تنافس جمهوري ديمقراطي على الجمهور الناطق بالإسبانية

وسط تكثيف الاستعدادات لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026

أطفال يلعبون خارج مكتب اقتراع في غوادالوبي بولاية أريزونا يوم 19 مارس 2024 (أ.ب)
أطفال يلعبون خارج مكتب اقتراع في غوادالوبي بولاية أريزونا يوم 19 مارس 2024 (أ.ب)
TT

تنافس جمهوري ديمقراطي على الجمهور الناطق بالإسبانية

أطفال يلعبون خارج مكتب اقتراع في غوادالوبي بولاية أريزونا يوم 19 مارس 2024 (أ.ب)
أطفال يلعبون خارج مكتب اقتراع في غوادالوبي بولاية أريزونا يوم 19 مارس 2024 (أ.ب)

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، يتسابق الحزبان «الجمهوري» و«الديمقراطي» على استقطاب الناخبين من أصول لاتينية الذين باتوا يشكّلون ركيزة لا غنى عنها لأي معادلة انتخابية. ويُقدَّر عدد الناخبين اللاتينيين المسجّلين في الولايات المتحدة اليوم بأكثر من 35 مليوناً، أي ما يعادل نحو 15 في المائة من إجمالي الجسم الانتخابي. غير أنّ المعركة هذه المرة لا تُدار فقط عبر البرامج والسياسات، بل من خلال المعركة على الهواء: صراع نفوذ في الإعلام الناطق بالإسبانية، بين الجمهوريين الذين يسعون إلى كسب ودّ شبكة «يونيفيجن»، والديمقراطيين الذين يتمسكون بـ«تيليموندو» على أنها درع انتخابيّة، ومصدر للمصداقية.

الإعلام ورقة استقطاب سياسي

في مشهد بدا مفارقاً للسياق المألوف، دافع الرئيس دونالد ترمب مؤخراً عن شبكة «يونيفيجن» الناطقة بالإسبانية في نزاعها مع عملاق التقنية الأميركي «غوغل»، بعد أن أزالت الأخيرة القناة من منصة «يوتيوب تي في» إثر خلاف حول رسوم البث. وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»: «إزالة (يونيفيجن) من (يوتيوب تي في) أمر سيّئ للغاية بالنسبة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي القادمة... (غوغل)، من باب الإنصاف، أرجوكم دعوا (يونيفيجن) تعود!».

هذا الموقف بدا لافتاً من رئيسٍ كان قد أعلن في أمر تنفيذي اللغة الإنجليزية لغة رسمية للبلاد، وسبق أن وصف «يونيفيجن» بأنها «آلة دعاية للحزب الديمقراطي». لكن تحوّله في التعامل معها يعكس تغيّراً في الاستراتيجية الانتخابية الجمهورية التي باتت تعتبر الإعلام الناطق باللغة الإسبانية قناة حيوية للوصول إلى ناخبين لطالما اعتُبروا أقرب إلى الديمقراطيين.

تقاطع مصالح

لم يتردد ترمب في خوض نزاعٍ بين شركتين خاصتين، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لتأكيد حضوره في ملف يمسّ الناخبين اللاتينيين مباشرة. كما أيّد عدد من المشرّعين الجمهوريين، مثل تيد كروز وبيرني مورينو وجون كورنين، موقف ترمب، داعين «غوغل» إلى «تصحيح الخطأ».

ومن المفارقات أن مواقف ترمب تلاقت مع مواقف عدد من النواب الديمقراطيين، بينهم النائب أدريانو إسبايات رئيس الكتلة اللاتينية في الكونغرس، والذي وجّه رسالة إلى «غوغل» و«يونيفيجن» و«تيليموندو»، محذّراً من أن «الانقطاع المفاجئ في بثّ الشبكة يُضعف حقّ ملايين العائلات في الحصول على المعلومات الموثوقة».

هكذا تحوّل الخلاف التجاري بين «غوغل» و«يونيفيجن» إلى قضية سياسية عابرة للأحزاب، بعد أن أصبحت الشبكة نفسها ساحة تنافس على كسب ثقة الناخب الإسباني.

من لغةٍ إلى أداة

يعكس تبنّي ترمب قضية «يونيفيجن» إدراك الجمهوريين أهمية الإعلام في إعادة صياغة الخطاب تجاه اللاتينيين. فبعد أن تراجع تأييد هذه الفئة لترمب من 46 في المائة في انتخابات 2024 إلى نحو 34 في المائة في استطلاعات منتصف 2025، يسعى الحزب إلى إصلاح صورته من خلال قنوات أكثر قرباً من الناخبين.

ويشير مراقبون إلى أن الجمهوريين لا يكتفون هذه المرة بخطاب الهوية المحافظة، بل يحاولون الاقتراب من قضايا معيشية تهمّ اللاتينيين، مثل الأمن والضرائب والتعليم، مستخدمين الإعلام الناطق بالإسبانية بوصف أنه جسر لاختراق الحواجز الثقافية واللغوية.

إلا أنّ مراقبين يحذّرون من أن هذه المقاربة محفوفة بالمخاطر؛ فحين يُستخدم الإعلام أداة استقطاب انتخابي، فإن مصداقيته تتهدد أمام جمهوره. كما أن ضغط ترمب على «غوغل» أثار انتقادات حول استغلال نفوذ سياسي في نزاع تجاري خاص.

المصداقية في زمن المنافسة

في الجهة المقابلة، يواصل الديمقراطيون تعزيز حضورهم عبر شبكة «تيليموندو» التي تُعدّ الذراع الإعلامية الأبرز للحزب بين الناطقين بالإسبانية. فبعد تهديد «غوغل» بإزالة القناة من «يوتيوب تي في»، تحركت قيادات ديمقراطية للضغط على الشركة من أجل إبقائها، معتبرة أن إغلاقها «سيُضعف الصوت الإعلامي الأكثر موثوقية لدى اللاتينيين».

وقال السيناتور الديمقراطي أليكس باديا في بيان إن «استقرار المحتوى الإسباني ليس قضية إعلامية فحسب، بل قضية تمثيل، وحقّ ديمقراطي. كل دقيقة تُقطع فيها هذه القنوات تُضعف ثقة الناخبين اللاتينيين بالنظام السياسي».

وبعد تراجع التأييد اللاتيني لـ«الحزب الديمقراطي» من 65 في المائة عام 2020 إلى نحو 55 في المائة حالياً، كثّف الحزب جهوده لاستعادة شعبيته بين هذه الفئة من الناخبين. وتشير بيانات مركز «بيو» إلى أن اللاتينيين الشباب –وهم الفئة الأسرع نمواً في الهيئة الناخبة– يميلون إلى المستقلين أكثر من التزامهم الحزبي، ما يدفع الديمقراطيين إلى التركيز على خطاب القضايا اليومية بدل الخطاب الرمزي.

وفي هذا الإطار، أطلقت اللجنة الوطنية لـ«الحزب الديمقراطي» حملة إعلامية جديدة تحت عنوان «صوتك مهم»، تتضمن مقاطع رقمية تُبث على «تيليموندو»، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتبرز قصصاً من المجتمع اللاتيني حول التعليم والريادة والتوظيف.

وتقول النائبة الديمقراطية سوزان رويز، منسقة الاتصالات في الكتلة اللاتينية: «لقد تعاملنا طويلاً مع اللاتينيين على أنهم كتلة متجانسة، وهذا خطأ. المكسيكي في تكساس يختلف عن البورتوريكي في نيويورك، أو الفنزويلي والكوبي في فلوريدا. لا بد من رسائل مخصّصة بلغتهم وخلفيتهم».

ويرى مراقبون أن «تيليموندو» تسعى إلى تبني خطاب وطني لا إثني، ما يمنحها مصداقية بين الأجيال الجديدة من اللاتينيين الذين لا يريدون أن يُختصروا في هويتهم.

في المقابل، يتهم الجمهوريون «تيليموندو» بمحاباة الديمقراطيين، خصوصاً في تغطية ملفات الهجرة والسياسة الخارجية. غير أن استطلاعات الرأي تظهر أن القناة ما زالت تحظى بأعلى مستويات الثقة بين الإعلاميين الناطقين بالإسبانية، متقدمة على «يونيفيجن» في الفئة العمرية بين 25 و40 عاماً.

غير أن المعركة الإعلامية على استقطاب الناخبين اللاتينيين تبدو أكثر تعقيداً من مجرد صراع على التغطية، أو الإعلان. إنها معركة على الرمزية والهوية في بلدٍ يزداد تنوعاً، حيث لا يمكن لأي حزب أن يفوز بالأغلبية دون حضور حقيقي في المجتمعات الناطقة بالإسبانية.

الإعلام الانتخابي بين الرهان والمخاطرة

لكن الرهان على الإعلام وحده محفوف بالمخاطر. إذ إن توظيف القنوات بوصف أنها أذرع انتخابية قد يؤدي إلى فقدان الثقة بالمحتوى نفسه، ويُحوّل وسائل التواصل إلى ساحة دعاية أكثر منها منصة نقاش. كما أن الناخب اللاتيني –بخلاف الصور النمطية– لم يعد يصوّت بوصفه كتلة، بل باعتبار أنهم أفراد تحكمهم قضايا محلية واقتصادية بالدرجة الأولى.

ويرى محللون أن الإعلام أصبح واجهة المعركة، لكنه ليس مضمونها. وفي ظل تحول الصراع على الإعلام الإسباني إلى اختبار مبكر لمدى قدرة الحزبين على التكيّف مع الواقع الجديد للناخب الأميركي، فإن من يكسب ثقة اللاتينيين في العمل والتعليم والإسكان سيكسب أصواتهم مهما كانت لغة البث. فالإسبانية لم تعد مجرّد لغة ثانية في الولايات المتحدة، بل باتت لغة سياسية تُرسم بها الخرائط الانتخابية، وتُحدَّد عبرها اتجاهات الرأي العام.


مقالات ذات صلة

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

الولايات المتحدة​ من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

بعد خسارتهم في فيرجينيا، سعى الجمهوريون إلى نقل معركة ترسيم الخرائط الانتخابية إلى فلوريدا، آملين إعادة التوازن مع خصومهم قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
خاص عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز) p-circle

خاص واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

صعّد الكونغرس الضغوط على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية؛ لأن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاشة هاتف أحد السكان المحليين وفيها تحديثات حول التصويت على إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في فيرجينيا (أ.ف.ب)

فيرجينيا تمنح الديمقراطيين أفضلية في حرب الدوائر الانتخابية

انتصر الديمقراطيون في استفتاء فيرجينيا على إعادة تقسيم دوائرها الانتخابية، مما يؤجج حرب ترسيم الدوائر مع الجمهوريين عبر الولايات قبل الانتخابات النصفية للكونغرس

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شخص يدلي بصوته ضمن استفتاء إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بولاية فرجينيا الأميركية داخل مركز «فيرفاكس» الحكومي في فرجينيا يوم 21 أبريل 2026 (أ.ب)

في خطوة لتعزيز مقاعد الديمقراطيين بالكونغرس... ناخبو فرجينيا يوافقون على إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية

وافق ناخبو ولاية فرجينيا الأميركية على خطة لإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، في خطوة قد تعزّز فرص الديمقراطيين في الفوز بـ4 مقاعد إضافية بمجلس النواب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ناخبون يسجلون أسماءهم لدى موظفي الاقتراع قبل الإدلاء بأصواتهم في مركز اقتراع في أرلينغتون - فيرجينيا (أ.ف.ب)

فيرجينيا أحدث ساحة للتلاعب بالخرائط الانتخابية الأميركية

أجرت فيرجينيا استفتاءً على إعادة ترسيم دوائرها الانتخابية سعياً من الديمقراطيين لتعزيز فرصهم لانتزاع الغالبية من الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
TT

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

عندما تفاوض الرئيس باراك أوباما على اتفاق نووي مع إيران قبل أكثر من عقد، كان مبعوثه الرئيسي هو وزير الخارجية جون كيري. وعلى مدى 20 شهراً من المحادثات، التقى كيري نظيره الإيراني فيما لا يقل عن 18 يوماً مختلفاً، وغالباً عدة مرات في اليوم الواحد.

وكانت الدبلوماسية النووية رفيعة المستوى تُعدّ دوراً طبيعياً لكبير الدبلوماسيين الأميركيين، فعادة ما يتولى وزراء الخارجية قيادة أبرز المهام الدبلوماسية للبلاد، من معاهدات الحدّ من التسلح إلى الاتفاقات الإسرائيلية - الفلسطينية.

لكن مع استعداد الرئيس دونالد ترمب لإرسال وفد إلى الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية - الإيرانية في باكستان هذا الأسبوع، سيبقى وزير خارجيته، ماركو روبيو، حيث يوجد غالباً: داخل الولايات المتّحدة. ولم يحضر روبيو الاجتماع الأميركي الأخير مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر. كما لم يشارك في عدة اجتماعات عُقدت خلال العام الماضي في جنيف والدوحة.

وغاب روبيو أيضاً عن وفود أميركية في الخارج تعمل على تسوية الحرب في أوكرانيا وحرب إسرائيل في قطاع غزة. وعلى الرغم من فترة طويلة من الأزمات والحروب في المنطقة، فإنه لم يزر الشرق الأوسط منذ توقف قصير في إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

منصب مزدوج

وفي الأشهر الأخيرة، لم يسافر روبيو كثيراً على الإطلاق؛ إذ استهلكه دوره الثاني بوصفه مستشاراً للأمن القومي لدى ترمب. وخلال إدارة جو بايدن، قام وزير الخارجية أنتوني بلينكن بـ11 رحلة خارجية بين يناير (كانون الثاني) 2024 وأواخر أبريل (نيسان) 2024، زار خلالها نحو ثلاث عشرة مدينة، وفق وزارة الخارجية. أما روبيو، فقد زار هذا العام ست مدن أجنبية، من بينها محطة في ميلانو لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.

وقد عهد ترمب بجزء كبير من دبلوماسيته إلى آخرين، بينهم صديقه ستيف ويتكوف، وهو شريك ثري من عالم العقارات في مانهاتن، وصهره جاريد كوشنر. وقد قاد ويتكوف وكوشنر الجهود الدبلوماسية مع إسرائيل وأوكرانيا وروسيا، وكذلك إيران، التي سيلتقي وفدها للمرة الثانية هذا الشهر في إسلام آباد، عاصمة باكستان.

ويعكس ابتعاد روبيو عن خطوط التماس الدبلوماسية دوره المزدوج في فريق الأمن القومي لترمب. فعلى مدى العام الماضي، شغل منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، حتى في أثناء قيادته وزارة الخارجية - وهو أول شخص يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في منتصف سبعينات القرن الماضي.

ويتولى وزير الخارجية إدارة وزارة الخارجية، والإشراف على الدبلوماسيين الأميركيين والسفارات حول العالم، إضافة إلى صُنّاع السياسات في واشنطن. أما مستشار الأمن القومي فيعمل من البيت الأبيض على تنسيق عمل الوزارات والوكالات، بما في ذلك وزارة الخارجية، لوضع توصيات سياسية للرئيس.

تعزيز العلاقة مع ترمب

ويعكس الجمع بين المنصبين نفوذ روبيو لدى ترمب، ويُوفّر له وسيلة للحفاظ عليه. فبالنسبة لروبيو، يعني قضاء وقت أقل في الخارج وقتاً أطول إلى جانب رئيس يميل إلى اتخاذ قرارات حاسمة في مجال الأمن القومي في أي لحظة.

وعندما التقى ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس مسؤولين إيرانيين في باكستان، في وقت سابق من هذا الشهر، كان روبيو إلى جانب ترمب في فعالية لـ«بطولة القتال النهائي»، بحسب ما أشارت إليه إيما أشفورد، المحللة في شؤون الدبلوماسية الأميركية لدى مركز «ستيمسون» في واشنطن. وقالت: «من الواضح أن روبيو يفضل البقاء قريباً من ترمب».

وكان روبيو قد تولى منصب مستشار الأمن القومي بصفة مؤقتة في مايو (أيار) الماضي، بعد أن أعاد ترمب تكليف شاغل المنصب السابق مايكل والتز. غير أن مسؤولين يقولون إنه يُتوقع أن يحتفظ بالمنصب إلى أجل غير مسمى. وأضافت أشفورد أن هذا الترتيب ليس سيئاً بالضرورة، مشيرة إلى أن رؤساء سابقين أوكلوا مهام دبلوماسية كبرى إلى أشخاص غير وزير الخارجية. فقد كلّف بايدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز بإدارة الدبلوماسية مع روسيا، ومفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، على سبيل المثال.

لكنها رددت شكاوى العديد من الدبلوماسيين الحاليين والسابقين بأن روبيو يبدو كمستشار أمن قومي يظهر أحياناً في وزارة الخارجية. وقالت: «أعتقد أن ذلك يضر بوزارة الخارجية ككل، وبقدرة الولايات المتحدة على إدارة الدبلوماسية بشكل عام؛ إذ إننا فعلياً لدينا منصب وزير الخارجية شاغراً».

من جانبه، رفض تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هذه الانتقادات، قائلاً: «أي شخص يحاول تصوير التنسيق الوثيق بين الوزير روبيو والبيت الأبيض والوكالات الأخرى على أنه أمر سلبي، فهو مخطئ تماماً». وأضاف: «لدينا الآن مجلس أمن قومي ووزارة خارجية يعملان بتناغم كامل، وهو هدف استعصى على إدارات سابقة لعقود».

توازن صعب

ويقسم روبيو وقته بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وغالباً ما يقضي وقتاً في كليهما في اليوم نفسه. وفي مقابلة مع «بوليتيكو» في يونيو (حزيران)، قال إنه يزور وزارة الخارجية «تقريباً كل يوم».

وفي أثناء وجوده هناك، يلتقي غالباً مسؤولين زائرين قبل أن يعود إلى البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، ترأس روبيو اجتماعاً في وزارة الخارجية بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين مهّد الطريق لوقف إطلاق النار في لبنان. وقال إن وظيفتيه «تتداخلان بالفعل في كثير من الحالات». وأضاف: «في كثير من الأحيان، تجد نفسك في الاجتماعات نفسها أو في الأماكن نفسها؛ الأمر ببساطة أن هناك شخصاً أقل في الغرفة، إذا فكرت في الأمر». وتابع: «كان كثير من الناس يأتون إلى واشنطن للاجتماعات ويرغبون في لقاء مستشار الأمن القومي ثم لقائي بصفتي وزير الخارجية. الآن يمكنهم القيام بالأمرين في اجتماع واحد».

وعند سؤاله عن جدول سفره خلال مؤتمر صحافي في ديسمبر (كانون الأول)، قال روبيو إن لديه أسباباً أقل للسفر إلى الخارج؛ لأن «الكثير من القادة يأتون إلى هنا باستمرار» لزيارة ترمب في البيت الأبيض. كما يرافق روبيو ترمب في رحلاته الخارجية بصفته مستشاراً للأمن القومي.

ويرى العديد من المخضرمين في شؤون الأمن القومي أن هذا الترتيب غير حكيم، مؤكدين أن كلا المنصبين شديد المتطلبات، ولا يتوافقان معاً.

تجربة كيسنجر

ولم يكن الأمر سهلاً حتى بالنسبة لكيسنجر، الذي كان قد رسّخ موقعه على مدى أكثر من أربع سنوات مستشاراً للأمن القومي قبل أن يقنع الرئيس ريتشارد نيكسون بالسماح له بتولي منصب إضافي كوزير للخارجية عام 1973. وعلى عكس نهج روبيو، كان كيسنجر دائم الحركة، بما في ذلك جولات دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط أبقته متنقلاً لمدة 33 يوماً متواصلة.

وقال ماثيو واكسمان، الذي شغل مناصب رفيعة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والبنتاغون خلال إدارة جورج دبليو بوش: «بشكل عام، يُعد الجمع بين هذين الدورين خطأ». وأضاف: «مع ذلك، ليس بالضرورة أمراً سيئاً أن يكون روبيو، الذي يجمع بين المنصبين، بعيداً نسبياً عن الواجهة حالياً». وتابع: «خاصة في وقت يتركز فيه كثير من الاهتمام على دبلوماسية دقيقة مع إيران، يحتاج شخص ما إلى إدارة السياسة الخارجية في بقية أنحاء العالم».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».


ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء اليوم (السبت)، للمرة الأولى عشاء مراسلي وسائل الإعلام المعتمدين في البيت الأبيض، ولكن خلافاً لما جرت عليه العادة، لن يشارك في اللقاء أيّ ممثل فكاهي يُدلي -وفقاً للتقليد المتبّع- بتعليقات ونكات عن الرئيس الأميركي، فيما يُتوقع أن يسود الحفل شيء من التشنج، نظراً إلى العلاقة المتوترة بينه وبين الصحافة، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستعاضت رابطة المراسلين في البيت الأبيض التي تنظّم هذا اللقاء السياسي-الإعلامي الكبير عن الحضور المعتاد لممثل فكاهي بدعوة «الساحر» المختص في قراءة الأفكار أوز بيرلمان.

ومنذ عودته إلى السلطة، دأب ترمب على مهاجمة الصحافة بلا هوادة، سواء في تصريحاته أو من خلال الدعاوى القضائية، في موازاة اتساع نفوذ حلفائه في المشهد الإعلامي، وهو ما يتجلى مثلاً في صفقة استحواذ «باراماونت سكايدانس» المملوكة لعائلة إليسون المقرّبة منه على «وارنر براذرز ديسكفري». وتملك هذه العائلة أيضاً قناة «سي بي إس».

وعمد البيت الأبيض، وكذلك وزارة الدفاع (البنتاغون)، إلى تقييد وحتى في بعض الحالات إلغاء تصاريح دخول وسائل إعلام عريقة، فيما تعاملت على نحو مختلف مع معلّقين مؤيدين لحركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» (ماغا).

وتثير الدعوة الموجهة إلى الرئيس الذي وصف الصحافيين بأنهم «أعداء الشعب» استياء لدى هيئات تحرير وسائل الإعلام في واشنطن، وتتداول الأوساط الإعلامية رسالة مفتوحة وقّعها مئات الصحافيين وعدد من الجمعيات.

«التعبير بقوة»

وتدعو الرسالة أعضاء رابطة المراسلين في البيت الأبيض التي تجنّبت إلى الآن المواجهة المفتوحة مع ترمب، إلى «التعبير بقوة في مواجهة الرجل الذي يحاول تقويض التقليد العريق لصحافة مستقلة».

ودرج ترمب خلال ولايته الرئاسية الأولى على مقاطعة هذا العشاء، خلافاً لجميع أسلافه منذ عشرينات القرن الفائت، الذين كانوا يحرصون على المشاركة فيه.

وكتب على شبكته «تروث سوشيال»، مبرراً هذه المقاطعة: «لقد كانت الصحافة قاسية جداً معي».

وأفادت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت بأن الخطاب الذي يلقيه الرئيس، البالغ 79 عاماً، خلال هذا العشاء سيكون «مسلّيا جداً».

وتوقع أستاذ التواصل في جامعة كنساس، روبرت رولاند، أن يثير ترمب أمام الصحافيين «مآخذه» على الإعلام. ورأى الأكاديمي أن قرار الرئيس الأميركي المشاركة يدل على أنه «يشعر بأنه لا يُمس».

وهذا العشاء الذي يحضره مئات الصحافيين ومديرو المؤسسات الإعلامية مع ضيوفهم من الأوساط السياسية والاقتصادية يُنظَّم كل عام في نهاية أبريل (نيسان)، ويُخصَّص ريعه لتمويل منح وجوائز.

دائرة مغلقة

ويشدد المدافعون عن هذا العشاء السنوي على كونه بمثابة احتفاء بحرية الصحافة. لكنّ هذه الأمسية تعرّضت أيضاً لانتقادات تمحورت على فكرة كونها تعبيراً عن ثقافة الدوائر المغلقة والتواطؤ.

وعلّقت مجلة «ذي أتلانتيك» بأن عشاء المراسلين «كان دائماً مزعجاً»، لكنه هذه السنة «محرج جداً». أما صحيفة «نيويورك تايمز» فقررت قبل سنوات تغطية الحدث من دون المشاركة فيه.

وكان أسلاف ترمب يُصغون بهدوء إلى خطاب لاذع يلقيه الممثل الفكاهي الضيف، ثم كان الرئيس نفسه يلقي كلمة زاخرة بالنكات يسخر فيها من نفسه.

أما ترمب الذي لا يتوانى عن إذلال خصومه، لكنه لا يحتمل أن يتعرّض هو نفسه للسخرية، فطالته خلال حضوره العشاء عام 2011 بصفته ضيفاً «لسعات» وجهها إليه الرئيس الأسبق باراك أوباما.

أوباما

فقد سخر أوباما بإسهاب يومها من رجل الأعمال العقاري الذي لم يكن تبوّأ بعد سدّة السلطة.

ونفى ترمب مراراً أن يكون قد قرر في تلك الليلة خوض سباق الوصول إلى البيت الأبيض بدافع الانتقام، كما يتردد في واشنطن.

واستخدم أوباما يومذاك كل ما أُوتي من قدرات خطابية، ليهزأ من نزعة ترمب إلى نشر نظريات المؤامرة، ومنها تلك التي تشكك في أصول وجنسية أول رئيس أسود للولايات المتحدة.

كذلك سخر الرئيس الديمقراطي في المناسبة نفسها من ولع مقدّم البرامج التلفزيونية السابق بالترويج لذاته وبالاستعراض.

وقال أوباما: «قولوا ما تشاءون عن السيد ترمب، لكنه سيأتي بالتغيير إلى البيت الأبيض»، عارضاً صورة للمقر الرئاسي الشهير، وقد تحول إلى فندق وكازينو مبهر يحمل علامة ترمب.

وخلال ولايته الثانية، غطى الرئيس الجمهوري البيت الأبيض بزخارف مذهّبة ورخامية، وعلّق فيه لوحات تحمل صورته، وأطلق مشروع بناء قاعة احتفالات ضخمة.


مقتل شخصين في ضربة أميركية على قارب في شرق المحيط الهاديء

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل شخصين في ضربة أميركية على قارب في شرق المحيط الهاديء

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

أعلن الجيش الأميركي، الجمعة، أنه قتل شخصين في ضربة استهدفت قاربا يشتبه بتهريبه المخدرات، ما يرفع عدد ضحايا حملة واشنطن ضد «إرهابيي المخدرات» في أميركا اللاتينية إلى 182 قتيلا على الأقل.

وقالت القيادة العسكرية الجنوبية الأميركية في بيان على منصة «إكس»، أنها نفذت «ضربة عسكرية قاتلة على سفينة تشغلها منظمات مصنفة إرهابية».

أضافت «أكدت المعلومات الاستخباراتية أن السفينة كانت تعبر طرق تهريب مخدرات معروفة في شرق المحيط الهادئ، وأنها كانت تشارك في عمليات تهريب مخدرات»، مكررة العبارات نفسها التي تستخدمها لوصف العشرات من هذه العمليات منذ بدء الحملة في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكان مسؤولون عسكريون أميركيون قد أعلنوا عن سبع ضربات مماثلة على الأقل في أبريل (نيسان*، ليصل إجمالي عدد القتلى في هذه العمليات إلى 182 على الأقل، وفقا لإحصاءات وكالة الصحافة الفرنسية.

ولم تقدم إدارة ترمب أي دليل قاطع على تورط القوارب التي تستهدفها في تهريب المخدرات، ما يثير الجدل حول شرعية هذه العمليات.

ويقول خبراء في القانون الدولي ومنظمات حقوقية، إن هذه الضربات ترقى على الأرجح إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء، إذ يبدو أنها تستهدف مدنيين لا يشكلون تهديدا مباشرا على الولايات المتحدة.