تنافس جمهوري ديمقراطي على الجمهور الناطق بالإسبانية

وسط تكثيف الاستعدادات لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026

أطفال يلعبون خارج مكتب اقتراع في غوادالوبي بولاية أريزونا يوم 19 مارس 2024 (أ.ب)
أطفال يلعبون خارج مكتب اقتراع في غوادالوبي بولاية أريزونا يوم 19 مارس 2024 (أ.ب)
TT

تنافس جمهوري ديمقراطي على الجمهور الناطق بالإسبانية

أطفال يلعبون خارج مكتب اقتراع في غوادالوبي بولاية أريزونا يوم 19 مارس 2024 (أ.ب)
أطفال يلعبون خارج مكتب اقتراع في غوادالوبي بولاية أريزونا يوم 19 مارس 2024 (أ.ب)

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، يتسابق الحزبان «الجمهوري» و«الديمقراطي» على استقطاب الناخبين من أصول لاتينية الذين باتوا يشكّلون ركيزة لا غنى عنها لأي معادلة انتخابية. ويُقدَّر عدد الناخبين اللاتينيين المسجّلين في الولايات المتحدة اليوم بأكثر من 35 مليوناً، أي ما يعادل نحو 15 في المائة من إجمالي الجسم الانتخابي. غير أنّ المعركة هذه المرة لا تُدار فقط عبر البرامج والسياسات، بل من خلال المعركة على الهواء: صراع نفوذ في الإعلام الناطق بالإسبانية، بين الجمهوريين الذين يسعون إلى كسب ودّ شبكة «يونيفيجن»، والديمقراطيين الذين يتمسكون بـ«تيليموندو» على أنها درع انتخابيّة، ومصدر للمصداقية.

الإعلام ورقة استقطاب سياسي

في مشهد بدا مفارقاً للسياق المألوف، دافع الرئيس دونالد ترمب مؤخراً عن شبكة «يونيفيجن» الناطقة بالإسبانية في نزاعها مع عملاق التقنية الأميركي «غوغل»، بعد أن أزالت الأخيرة القناة من منصة «يوتيوب تي في» إثر خلاف حول رسوم البث. وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»: «إزالة (يونيفيجن) من (يوتيوب تي في) أمر سيّئ للغاية بالنسبة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي القادمة... (غوغل)، من باب الإنصاف، أرجوكم دعوا (يونيفيجن) تعود!».

هذا الموقف بدا لافتاً من رئيسٍ كان قد أعلن في أمر تنفيذي اللغة الإنجليزية لغة رسمية للبلاد، وسبق أن وصف «يونيفيجن» بأنها «آلة دعاية للحزب الديمقراطي». لكن تحوّله في التعامل معها يعكس تغيّراً في الاستراتيجية الانتخابية الجمهورية التي باتت تعتبر الإعلام الناطق باللغة الإسبانية قناة حيوية للوصول إلى ناخبين لطالما اعتُبروا أقرب إلى الديمقراطيين.

تقاطع مصالح

لم يتردد ترمب في خوض نزاعٍ بين شركتين خاصتين، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لتأكيد حضوره في ملف يمسّ الناخبين اللاتينيين مباشرة. كما أيّد عدد من المشرّعين الجمهوريين، مثل تيد كروز وبيرني مورينو وجون كورنين، موقف ترمب، داعين «غوغل» إلى «تصحيح الخطأ».

ومن المفارقات أن مواقف ترمب تلاقت مع مواقف عدد من النواب الديمقراطيين، بينهم النائب أدريانو إسبايات رئيس الكتلة اللاتينية في الكونغرس، والذي وجّه رسالة إلى «غوغل» و«يونيفيجن» و«تيليموندو»، محذّراً من أن «الانقطاع المفاجئ في بثّ الشبكة يُضعف حقّ ملايين العائلات في الحصول على المعلومات الموثوقة».

هكذا تحوّل الخلاف التجاري بين «غوغل» و«يونيفيجن» إلى قضية سياسية عابرة للأحزاب، بعد أن أصبحت الشبكة نفسها ساحة تنافس على كسب ثقة الناخب الإسباني.

من لغةٍ إلى أداة

يعكس تبنّي ترمب قضية «يونيفيجن» إدراك الجمهوريين أهمية الإعلام في إعادة صياغة الخطاب تجاه اللاتينيين. فبعد أن تراجع تأييد هذه الفئة لترمب من 46 في المائة في انتخابات 2024 إلى نحو 34 في المائة في استطلاعات منتصف 2025، يسعى الحزب إلى إصلاح صورته من خلال قنوات أكثر قرباً من الناخبين.

ويشير مراقبون إلى أن الجمهوريين لا يكتفون هذه المرة بخطاب الهوية المحافظة، بل يحاولون الاقتراب من قضايا معيشية تهمّ اللاتينيين، مثل الأمن والضرائب والتعليم، مستخدمين الإعلام الناطق بالإسبانية بوصف أنه جسر لاختراق الحواجز الثقافية واللغوية.

إلا أنّ مراقبين يحذّرون من أن هذه المقاربة محفوفة بالمخاطر؛ فحين يُستخدم الإعلام أداة استقطاب انتخابي، فإن مصداقيته تتهدد أمام جمهوره. كما أن ضغط ترمب على «غوغل» أثار انتقادات حول استغلال نفوذ سياسي في نزاع تجاري خاص.

المصداقية في زمن المنافسة

في الجهة المقابلة، يواصل الديمقراطيون تعزيز حضورهم عبر شبكة «تيليموندو» التي تُعدّ الذراع الإعلامية الأبرز للحزب بين الناطقين بالإسبانية. فبعد تهديد «غوغل» بإزالة القناة من «يوتيوب تي في»، تحركت قيادات ديمقراطية للضغط على الشركة من أجل إبقائها، معتبرة أن إغلاقها «سيُضعف الصوت الإعلامي الأكثر موثوقية لدى اللاتينيين».

وقال السيناتور الديمقراطي أليكس باديا في بيان إن «استقرار المحتوى الإسباني ليس قضية إعلامية فحسب، بل قضية تمثيل، وحقّ ديمقراطي. كل دقيقة تُقطع فيها هذه القنوات تُضعف ثقة الناخبين اللاتينيين بالنظام السياسي».

وبعد تراجع التأييد اللاتيني لـ«الحزب الديمقراطي» من 65 في المائة عام 2020 إلى نحو 55 في المائة حالياً، كثّف الحزب جهوده لاستعادة شعبيته بين هذه الفئة من الناخبين. وتشير بيانات مركز «بيو» إلى أن اللاتينيين الشباب –وهم الفئة الأسرع نمواً في الهيئة الناخبة– يميلون إلى المستقلين أكثر من التزامهم الحزبي، ما يدفع الديمقراطيين إلى التركيز على خطاب القضايا اليومية بدل الخطاب الرمزي.

وفي هذا الإطار، أطلقت اللجنة الوطنية لـ«الحزب الديمقراطي» حملة إعلامية جديدة تحت عنوان «صوتك مهم»، تتضمن مقاطع رقمية تُبث على «تيليموندو»، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتبرز قصصاً من المجتمع اللاتيني حول التعليم والريادة والتوظيف.

وتقول النائبة الديمقراطية سوزان رويز، منسقة الاتصالات في الكتلة اللاتينية: «لقد تعاملنا طويلاً مع اللاتينيين على أنهم كتلة متجانسة، وهذا خطأ. المكسيكي في تكساس يختلف عن البورتوريكي في نيويورك، أو الفنزويلي والكوبي في فلوريدا. لا بد من رسائل مخصّصة بلغتهم وخلفيتهم».

ويرى مراقبون أن «تيليموندو» تسعى إلى تبني خطاب وطني لا إثني، ما يمنحها مصداقية بين الأجيال الجديدة من اللاتينيين الذين لا يريدون أن يُختصروا في هويتهم.

في المقابل، يتهم الجمهوريون «تيليموندو» بمحاباة الديمقراطيين، خصوصاً في تغطية ملفات الهجرة والسياسة الخارجية. غير أن استطلاعات الرأي تظهر أن القناة ما زالت تحظى بأعلى مستويات الثقة بين الإعلاميين الناطقين بالإسبانية، متقدمة على «يونيفيجن» في الفئة العمرية بين 25 و40 عاماً.

غير أن المعركة الإعلامية على استقطاب الناخبين اللاتينيين تبدو أكثر تعقيداً من مجرد صراع على التغطية، أو الإعلان. إنها معركة على الرمزية والهوية في بلدٍ يزداد تنوعاً، حيث لا يمكن لأي حزب أن يفوز بالأغلبية دون حضور حقيقي في المجتمعات الناطقة بالإسبانية.

الإعلام الانتخابي بين الرهان والمخاطرة

لكن الرهان على الإعلام وحده محفوف بالمخاطر. إذ إن توظيف القنوات بوصف أنها أذرع انتخابية قد يؤدي إلى فقدان الثقة بالمحتوى نفسه، ويُحوّل وسائل التواصل إلى ساحة دعاية أكثر منها منصة نقاش. كما أن الناخب اللاتيني –بخلاف الصور النمطية– لم يعد يصوّت بوصفه كتلة، بل باعتبار أنهم أفراد تحكمهم قضايا محلية واقتصادية بالدرجة الأولى.

ويرى محللون أن الإعلام أصبح واجهة المعركة، لكنه ليس مضمونها. وفي ظل تحول الصراع على الإعلام الإسباني إلى اختبار مبكر لمدى قدرة الحزبين على التكيّف مع الواقع الجديد للناخب الأميركي، فإن من يكسب ثقة اللاتينيين في العمل والتعليم والإسكان سيكسب أصواتهم مهما كانت لغة البث. فالإسبانية لم تعد مجرّد لغة ثانية في الولايات المتحدة، بل باتت لغة سياسية تُرسم بها الخرائط الانتخابية، وتُحدَّد عبرها اتجاهات الرأي العام.


مقالات ذات صلة

تعويضات بـ1.8 مليار دولار لمناصري ترمب تثير غضباً حزبياً وجدلاً دستورياً

الولايات المتحدة​ اقتحم مثيرو الشغب الجبهة الغربية لمبنى الكابيتول الأميركي في 6 يناير 2021 في واشنطن (أ.ب)

تعويضات بـ1.8 مليار دولار لمناصري ترمب تثير غضباً حزبياً وجدلاً دستورياً

تعويضات ب 1.8 مليار دولار لمناصري ترمب تثيرغضباً حزبياً وجدلاً دستورياً وجيمي راسكين في اللجنة القضائية يصف الصفقة بـ«الفضيحة الأخلاقية»

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)

«خرائط الكونغرس» تتحول إلى سلاح انتخابي في أميركا

لم تعُد معركة إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة خلافاً تقنياً حول حدود جغرافية، بل تحوّلت إلى واحدة من أشرس ساحات الصراع الحزبي.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ النائب الجمهوري تود وارنر يرتدي علم الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تينيسي (أ.ب)

حرب ترسيم الدوائر تتسع في أميركا تمهيداً للانتخابات النصفية

وسّع الجمهوريون والديمقراطيون نطاق إعادة ترسيم الخرائط الانتخابية بولايات إضافية أملاً في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ خلال الانتخابات النصفية للكونغرس

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب محاطاً بأعضاء جمهوريين من الكونغرس في البيت الأبيض (رويترز)

ترمب يحكم قبضته على الحزب الجمهوري في إنديانا

أحكم الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبضته على الحزب الجمهوري في إنديانا، بعدما تمكّن أتباعه من الفوز بالمنافسات التمهيدية ضد معارضي إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المرشح الديمقراطي في فلوريدا أوليفر لاركين يناقش خريطة إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية للكونغرس التي وافق عليها الجمهوريون بالولاية (أ.ف.ب)

الجمهوريون يناورون لمنع سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس

يبذل الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، جهوداً مكثفة للحفاظ على الغالبية الجمهورية في كل من مجلسَيْ الشيوخ والنواب خلال الانتخابات النصفية للكونغرس...

علي بردى (واشنطن)

فشل مؤتمر أممي لمراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي في التوصل إلى اتفاق

مقر الأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
TT

فشل مؤتمر أممي لمراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي في التوصل إلى اتفاق

مقر الأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

انتهى مؤتمر للأمم المتحدة استمر أربعة أسابيع لمراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، الجمعة، دون التوصل إلى اتفاق وسط خلاف بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وأعلن سفير فيتنام لدى الأمم المتحدة دو هونج فييت، الذي ترأس المؤتمر، أنه لا يوجد إجماع بين الأطراف الـ191 الموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي حتى بشأن وثيقة نهائية مخففة.

وقال في مؤتمر صحافي في وقت لاحق إنه «لم يعرقل أحد الإجماع». لكنه قال إن «سببا مهما للغاية» للفشل في التوصل إلى نتيجة هو بند في المسودة النهائية ينص على أن إيران «لا يمكنها أبدا أن تسعى أو تطور أو تحصل على أي أسلحة نووية».

وهذا هو الفشل الثالث على التوالي في مؤتمر لمراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي، التي تعتبر حجر الزاوية في منع انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح على مستوى العالم. وفي المراجعة الأخيرة للمعاهدة في أغسطس (آب) 2022، عرقلت روسيا الاتفاق على وثيقة نهائية بشأن غزوها لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 والإشارات إلى احتلال موسكو لمحطة زابوريجيا للطاقة النووية، الأكبر في أوروبا.


روبيو يصل إلى الهند في زيارة هي الأولى له

 وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى كولكاتا في أولى محطاته الأربع في الهند (ا.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى كولكاتا في أولى محطاته الأربع في الهند (ا.ف.ب)
TT

روبيو يصل إلى الهند في زيارة هي الأولى له

 وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى كولكاتا في أولى محطاته الأربع في الهند (ا.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى كولكاتا في أولى محطاته الأربع في الهند (ا.ف.ب)

وصل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الهند في وقت مبكر صباح السبت، في زيارة هي الأولى له، يلتقي خلالها رئيس الوزراء ناريندرا مودي، بعد تحركات دبلوماسية قادتها واشنطن مع الصين.

ووصل روبيو إلى كولكاتا في أولى محطاته الأربع في الهند. وسيزور مواقع الأم تيريزا قبل أن يتوجه جوا إلى نيودلهي للقاء مودي في وقت لاحق من اليوم، وفقا لوزارة الخارجية.

وسيشارك روبيو خلال زيارته في احتفال رسمي في نيودلهي لمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة.

وفي نيودلهي، سيجتمع مع نظرائه في مجموعة «كواد» التي تضمّ إلى الولايات المتحدة كلا من الهند وأستراليا واليابان.


كوبا ترص الصفوف تحسّباً لتدخّل أميركي

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)
TT

كوبا ترص الصفوف تحسّباً لتدخّل أميركي

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مجدداً شبح التدخل العسكري في كوبا، غداة توجيه إدارته اتهامات جنائية ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، في تصعيد مطرد قابله زعماء الجزيرة برص صفوفهم.

وخلال مناسبة في المكتب البيضاوي، قال ترمب: «نظر رؤساء آخرون في هذا الأمر على مدى 50 أو 60 عاماً، وكانوا عازمين على القيام بشيء ما». وأضاف: «يبدو أنني سأكون من يقوم بذلك، وسأكون سعيداً بالقيام به».

وفي تصريح منفصل، أبلغ وزير الخارجية ماركو روبيو، الصحافيين، بأن كوبا تُشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي منذ سنوات، بسبب علاقاتها مع خصوم الولايات المتحدة، مضيفاً أن ترمب عازم على معالجة هذا الأمر. ومع ذلك، أكد أن الإدارة تُفضل اتفاقاً تفاوضياً.