لماذا صنف ترمب حركة «أنتيفا» منظمة إرهابية؟

الإدراج يثير مخاوف بشأن حرية التعبير والتظاهر ويواجه عوائق قانونية

يحمل متظاهرون مضادون علم «العمل المناهض للفاشية» خارج وقفة احتجاجية يوم 18 سبتمبر 2025 للصلاة من أجل تشارلي كيرك الناشط والمعلق اليميني الأميركي وحليف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قُتل يوم 10 سبتمبر في بوسطن بماساتشوستس بالولايات المتحدة (رويترز)
يحمل متظاهرون مضادون علم «العمل المناهض للفاشية» خارج وقفة احتجاجية يوم 18 سبتمبر 2025 للصلاة من أجل تشارلي كيرك الناشط والمعلق اليميني الأميركي وحليف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قُتل يوم 10 سبتمبر في بوسطن بماساتشوستس بالولايات المتحدة (رويترز)
TT

لماذا صنف ترمب حركة «أنتيفا» منظمة إرهابية؟

يحمل متظاهرون مضادون علم «العمل المناهض للفاشية» خارج وقفة احتجاجية يوم 18 سبتمبر 2025 للصلاة من أجل تشارلي كيرك الناشط والمعلق اليميني الأميركي وحليف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قُتل يوم 10 سبتمبر في بوسطن بماساتشوستس بالولايات المتحدة (رويترز)
يحمل متظاهرون مضادون علم «العمل المناهض للفاشية» خارج وقفة احتجاجية يوم 18 سبتمبر 2025 للصلاة من أجل تشارلي كيرك الناشط والمعلق اليميني الأميركي وحليف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قُتل يوم 10 سبتمبر في بوسطن بماساتشوستس بالولايات المتحدة (رويترز)

أثار إقدام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على تصنيف حركة يسارية معروفة باسم حركة «أنتيفا» على «لائحة المنظمات الإرهابية»، كثيراً من التساؤلات بشأن أسباب تحميل هذه الحركة مسؤولية العنف السياسي في الولايات المتحدة، وتساؤلات عن كيفية تطبيق الأمر التنفيذي بتصنيف الحركة «منظمةً إرهابيةً» على الرغم من عدم وجود قانون أميركي يسمح بهذا التصنيف.

ترمب يصنف حركة «أنتيفا» منظمة إرهابية (متداولة)

وقبل مغادرته إلى مدينة نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقع الرئيس ترمب، يوم الاثنين، أمراً يصنف حركة «أنتيفا» منظمةً إرهابيةً، ملقياً بالمسؤولية على هذه الحركة الآيديولوجية - التي تتبني أفكاراً وفلسفة يسارية - في العنف السياسي عقب مقتل الناشط اليميني تشارلي كيرك.

ووفقاً للأمر التنفيذي، فقد أمر ترمب جميع الوكالات الحكومية بالتحقيق في أي عمليات تقوم بها حركة «أنتيفا» وأنصارها، والعمل على تعطيلها وتفكيكها. وهدد ترمب باتخاذ إجراءات تحقيقية وملاحقة قضائية ضد كل من يدعم هذه الحركة مالياً. وقد وصف ترمب الأسبوع الماضي هذه الحركة، خلال زيارته إلى المملكة المتحدة، بأنها «كارثة يسارية راديكالية مريضة وخطيرة».

وكشف هذا الأمر التنفيذي عن كراهية الرئيس ترمب الحركات اليسارية، التي حاربها خلال ولايته الأولى، وأشار البعض إلى محاولات ترمب تشتيت الانتباه عن الأسباب الحقيقية وراء تصاعد العنف السياسي والاستقطاب بإلقاء المسؤولية على اليسار وربط الحركات اليسارية بجرائم قتل، مثل قتل الناشط اليميني تشارلي كيرك رغم عدم وجود أي أدلة تشير إلى انتماء قاتل كيرك إلى هذه الحركة.

ما «حركة أنتيفا»؟

اسم الحركة هو اختصار لكلمة ألمانية تعني «مناهض الفاشية»، وهي حركة دون هيكل قيادي هرمي، وتضم مجموعات وأفراداً مستقلين، ونشاطها يتخطى الحدود الوطنية والإقليمية، وهي ليست منظمة واحدة، بل شاملة الجماعات المسلحة ذات الميول اليسارية التي تقاوم النازيين الجدد والمتعصبين البيض، وهي كذلك حركة لا مركزية تنظم مسيرات احتجاج، وتتبني آراء مناهضة للرأسمالية والاستبداد، ومعظم المشاركين فيها من الشيوعيين والاشتراكيين الذين يصفون انفسهم بالثوريين، ومن بينهم دعاة حماية البيئة، و«مجتمع الميم»، والمدافعون عن حقوق السكان الأصليين.

وتشجع أدبيات حركة «أنتيفا» أتباعها على ممارسة أنشطة احتجاجية قانونية، ومراقبة أنشطة الجماعات العنصرية البيضاء، وتطوير برامج تدريبية للدفاع عن النفس، وإطلاق تهم على أي شخص يتبني الفكر اليميني بأنه شخص صاحب توجه فاشي. وقد نمت هذه الحركة بعد انتخاب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة عام 2016، ووجدت الحركة دعماً أحياناً، وانتقاداً أخرى لتنفيذها أعمال عنف خلال الاحتجاجات والمسيرات.

وقد شارك كثير من المنتمين إلى حركة «أنتيفا» في مظاهرات واسعة خلال السنوات الماضية، بما في ذلك احتجاجات ضد العنصرية البيضاء في شارلوتسفيل وفي فرجينيا عام 2017، واشتبكوا مع جماعات اليمين المتطرف في بورتلاند بولاية أوريغون، وشارك أتباع الحركة في احتجاجات «حياة السود مهمة».

ويعتقد كثير من مؤيدي «أنتيفا» أن ترمب شخص ديماغوجي فاشي يهدد الديمقراطية الأميركية متعددة الأعراق، ويصف مؤيدو «أنتيفا» المنتمين إلى حركة «ماغا» اليمينية بالفاشيين.

عوائق وتحديات

ويعيد الأمر التنفيذي إلى الأذهان محاولات ترمب السابقة لتصنيف «أنتيفا» منظمة إرهابية خلال ولايته الأولى بعد انتشار الاحتجاجات ضد وحشية الشرطة ومقتل جورج فلويد؛ الرجل الأسود، على يد الشرطة في مينيابوليس خلال مايو (أيار) 2020 وتحول بعض الاحتجاجات إلى أعمال شغب. وفي ذلك الوقت، دفع ترمب بكل أجهزة إنفاد القانون لتحديد هوية النشطاء في حركة «أنتيفا» ورصد دورهم في الاحتجاجات ومحاولة إظهار وجود هيكل تنظيمي للحركة، لكن هذه الجهود باءت بالفشل. وأثار ذلك تساؤلات أخرى بشأن ما إذا كانت إدارة ترمب ستنجح هذه المرة في تحقيق نتيجة مختلفة.

ويشير الخبراء إلى عائقين أساسيين أمام هذا التصنيف، وتقول فايزة باتيل، مديرة «برنامج الحركة والأمن القومي» في «مركز برنان للعدالة»: «العائق الأول هو أن حركة (أنتيفا) معروفة بأنها حركة فكرية فضفاضة، وليس لها هيكل تنظيمي وإداري ومالي، والعائق الثاني هو الجانب القانوني، فلا يوجد قانون أميركي يعطي سلطة تصنيف حركة محلية مثل (أنتيفا) منظمةً إرهابيةً، والقانون يقتصر فقط على المنظمات الأجنبية».

وتضيف: «لا توجد طريقة قانونية لتصنيف منظمة محلية (إرهابيةً)، فالقانون الحالي ينص على تصنيف جماعات معينة (منظمات إرهابية أجنبية)، وهي عملية تقع على عاتق وزارة الخارجية الأميركية، وهذه الآلية هي التي على أساسها صُنّفت تنظيمات مثل (القاعدة) و(داعش) على لائحة المنظمات الإرهابية. وهذا التصنيف يتطلب شروطاً؛ منها أن يكون مقر المنظمة في الخارج، وأن تكون كياناً متهماً بممارسة أنشطة إرهابية، وأن تكون هناك أدلة دامغة على تورطها في أنشطة إرهابية، وأن تشكل هذه المنظمة تهديداً لمصالح الأمن القومي الأميركي... وبالتالي؛ فلا تنطبق هذه المعايير على حركة (أنتيفا)، ولا يوجد قانون لتصنيف حركات محلية (إرهابيةً)».

الخلط الخطابي والتمويل

وتشير باتيل إلى أن قرار ترمب التنفيذي «ركز على التمويل المالي، ونص على ملاحقة أي شخص يقدم الدعم المالي لهذه الحركة، وهو ما قد يعوق قدرات بقية المنظمات المحلية التي تعمل في مجال العدالة المجتمعية والعرقية والاجتماعية في الحصول على المال من الداعمين؛ بسبب هذا الخلط الخطابي الخاطئ بين (أنتيفا) و(الإرهاب)، وبالتالي؛ يمكن توقع أن إدارة ترمب سيكون بإمكانها استهداف أي شخص تعدّه مناهضاً يسارياً».

وقال جيسون بلازاكيس، الأستاذ في «معهد ميدلبري للدراسات الدولية» المدير السابق لمكتب مكافحة تمويل الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية، إن «إصدار ترمب أمراً تنفيذياً يصنف حركة (أنتيفا) جماعةً إرهابيةً قد يقود إلى رفع طعون قانونية على هذا القرار؛ لأنه لم يسبق على مدى التاريخ فرض عقوبات على أي جماعات فكرية محلية».

وأوضح توم برزوزوفسكي، المستشار السابق لشؤون الإرهاب الداخلي في وزارة العدل، الفارق بين تعامل القانون مع المنظمات الإرهابية الأجنبية والمنظمات المحلية، ويقول: «إذا أرسلت هدية بقيمة 20 دولاراً إلى منظمة مدرجة على قائمة وزارة الخارجية الأميركية على أنها (منظمة إرهابية أجنبية)، فقد أواجه عقوبة السجن 20 عاماً. أما إذا أرسلت الهدية نفسها إلى الجماعة المحلية (كو كلوكس كلان)، (وهي جماعة يمينية متطرفة من المسيحين البروتستانت نفذت أعمال عنف وأنشطة إرهابية ضد السود) فلن أتعرض لأي عقوبة جنائية على الإطلاق».

ويشير برزوزوفسكي إلى أن ترمب قد يطلب من الكونغرس إقرار تشريع يسمح لوزارتي الخارجية والخزانة بتصنيف منظمات محلية «منظماتٍ إرهابيةً»، «لكن مثل هذه الخطوة قد تواجه تحديدات قانونية ودستورية، فمن المؤكد أنها ستثير اعتراضات بوصفها تنتهك بنود الدستور الذي يحمي حرية التجمع والتعبير، كما أن (التعديل الثاني للدستور الأميركي) يحمي حرية حمل السلاح، وكل هذه العوامل تفسر القلق العميق لدى المسؤولين الحكوميين من تصنيف الجماعات المحلية (منظماتٍ إرهابيةً). وحتى إذا فشل التصنيف نتيجة هذه العوائق، فسيثير كثيراً من التداعيات واسعة النطاق».


مقالات ذات صلة

المسلّحون يحاصرون باماكو... ولا عودة إلى الديار هذا العيد

أفريقيا جنود خلال دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو 27 أبريل 2026 (رويترز)

المسلّحون يحاصرون باماكو... ولا عودة إلى الديار هذا العيد

في ظلّ الحصار الذي يفرضه المسلّحون على العاصمة المالية باماكو، يبدو المسلمون مضطرين إلى قضاء عيد الأضحى، المعروف محليّاً باسم تاباسكي، بعيداً من عائلاتهم، هذا…

«الشرق الأوسط» (باماكو)
شمال افريقيا وزير خارجية المغرب خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو في الرباط (إ.ب.أ)

المغرب وفرنسا يتفقان على تعزيز مكافحة «تمويل الإرهاب»

أعلنت فرنسا والمغرب توقيع اتفاق «لتعزيز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، وذلك على هامش مؤتمر احتضنته في باريس...

«الشرق الأوسط» (باريس)
أفريقيا جنود من قوات الأمن الرواندية بالقرب من موقع «إنيرجي» للغاز الطبيعي بموزمبيق في 22 سبتمبر 2021 (رويترز)

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش»

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش» والتنظيم يهدد أكبر مشروع استثماري للغاز في أفريقيا بـ20 مليار دولار.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

الجيش المالي يعلن تحييد «عدة» إرهابيين قرب منجم للذهب

الجيش المالي يعلن تحييد «عدة» إرهابيين قرب منجم للذهب و«جبهة تحرير أزواد» تتهمه باستخدام قنابل محرمة

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

عمليات الخطف تحاصر مؤسسات التعليم في شمال نيجيريا

عمليات الخطف تحاصر مؤسسات التعليم في شمال نيجيريا والرئيس تينوبو يطرح فكرة شرطة «لا مركزية»… والمعارضة تتهمه بالفشل والضعف.

الشيخ محمد (نواكشوط)

استقالة مديرة الاستخبارات الأميركية من إدارة ترمب

جانب من جلسة استماع أدلت فيها غابارد بإفادتها أمام مجلس الشيوخ 25 مارس (أ.ف.ب)
جانب من جلسة استماع أدلت فيها غابارد بإفادتها أمام مجلس الشيوخ 25 مارس (أ.ف.ب)
TT

استقالة مديرة الاستخبارات الأميركية من إدارة ترمب

جانب من جلسة استماع أدلت فيها غابارد بإفادتها أمام مجلس الشيوخ 25 مارس (أ.ف.ب)
جانب من جلسة استماع أدلت فيها غابارد بإفادتها أمام مجلس الشيوخ 25 مارس (أ.ف.ب)

استقالت تولسي غابارد من منصبها مديرةً للاستخبارات الوطنية في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، معلنةً أنها مضطرة إلى التنحّي بسبب إصابة زوجها بالسرطان، لتصبح رابع مسؤول على مستوى الوزراء يغادر الإدارة خلال ولاية ترمب الثانية.

وأشاد الرئيس الأميركي بغابارد، وقال في منشور على منصة «إكس» إنها قامت بـ«عمل رائع». بدورها، كتبت غابارد في رسالة استقالتها: «للأسف، أجد نفسي مضطرة إلى تقديم استقالتي، ابتداءً من 30 يونيو (حزيران) 2026». وأضافت: «شُخّص زوجي أبراهام أخيراً بنوع نادر للغاية من سرطان العظام».

مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض 23 يوليو 2025 (أ.ب)

وكانت قد ترددت تكهنات بشأن احتمال خلاف غابارد مع ترمب بعد قرار الرئيس توجيه ضربات إلى إيران؛ ما أثار انقسامات داخل إدارته، كما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس». وكان جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، قد أعلن استقالته في مارس (آذار)، قائلاً إنه «لا يستطيع، بضمير مرتاح، دعم الحرب».

خلاف حول حرب إيران

برز اسم غابارد، وهي محاربة قديمة وعضو ديمقراطية سابقة في مجلس النواب عن ولاية هاواي، من خلال معارضتها للحروب الخارجية الأميركية؛ ما وضعها في موقف حرج عندما انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في شنّ هجمات على إيران في 28 فبراير (شباط).

وخلال جلسة استماع في الكونغرس في مارس، لفتت تصريحاتها الحذرة الانتباه بسبب امتناعها عن تأييد قرار ترمب ضرب إيران بشكل واضح. كما تهرّبت مراراً من الإجابة عن أسئلة تتعلق بما إذا كان البيت الأبيض قد تلقى تحذيرات بشأن التداعيات المحتملة للنزاع، بما في ذلك الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من جانب إيران.

وقالت غابارد، في ملاحظات مكتوبة قُدمت إلى لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، إن الأجهزة الاستخباراتية لم تُسجّل أي محاولة من إيران لإعادة بناء قدراتها النووية بعد الضربات الأميركية العام الماضي التي «دمّرت» برنامجها النووي. وناقض هذا التصريح رواية ترمب، الذي كرر أن الحرب كانت ضرورية لمنع تهديد وشيك من طهران.

أشاد الرئيس ترمب بعمل غابارد «الرائع» بعد إعلان استقالتها (رويترز)

وأدى ذلك إلى سجالات محرجة مع مشرعين طلبوا رأيها بشأن التهديد الذي تمثله إيران بصفتها أعلى مسؤولة استخباراتية في البلاد. وكانت تكرر أن قرار توجيه الضربة وتقييم الخطر الذي تطرحه إيران يعود إلى ترمب وحده. وقالت: «ليست مسؤولية مجتمع الاستخبارات تحديد ما إذا كان هناك تهديد وشيك أم لا».

وتأتي استقالة غابارد بعد إقالة ترمب لوزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم في أواخر مارس، وسط تصاعد الانتقادات لطريقة إدارتها الوزارة، خصوصاً فيما يتعلق بحملة الهجرة والاستجابة للكوارث. وكانت وزيرة العدل بام بوندي ثاني من يغادر الحكومة، على خلفية تنامي الإحباط من طريقة تعامل وزارة العدل مع ملفات جيفري إبستين. كما استقالت وزيرة العمل لوري تشافيز-ديريمر في أبريل (نيسان)، بعدما أصبحت هدفاً لتحقيقات تتعلق بسوء السلوك.

اختيار مفاجئ

ورغم خلفيتها العسكرية، لم تمتلك غابارد أي خبرة استخباراتية قبل تعيينها على رأس مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، الذي يشرف على 18 وكالة استخبارات أميركية. وكانت قد خاضت الانتخابات الرئاسية لعام 2020 ببرنامج تقدّمي ركّز على معارضة التدخلات العسكرية الأميركية الخارجية. واستناداً إلى تجربتها العسكرية، جادلت بأن الحروب الأميركية في الشرق الأوسط زعزعت استقرار المنطقة وجعلت الولايات المتحدة أقل أمناً وكلفت آلاف الأميركيين حياتهم.

وفي وقت لاحق، انسحبت من السباق الرئاسي وأعلنت دعمها للرئيس السابق جو بايدن. وبعد عامين، غادرت الحزب الديمقراطي وأصبحت مستقلة، عادَّة أن حزبها السابق تهيمن عليه «نخبة من دعاة الحروب» و«آيديولوجيون مهووسون بثقافة الـ(ووك)». ثم دعمت لاحقاً عدداً من الجمهوريين البارزين وأصبحت مساهمة في شبكة «فوكس نيوز».

وأعلنت غابارد لاحقاً تأييدها لترمب، الذي كان بدوره من أبرز منتقدي الحروب الأميركية السابقة في الشرق الأوسط، وخاض حملته الانتخابية على أساس تجنب «الحروب غير الضرورية» ومشاريع بناء الدول في الخارج.

تغييرات واسعة

بعد استلامها منصبها على رأس مجتمع الاستخبارات، تعهّدت غابارد بالقضاء على ما وصفته بتسييس العمل الاستخباراتي من جانب مسؤولين حكوميين، لكنها سرعان ما استخدمت منصبها لدعم بعض أكثر مواقف ترمب الحزبية إثارة للجدل، ومنها التشكيك بنتائج انتخابات 2020.

جانب من جلسة استماع أدلت فيها غابارد بإفادتها أمام مجلس الشيوخ 18 مارس (رويترز)

وخلال عامها في المنصب، أشرفت غابارد على تقليص حاد في عدد العاملين في قطاع الاستخبارات، إضافة إلى إنشاء فريق عمل جديد لدراسة تغييرات واسعة في أجهزة الاستخبارات. وفي وقت سابق هذا العام، تقدم موظّف من داخل قطاع الاستخبارات بشكوى اتهم فيها غابارد بحجب معلومات استخباراتية لأسباب سياسية، ما دفع ديمقراطيين إلى المطالبة باستقالتها.

وتبلُغ غابارد 44 عاماً، وُلدت في ساموا الأميركية ونشأت في هاواي، وأمضت عاماً من طفولتها في الفلبين. وانتُخبت لأول مرة لعضوية مجلس نواب هاواي بعمر 21 عاماً، لكنها غادرت بعد ولاية واحدة عندما أُرسلت وحدتها في الحرس الوطني إلى العراق. وأصبحت غابارد أول هندوسية تدخل مجلس النواب الأميركي.


مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تستقيل من حكومة ترمب

مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تولسي غابارد تنظر إلى الرئيس دونالد ترمب متحدثاً خلال فعالية بالبيت الأبيض (رويترز)
مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تولسي غابارد تنظر إلى الرئيس دونالد ترمب متحدثاً خلال فعالية بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تستقيل من حكومة ترمب

مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تولسي غابارد تنظر إلى الرئيس دونالد ترمب متحدثاً خلال فعالية بالبيت الأبيض (رويترز)
مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تولسي غابارد تنظر إلى الرئيس دونالد ترمب متحدثاً خلال فعالية بالبيت الأبيض (رويترز)

أعلنت مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تولسي غابارد، التي تباينت مواقفها مع الرئيس دونالد ترمب بشأن الحرب في إيران، استقالتها من منصبها، اليوم الجمعة، معللة ذلك بأسباب عائلية.

وكتبت غابارد، في رسالة إلى ترمب نشرتها على منصة «إكس»، أنها تترك منصبها للاعتناء بزوجها، بعد تشخيص إصابته «بنوع نادر للغاية من سرطان العظم».

وأعلنت شبكة «فوكس» الأميركية، في وقت سابق اليوم، أن غابارد ستستقيل من منصبها من أجل التفرغ لدعم زوجها في «معركته مع نوع نادر للغاية من سرطان العظام».

وأبلغت غابارد الرئيس دونالد ترمب بقرارها، خلال اجتماع في المكتب البيضاوي، الجمعة. ومن المتوقع أن يكون يوم 30 يونيو (حزيران) المقبل هو آخِر يوم عمل لها في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية.

وحصلت «فوكس نيوز» على رسالة استقالتها الرسمية، والتي أعربت فيها غابارد عن «امتنانها العميق للثقة التي منحتها لها الإدارة الأميركية ولفرصة قيادة مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، خلال العام ونصف العام الماضيين».

وقالت: «للأسف، يجب عليّ تقديم استقالتي، ابتداءً من 30 يونيو 2026. لقد جرى تشخيص إصابة زوجي أبراهام مؤخراً بنوع نادر للغاية من سرطان العظام»، مشيرة إلى أن زوجها «يواجه تحديات جسيمة في الأسابيع والأشهر المقبلة».

وأضافت: «في هذا الوقت، عليّ أن أتنحى عن العمل العام لأكون بجانبه وأدعمه بكل قوة في هذه المحنة». وتابعت: «كان أبراهام سندي، طوال سنوات زواجنا الإحدى عشرة، وظلّ سنداً لي طوال فترة عملي، وخلال حملات سياسية عدة».

واستطردت قائلة: «لقد ساندتني قوته وحبه في كل تحدٍّ واجهته. لا أستطيع بضمير مرتاح أن أطلب منه أن يواجه هذه المعركة بمفرده، بينما أستمر في هذا المنصب المُرهق والمُستنزف للوقت».

وأشارت غابارد إلى أنها «أحرزت تقدماً ملحوظاً في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، حيث عززت الشفافية بشكل غير مسبوق، وأعادت النزاهة إلى مجتمع الاستخبارات». وأكدت: «أنا ملتزمة تماماً بضمان انتقال سلس وكامل، خلال الأسابيع المقبلة؛ لعدم حدوث أي انقطاع في القيادة أو سَير العمل».

وختمت: «أشكركم على تفهمكم، خلال هذه الفترة العصيبة والشخصية للغاية التي تمر بها عائلتنا... سأظل ممتنة لكم (الإدارة) وللشعب الأميركي على شرف خدمة أمتنا مديرة للاستخبارات الوطنية».

بدأت غابارد، بصفتها مديرة الاستخبارات الوطنية، جهوداً تحويلية لإعادة هيكلة مجتمع الاستخبارات، شملت تقليص حجم الوكالة وتوفير أكثر من 700 مليون دولار سنوياً لدافعي الضرائب، وإلغاء برامج التنوع والإنصاف والشمول في مجتمع الاستخبارات، وغير ذلك.

ورفعت غابارد السرية عن أكثر من نصف مليون صفحة من السجلات الحكومية، بما في ذلك سجلات تتعلق بالتحقيق في قضية تدخُّل روسيا في الانتخابات لصالح ترمب، واغتيال جون كيندي وروبرت كيندي، وغيرها.

وبصفتها مديرة الاستخبارات الوطنية، منعت غابارد، من خلال «المركز الوطني لمكافحة الإرهاب»، دخول أكثر من 10 آلاف شخص على صلة بتجارة المخدرات والإرهاب الولايات المتحدة، ووضعت أكثر من 85 ألف شخص آخرين على قائمة مراقبة الإرهاب.


كوبا ترص الصفوف لمواجهة شبح التدخل العسكري الأميركي

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)
TT

كوبا ترص الصفوف لمواجهة شبح التدخل العسكري الأميركي

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً شبح التدخل العسكري في كوبا، غداة توجيه إدارته اتهامات جنائية ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، في تصعيد مطرد قابله زعماء الجزيرة برص صفوفهم، تضامناً مع أحد أبرز «أبطال الثورة الشيوعية».

وخلال مناسبة في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، تطرق ترمب إلى ملف كوبا قائلاً للصحافيين: «نظر رؤساء آخرون في هذا الأمر على مدى 50 أو 60 عاماً، وكانوا عازمين على القيام بشيء ما». وأضاف: «يبدو أنني سأكون من يقوم بذلك، وسأكون سعيداً بالقيام به».

وفي تصريح منفصل، أبلغ وزير الخارجية ماركو روبيو الصحافيين بأن كوبا تُشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي منذ سنوات بسبب علاقاتها مع خصوم الولايات المتحدة، مضيفاً أن ترمب عازم على معالجة هذا الأمر. ومع ذلك، أكد أن الإدارة تُفضل اتفاقاً تفاوضياً. ولطالما اتخذ روبيو، وهو نجل مهاجرين كوبيين، موقفاً صارماً ضد القيادة الاشتراكية في كوبا. وقبيل صعوده إلى طائرة في ميامي للتوجه إلى السويد من أجل المشاركة في اجتماع حلف شمال الأطلسي «الناتو»، قال إن «ترمب يفضل دائماً اتفاقاً تفاوضياً سلمياً. وهذا هو خيارنا دائماً، وسيظل خيارنا مع كوبا». وأضاف: «بصراحة، احتمال حدوث ذلك، بالنظر إلى الجهة التي نتعامل معها حالياً، ليس مرتفعاً».

اجتماعات «غير مقنعة»

اجتمع كبار مساعدي ترمب، وبينهم روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» جون راتكليف وآخرون من مجلس الأمن القومي، مع مسؤولين كوبيين في الأشهر الأخيرة للبحث في سبل تحسين العلاقات. غير أن الجانب الأميركي لم يخرج من تلك المحادثات مقتنعاً، ما أدى إلى فرض مزيد من العقوبات على الحكومة الكوبية في الأسبوع الماضي.

كوبيون يتظاهرون أمام السفارة الأميركية في هافانا دعماً للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو (أ.ف.ب)

وقال روبيو إنه «على مرّ السنين، اعتادت كوبا كسب الوقت وانتظارنا. لن يتمكنوا من ذلك، فنحن جادون للغاية، وتركيزنا شديد». وعندما سُئل هل ستستخدم الولايات المتحدة القوة في كوبا لتغيير النظام فيها، كرر أن التسوية الدبلوماسية هي الخيار المفضل، لكنه أشار إلى أن «للرئيس دائماً خيار اتخاذ أي إجراء ضروري لدعم وحماية المصالح الوطنية». ورفض اقتراح أحد الصحافيين بأن الأمر يبدو كأنه «بناء دولة»، مؤكداً أنه يتعلق بمعالجة خطر يُهدد الأمن القومي الأميركي.

كذلك، أعلن روبيو أن وزارة الخارجية سحبت البطاقة الخضراء من شقيقة الرئيس التنفيذي لمجموعة «غايسا» الكوبية، وأن عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس) اعتقلوها. وقال في بيان: «سمحت الإدارات السابقة لعائلات النخب العسكرية الكوبية، والإرهابيين الإيرانيين، وغيرهم من المنظمات المشينة، بالتمتع بأنماط حياة مترفة في بلادنا بأموال مسروقة من الدماء، في حين يعاني الشعب الذي يقمعونه في الداخل ظروفاً بالغة الصعوبة. لن يستمر هذا الوضع».

ودفع توجيه الاتهام إلى كاسترو الكثيرين إلى الاعتقاد بأن إدارة ترمب تتبع النهج نفسه الذي اتبعته عندما قبضت على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في عملية عسكرية خاطفة مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي. ويواجه مادورو، المسجون في الولايات المتحدة منذ اعتقاله، تهماً فيدرالية تتعلق بالمخدرات والإرهاب.

ويُهدد ترمب مراراً بعمل عسكري منذ إطاحته بمادورو، ثم فرضه حصاراً على الطاقة أدى إلى انقطاع إمدادات الوقود عن الجزيرة. وتسبب ذلك في انقطاعات حادة للتيار الكهربائي، ونقص في الغذاء، وانهيار اقتصادي في كل أنحاء البلاد.

رص الصفوف

في المقابل، استجاب آلاف الكوبيين، الجمعة، للدعوات إلى التجمع أمام مقر السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على إصدار وزارة العدل الأميركية قراراً اتهامياً ضد كاسترو في قضية إسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996.

أعضاء في القوات المسلحة الثورية الكوبية يشاركون في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا (أ.ب)

ولجأ المسؤولون إلى وسائل الإعلام الحكومية ومنصات التواصل الاجتماعي لحشد التأييد الشعبي وعرض صورة «أمة تلتف حول راؤول كاسترو»، رفيق درب شقيقه الزعيم فيدل كاسترو، الذي قاد ثورة نجحت عام 1959 في إطاحة نظام فولغنسيو باتيستا الموالي للولايات المتحدة.

ونشرت الصحف الحكومية ومسؤولون حكوميون كوبيون رفيعون سيلاً من الرسائل التي تُظهر صوراً لكاسترو (95 عاماً) في شبابه، وهو جندي، يُحيّي الأطفال، ويضحك مع شقيقه فيدل، ويلوّح بالعلم الكوبي، ويلتقي مراهقين في الهواء الطلق. وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل في مقطع فيديو: «إنه بمثابة أب لي».

وحضر الرئيس الكوبي دياز كانيل، ورئيس الوزراء مانويل ماريرو، المظاهرة أمام السفارة الأميركية. ولكن كاسترو لم يكن حاضراً.

وجاء ذلك بعد يومين من إصدار المدعي العام الأميركي في ميامي، الأربعاء، قراراً اتهامياً ضد كاسترو، يتضمن 4 تهم بالقتل لإسقاط القوات الكوبية لطائرتين مدنيتين صغيرتين عام 1996، بعدما حلقتا في المجال الجوي الدولي لشمال الجزيرة. وتُشكل التهم اختباراً حاسماً في أواخر حياة المقاتل السابق الذي شغل منصب وزير الدفاع لنحو نصف قرن.

وندد الرئيس الكوبي بالقرار الاتهامي، واصفاً إياه بأنه مناورة سياسية لا تهدف إلا إلى «تبرير حماقة العدوان العسكري على كوبا».