب السياسي في موسم انتخابي مصيري للحزبَين الديمقراطي والجمهوري. فعلى الرغم من تأكيد إدارة ترمب في رسالتها إلى «الكونغرس» أن الأعمال العدائية مع إيران انتهت، في محاولة لتجنّب المطلب الدستوري بالتصويت على تفويض الحرب بعد ستين يوماً من بدئها، فإن الديمقراطيين رفضوا هذه الرواية واتهموا الإدارة بالتضليل وانتهاك الدستور، متسائلين عن الأهداف التي حققتها الحرب.

يستعرض برنامج «تقرير واشنطن» -وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»- ما إذا كان «الكونغرس» سيتحرك لتقييد صلاحيات الرئيس مع انقضاء المهلة التشريعية، في معركة مفتوحة ترسم ملامح الانتخابات النصفية، وما إذا كانت الإدارة ستنجح في احتواء الانقسامات داخل الحزب الجمهوري.

معارضو الحرب «أكبر خصم» لأميركا

في أول جلسة علنية لمسؤول في إدارة ترمب أمام «الكونغرس» منذ بدء حرب إيران، اتهم وزير الحرب، بيت هيغسيث، الأسبوع الماضي معارضي الحرب بأنهم «أكبر خصم تواجهه أميركا»، في موقف أظهر حدة المواجهة وانتقال الملف من الانتقاد إلى التخوين.

وزير الحرب بيت هيغسيث في جلسة استماع أمام لجنة بمجلس الشيوخ... يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويقول المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي خلال عهد بوش الابن، مارك فايفل، إن هذه التصريحات تظهر كيف أن الحرب أدّت إلى توسيع الفجوة بين الجمهوريين والديمقراطيين أكثر مما كانت عليه في السابق، مشيراً إلى أن الوضع الحالي في واشنطن يتّسم بقدر كبير من الاستقطاب. ووصف هذه التجاذبات بالأمر الخطير جداً، لأنها تعمّق الانقسامات الحادة في البلاد. وعن سير حرب إيران، يشير فايفل إلى أن «معدل التأييد لها منخفض جداً. كما انخفضت نسبة تأييد ترمب بشكل كبير، لذا تحاول الإدارة جاهدة إيجاد طريقة للخروج من هذا المأزق، وكيفية التفاوض مع الإيرانيين للتوصل إلى اتفاق يُحقّق لهم مكاسب ويسمح بإعادة القوات إلى الوطن قبل انعقاد الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني)».

من ناحيته، يرى كبير الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية، ستيفن كوك، أن ترمب لا يزال يتمتع بنفوذ على الغالبية العظمى من الجمهوريين في «الكونغرس»، مشيراً إلى أن أي مشرّع يعارض ترمب علناً يخطط على الأرجح للتقاعد في نهاية ولايته. لكنه يحذر من استمرار الحرب وغلاء الأسعار في الموسم الانتخابي، قائلاً: «أمامنا انتخابات تمهيدية وانتخابات نصفية في نوفمبر، وأسعار البنزين آخذة في الارتفاع. وأعتقد أن الشعب الأميركي حساس بشكل خاص تجاه أسعار البنزين، وهذا له تأثير مباشر على شعبية الرئيس وحزبه. لقد بدأ الأمر يُؤذي الأميركيين حقاً. وأتوقع أن يواصل الجمهوريون دعم موقف الرئيس في هذا الشأن إلى أن تتقاطع مصالحهم السياسية مع الألم الذي بدأ الشعب الأميركي يشعر به».

تشهد أسعار البنزين ارتفاعاً كبيراً في الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

وتوافق إنجي وانغ -وهي خبيرة استراتيجية جمهورية في فلوريدا- على أن ارتفاع أسعار البنزين من شأنه أن يُؤذي حظوظ الجمهوريين بالفوز في الانتخابات النصفية، مشددة على ضرورة أن يُركّز الرئيس الأميركي على القضايا الداخلية في البلاد. وتضيف: «لقد أمضى النصف الأول من ولايته الثانية مركزاً بشكل كامل على القضايا الخارجية، وهو بحاجة ماسة الآن إلى العودة للشؤون الداخلية، لأن انتخابات التجديد النصفي ستُجرى بعد بضعة أشهر فقط».

وأشارت إنجي وانغ إلى نتائج انتخابات إنديانا التمهيدية، حيث حقق المرشحون المدعومون من ترمب فوزاً ساحقاً، عادّة إياه دليلاً على أن تأييد ترمب لا يزال مرتفعاً في صفوف الحزب الجمهوري. وتستدرك: «نحتاج إلى مواصلة هذه الجهود، لأن الديمقراطيين يلاحقوننا محاولين الفوز بكل ما يمكنهم الفوز به. وستكون هذه طبيعة المنافسة حتى نوفمبر. لكن هذه فترة قصيرة، وإذا ما كانت أسعار البنزين لا تزال مرتفعة للغاية بحلول سبتمبر (أيلول)، فسيكون الحزب الجمهوري في مأزق».

شعبية متدهورة

يلفت فايفل إلى أن ارتفاع الاستياء حول تداعيات حرب إيران يدفع ترمب إلى محاولة إنهاء الصراع بسرعة، «خصوصاً أنه لم يفسّر للشعب الأميركي أسباب تدخل البلاد في إيران بوضوح، مما انعكس في استطلاعات الرأي».

ترمب في البيت الأبيض يوم 7 مايو 2026 (رويترز)

وأشار إلى اتّساع حجم التحديات الداخلية لاستمرار الحرب ضمن قاعدة الحزب الجمهوري، خصوصاً في صفوف المؤثرين من الحزب ومقدمي البودكاست، وقال: «يؤثر ذلك على ترمب. إنه يحب أن يرى نفسه مصوراً بطريقة إيجابية في التغطيات الصحافية، وهو لم يرَ ذلك منذ فترة طويلة، باستثناء بعض الحالات. هذا ما يحاول استعادته».

وذكر فايفل أن نسبة تأييد الرئيس تبلغ حالياً 30 في المائة، وهي أدنى نسبة سجلها طوال فترة رئاسته، بما في ذلك ولايته الأولى. ويعدّ الطريقة الوحيدة لتحسين الوضع هي «فتح مضيق هرمز، ثم إيجاد مخرج يظهر أنه أنهى الأمر بالتوصل إلى صفقة أفضل من الاتفاق السابق الذي أبرمه حينذاك الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في عام 2015».

في المقابل، يستبعد كوك أن يتمكّن ترمب من التوصل إلى اتفاق أفضل من اتفاق عام 2015، مشيراً إلى رفض النظام الإيراني التنازل عن تخصيب اليورانيوم وتمسكه بتكنولوجيا صناعة الصواريخ، فضلاً عن اعتراضه على وقف تمويل وكلائه. وقال: «من المؤكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا مجموعة متنوعة من الانتصارات التكتيكية خلال القتال، لكن الصورة الاستراتيجية العامة لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة. ولا يبدو أن الرئيس سيحصل على صفقة أفضل من اتفاق أوباما. أخشى أن يؤدي يأس ترمب للخروج من الموقف الذي خلقه بنفسه إلى إبرام اتفاق يترك الولايات المتحدة في وضع أسوأ مما كانت عليه في 27 فبراير (شباط)».

«الكونغرس» والحرب

السيناتورة الديمقراطية كيرستن غيليبراند في جلسة استماع بـ«الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (أ.ب)

تعارض إنجي وانغ هذه المقاربة، وترى أن لدى ترمب أوراقاً رابحة للتفاوض، ورفض «أي اتفاق سيئ». وأشارت الخبيرة الاستراتيجية الجمهورية إلى نجاح الأغلبية الجمهورية بـ«الكونغرس» في إحباط مساعي الديمقراطيين لتقييد حركته في حرب إيران، لافتة إلى أن ذلك يُعطي الرئيس الوقت «ليفعل ما يلزم لإنهاء هذا الصراع في إيران مرة واحدة وإلى الأبد». في الوقت نفسه، تحدّثت إنجي وانغ عن التحديات التي تواجه الإدارة في التفاوض مع الفريق الإيراني، لافتة إلى أنه «من الصعب تحديد الجهة التي تتفاوض معها الولايات المتحدة. فهناك وزير خارجية يتظاهر بأنه المفاوض، لكننا لا نعرف حقاً ما إذا كان يتمتع بالسلطة الكاملة للتفاوض بالنيابة عن المرشد».

وقد سعى الديمقراطيون في «الكونغرس» إلى تقييد صلاحيات ترمب في الحرب أكثر من مرة، إلا أنهم اصطدموا برفض جمهوري 6 مرات في مجلس الشيوخ ومرتين في مجلس النواب. ويرى فايفل أن التحدي الحقيقي لإدارة ترمب في «الكونغرس» سيحصل عندما تسعى إلى إقرار ميزانية الدفاع التي طلبتها، والتي وصلت قيمتها إلى نحو 1.5 تريليون دولار. وأضاف: «لقد تم إنفاق الكثير على هذه الحرب، ولم نرَ التكلفة الحقيقية حتى الآن. فتكلفة كل صاروخ (توماهوك) هائلة، ونحن أطلقنا الكثير منها، ونحتاج إلى تجديدها. كما أن هناك مبالغ مرتبطة بإصلاح الأضرار التي أحدثتها الطائرات الإيرانية دون طيار والصواريخ الباليستية التي استهدفت منشآتنا العسكرية».

وبسبب التجاذبات الداخلية الأميركية، يقول كوك إن الإيرانيين يعتقدون أن لديهم متسعاً من الوقت، وإنهم سيتمكنون من الصمود حتى تنتهي ولايته. ويشير إلى أن المشكلة بين الحزبَين ليست حول ما إذا كانت إيران تشكل تهديداً أم لا، فهناك توافق كبير على ذلك، لكنها متعلقة بكيفية التعامل مع هذا التهديد. ويضيف: «فمن جهة، يتباهى الجمهوريون بالقوة، ويشيرون إلى أن ترمب يتعامل مع المشكلة بطريقة لم يفكر فيها أي رئيس من قبل. ومن جهة أخرى، يُركّز الديمقراطيون على القدرة على تحمّل التكاليف».

زيارة «مصيرية» إلى الصين

يرى أنصار ترمب ومنتقدوه أن زيارته إلى الصين الأسبوع المقبل قد تشكّل نقطة حاسمة في مسار حرب إيران.

ترمب والرئيس الصيني في لقاء ثنائي على هامش قمة «أبيك» في كوريا الجنوبية... 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وتُرجّح إنجي وانغ أن تلعب بكين دور الوسيط، قائلة: «سيكون من مصلحة الصين أن تتدخل، لأنها بحاجة إلى تجارة النفط مع إيران. وهي المستفيدة الأكبر من فتح مضيق هرمز».

وتعدّ وانغ التاريخ «الذي يجب أن يترقبه الجميع هو 14 مايو (أيار)، أي موعد لقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب»، مرجحة أن يشهد اللقاء مفاوضات «من نوع ما للتوصل إلى حل وسط» حسب تعبيرها. ويدعم فايفل هذا الطرح، ويقول إن ترمب يرغب في الذهاب إلى الصين وتحقيق نجاح من نوع ما، «إما من خلال إبرام اتفاق تجاري، وإما إصدار إعلان مهم».

وفي حين لا تمانع الصين في رؤية الولايات المتحدة «تعاني» مشكلة مضيق هرمز، على حد تعبيره، «فإنها بحاجة كذلك إلى سوق أميركية نشطة، حيث يشتري المستهلكون المنتجات التي تصنعها الصين. كما أن بكين تحتاج إلى النفط الإيراني على المدى الطويل».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended