الإدارة الأميركية تُسرّح 4100 موظف في 7 وكالات

تراجعت عن بعض الإقالات بعد احتجاجات داخلية

رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال مؤتمر صحافي في الكونغرس يوم 14 أكتوبر (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال مؤتمر صحافي في الكونغرس يوم 14 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

الإدارة الأميركية تُسرّح 4100 موظف في 7 وكالات

رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال مؤتمر صحافي في الكونغرس يوم 14 أكتوبر (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال مؤتمر صحافي في الكونغرس يوم 14 أكتوبر (إ.ب.أ)

في خطوة اعتُبرت الأشدّ منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، شرعت إدارته في تنفيذ خطة لتسريح آلاف الموظفين الفيدراليين، مستغلة استمرار الإغلاق الحكومي الذي دخل أسبوعه الثالث.

ووفق إخطار قدّمته الحكومة إلى المحكمة الفيدرالية مساء الاثنين، فإن أكثر من 4100 موظف في 7 وكالات رئيسية جرى فصلهم ضمن ما وصفه البيت الأبيض بأنه «إعادة هيكلة ضرورية للقطاع العام».

وقال راسل فوت، مدير مكتب الإدارة والميزانية، إن «عمليات التسريح بدأت، وهي جزء من خطة طويلة لإعادة بناء جهاز حكومي أكثر انضباطاً وفاعلية».

وتشمل الدفعة الأولى وزارات التجارة، والتعليم، والطاقة، والصحة، والخدمات الإنسانية، والإسكان، والتنمية الحضرية، والأمن الداخلي، والخزانة، إضافة إلى وكالة حماية البيئة التي شهدت تخفيضات محدودة.

أكبر عملية تقليص منذ عقود

تؤكد وثائق حكومية أن وزارة الخزانة تكبّدت أكبر نسبة من الإقالات، إذ فقدت نحو 1446 موظفاً، معظمهم في مصلحة الضرائب. تليها وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، التي خسرت أكثر من 1100 موظف، بينهم مئات من وكالة السيطرة على الأمراض والوقاية منها.

وشهدت الوكالة الأخيرة اضطراباً كبيراً، إذ صدرت إشعارات بفصل نحو 1300 موظف، لكن الإدارة تراجعت لاحقاً عن أكثر من نصفها بعد احتجاجات قوية من النقابات والمجتمع العلمي، ليبقى نحو 600 موظف مهددين بالفصل. وأشارت وكالة «رويترز» إلى أن بعض الإشعارات أُلغيت بسبب «أخطاء إدارية»، أو تصنيف غير دقيق للوظائف.

وشملت التسريحات أيضاً وحدات أساسية في وزارة التعليم، بينها مكاتب الحقوق المدنية والتعليم الخاص، وبرامج دعم الطلاب من ذوي الدخل المحدود، إلى جانب قسم «الإسكان العادل» في وزارة الإسكان والتنمية الحضرية. كما طالت موجة الإقالات وكالة الأمن السيبراني والبنية التحتية التابعة لوزارة الأمن الداخلي، حيث سُرّح نحو 176 موظفاً في إطار ما وصفته الإدارة بـ«إعادة توزيع الموارد»، بحسب موقع «أكسيوس».

«مشروع 2025» في قلب الاتهامات

يرى مراقبون في واشنطن أن اختيار الإدارات والبرامج التي شملتها القرارات لم يكن عشوائياً. فغالبية المكاتب المستهدفة ترتبط بسياسات اجتماعية وصحية وتعليمية يُنظر إليها داخل اليمين الجمهوري بوصفها «مخلفات من عهد الديمقراطيين».

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز يتحدّث خلال مؤتمر صحافي يوم 14 أكتوبر (أ.ب)

وقال ترمب للصحافيين في المكتب البيضاوي، إن عمليات التسريح «تُوجَّه نحو الأشخاص الذين يريدهم الديمقراطيون»، مضيفاً أن الإغلاق الحكومي «أتاح فرصة لتصحيح المسار داخل الدولة».

وتشير مصادر في الإدارة إلى أن هذه الخطوات تمثّل التطبيق العملي لأفكار راسل فوت، الذي أصبح يُعرف إعلامياً بمهندس «مشروع 2025»، الذي يهدف إلى بناء جهاز حكومي «أكثر ولاءً وتناغماً» مع توجهات البيت الأبيض، عبر تقليص نفوذ البيروقراطية الفيدرالية التي يصفها ترمب منذ سنوات بأنها «الدولة العميقة».

اعتراضات في الكونغرس

لم تمرّ الخطوة من دون ردود فعل غاضبة داخل الكونغرس. فقد حذّرت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، رئيسة لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ، من أن «تسريح الموظفين أثناء الإغلاق إجراء تعسفي يضرب في عمق أداء الحكومة»، مشيرة إلى أن بعض الوكالات المشمولة تقدم خدمات حيوية للمواطنين.

راسل فوت مدير مكتب الإدارة والميزانية خلال حفل تكريم تشارلي كيرك في البيت الأبيض يوم 14 أكتوبر (أ.ب)

من جانبها، عدت السيناتورة الديمقراطية باتي موراي، نائبة رئيس لجنة المخصصات، قرارات التسريح بأنها «قاسية وغير قانونية»، متهمة الإدارة بأنها «تستخدم الإغلاق ذريعة لتصفية حسابات سياسية».

في المقابل، أعلن الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة، وهو أكبر نقابة تمثل العمال الفيدراليين، أنه رفع دعوى قضائية عاجلة لوقف الإقالات، مؤكداً أن ما يجري «يخالف قانون مكافحة العجز المالي» الذي يمنع أي عمليات إنفاق أو إعادة هيكلة خلال فترات غياب التمويل. وقد أمر قاضٍ فيدرالي بولاية كاليفورنيا الحكومة بتقديم تفاصيل إضافية حول الأسس القانونية لقراراتها، في خطوة قد تمهّد لتجميد جزئي لبعض الإشعارات.

تداعيات اقتصادية وإدارية

يُحذّر مُحلّلون من أن توسيع دائرة التسريح سيترك آثاراً مباشرة على أداء مؤسسات رئيسية تُشرف على ملفات حساسة، مثل برامج الرعاية الصحية «ميديكير» و«ميديكيد»، والسياسات التعليمية، وإدارة الضرائب، والخدمات الإسكانية.

دخل الإغلاق الحكومي يومه الـ15 الأربعاء (رويترز)

وتقول تقارير إن مراكز السيطرة على الأمراض تواجه حالياً «انكماشاً وظيفياً» قد يؤثر على برامج المراقبة الوبائية والاستجابة السريعة في حالات الطوارئ. كما حذّر خبراء من أن فقدان موظفين ذوي خبرة في مصلحة الضرائب سيؤدي إلى تأخيرات واسعة في موسم الضرائب المقبل، وربما تراجع في مستوى التحصيل.

اقتصادياً، حذّرت مؤسسات بحثية مثل «إيفركور آي إس آي» من أن استخدام الإغلاق وسيلة ضغط سياسي «قد يؤدي إلى ارتباك إداري واسع وتكاليف قانونية مرتفعة»، فيما أكّد خبراء ماليون أن استمرار التعطيل يهدد ثقة الأسواق بقدرة الحكومة على إدارة التزاماتها التشغيلية.

أمّا البيت الأبيض، فيُصرّ على أن ما يجري «خطوة ضرورية لتحقيق الانضباط المالي وإنهاء التكرار الإداري»، مؤكداً أن الإغلاق «أتاح فرصة لتطهير المؤسسات من البيروقراطية الزائدة».

ويرى خبراء قانونيون أن مسؤولي الوكالات الذين نفذوا هذه الإشعارات قد يواجهون عقوبات بموجب قانون مكافحة العجز «إذا ثبت تجاوزهم حدود الصلاحيات القانونية أثناء الإغلاق». كما حثّ نواب ديمقراطيون في لجنة الرقابة بمجلس النواب، الموظفين الذين تم فصلهم «بشكل غير قانوني» على التواصل مع خط الإبلاغ عن المخالفات المخصص للعاملين الفيدراليين.

وبينما تترقب الأوساط القانونية نتائج الطعون المقدمة أمام المحاكم، يرى مراقبون أن الأزمة الراهنة تجاوزت بُعدها الإداري لتتحول إلى اختبار سياسي حول حدود السلطة التنفيذية في زمن الإغلاق. ويقول هؤلاء إن ما بدا كخطة لإعادة هيكلة مؤقتة، قد يتحول إلى تغيير هيكلي أعمق في مؤسسات الدولة الفيدرالية إذا نجحت إدارة ترمب في تثبيت هذه السياسات.


مقالات ذات صلة

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)

انقسام حزبي حول «آيس» يُعمّق أزمة المطارات الأميركية ويُعرقل التسوية

يعوّل الديمقراطيون على استمرار وحدة صفهم في مواجهة تصاعد الضغوط لإنهاء الإغلاق الجزئي، الذي بدأ منتصف الشهر الماضي بسبب اعتراضهم على ممارسات «آيس».

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طوابير طويلة داخل مطار أتلانتا بجورجيا في 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)

انفراجة في تمويل وزارة الأمن القومي الأميركية

بدأت بوادر الحلحلة تظهر في أزمة تمويل وزارة الأمن القومي، فبعد أن انعكست آثارها على المطارات الأميركية يبدو أن ترمب غيّر من موقفه الرافض للتسوية مع الديمقراطيين

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مسافرون ينتظرون في مطار أتلانتا في 23 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أزمة في المطارات الأميركية مع غياب التمويل

أدى الإغلاق الجزئي إلى طوابير طويلة في مطارات أميركا، بسبب غياب عدد من موظفي الأمن هناك، إثر تخلف الحكومة عن تسديد رواتبهم، بينما أعلن ترمب عن نشر عناصر «آيس».

رنا أبتر (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب لدى استقبال رفات عناصر القوات الأميركية الذين قضوا في حرب إيران يوم 7 مارس 2026 (رويترز)

تحليل إخباري استقالة جدلية وتباين استخباراتي يشعلان الجدل حول حرب إيران في واشنطن

تتفاقم حدّة الضغوط الداخلية التي تواجهها إدارة الرئيس دونالد ترمب، وسط تزايد احتمالات التصعيد الميداني مع إيران، ونشر قوات إضافية إلى المنطقة.

رنا أبتر (واشنطن)

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
TT

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن العمليات العسكرية الأميركية على إيران «تقترب من نهايتها».

وأضاف ترمب في مقابلة مع شبكة «إن بي سي نيوز»: «نبلي بلاءً حسناً... العمليات تقترب من نهايتها»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

دخلت المواجهة في الشرق الأوسط منعطفاً شديد الخطورة، حيث رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتيرة الضغوط العسكرية والسياسية على إيران إلى مستويات غير مسبوقة. وفي تحول ميداني بارز، اتسعت رقعة الحرب لتشمل ضربات أميركية-إسرائيلية منسقة طالت منشآت عسكرية حيوية في قلب العاصمة طهران ومدينة أصفهان، وسط مؤشرات على غياب أي تراجع قريب في حدة الهجمات.

سياسياً، تمسك ترمب بمطلب إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، موجهاً رسائل حازمة لحلفاء واشنطن بضرورة تحمل دور أكبر في هذه المعركة. وفي تصريح يعكس نهجه «الواقعي»، قال ترمب إن الدول المتضررة من ارتفاع أسعار الوقود يجب أن «تذهب وتجلب نفطها بنفسها»، منتقداً الحلفاء الذين لا يشاركون بفعالية في تأمين الممر الحيوي.


ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)

لاحظ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن فرنسا لم تكن متعاونة مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، منتقداً حظرها تحليق الطائرات الأميركية فوق أراضيها، من دون أن يتضح ما كان يقصده بالضبط، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «لم تسمح فرنسا للطائرات المتجهة إلى إسرائيل، والمحملة معدات عسكرية، بالتحليق فوق أراضيها. كانت فرنسا غير متعاونة إطلاقاً، بينما تتصل بالجزار الإيراني الذي تم القضاء عليه بنجاح».

وقال قصر الإليزيه للصحافيين، الثلاثاء، رداً على تصريحات ترمب، إن هذا القرار يتماشى مع الموقف الفرنسي منذ بداية الحرب، وأضاف: «لم تُغيِّر فرنسا موقفها منذ البداية. لقد فوجئنا بهذا المنشور» لترمب.

ولم تعلن باريس رسمياً أو علناً حظراً لتحليق الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب فوق أراضيها، على عكس إسبانيا.

وكانت إسبانيا التي أعلنت حكومتها اليسارية «معارضتها التامة» للهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت الاثنين إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب.


هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
TT

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

لم يعد السؤال في واشنطن حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق ضرر عسكري كبير بإيران، بل ما إذا كان هذا النجاح يكفي لتبرير وقف الحرب قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

فالإشارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض والتسريبات الصحافية توحيان بأن الرئيس دونالد ترمب بات أقرب إلى تضييق أهدافه العملية: ضرب البحرية الإيرانية، استنزاف مخزون الصواريخ، تقويض القاعدة الصناعية الدفاعية، ثم الانتقال إلى ضغط دبلوماسي يحمّل الآخرين عبء الملاحة والطاقة. غير أن هذه المقاربة لا تبدو مستقرة بعد؛ لأن ترمب نفسه يراوح بين لغة التهدئة ولغة التهديد، فيما تواصل طهران تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي صمد عسكرياً وانتزع ورقة ضغط اقتصادية عالمية من خلال هرمز. بهذا المعنى، دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد معركة إسقاط النظام بالضرورة، لكنها لم تصبح أيضاً تسوية قابلة للحياة.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

أهداف تتقلص

أبرز ما تكشف عنه التطورات الأخيرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد، في الخطاب الأميركي الأحدث، هدفاً عسكرياً فورياً بالمعنى نفسه الذي طُرح سابقاً. «وول ستريت جورنال» ذكرت أن ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً إلى حد كبير، على أن تُترك مهمة إعادة فتحه لاحقاً للدبلوماسية أو لتحالفات دولية أوسع. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل إقرار ضمني بأن انتزاع المضيق بالقوة قد يجر واشنطن إلى حرب أطول وأثقل مما يريده الرئيس، وخصوصاً إذا استلزم الأمر بقاء قوات برية أو السيطرة على عقد استراتيجية مثل جزيرة خرج أو فرض حماية دائمة للممر البحري.

Spain's Patriot system at Incirlik Air Base in southern Turkey (AFP)

لكن تضييق الأهداف لا يحل المعضلة، بل يعيد صياغتها. فإذا توقفت الحرب قبل فتح هرمز، تكون إيران قد خسرت كثيراً من قدراتها العسكرية، لكنها تكون أيضاً قد فرضت على العالم معادلة خطيرة: تستطيع قوة إقليمية متضررة أن تشل أحد أهم شرايين الطاقة ثم تنتزع مفاوضات من موقع التعطيل. لذلك يتركز كثير من النقد الأميركي حول الفجوة بين «النجاح العسكري» و«النتيجة الاستراتيجية». فالتوقف الآن قد يعني الاكتفاء بتقليص التهديد الإيراني من دون إزالة ورقة الابتزاز البحري، بينما يعني الاستمرار حتى فتح المضيق بالقوة احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة النهاية.

إيران تراهن على البقاء

في المقابل، تبدو طهران كأنها قرأت هذا التردد الأميركي بوصفه فرصة لاختبار السقف النهائي لترمب. رسالتها المعلنة لا تقتصر على رفض الخطة الأميركية، بل تذهب أبعد من ذلك: لا تفاوض فعلياً قبل وقف الضربات، ولا عودة طبيعية للممر البحري قبل انتزاع تنازلات تتعلق بالسيادة والضمانات وربما التعويضات. ومن هنا يمكن فهم تصريحات نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن أن «الأعداء» باتوا يطلبون التفاوض بشأن المضيق، في محاولة لتثبيت رواية داخلية وخارجية تقول إن إيران، رغم الضربات، لم تُهزم سياسياً، وإن هرمز جعل الآخرين بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليهم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ب)

هذا لا يعني أن إيران في وضع مريح. العكس هو الأرجح عسكرياً واقتصادياً. لكن حساباتها الحالية تبدو قائمة على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن مجرد استمرار قدرتها على تهديد الملاحة يمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل من موقع طرف مهزوم تماماً. كما أن سماحها الانتقائي لبعض السفن أو لبعض الدول الصديقة بالمرور لا يعني فتح المضيق فعلاً، بل إدارة الإغلاق بطريقة تخلق شبكة مصالح وضغوط متعارضة بين القوى الكبرى، والمستوردين الآسيويين، والحلفاء الخليجيين. إنها تحاول تحويل هرمز من ساحة عسكرية إلى سوق مساومات.

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

الميدان يضغط

على جبهة المفاوضات، لا تزال الصورة ضبابية. هناك حديث أميركي عن اتصالات و«محادثات» أكثر منه عن مفاوضات كاملة، مع تداول دور لباكستان في نقل مقترحات، وسعي أطراف إقليمية ودولية إلى بلورة إطار يسمح بوقف الحرب أو على الأقل تجميدها. لكن اللافت أن واشنطن نفسها تبدو منقسمة في توصيف ما تريد الوصول إليه: ترمب يلمّح أحياناً إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة «عقلانية»، ثم يعود إلى التهديد بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه؛ وزير خارجيته ماركو روبيو يتحدث عن أسابيع قليلة إضافية لاستكمال الأهداف العسكرية، ثم يربط ملف هرمز بخيارات إيران أو بتحالف دولي لاحق.

صورة لانفجارات قوية قيل إنها لقصف أميركي بقنابل خارقة لإحدى القواعد العسكرية الإيرانية في مدينة أصفهان (رويترز)

هذا التناقض ليس مجرد فوضى خطابية، بل يعكس مأزقاً حقيقياً: كيف يمكن الجمع بين الرغبة في نهاية سريعة للحرب والحاجة إلى نتيجة لا تبدو كأنها تترك لإيران قدرة مزمنة على تعطيل التجارة العالمية؟ ميدانياً، يزيد هذا المأزق استمرار الحشد العسكري الأميركي. فبينما يلوّح ترمب بإنهاء الحرب من دون حسم ملف المضيق فوراً، تستمر واشنطن في دفع أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ويستمر النقاش حول خيارات أكثر خطورة، من حماية الممرات بالقوة إلى السيطرة على عقد استراتيجية أو نشر مزيد من القوات البرية. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن خيار «الإنهاء السريع» لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مستقر، بل لا يزال أداة ضغط تفاوضي قد تنقلب سريعاً إذا واصلت إيران الرفض أو رفعت مستوى التهديد.

حلفاء مرتبكون

خارجياً، تكشف الأزمة عن حدود الحلفاء أكثر مما تكشف عن قوتهم. بريطانيا تحاول تسويق مشاركتها على أنها «دفاعية» لا «هجومية»، رغم أن قواعدها تستضيف قاذفات أميركية تنفذ ضربات مرتبطة مباشرة بمسرح الحرب. أما أوروبا فمأزقها مضاعف: فهي تحتاج إلى استقرار الطاقة وحرية الملاحة، لكنها تخشى الغرق في حرب جديدة لا تملك أدوات التحكم بها، بينما تضغط عليها في الداخل فاتورة النفط والغاز والتضخم والإنفاق الدفاعي. لذلك، فإن أي رهان أميركي على أن يتولى الأوروبيون أو تحالف واسع مهمة إعادة فتح هرمز لاحقاً يصطدم بحقيقة أن هذه الأطراف لا تريد حرباً ممتدة، ولا تملك دائماً هامشاً سياسياً أو عسكرياً لتحملها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على درج الطائرة الرئاسية قبيل عودته إلى واشنطن من منتجعه في فلوريدا (رويترز)

وهنا برز العرض الأوكراني؛ فقد طرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة بلاده في كسر الحصار البحري الروسي في البحر الأسود بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه في هرمز. سياسياً، يحمل العرض رسالة بأن كييف تريد أن تقدم نفسها شريكاً أمنياً لا مجرد طالب سلاح. أما عملياً، فإن التجربة الأوكرانية تتضمن عناصر جدية، مثل استخدام المسيّرات البحرية، والدفاع الساحلي المتكامل، والتعامل مع الألغام، وتأمين ترتيبات الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الخبرة إلى هرمز ليس أمراً آلياً؛ لأن الجغرافيا مختلفة، والخصم مختلف، وتشابك الحرب مع أسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير. لذلك قد تكون القيمة الفعلية للعرض الأوكراني تقنية وتكتيكية أكثر منها حلاً استراتيجياً كاملاً..

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز)

في المحصلة، يبدو ترمب أقرب اليوم إلى حسم من نوع خاص: ليس حسم الحرب، بل حسم أولوياته داخلها. فإذا اختار إنهاء الحملة قبل فتح هرمز، فيكون قد قرر أن تقليص الخطر الإيراني أهم حالياً من فرض نظام ملاحي جديد بالقوة. وإذا تراجع عن ذلك، فسيكون قد أقر بأن أي نهاية للحرب من دون كسر قبضة إيران على المضيق هي نهاية ناقصة وربما مكلفة سياسياً. وحتى الآن، لا يبدو أن إيران مستعدة لتسهيل هذا الاختيار، بل تراهن على أن عنادها ومرونتها الانتقائية في آن سيدفعان واشنطن إلى قبول تسوية أدنى من شعاراتها الأولى. لهذا، فإن الأيام المقبلة لن تختبر فقط قدرة ترمب على إنهاء الحرب، بل قدرته على تعريف ما يعدّه «انتصاراً» أصلاً.