أصوات قدامى المحاربين تضيع... تقرير مصيري يستخلص عِبَر «حرب أفغانستان»

وثائق حكومية عبر 160 مقابلة مع مسؤولين وقادة عسكريين ودبلوماسيين

في هذه الصورة الملتقطة يوم السبت 21 أغسطس 2021 التي نشرها سلاح مشاة البحرية الأميركي يُقدّم مشاة البحرية مع فرقة المهام الجوية - الأرضية - البحرية للأغراض الخاصة - وحدة الاستجابة للأزمات - القيادة المركزية المساعدة خلال عملية إخلاء في «مطار كرزاي الدولي» بأفغانستان (أ.ب)
في هذه الصورة الملتقطة يوم السبت 21 أغسطس 2021 التي نشرها سلاح مشاة البحرية الأميركي يُقدّم مشاة البحرية مع فرقة المهام الجوية - الأرضية - البحرية للأغراض الخاصة - وحدة الاستجابة للأزمات - القيادة المركزية المساعدة خلال عملية إخلاء في «مطار كرزاي الدولي» بأفغانستان (أ.ب)
TT

أصوات قدامى المحاربين تضيع... تقرير مصيري يستخلص عِبَر «حرب أفغانستان»

في هذه الصورة الملتقطة يوم السبت 21 أغسطس 2021 التي نشرها سلاح مشاة البحرية الأميركي يُقدّم مشاة البحرية مع فرقة المهام الجوية - الأرضية - البحرية للأغراض الخاصة - وحدة الاستجابة للأزمات - القيادة المركزية المساعدة خلال عملية إخلاء في «مطار كرزاي الدولي» بأفغانستان (أ.ب)
في هذه الصورة الملتقطة يوم السبت 21 أغسطس 2021 التي نشرها سلاح مشاة البحرية الأميركي يُقدّم مشاة البحرية مع فرقة المهام الجوية - الأرضية - البحرية للأغراض الخاصة - وحدة الاستجابة للأزمات - القيادة المركزية المساعدة خلال عملية إخلاء في «مطار كرزاي الدولي» بأفغانستان (أ.ب)

انطلقت شهادات قدامى المحاربين الأميركيين في أفغانستان لتُروى أمام لجنةٍ تُدقِّق في قرارات صراعٍ استمر عقدين من الزمن، مُصوِّرةً تجربتهم ليست كجحيمٍ فقط، بل كغمامةٍ من الحيرة والإحباط والتصدع المعنوي، بل والإذلال في كثيرٍ من الأحيان.

وتنصبُّ مهمة «لجنة حرب أفغانستان»، المؤلفة من حزبين، على تصوير هذه التجارب بأمانة في تقريرها المصيري المزمع رفعه إلى الكونغرس العام المقبل، الذي سيتناول القرارات المحورية - الاستراتيجية والدبلوماسية والعسكرية - التي قادت مسار الحرب من يونيو (حزيران) 2001 وحتى الانسحاب الشائن في أغسطس (آب) 2021، وفق تقرير لـ«أسوشييتد برس».

وأصدرت المجموعة الثلاثاء تقريرها المرحلي الثاني من دون استخلاص نتائج بعد، لكنها أشارت إلى موضوعات بارزة ظهرت عبر آلاف الصفحات من وثائق حكومية؛ ونحو 160 مقابلة مع مسؤولين وزاريين، وقادة عسكريين، ودبلوماسيين، وزعماء أفغان وباكستانيين... وغيرهم؛ بالإضافة إلى منتديات مع قدامى المحاربين، مثل ذلك الذي عُقد مؤخراً ضمن «المؤتمر الوطني لقدامى المحاربين الأجانب» في كولومبوس بأوهايو.

في هذه الصورة الملتقطة يوم السبت 21 أغسطس 2021 التي نشرها سلاح مشاة البحرية الأميركي يُقدّم مشاة البحرية مع فرقة المهام الجوية - الأرضية - البحرية للأغراض الخاصة - وحدة الاستجابة للأزمات - القيادة المركزية المساعدة خلال عملية إخلاء في «مطار كرزاي الدولي» بأفغانستان (أ.ب)

«ما الذي يمكن أن نتعلمه من حرب أفغانستان؟» كان عنوان جلسة نقاش عُقدت في 12 أغسطس مع 4 من أعضاء «لجنة الـ16». ما تلقوه كان ساعتين متواصلتين من عشرات القصص الشخصية للمحاربين القدامى؛ لم تكن واحدة منها إيجابية بشكل ساطع، وغالبيتها غارق في الإحباط وخيبة الأمل.

جنديان من مشاة البحرية الأميركية من «الوحدة الاستكشافية الـ24 - MEU» يرشدان امرأة تحمل طفلاً بين ذراعيها خلال عملية إخلاء في «مطار حميد كرزاي الدولي» بكابل (أ.ب)

قالت المحاربة السابقة في سلاح مشاة البحرية، بريتاني دايموند، التي خدمت في أفغانستان عام 2012: «أعتقد أن أفضل وصف لتلك التجربة هو أنها كانت مروعة».

أما المحاربة السابقة في البحرية، فلورنس ويلش، فقالت إن انسحاب عام 2021 جعلها تشعر بالخزي لأنها خدمت هناك أصلاً. وأضافت: «لقد حوَّلنا الأمر إلى فيتنام؛ فيتنام لم يعمل أيٌّ منا لأجلها».

وأنشأ أعضاءُ الكونغرس، مدفوعين جزئياً بخدمتهم الشخصية في الحرب، اللجنةَ المستقلة بعد أشهر من الانسحاب، عقب تقييم من إدارة الرئيس الديمقراطي، جو بايدن، حمّل إدارة الرئيس الجمهوري السابق، دونالد ترمب، مسؤولية تقييد خيارات الولايات المتحدة. فيما ألقى تقرير جمهوري باللوم على بايدن. ولا تزال الآراء منقسمة بشأن الأحداث، وقد أمر وزير الدفاع، بيت هيغسيث، بمراجعة أخرى هذا الربيع.

في هذه الصورة الملتقطة يوم السبت 21 أغسطس 2021 التي نشرها سلاح مشاة البحرية الأميركي يُقدّم مشاة البحرية مع فرقة المهام الجوية - الأرضية - البحرية للأغراض الخاصة - وحدة الاستجابة للأزمات - القيادة المركزية المساعدة خلال عملية إخلاء في «مطار كرزاي الدولي» بأفغانستان (أ.ب)

في حين قال الرئيس المشارك للجنة الدكتور كولن جاكسون إن اللجنة تريد فهم الصورة الأشمل لصراع امتد عبر 4 إدارات رئاسية وأودى بحياة نحو 2400 مواطن أميركي. وأضاف: «نحن مهتمون بالنظر بجدية إلى نهاية مشاركة الولايات المتحدة في أفغانستان، لكننا نهتم بالقدر نفسه بفهم البداية والوسط والنهاية».

وقالت الرئيسة المشاركة، شميلة شودري، إن اللجنة تدرس أيضاً أسئلة أوسع: «عملنا لا يتعلق فقط بما فعلته الولايات المتحدة في أفغانستان، بل بما يجب أن تفعله في أي بلد تعدّ أن لها فيه مصلحة أمنية وطنية. وليس فقط: هل يجب أن تكون هناك؟ بل كيف يجب أن تتصرف، وبأي قيم تهتدي، وكيف تنخرط مع أشخاص يختلفون عنها كثيراً؟».

وشدد جاكسون على أن أولويةً اللجنة المطلقة هي ضمان ألا يكون التقرير النهائي، المقرر في أغسطس 2026، «غريباً أو غيرَ معبّرٍ عن أي محارب قديم خاض غمار أفغانستان»، مضيفاً: «يجب أن يُمثّل التقرير تجربة كل جندي وبحّار وطيار ومشاة بحرية على أرض الواقع».

وقالت دايموند لأعضاء اللجنة إن المشكلة الكبرى كانت المهمة نفسها: «لا يمكنك فرض أجندة ديمقراطية، وهي جزء من سياستنا الخارجية، على ثقافة أناس لا يتبنون آيديولوجيتك. ماذا كنا نتوقع أن تكون النتيجة؟ وهكذا خسرنا على مدى عقدين من الزمان جنوداً بين قتيل وجريح؛ لأننا حاولنا تغيير آيديولوجية لم يطلبوه».

أما المحارب القديم ستيف أورف، الذي قضى 8 سنوات في الجيش، فقد خرج من التجربة محطم الروح، مؤكداً أنه لم يذهب إلى هناك «لهزيمة شريرٍ مجرد»، مضيفاً: «نحن الذين خدمنا أردنا أن نؤمن بأننا نساعد في تحسين العالم، وحملنا معنا آمال وقيم ومبادئ الولايات المتحدة؛ قيماً ومبادئ يبدو أنها كانت أيضاً من ضحايا هذه الحرب. بالنسبة إلى كثيرين منا، فقد تحطم إيماننا بقادتنا وتزعزعت ثقتنا ببلدنا».

وسلط التقرير المرحلي الضوء على ثيماتٍ رئيسية للمراجعة، منها الانجراف الاستراتيجي، وانعدام التنسيق بين المؤسسات، ومدى توافق أو تناقض أهداف الحرب داخل أفغانستان مع أهداف الحرب على الإرهاب خارجها.

كما أشار التقرير إلى الصعوبات التي واجهتها اللجنة في الحصول على وثائق أساسية. ووفق التقرير، فقد رفضت إدارة بايدن في البداية طلبات اللجنة بالحصول على مواد من البيت الأبيض تتعلق بتنفيذ اتفاق السلام المبرم في فبراير (شباط) 2020 بين ترمب و«طالبان»؛ المعروف باسم «اتفاق الدوحة»، وكذلك بشأن إدارة الانسحاب، مستندةً إلى أسباب سرية تنفيذية.

وأدّى الانتقال إلى ولاية ترمب الثانية لمزيد من التأخير والتعقيدات، غير أن اللجنة أكدت أن وتيرة تدفق الوثائق والمعلومات الاستخباراتية الحيوية قد تحسنت بشكل ملحوظ بعد أن شددت على إلحاح مهمتها وإصرارها على الشفافية أمام الإدارة الجديدة.


مقالات ذات صلة

«الأمم المتحدة»: «طالبان» تحتجز عشرات الأفغانيات بسبب قواعد اللباس

آسيا امرأة أفغانية ترتدي البرقع تستقل سيارة أجرة في قندهار 7 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«الأمم المتحدة»: «طالبان» تحتجز عشرات الأفغانيات بسبب قواعد اللباس

أعلنت «الأمم المتحدة» احتجاز 52 امرأة وفتاة واحدة على الأقل في أفغانستان، بدعوى مخالفة قواعد «طالبان» للّباس، محذّرة من انتهاك حقوقهن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا عائلة أفغانية رُحّلت من إيران تستريح بجانب أمتعتها في مخيم للمهاجرين العائدين قرب معبر إسلام قلعة الحدودي بولاية هرات الأفغانية يوم 20 يوليو 2025 (رويترز)

فرنسا تجري «حواراً تقنياً» مع «طالبان» لترحيل أفغان

بدأت فرنسا محادثات مع حكومة «طالبان» لتسهيل ترحيل أفغان يقيمون بصورة غير نظامية إلى أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
آسيا أشخاص يقفون أمام مقر «المحكمة الجنائية الدولية» في لاهاي بهولندا يوم 22 سبتمبر 2025 (رويترز)

«الجنائية الدولية» لإصدار مذكرات اعتقال 4 من قادة «طالبان» بتهمة اضطهاد المرأة

قالت «المحكمة الجنائية الدولية»، إنها ستكشف عن مذكرات اعتقال بحق أربعة من كبار قادة «طالبان»، بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية تتمثل في اضطهاد النساء.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
آسيا رجل يستعيد مقتنيات من بين أنقاض منزل تضرر جراء ما قالت حركة «طالبان» إنها غارة جوية باكستانية في ولاية كونار بأفغانستان (رويترز)

باكستان: مقتل 28 مسلحاً في غارات جوية على 3 مواقع بأفغانستان

شنت مقاتلات باكستانية هجمات جوية، الاثنين، على ما وصفه المسؤولون الأمنيون بمخابئ للمسلحين في شرق أفغانستان؛ ما أسفر عن مقتل 28 منهم.

«الشرق الأوسط» (كابل)
آسيا أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» (أ.ف.ب)

«طالبان» تنفي وجود مؤسس «جيش محمد» في أفغانستان

نفت حكومة «طالبان» صحة الادعاءات المتكررة من جانب باكستان بأن مؤسس جماعة «جيش محمد»، مسعود أزهر، ينشط من أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (كابل)

ترمب: الحوثيون يتصرفون بشكل سيئ للغاية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: الحوثيون يتصرفون بشكل سيئ للغاية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الثلاثاء، ​إن مسلحي جماعة الحوثي «يتصرفون بشكل سيئ للغاية» في ظل امتداد تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى ‌منطقة الشرق ‌الأوسط ​الأوسع.

وأضاف لصحافيين أنه قد يطلب من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التدخل ودعم ​المصالح ​السعودية. وأضاف «أعتقد أن الرئيس أردوغان سيلبي طلبي».

وأكد أنه سيتخذ «قرارا بشأن إيران قريبا جدا».


استقالة سفيرة أميركا لدى اليونان على خلفية مزاعم بسلوك غير لائق

السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)
السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)
TT

استقالة سفيرة أميركا لدى اليونان على خلفية مزاعم بسلوك غير لائق

السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)
السفيرة كيمبرلي غيلفويل إلى جانب الرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 24 مارس 2025 (أ.ف.ب)

استقالت كيمبرلي غيلفويل، سفيرة الولايات المتحدة لدى اليونان، اليوم (الثلاثاء)، وذلك في أعقاب مزاعم حول سلوك غير لائق، لكنها أكدت أنها ستدافع عن نفسها «بكل قوة» ضد الادعاءات «الكاذبة»، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وأعلن البيت الأبيض، في وقت سابق اليوم، أنه ​طلب من السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل، الاستقالة.

وقالت كاتي زكاريا، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في مؤتمر صحافي: «طلبنا من السفيرة غيلفويل ‌الاستقالة». وأضافت: «كانت ‌إضافةً رائعة ​للفريق، ‌ونتمنى ⁠لها ​التوفيق».

وذكر الرئيس ⁠دونالد ترمب، أمس (الاثنين)، أنه يفكر في إقالة غيلفويل، قائلاً للصحافيين: «نحن غير راضين».

وعبَّر مشرعون أميركيون ⁠في وقت سابق ‌عن ‌قلقهم إزاء اتهامات لغيلفويل ​بأنها ‌ربما هددت ‌بتقويض الحكومة اليونانية باستخدام نفوذ الولايات المتحدة.

ولم تردّ سفارة واشنطن في أثينا بعد ‌على طلب للتعليق موجّه إلى غيلفويل.

كيمبرلي غيلفويل يوم قدمت أوراق اعتمادها إلى الرئيس اليوناني قسطنطين تاسولاس 4 نوفمبر 2025 (إ.ب.أ)

ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» في الأيام الأخيرة سلسلة من المقالات المحرجة التي طالت الخطيبة السابقة لنجل الرئيس الأكبر دونالد جونيور، والمذيعة السابقة في «فوكس نيوز».

ووفقاً للصحيفة التي استندت إلى لقطات شاشة، تبادلت غيلفويل مراسلات على مدى أشهر مع إريك ديترز، وهو قانوني ومرشح سابق للكونغرس عن ولاية كنتاكي، سعياً لشطب ديون شخصية مترتبة عليها لبطاقة ائتمان بقيمة 100 ألف دولار. ومنذ عام 2020، قدّم هذا المانح الجمهوري الثري مئات آلاف الدولارات إلى عائلة ترمب، ودعماً لمعسكر المرشح الفائز في الانتخابات الرئاسية لعام 2024؛ غير أن طلباً من غيلفويل في يوليو (تموز) 2025 بدا ذا طابع شخصي أكثر، إذ كان بشأن تسوية رصيد بطاقتها الائتمانية، وكتبت: «عزيزي، أحتاج منك أن تقوم بذلك من أجلي اليوم».

وأضافت، بحسب الصحيفة التي قالت إنه أرسل عبر تطبيق «سيغنال»: «لن يظهر ذلك إذا حوّلت المال إلى أميركان إكسبريس».

ولم يتابع إريك ديترز الأمر، مؤكداً أن ذلك سيعرّض زواجه للخطر، وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال» التي أشارت إلى أن محامياً يمثل غيلفويل شكك في صحة الرسائل المنشورة، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وفي أحدث ما كشفته، أفادت «وول ستريت جورنال»، السبت، مستندة هذه المرة إلى تسجيلات، بوجود محادثات تتباهى فيها السفيرة برحلات وإقامات فاخرة تكفل بتمويلها رجال أعمال يونانيون.

واليونان حليف ⁠مهم ⁠للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، إذ توفر منشآت عسكرية رئيسية لحماية الأمن في شرق البحر المتوسط، وتقود بعثة بحرية تابعة للاتحاد الأوروبي لحماية الملاحة التجارية في البحر الأحمر.


تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)
صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)
TT

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)
صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تحتفظ سجلات القضاء العسكري الأميركي بفصول قاتمة وقاسية، تحولت فيها بذلة الجندية إلى حبل مشنقة أو جدار صلد أمام فرقة إعدام، فبينما كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل في شتاء عام 1945، سار الجندي الأميركي إيدي دونالد سلوفيك نحو حتفه أمام فرقة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا، لتليها بعد 16 عاماً، وفي ليلة ماطرة من ربيع 1961، خطوات الجندي جون بينيت الأخيرة نحو حبل المشنقة في كانساس.

لم تكن هاتان النهايتان مجرد قرارات قضائية عابرة داخل معسكرات مغلقة، بل مثلتا نقطتي تحول تاريخيتين صدرتا كقرارات سيادية مصيرية تطلبت توقيعاً مباشراً ومصادقة نهائية من رئيس الولايات المتحدة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لتطويا معاً حقبة العقوبات القصوى في العصر الحديث للجيش الأميركي وتفتحا الباب لقراءة الأبعاد السياسية والقانونية التي شكلت مصير هذين الجنديين.

المجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (ويكيبيديا)

إيدي سلوفيك ورصاصات «هرتغن»... الهارب الوحيد من ساحة الشرف

في شتاء عام 1945 القارس، وبينما كانت معركة غابة هرتغن الطاحنة تحصد أرواح جنود الحلفاء، اتخذ المجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك قراراً كلفه حياته. سلوفيك، الذي كان يحمل تاريخاً من الجنوح في شبابه صُنّف بسببه سابقاً غيرَ مؤهل للخدمة قبل أن يُعاد سحبه مع اشتداد الحرب، لم يكن يملك عقيدة القتال، وأعلن صراحة لضباطه عجز هدوئه النفسي عن تحمل قعقعة السلاح وقذائف المدفعية في أوروبا.

تكمن الدلالة القانونية في قضية سلوفيك في أنه قدّم اعترافاً خطياً موقعاً بيده يؤكد فيه ارتكابه جرم «الفرار من الخدمة لتجنب الواجب الخطير»، رافضاً تمزيق تلك الورقة أو التراجع عنها حتى بعدما عُرضت عليه فرص العودة إلى الصفوف دون ملاحقة جنائية.

وقف سلوفيك أمام محكمة عسكرية مؤلفة من 9 ضباط، وفي 31 من يناير (كانون الثاني) عام 1945، نُفّذ بحقه حكم الإعدام رمياً بالرصاص في الأراضي الفرنسية، ليصبح الجندي الأميركي الوحيد الذي أُعدم بتهمة الفرار من الخدمة منذ الحرب الأهلية الأميركية وحتى يومنا هذا.

اعتراف خطي موقع بيد المجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك يؤكد فيه ارتكابه جرم «الفرار من الخدمة لتجنب الواجب الخطير» (ويكيبيديا)

سينما الواقع العسكري... فيلم يخلد مأساة سلوفيك

لم تقتصر قصة سلوفيك المأساوية على أروقة المحاكم العسكرية ودفاتر التاريخ، بل تحولت إلى عمل سينمائي وتلفزيوني بارز حظي باهتمام واسع وجسّد تفاصيل محاكمته وأيامه الأخيرة.

صورة لملصق الفيلم «إعدام الجندي سلوفيك» (ويكيبيديا)

فقد أُنتج فيلم درامي شهير ومؤثر بعنوان «إعدام الجندي سلوفيك» (The Execution of Private Slovik) وعُرض عام 1974، حيث لعب فيه الممثل مارتن شين دور الجندي الهارب ونقل من خلاله للجمهور الأميركي والعالمي حجم التعقيد الإنساني والنفسي الذي عاشه سلوفيك قبل أن يواجه رصاصات زملائه.

الممثل الأميركي مارتن شين في لقطة من فيلم «إعدام الجندي سلوفيك» (1974) الذي جسد مأساة الجندي الوحيد المحكوم بالفرار من الخدمة (المصدر: IMDb)

قرار أيزنهاور الصارم... عندما تصبح العقوبة رسالة ردع عليا

لم يكن إعدام سلوفيك ليرى النور دون غطاء سياسي وعسكري من أعلى الهرم؛ إذ جاء قرار المصادقة على موته بتوقيع من الجنرال دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا في ذلك الوقت والذي تولى رئاسة الولايات المتحدة لاحقاً.

واجه أيزنهاور في تلك الفترة الحرجة تدفقاً مقلقاً لحالات الفرار وإصابات الجنود الذاتية هرباً من جحيم الجبهات المشتعلة. ورغم أن آلاف الجنود فروا من الخدمة ولم يواجهوا سوى أحكام بالسجن، فإن أيزنهاور رأى في ملف سلوفيك واعترافه الفج فرصة سانحة لتقديم نموذج ردع حازم لإعادة الانضباط إلى صفوف القوات المنهكة وسط معارك الحرب العالمية الثانية الطاحنة، متجاهلاً التماسات الرأفة ليدخل سلوفيك التاريخ كضحية لظرف عسكري وسياسي استثنائي.

جون بينيت وضباب ليفنوورث... حبل المشنقة الأخير في زمن السلم

بعد مرور 16 عاماً على رصاصات سلوفيك، تكرر المشهد في ثكنات الانضباط العسكري في فورت ليفنوورث بولاية كانساس، لكن بتهمة جنائية مغايرة تماماً وفي أجواء السلم.

في 13 من أبريل (نيسان) عام 1961، وتحت وابل من أمطار رعدية ضربت سماء كنساس، كان الجندي أسود البشرة جون بينيت يسير نحو المشنقة ليصبح آخر عسكري يُنفذ بحقه حكم الإعدام شنقاً في تاريخ القوات المسلحة الأميركية. تعود تفاصيل القضية إلى عام 1954، عندما كان بينيت متمركزاً مع القوات الأميركية في النمسا، حيث أُدين أمام محكمة عسكرية بتهمة اغتصاب طفلة نمساوية تبلغ من العمر 11 عاماً ومحاولة قتلها.

ورغم الدفوع الطبية التي قدمها محامو الدفاع حول معاناته من نوبات صرع واختلالات عقلية، ورغم المفارقة الإنسانية المتمثلة في تقديم الضحية وعائلتها التماساً للعفو عنه، صمد الحكم العسكري ليكون بينيت الجندي الأميركي الوحيد الذي يُعدم بسبب جريمة جنائية ارتُكبت في وقت السلم.

الجندي الأميركي جون بينيت (ويكيبيديا)

في عهد جون كينيدي... خيار الحفاظ على هيبة القانون الدولي

وصل ملف الجندي جون بينيت إلى مكتب الرئيس الأميركي الشاب جون كينيدي في عام 1961، وهو العام الأول لدخوله البيت الأبيض. وجد كينيدي نفسه أمام معضلة دبلوماسية وقانونية معقدة، فالجريمة ارتُكبت على أرض حليفة وفي حق مدنيين بالخارج، وأي تراجع عن العقوبة القصوى كان سيُفسر على أنه تساهل أميركي مع انتهاكات جنودها في القواعد الخارجية. رفض الرئيس كينيدي التدخل لتخفيف العقوبة وامتنع عن إصدار عفو رئاسي، تاركاً حبل المشنقة يطوي صفحة الإعدامات العسكرية الأميركية لستة عقود كاملة.

امتداد الإرث العسكري إلى الحاضر

طوت المنظومة القضائية الأميركية ملفي سلوفيك وبينيت كآخر الأحكام المنفذة في القرن العشرين، لتبقى ثكنات الانضباط العسكري في «فورت ليفنوورث» خالية من منصات الإعدام الفعلي طوال العقود التالية.

ورغم بقاء القوانين العسكرية الصارمة سارية دون تغيير جوهري في بنودها الأساسية، فإن ميزان العقوبات القصوى ظل معلقاً في انتظار قرار سيادي جديد يعيد تحريك هذه العجلة التاريخية.

نضال حسن يظهر بعد نقله من مركز بروك الطبي العسكري بسان أنطونيو إلى سجن مقاطعة بيل في بيلتون بولاية تكساس 9 أبريل 2010 (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه السجلات القديمة أبعاداً معاصرة في الوقت الراهن؛ إذ يمثل قرار المصادقة على تنفيذ حكم الإعدام بحق الرائد السابق نضال مالك حسن حلقة الوصل الأولى والوحيدة التي تعيد إحياء هذا الإرث القضائي، لتصبح جريمته في قاعدة «فورت هود» الامتداد المباشر لتلك السلسلة التاريخية التي بدأت برصاصات سلوفيك عام 1945 وانتهت بمشنقة بينيت عام 1961.