فريق ترمب يراهن على «قمة تاريخية» على غرار «يالطا»

البيت الأبيض يضع اللمسات الأخيرة على «اجتماع ألاسكا» الجمعة

صورة مركبة لرؤساء روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا (أ.ف.ب)
صورة مركبة لرؤساء روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

 فريق ترمب يراهن على «قمة تاريخية» على غرار «يالطا»

صورة مركبة لرؤساء روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا (أ.ف.ب)
صورة مركبة لرؤساء روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا (أ.ف.ب)

يسارع المسؤولون في البيت الأبيض الوقت، لوضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل القمة التي ستجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في ولاية ألاسكا، وسط رهانات عالية عمّا ستخرج به هذه القمة التاريخية من نتائج ومدى تقبّل أوكرانيا والاتحاد الأوروبي نتائجها.

ويؤكد فريق ترمب أهمية إجراء محادثات مباشرة بين القوى العظمى في ألاسكا، على غرار «قمة يالطا» التي عقدها الرئيس فرنكلين روزفلت مع الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، عام 1945، ورسمت خريطة أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهو ما يُنبئ بأن القمة الحالية قد تفرض أمراً واقعاً جديداً على كييف وأوروبا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينظر إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين قبل التقاط صورة عائلية خلال قمة «مجموعة العشرين» في بوينس آيرس 30 نوفمبر 2018 (أ.ف.ب)

وصوّر مسؤولو البيت الأبيض القمة المرتقبة بوصفها خطوة جريئة نحو السلام، مؤكدين أن إدارة ترمب صعّدت ضغوطها الدبلوماسية، خلال زيارة المبعوث ستيف ويتكوف الأخيرة إلى موسكو، والتهديدات بفرض عقوبات قاسية إذا لم يلتزم بوتين بموعد وقف إطلاق النار. ويريد الرئيس ترمب استغلال علاقته مع بوتين لإنهاء الحرب؛ لكنه أعرب مراراً عن خيبة أمله من ازدواجية مواقف الرئيس الروسي. ويشير محللون إلى أن هذه القمة ستعد أكبر اختبار لترمب، لإيمانه الراسخ بالدبلوماسية المباشرة، ورغم عدم وضوح التفاصيل الدقيقة عما ستقدمه الإدارة الأميركية من مقترحات، إلا أن المؤشرات تؤكد أن تنازلات كبيرة من الأراضي الأوكرانية لروسيا ستكون قضية محورية في خطة ترمب.

كان التخطيط للقمة يشي بأن تبدأ بلقاء ثنائي، يعقبه اجتماع ثلاثي يشارك فيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وأعرب ترمب عن انفتاحه على دعوة الرئيس الأوكراني لنقاش ثلاثي، على الرغم من رفض بوتين الفكرة. وأكد نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، وجود جهود لترتيب مشاركة زيلينسكي، واصفاً عقد اجتماع منفصل بين زيلينسكي وبوتين مسبقاً بأنه «غير مثمر». لكن السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية قال لشبكة «إن بي سي» إنه يأمل أن يكون زيلينسكي جزءاً من العملية. وأضاف: «لديّ ثقة تامة بأن الرئيس ترمب سيذهب للقاء بوتين من موقع القوة، وأنه سيهتم باحتياجات أوروبا وأوكرانيا لإنهاء هذه الحرب بشرف».

ويحمل اختيار مكان اللقاء (ولاية أميركية باعتها روسيا سابقاً عام 1867) ثقلاً رمزياً، إذ يُعيد إلى الأذهان صفقات تاريخية بين قوى عظمى. ومع ذلك، تكمن وراء هذه الأجواء شبكة من الاستراتيجيات والشكوك والمخاطر التي قد تُعيد رسم ملامح المشهد الأمني في أوروبا.

جدول أعمال القمة

ومن المتوقع أن تركز النقاشات على أحدث مقترحات روسيا، الذي يطالب بانسحاب أوكراني أحادي الجانب من الأجزاء المتبقية من دونيتسك ولوغانسك، مقابل تجميد خطوط الصراع في أماكن أخرى. قد تشمل القضايا الأوسع نطاقاً «مبادلات» إقليمية؛ مثل مبادلة بقايا دونيتسك بمناطق تحت سيطرة روسيا في زابوريجيا وخيرسون، وضمانات أمنية لأوكرانيا قد تشمل نشر قوات حفظ سلام أوروبية بدلاً من عضوية كييف في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وهو ما استبعده ترمب.

ويحذّر خبراء من إقدام الإدارة الأميركية على تقديم تنازلات لموسكو، من أجل الترويج لنجاح القمة، مقابل تأجيل قضايا شائكة مثل مفاوضات السلام الشاملة، مما يسمح لبوتين بادعاء النصر دون الالتزام بنهاية دائمة.

دمى خشبية روسية تقليدية تصور الرئيسين بوتين وترمب معروضة للبيع في سانت بطرسبرغ 7 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وتُروّج الإدارة الأميركية لاستراتيجية ترمب القائلة «السلام من خلال القوة»، وهو شعار مستلهم من عهد ريغان. وقد أجبر ترمب حلفاء «الناتو» على زيادة الإنفاق الدفاعي والمساعدات لأوكرانيا، وهدّد بفرض رسوم جمركية على دول، مثل الهند، لشرائها النفط الروسي، ولوّح بعقوبات جديدة.

ويقول الخبير الجيوسياسي، توماس مالينين، في «المجلس الأطلسي»، إن هذا يُمثّل وسيلة ضغط لفرض صفقة سريعة، حيث ينظر ترمب إلى بوتين بوصفه شريكاً قابلاً للتفاوض وليس عدواً لا يمكن الخلاص منه. ويضيف قائلاً: «يريد ترمب فوزاً سريعاً قبل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وهذا النهج قد يُعرّض أوكرانيا لعدوان متجدد».

بدوره، يقول الجنرال البريطاني المتقاعد، السير ريتشارد شيريف، إن تفاؤل ترمب بقدرته على فرض أجندته على الرئيس الروسي قد يُنذر بالسذاجة. ويضيف: «لا يمكن الوثوق بروسيا؛ ستختلق ذرائع لخرق أي وقف لإطلاق النار، وعقد القمة في حد ذاته ستروّج له موسكو بأنه فوز كبير لبوتين يُضفي الشرعية على مجرم حرب»، على حد تعبيره.

استراتيجية بوتين

وترى موسكو أن الأمور تسير لصالحها إلى حد كبير، إذ كتب أليكسي بوشكوف، العضو البارز في مجلس الشيوخ، المقرب من بوتين، في تغريدة: «استنتاجنا الرئيسي أن سياسة عزل روسيا انقلبت إلى عزلة كاملة لأوروبا وأوكرانيا في سياق المفاوضات الروسية - الأميركية».

ويرى خبراء أن استراتيجية بوتين تتمحور حول تعظيم المكاسب مع تجنّب نهاية حقيقية للحرب. وبفضل شعبيته المحلية، يسعى الرئيس الروسي إلى ترسيخ انتصاراته الإقليمية في دونباس، وإعلان انتهاء الصراع بعد القمة، وتصوير أوكرانيا على أنها الطرف العنيد إذا رفضت الشروط. وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في تصريحات صحافية: «بوتين لا يستجيب إلا للضغوط»، وحث ترمب على تشديد العقوبات بعد القمة.

ويتوقع محللون أن يستغل بوتين أي وقف للنار من أجل إعادة تنظيم صفوفه، عادّاً المبادرات الغربية ضعفاً بعد سنوات من التصعيد دون عقاب. ويرفض بوتين المحادثات الثلاثية حتى تبقى أوكرانيا على الهامش، مما يسمح لروسيا بإملاء شروطها دون تنازلات. أما الهدف النهائي لبوتين فهو «صراع متجمد» يعزل أوكرانيا، ويُضعف عزيمة الغرب، ويُهيّئ روسيا لتحقيق تقدم مستقبلي، مع تجنب المحاسبة على الفظائع.

إلقاء اللوم على كييف

من جانبه، ندّد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بإقصاء بلاده من القمة، بوصفه «غير دستوري»، مُصراً على أن أي تغييرات إقليمية تتطلب استفتاءً. وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن الأوكرانيين الذين أنهكتهم الحرب يتقبلون بشكل متزايد التنازلات من أجل السلام، لكن زيلينسكي يستبعد التنازل الدائم عن الأراضي.

وتعتمد خطة زيلينسكي بالأساس على حشد الحلفاء الأوروبيين لمواجهة أي اتفاق بين ترمب وبوتين، وسط توقعات أن ترفض أوكرانيا الإنذارات الروسية، مما يدفع ترمب إلى إلقاء اللوم على كييف ويرفع العقوبات عن روسيا.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب تسعى لإصدار ورقة 250 دولاراً تحمل صورته

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 27 مايو 2026 ( رويترز)

إدارة ترمب تسعى لإصدار ورقة 250 دولاراً تحمل صورته

تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى طباعة ورقة نقدية من فئة 250 دولاراً تحمل صورته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

الحكومة والجيش الإسرائيليان يتعرضان لانتقادات، ونتنياهو يخشى أن يتسبب ذلك في هزيمته الانتخابية، والجنرالات يخشون من فقدان الهيبة.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لإي. جين كارول وهي تغادر المحكمة الفيدرالية في نيويورك بعد مثول الرئيس السابق دونالد ترمب أمامها عام 2024 في نيويورك (أ.ب)

فتح تحقيق جنائي مع كاتبة ربحت دعوى ضد ترمب

فتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقاً جنائياً ضد الكاتبة إي. جين كارول، التي اتهمت الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه اعتدى عليها خلال التسعينات من القرن الماضي.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ كوبيون ينقلون خزان مياه في هافانا يوم 27 مايو (أ.ب)

إدارة ترمب تتوقع انهيار النظام في كوبا بحلول الصيف

تستعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتعامل فوراً مع احتمال انهيار النظام الشيوعي في كوبا مبكراً، هذا الصيف، وسط انتقاد صيني لسياسة «التنمر» الأميركية.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع إبستين (رويترز) p-circle

ترمب يعود لملاحقة «وول ستريت جورنال» قضائياً بسبب رسالة لإبستين

جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معركته القانونية ضد صحيفة «وول ستريت جورنال»، إذ رفع دعوى تشهير معدَّلة ضد ناشري الصحيفة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أميركا تزيل 76 شخصاً وكياناً من لائحة عقوباتها

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يغادر الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 22 مايو 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يغادر الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 22 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

أميركا تزيل 76 شخصاً وكياناً من لائحة عقوباتها

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يغادر الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 22 مايو 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يغادر الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 22 مايو 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، إزالة 76 فرداً وكياناً من قائمة العقوبات، معتبرة إياهم «أهدافاً عفا عليها الزمن»، وهي خطوة تأتي في إطار جهد أوسع لتحديث نظام العقوبات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن بين الأهداف المرفوعة 39 شخصاً متوفى، و14 شخصاً أو سفينة تعتبر غير عاملة، و13 شركة تمّ حلّها، وأخيراً نحو عشرة أهداف لا تملك وزارة الخزانة معلومات كافية عنها.

وأوضح مسؤول في الوزارة خلال مؤتمر صحافي عبر الهاتف أنّ «العقوبات ليست مصممة لتكون أبدية، فعلى سبيل المثال، خفّفنا عقوباتنا على سوريا وفنزويلا لتكون أكثر انسجاماً مع سياستنا الدولية، ومصالحنا الأمنية».

وكان وزير الخزانة سكوت بيسنت أعلن الأسبوع الماضي أن الإدارة ستراجع نظام العقوبات لجعله أكثر كفاءة، واستهدافاً.

وتفرض الولايات المتحدة عقوبات على أكثر من 18 ألف شخص أو كيان، تشمل شركات عامة، وخاصة، وسفناً تجارية.

وعدد من العقوبات المرفوعة يعود إدراجها إلى مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما بدأت الولايات المتحدة في استخدام هذا النوع من الأدوات لمكافحة المنظمات المصنفة «إرهابية» في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 التي استهدفت البلاد.


واشنطن وطهران بين الهدنة الهشة وتصعيد «هرمز»

الرئيس الاميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال اجتماع إدارته يوم الاربعاء في البيت الابيض (إ.ب.أ)
الرئيس الاميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال اجتماع إدارته يوم الاربعاء في البيت الابيض (إ.ب.أ)
TT

واشنطن وطهران بين الهدنة الهشة وتصعيد «هرمز»

الرئيس الاميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال اجتماع إدارته يوم الاربعاء في البيت الابيض (إ.ب.أ)
الرئيس الاميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال اجتماع إدارته يوم الاربعاء في البيت الابيض (إ.ب.أ)

لم يعد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يعني توقفاً فعلياً للعمليات العسكرية، بل تحوّل إلى مظلة هشة لاختبار حدود الاشتباك. فخلال 48 ساعة، تكررت الضربات الأميركية التي وصفتها القيادة المركزية بأنها «دفاعية» ضد مواقع إيرانية في جنوب البلاد، قبل أن ترد طهران بإطلاق صاروخ باليستي باتجاه الكويت، قالت واشنطن إن الدفاعات الكويتية اعترضته.

ونقلت هذه التطورات الأزمة من مواجهة محدودة في مضيق هرمز إلى تهديد مباشر بتجدد الحرب، وطرحت سؤالاً أكثر تعقيداً: هل اقتربت الهدنة من نهايتها، أم أن الطرفين دخلا مرحلة تفاوض تحت النار تستمر فيها المحادثات بينما تُنفذ عمليات عسكرية محدودة كلما شعر أحدهما بالحاجة إليها؟

مساران متوازيان

ويرى فرزين نديمي الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن ما يجري قد يبدو غريباً، لكنه يعكس مسارين منفصلين يعملان في الوقت نفسه: «المفاوضات مستمرة تحت ظل وقف إطلاق نار مهتز، والعمليات العسكرية المحدودة مستمرة أيضاً كلما دعت الحاجة، لكن تحت سقف العودة إلى قتال شامل".

وبذلك، لا تعني الضربات بالضرورة انهيار الهدنة، كما أن استمرار المفاوضات لا يعني أن الميدان سيلتزم الصمت.

ورغم تضارب التفسيرات الأميركية - الإيرانية حول ما جرى، يرى نديمي أن جوهر المسألة أن الضربات الأميركية «كانت دفاعية بالفعل»، وجاءت رداً على محاولات النظام الإيراني منع مرور السفن التي تحاول استخدام الممرات الوسطى أو الجنوبية في مضيق هرمز، بدلاً من الممر الشمالي الخاضع عملياً لإيران، ومن دون دفع ما وصفه بـ«رسوم الحرس الثوري».

وبهذا المعنى، يتجاوز الاشتباك مسألة المسيّرات ومنصات الإطلاق إلى صراع أوسع على قواعد المرور في مضيق هرمز؛ إذ تسعى إيران إلى فرض ترتيبات ملاحية جديدة، بينما تعمل واشنطن على منع تحولها إلى آلية ابتزاز دائمة.

مواطن إيراني يمر بالقرب من ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران (أ.ف.ب)

«تصعيد محدود»

ويمثل استهداف الكويت النقطة الأكثر حساسية في الجولة الأخيرة. ويرى نديمي أن الكويت ربما عُدّت هدفاً مناسباً لـ«تصعيد محدود»، بذريعة مشاركة قوات أميركية على أراضيها في عمليات المسيّرات فوق المضيق، ما جعلها هدفاً لـ«رد متناسب».

وتعكس هذه المقاربة محاولة إيرانية للرد من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. ويبدو أن طهران تسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن الضربات الأميركية لن تبقى بلا رد، لكنها تختار في الوقت نفسه مستوى من التصعيد تعتقد أنه لا يدفع واشنطن مباشرة إلى استئناف الحرب على نطاق واسع، غير أن هامش الخطأ في هذا النوع من الاشتباك يبقى واسعاً.

في المقابل، تتمسك واشنطن بوصف عملياتها بأنها «محدودة» و«دفاعية» وتهدف إلى حماية وقف إطلاق النار. لكنها، عملياً، تضرب الأدوات التي تقول إن إيران تستخدمها لفرض شروط مرور جديدة في مضيق هرمز، من المسيّرات ومراكز التحكم إلى منصات الإطلاق والقوارب المرتبطة بزرع الألغام.

يبقى السؤال الأوسع هو ما إذا كانت هذه الضربات تمهّد لفتح مضيق هرمز بالقوة. وهنا يميز نديمي بين ما يجري الآن وما قد يأتي لاحقاً؛ فهو لا يرى في العمليات الحالية «مقدمة مباشرة لفتح المضيق بالقوة»، لكنه يقول إنها «قد تؤدي، أو ينبغي أن تؤدي، في النهاية إلى ذلك».

ولا يريد البيت الأبيض في هذه المرحلة، عملية عسكرية واسعة تحمل أخطاراً إقليمية واقتصادية كبيرة، لكنه لا يستطيع أيضاً القبول بأن يصبح هرمز ممراً تديره إيران وفق رسوم وشروط أمنية خاصة بها.

وقد زادت الأزمة تعقيداً بعد تقارير تحدثت عن تفاوض إيراني - عماني بشأن إدارة المرور في المضيق، وربما فرض رسوم على السفن. رد ترمب كان صارماً، إذ أكد أن المضيق يجب أن يكون «مفتوحاً للجميع»، وأن الولايات المتحدة «ستراقبه»، رافضاً أي صيغة تعطي إيران أو غيرها حق السيطرة عليه. بذلك لم يعد هرمز مجرد ممر نفطي مغلق، بل أصبح اختباراً لميزان القوة في الخليج ولقدرة واشنطن على فرض حرية الملاحة من دون الانزلاق إلى حرب بحرية شاملة.

في المقابل يميل مايكل أوهانلون كبير الباحثين في معهد بروكينغز، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، إلى قراءة أقل تصعيداً للمرحلة الحالية؛ فعند سؤاله عما إذا كان السيناريو الأرجح هو التفاوض بالتزامن مع عمليات محدودة أم التحضير لفتح المضيق بالقوة، قال: «هذا هو السؤال. لا نعرف. لكن المرجح هو السيناريو الأول»، مضيفاً أن الخيار الثاني «تصعيدي وخطر، وخيار أخير». وهذا يلتقي جزئياً مع قراءة نديمي: ليست هناك عملية كبرى الآن، لكن استمرار التعطيل قد يجعلها خياراً مطروحاً لاحقاً.

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من شاطئ بندر عباس جموب إيران (رويترز)

اتفاق مؤقت

على المستوى السياسي، يحاول ترمب إظهار أنه غير متعجل؛ فقد قال إن إيران أخطأت إذا ظنت أنها تستطيع «انتظاره» حتى انتخابات التجديد النصفي، مضيفاً أنه لا يهتم بالضغط الانتخابي. وفي الوقت نفسه، تؤكد الإدارة أن «الدبلوماسية هي الخيار الأول»، لكنها تربط أي اتفاق بسلة شروط واسعة: فتح هرمز، معالجة ملف اليورانيوم عالي التخصيب، عدم تخفيف العقوبات مسبقاً.

وهنا يرى براين كاتوليس كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «إدارة ترمب وإيران تريدان تجنب العودة إلى حرب شاملة، لكنهما لم تتمكنا من ردم الفجوات الكبيرة في المفاوضات». لذلك، يتوقع أن تكون المرحلة المقبلة «مزمنة وممتدة من ضربات محدودة مترافقة مع محادثات مستمرة، حتى لو أُعلن عن نوع من الاتفاق قريباً». والأهم في تقديره أن الشرق الأوسط «ليس قريباً من توازن أو استقرار»، ما يجعل أي اتفاق، إذا حصل، مؤقتاً على الأرجح.

الخلاصة أن الهدنة لم تنتهِ رسمياً، لكنها لم تعد هدنة بالمعنى العملي. واشنطن تضرب لمنع إيران من تحويل هرمز إلى أداة جباية وسيطرة، وطهران تصر على تأكيد قدرتها على الرد. وبين الرغبة المشتركة في تجنب حرب شاملة واستحالة الوصول السريع إلى تسوية متماسكة، يتبلور السيناريو الأكثر ترجيحاً: تفاوض طويل تحت النار، وعمليات محدودة تحت سقف الحرب الكبرى، واتفاق محتمل لا ينهي الصراع بقدر ما يؤجل انفجاره التالي.


إدارة ترمب تسعى لإصدار ورقة 250 دولاراً تحمل صورته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 27 مايو 2026 ( رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 27 مايو 2026 ( رويترز)
TT

إدارة ترمب تسعى لإصدار ورقة 250 دولاراً تحمل صورته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 27 مايو 2026 ( رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 27 مايو 2026 ( رويترز)

تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى طباعة ورقة نقدية من فئة 250 دولاراً تحمل صورته، ستكون الأولى التي تحمل صورة شخص حي منذ أكثر من 150 عاماً، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

يُعد هذا المشروع جزءاً من سلسلة قرارات تهدف إلى وضع بصمة ترمب على العديد من المباني والرموز في الولايات المتحدة، ما أثار اتهامات بتقديس الشخصية، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

أجرت الصحيفة مقابلات مع موظفين حاليين وسابقين في مكتب النقش والطباعة التابع للوكالة المسؤولة عن العملة الوطنية.

ونقلت عنهم، من دون ذكر أسمائهم، أن هناك أوامر متكررة بهذا المعنى من مسؤولين سياسيين كبار في وزارة الخزانة، خصوصاً أمين الخزانة براندون بيتش وكبير مستشاريه مايك براون.

قال الرسام البريطاني إيان ألكسندر لصحيفة «واشنطن بوست»، إن ترمب وافق على مقترحات، منها إضافة ألوان العلم الأميركي وشعار يخلّد الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة.

وقد حُظر وضع صورة شخص حي على ورقة نقدية منذ عام 1866 عندما «ظهر موظف متوسط المستوى في وزارة الخزانة على ورقة نقدية من فئة 5 سنتات»، وفق الصحيفة.

وقُدّم مشروع قانون من شأنه أن يسمح لدونالد ترمب بتنفيذ خطته إلى الكونغرس في عام 2025 كجزء من احتفالات الذكرى السنوية التي تتضمن العديد من الفعاليات في شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز)، لكنه لم يُقر.

وأكد متحدث باسم وزارة الخزانة للصحيفة أن قسم الطباعة يجري «التحضيرات وعمليات التدقيق اللازمة».

وبحسب الصحيفة، فإن مديرة مكتب النقش والطباعة باتريشيا سليمان قاومت رغبة السلطات من خلال إثارة تساؤلات قانونية والتأكيد على أن مثل هذا المشروع سيستغرق سنوات.

لكن وزارة الخزانة فصلتها في نهاية أبريل (نيسان).

واضطرت سليمان في مارس (آذار) إلى أن تأذن بوضع توقيع ترمب على الأوراق النقدية المستقبلية من فئة 100 دولار، وهي سابقة لرئيس أميركي في منصبه.

منذ عام 1861، لم تظهر على الأوراق النقدية الأميركية سوى توقيعات وزير الخزانة وأمين الخزانة.