استئناف ترحيل المهاجرين يثير مخاوف أممية من سياسات ترمب

إرسال 5 رجال من جنسيات مختلفة إلى إسواتيني ضمن برنامج سرّي يركز على أفريقيا

عملاء فيدراليون يتحدثون مع عناصر الأمن في إحدى محاكم الهجرة بنيويورك (إ.ب.أ)
عملاء فيدراليون يتحدثون مع عناصر الأمن في إحدى محاكم الهجرة بنيويورك (إ.ب.أ)
TT

استئناف ترحيل المهاجرين يثير مخاوف أممية من سياسات ترمب

عملاء فيدراليون يتحدثون مع عناصر الأمن في إحدى محاكم الهجرة بنيويورك (إ.ب.أ)
عملاء فيدراليون يتحدثون مع عناصر الأمن في إحدى محاكم الهجرة بنيويورك (إ.ب.أ)

أحيا ترحيل الولايات المتحدة لخمسة رجال إلى دولة إسواتيني الأفريقية الصغيرة، المخاوف الزائدة إنسانياً وحقوقياً من توسيع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب نطاق برنامجها السري الخاص بترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى دول ثالثة غير بلدانهم الأصلية.

وجاء ذلك في ضوء استئناف إدارة ترمب لعمليات الترحيل، بعدما دقّ خبراء يعملون لدى الأمم المتحدة ناقوس الخطر حيال التداعيات الحقوقية للحكم الذي أصدرته المحكمة العليا الأميركية أخيراً لتمهيد الطريق لترحيل الرعايا الأجانب إلى دول ثالثة، في خطوة يمكن أن تشمل عملياً عشرات الآلاف، إن لم يكن أكثر، من المهاجرين غير النظاميين الذين يقيمون ويعملون داخل الولايات المتحدة.

وقبلت الولايات المتحدة منذ عقود التزامات حول منع الإعادة القسرية المنصوص عليها في المادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والمضمنة في المادتين السادسة والسابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 33 من الاتفاقية المتعلقة بوضع اللاجئين بموجب تصديقها على بروتوكول عام 1967.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب معتمراً قبعة «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» (رويترز)

وبدأت الولايات المتحدة تطبيق وعد رئيسي أطلقه الرئيس ترمب خلال حملته الانتخابية، ورحّلت ثمانية رجال إلى دولة أفريقية أخرى، هي جنوب السودان، بعدما رفعت المحكمة العليا القيود المفروضة على إرسال الأشخاص إلى دول لا تربطهم بها أي علاقات. ورفضت حكومة جنوب السودان الإفصاح عن مكان هؤلاء الرجال بعد وصولهم قبل نحو أسبوعين.

دول استقبال

وكان الرجال الثمانية الذين رحّلتهم الولايات المتحدة إلى جنوب السودان في مطلع هذا الشهر، أمضوا أسابيع في قاعدة عسكرية أميركية في جيبوتي، في ظلّ استمرار الجدل حول قانونية إرسالهم إلى هناك. ولم تُفصح حكومة جنوب السودان عن تفاصيل اتفاقها مع الولايات المتحدة. وقال أحد قادة المجتمع المدني البارزين هناك إن هذا البلد «ليس أرضاً لإلقاء الجثث».

وبعد كشف إرسال خمسة أشخاص إلى إسواتيني، كتبت مساعدة وزيرة الأمن الداخلي الأميركية تريشيا ماكلولين في منشور على منصة «إكس» أن الرجال الذين أُرسلوا إلى إسواتيني، وهم مواطنون من فيتنام وجامايكا وكوبا واليمن ولاوس، وصلوا على متن طائرة، لكنها لم تذكر متى أو أين تم ذلك. وقالت إنهم جميعاً «مجرمون مُدانون»، و«أفراد متوحشون بشكل فريد لدرجة أن بلدانهم الأصلية رفضت إعادتهم». وأضافت أن هؤلاء «كانوا يُرهبون المجتمعات الأميركية»، لكنهم الآن «خارج أراضي الولايات المتحدة». وشددت على أنهم أُدينوا بجرائم تشمل «القتل واغتصاب الأطفال»، وأن أحدهم عضو «مؤكد» في عصابة.

ويبلغ عدد سكان إسواتيني (سوازيلاند سابقاً) نحو 1.2 مليون نسمة، وهي تقع بين جنوب أفريقيا وموزمبيق، ويحكمها الملك مسواتي الثالث منذ عام 1986.

وكما هي الحال مع جنوب السودان، لم يصدر أي تعليق فوري من سلطات إسواتيني في شأن أي اتفاق لقبول المرحلين من دول ثالثة، أو ما سيحل بهم في ذلك البلد.

أرشيفية لملك إسواتيني مسواتي الثالث يلقي كلمة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك عام 2019 (أ.ب)

وعبّرت جماعات مدنية هناك عن مخاوفها بشأن السرية التي تمارسها حكومة غالباً ما تُتهم بقمع حقوق الإنسان. وقال الناطق باسم جماعة «سواليمو» المؤيدة للديمقراطية إنجيفيل دلاميني، في بيان: «كان هناك نقص ملحوظ في الاتصالات الرسمية من حكومة إسواتيني بشأن أي اتفاق أو تفاهم مع الولايات المتحدة لقبول هؤلاء المرحلين»، مضيفاً أن «هذا التعتيم يُصعّب على المجتمع المدني فهم الآثار المترتبة على ذلك». وأكد أنه لم يتضح ما إذا كانوا موقوفين في مركز احتجاز، أو ما هو وضعهم القانوني، في إسواتيني.

ونظراً لأن إسواتيني دولة فقيرة تعاني نقصاً في الموارد، فإنها «قد تواجه ضغوطاً كبيرة في استيعاب وإدارة الأفراد ذوي الخلفيات المعقدة، خصوصاً أولئك الذين لديهم إدانات جنائية خطيرة»، كما قال دلاميني، الذي أضاف أن منظمته تريد معرفة الخطط المتعلقة بالرجال الخمسة الذين أُرسلوا إلى إسواتيني و«أي مخاطر محتملة على السكان المحليين».

وتسعى الولايات المتحدة إلى عقد مزيد من الصفقات مع الدول الأفريقية لاستقبال المرحلين. وأعلن زعماء دول غرب أفريقيا الذين التقوا الأسبوع الماضي الرئيس ترمب في البيت الأبيض أنهم ناقشوا قضية الهجرة واحتمال استقبال بلدانهم للمرحلين من الولايات المتحدة. وقاومت بعض الدول، ومنها نيجيريا، ضغوط الولايات المتحدة لاستقبال المرحّلين من مواطني دول أخرى.

صفقات جديدة

وأرسلت الولايات المتحدة مئات الفنزويليين وغيرهم إلى كوستاريكا والسلفادور وبنما، لكنها حددت أفريقيا بوصفها قارة قد تعقد فيها صفقات كثيرة. وصرح وزير خارجية رواندا الشهر الماضي بأن محادثات جارية مع الولايات المتحدة بشأن اتفاق محتمل لاستضافة المهاجرين المرحلين.

وخلال الأسبوع الماضي، أصدر مسؤولو إدارة الهجرة والجمارك الأميركية توجيهات داخلية تسمح بتنفيذ عمليات الترحيل بسرعة إذا تلقت وزارة الخارجية ضمانات بعدم تعرض المهاجرين للاضطهاد في الدولة الثالثة. وحتى من دون هذه الضمانات، لا يزال بإمكان المسؤولين ترحيل المهاجرين في غضون ست ساعات فقط في ظروف معينة.

مركز هجرة في مقاطعة كيرن بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

ورغم ذلك، دقّ خبراء حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة خصوصاً، ناقوس الخطر إزاء التداعيات الحقوقية للحكم الذي أصدرته المحكمة العليا الأميركية لتمهيد الطريق لترحيل الرعايا الأجانب إلى دول ثالثة. وقال الخبراء في بيان إنه «لحماية الأشخاص من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المحظورة، والاختفاء القسري، والمخاطر على الحياة، يجب منحهم فرصة للتعبير عن اعتراضاتهم على الترحيل في إطار إجراء خاضع للإشراف القانوني».

وأكدوا أن «القانون الدولي واضح في أنه لا يجوز إرسال أي شخص إلى أي مكان توجد فيه أسباب جوهرية للاعتقاد بأنه سيواجه خطر التعرض لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مثل التعذيب أو الاختفاء القسري أو الحرمان التعسفي من الحياة». وحضوا الحكومة الأميركية على الامتناع عن أي عمليات ترحيل أخرى إلى دول ثالثة، وضمان حصول من يواجهون الترحيل على مساعدة قانونية فعّالة، وأن تخضع كل هذه الإجراءات لإشراف قضائي مستقل.


مقالات ذات صلة

مطار بالم بيتش في ولاية فلوريدا يغير اسمه إلى مطار ترمب

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح في أثناء نزوله من الطائرة الرئاسية في مطار بالم بيتش الدولي (رويترز)

مطار بالم بيتش في ولاية فلوريدا يغير اسمه إلى مطار ترمب

‌غيرت مدينة بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية، اليوم الخميس، اسم مطارها رسمياً ليكون مطار الرئيس دونالد ترمب الدولي.

«الشرق الأوسط» (بالم بيتش )
العالم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة التركية)

تركيا تطالب حلفاء «ناتو» برفع جميع العقوبات المفروضة عليها

طالبت تركيا برفع جميع العقوبات على صناعتها الدفاعية وتلبية احتياجاتها العسكرية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
تحليل إخباري ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة «إير فورس وان» الجديدة في طريق عودته إلى قاعدة «أندروز» المشتركة يوم 8 يوليو (أ.ف.ب)

تحليل إخباري هل يتحول الصراع مع إيران إلى عبء انتخابي للجمهوريين؟

أبدى المرشحون الجمهوريون الذين يخوضون انتخابات التجديد النصفي مخاوفهم من أن تتحول حرب إيران إلى تحدٍّ سياسي قبل انتخابات نوفمبر.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متظاهرون يحملون حروفاً تشكل شعار «مولود في الولايات المتحدة = مواطن!» خارج مبنى المحكمة العليا الأميركية يوم 1 أبريل (رويترز)

ترمب يتمسّك بإلغاء الجنسية بالولادة رغم قرار المحكمة العليا

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيطلب من المحكمة العليا إعادة النظر في حكمها «المجنون» بإلغاء قراره الذي يهدف إلى إلغاء حق المواطنة بالولادة.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا محطة وقود مغلقة في منطقة ساكي بشبه جزيرة القرم الاثنين بعدما قررت السلطات تعليق بيع الوقود بسبب هجمات أوكرانية (رويترز)

روسيا تحذر واشنطن من أن دعمها للهجمات الأوكرانية يطيل أمد الحرب ولا ينهيها

روسيا تحذر واشنطن من أن دعمها للهجمات الأوكرانية يطيل أمد الحرب، ومصادر مقربة من بوتين تقول إن هناك «احتمالاً قوياً» للتصعيد وإقامة «منطقة عازلة أكبر».

«الشرق الأوسط» (لندن)

مطار بالم بيتش في ولاية فلوريدا يغير اسمه إلى مطار ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح في أثناء نزوله من الطائرة الرئاسية في مطار بالم بيتش الدولي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح في أثناء نزوله من الطائرة الرئاسية في مطار بالم بيتش الدولي (رويترز)
TT

مطار بالم بيتش في ولاية فلوريدا يغير اسمه إلى مطار ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح في أثناء نزوله من الطائرة الرئاسية في مطار بالم بيتش الدولي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح في أثناء نزوله من الطائرة الرئاسية في مطار بالم بيتش الدولي (رويترز)

غيرت مدينة بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية، اليوم الخميس، اسم مطارها رسمياً ليكون مطار الرئيس دونالد ترمب الدولي، لينضم بذلك إلى قائمة متزايدة من المؤسسات والمنشآت والبرامج الحكومية والسفن الحربية والعملات التي تحمل اسم الرئيس الجمهوري.

وتغيير اسم المطار هو تقدير بارز للدعم الذي يحظى به ترمب في فلوريدا التي اتخذها موطناً له، وتضم منتجعه الفاخر (مارالاغو).

وقال إريك، نجل ترمب، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»: «لا أعتقد أن هناك شخصاً أكثر ارتباطاً بمدينة بالم بيتش من دونالد ترمب، ربما في كل ولاية فلوريدا».

ومنذ توليه منصبه لولاية ثانية في البيت الأبيض، العام الماضي، طبع اسم ترمب على فئة جديدة من سفن سلاح البحرية، وبرنامج تأشيرات للأجانب الأثرياء، وموقع إلكتروني حكومي للعقاقير، وحسابات ادخار اتحادية للأطفال. كما سعى إلى إعادة تشكيل واشنطن بشكل طموح. وبينما أضيف اسم ترمب إلى مبنى معهد الولايات المتحدة للسلام، رفضت المحاكم محاولة وضع اسمه على مركز «جون إف كنيدي للفنون المسرحية». ووقع حاكم ولاية فلوريدا الجمهوري رون ديسانتيس في مارس (آذار) على تشريع لتغيير اسم مطار المدينة الواقعة في جنوب شرقي فلوريدا إلى مطار ترمب.

وأوضح المطار أن رمز التعريف المكون من ثلاثة أحرف المستخدم لدى إدارة الطيران الاتحادية تغير، اليوم الخميس، من (بي بي آي) إلى (دي جيه تي). وأضاف، على موقعه الإلكتروني، أنه سيتعين على المسافرين الاستمرار في استخدام الرمز القديم (بي بي آي) للرحلات الجوية حتى 18 أغسطس (آب)، إلى حين إدراج الرمز الجديد في بطاقات الأمتعة والتذاكر وأنظمة الحجز لدى شركات الطيران.

وذكر المطار أن تكلفة تغيير الاسم بلغت 5.5 مليون دولار.


هل يتحول الصراع مع إيران إلى عبء انتخابي للجمهوريين؟

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة «إير فورس وان» الجديدة في طريق عودته إلى قاعدة «أندروز» المشتركة يوم 8 يوليو (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة «إير فورس وان» الجديدة في طريق عودته إلى قاعدة «أندروز» المشتركة يوم 8 يوليو (أ.ف.ب)
TT

هل يتحول الصراع مع إيران إلى عبء انتخابي للجمهوريين؟

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة «إير فورس وان» الجديدة في طريق عودته إلى قاعدة «أندروز» المشتركة يوم 8 يوليو (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة «إير فورس وان» الجديدة في طريق عودته إلى قاعدة «أندروز» المشتركة يوم 8 يوليو (أ.ف.ب)

أبدى المرشحون الجمهوريون الذين يخوضون انتخابات التجديد النصفي مخاوفهم من أن تتحول الحرب التي وعد الرئيس دونالد ترمب بتجنبها مع إيران إلى أكبر تحدٍّ سياسي يواجه الحزب الجمهوري قبل انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني).

ومع تجدّد الضربات المتبادلة، واستهداف عشرات المواقع، تتزايد المخاوف داخل الأوساط الجمهورية من أن يضطر الحزب إلى الدفاع عن حرب لم تكن جزءاً من وعوده الانتخابية، في وقت يواصل فيه الناخبون إظهار اهتمام أكبر بارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة مقارنة بملفات السياسة الخارجية.

وأدت تصريحات ترمب المتضاربة حول مستقبل الحملة العسكرية ضد إيران إلى ارتفاع مستويات القلق. وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعود إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق، قال ترمب: «لا أعرف، إنهم (الإيرانيون) يرغبون بشدة في إبرام اتفاق. لكنني لا أعرف ما إذا كانوا جديرين بإبرام اتفاق، ولا أعرف ما إذا كانوا سيلتزمون به. تلك هي المشكلة».

وفي رده على سؤال حول العودة إلى صراع عسكري شامل، قال ترمب: «لا أعرف. سنحقق الفوز بسرعة كبيرة... لدينا طرق عديدة يمكننا الانتصار من خلالها». وشدد على أن أي ضربة إيرانية ستواجه بضربات أميركية أقوى «عشرين مرة». وفي تصريحات على هامش قمة حلف «الناتو» بأنقرة، مساء الأربعاء، قال ترمب: «في يوم واحد، يمكننا تدمير كل جسر في إيران. ولن يكون بوسعهم فعل أي شيء حيال ذلك... وإذا اضطررنا، فسنقضي عليها. لديهم محطات لتحلية المياه، وسنقضي عليها إذا لزم الأمر. وربما نسيطر على جزيرة خرج».

وأشار تقرير لصحيفة «أكسيوس»، نقلاً عن مسؤولين كبار بالإدارة، إلى توقعات بأن تستمر الضربات العسكرية لعدة أيام، وربما أسابيع. وقد توقفت حركة الملاحة عبر المضيق بشكل شبه كامل مرة أخرى، حيث صرّح كبير المفاوضين الإيرانيين بأن الممر المائي لن يُعاد فتحه إلا بأوامر من طهران، وأدّى تجدد الأعمال العدائية إلى ارتفاع العقود الآجلة للديزل في الولايات المتحدة بأسرع وتيرة لها منذ أربع سنوات، مما زاد من الأعباء السياسية الملقاة على عاتق ترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.

معادلة سياسية معقدة

وبينما يُشيد البيت الأبيض بنجاح الضربات الأميركية ضد إيران، ويؤكّد أنها أتاحت ترسيخ قوة الردع الأميركية وإجبار إيران على إعادة حساباتها، يقرّ مسؤولوه بأن أي هجوم إيراني على القواعد الأميركية أو عرقلة الملاحة الدولية سيدفع واشنطن إلى رد أكبر. وقد يزيد ذلك من مخاطر الانزلاق التدريجي إلى حرب لم تكن ضمن الحسابات الأصلية، لكنها تأتي في خضم استطلاعات رأي تظهر معارضة غالبية الأميركيين لهذا الصراع.

لقطة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية للجيش الأميركي لضربات ضد إيران يوم 9 يوليو (أ.ف.ب)

ودافعت أوليفيا ويلز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، عن هذه الضربات الأميركية ضد إيران. وقالت، في رسالة إلكترونية رداً على أسئلة «الشرق الأوسط»، إن «الرئيس ترمب لا يتخذ هذه القرارات بناءً على استطلاعات الرأي المتقلبة، بل استناداً إلى المصالح العليا للشعب الأميركي».

ورغم تأكيد البيت الأبيض أن الضربات الأميركية حققت أهدافها العسكرية، فإن استمرار العمليات وغياب أفق واضح لإنهاء الأزمة يضعان إدارة ترمب أمام معادلة سياسية معقدة: كيف يمكن الحفاظ على صورة الرئيس القوي القادر على ردع إيران، من دون الانزلاق إلى حرب طويلة قد تستنزف التأييد الشعبي وتعيد إلى الأذهان التجارب العسكرية التي بنى ترمب جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على رفضها؟

هواجس الجمهوريين

داخل الحزب الجمهوري، لا يتركز النقاش على نجاح الضربات العسكرية بقدر ما يتركز على كلفتها السياسية. فكلما طال أمد المواجهة، ازدادت المخاوف من تحولها إلى حرب استنزاف تتسبّب في تراجع شعبية الرئيس ترمب لدى قاعدته الانتخابية، وتضع مرشحي الحزب الجمهوري في موقف دفاعي خلال الحملات الانتخابية، وتمنح الديمقراطيين سلاحاً يشهرونه لتحميل ترمب والجمهوريين اللوم في تراجع الأوضاع الاقتصادية ومعاناة الأسر الأميركية.

وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن اتساع المواجهة العسكرية يُهدّد بإدخال الإدارة الأميركية في حرب لا تحظى بتأييد شعبي واسع، وهو سيناريو يثير قلقاً متزايداً داخل الحزب الجمهوري قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي.

زعيم الأغلبية في مجلس النواب ستيف سكاليس ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في مبنى الكابيتول يوم 30 يونيو (أ.ب)

ولا يعارض معظم الجمهوريين توجيه ضربات محدودة لإيران، لكن كثيراً منهم يبدون تحفظاً واضحاً إزاء أي انزلاق إلى مواجهة طويلة.

وقال النائب الجمهوري، رايان ماكنزي، إن الحزب «يجب أن يكون شديد الحذر حتى لا ينجر إلى حرب لا نهاية لها»، في تعبير يعكس القلق داخل عدد من الدوائر الجمهورية المتأرجحة التي تخشى أن تصبح الحرب القضية الأولى في الانتخابات، بدلاً من الاقتصاد والهجرة.

ويقود النائب الجمهوري توماس ماسي تحركاً داخل مجلس النواب لتقييد أي توسع للتحركات العسكرية ضد إيران من دون موافقة الكونغرس، مؤكداً أن الدخول في حرب جديدة يتعارض مع فلسفة «أميركا أولاً». وكتب على منصة «إكس» أن «الولايات المتحدة ينبغي أن تعمل على إنهاء الحرب، لا توسيعها».

بدورها، حذّرت النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين من أن استمرار الحرب قد يكلف الجمهوريين خسارة انتخابات التجديد النصفي. وقالت في منشورات على منصة «إكس» إن ترمب «يخاطر بخسارة جزء من قاعدته الشعبية إذا بدا وكأنه تخلى عن وعوده بعدم الانخراط في حروب خارجية أو السعي إلى تغيير الأنظمة».

وتعكس هذه المواقف انقساماً داخل الحزب بين تيار يؤيد الرد العسكري المحدود، وآخر يخشى أن يؤدي أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى تقويض الرسالة السياسية التي أوصلت ترمب مجدداً إلى البيت الأبيض. فارتفاع أسعار النفط نتيجة أي اضطراب في مضيق هرمز قد ينعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، وهو ما يعني ضغوطاً تضخّمية إضافية وارتفاعاً في تكاليف النقل والسلع، وربما تأخير أي خفض مرتقب لأسعار الفائدة من قبل الاتحادي الفيدرالي.

تحركات الديمقراطيين

بدأ الديمقراطيون في استثمار هذا الملف انتخابياً، واتهموا إدارة ترمب بإطلاق مغامرة عسكرية دون استراتيجية واضحة، معتبرين أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى تحميل الأميركيين أعباء اقتصادية جديدة. ووصفت السيناتورة جين شاهين (عن ولاية نيو هامبشير)، وهي أبرز ديمقراطية في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، التطورات العسكرية مع إيران بأنها «تصعيد خطير»، و«دليل واضح على أن الرئيس دخل هذه الحرب دون خطة، ودون رؤية لنهاية الصراع، ودون قدرة على التوصل إلى اتفاق دائم».

من جهته، قال النائب الديمقراطي دان غولدمان إن استمرار الحرب أدّى إلى ارتفاع تكاليف السفر الجوي وأسعار الطاقة، معتبراً أن الإدارة نكثت بوعودها بخفض كلفة المعيشة، وأدخلت الولايات المتحدة في صراع ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الأميركي. ويرى الديمقراطيون أن الحرب تمنحهم فرصة لإعادة صياغة خطابهم الانتخابي، بحيث لا يقتصر على انتقاد سياسات ترمب الاقتصادية، بل يشمل أيضاً اتهامه بجر الولايات المتحدة إلى مواجهة خارجية لا تحظى بتأييد شعبي.


ترمب يتمسّك بإلغاء الجنسية بالولادة رغم قرار المحكمة العليا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى جانب رئيس المحكمة العليا جون روبرتس في مبنى الكابيتول يوم 24 فبراير (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى جانب رئيس المحكمة العليا جون روبرتس في مبنى الكابيتول يوم 24 فبراير (رويترز)
TT

ترمب يتمسّك بإلغاء الجنسية بالولادة رغم قرار المحكمة العليا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى جانب رئيس المحكمة العليا جون روبرتس في مبنى الكابيتول يوم 24 فبراير (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى جانب رئيس المحكمة العليا جون روبرتس في مبنى الكابيتول يوم 24 فبراير (رويترز)

أكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيطلب من المحكمة العليا إعادة النظر في حكم اتخذته أخيراً بإلغاء قراره التنفيذي الذي يهدف إلى إلغاء حق المواطنة بالولادة، في مطلب يستبعد أن يلبيه قضاة أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة.

وعبّر الرئيس ترمب عن استيائه من الحكم الصادر الأسبوع الماضي، حين أكّدت غالبية القضاة التسعة في المحكمة أن منح الجنسية لجميع الأطفال المولودين على الأراضي الأميركية مكفول في الدستور. ونشر على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماعي أن لافتات ولوحات إعلانية تُنشر على طول الحدود الجنوبية للولايات المتحدة وفي المكسيك للترويج بأن الجنسية ستُمنح «لكل من يرغب في الدفع».

وهو كان يشير بذلك إلى تقرير بثّته شبكة «فوكس نيوز» كشف أن مستشفى في تكساس كان أعلن دفع تكاليف «باقات الولادة في جنوب تكساس» على لوحات إعلانية في المكسيك، مضيفة أن حاكم تكساس الجمهوري غريغ أبوت أمر بالتحقيق مع المستشفى. وأفاد بيان للمستشفى بأن «المواد التسويقية المتعلقة بخدمات الأمومة لم تعد مستخدمة بسبب سوء فهم غير مقصود». وأضاف: «نحن لا ندعم أو نسهل أي نشاط غير قانوني، ونعمل على الامتثال لكل القوانين واللوائح الفيدرالية وقوانين الولايات المعمول بها».

«قرار مجنون»

صرّح ترمب بأنه سيطلب من المحكمة العليا «إعادة النظر» في القضية «فوراً»، مضيفاً أن القضاة «سيُدمّرون أميركا إذا لم يغيروا قرارهم المجنون تماماً». ولم يتّضح على الفور ما إذا كان محامو الإدارة سيقدمون التماساً جديداً إلى المحكمة، وفي أي وقت.

وبموجب قواعد المحكمة العليا، يجوز للأطراف أن يطلبوا من القضاة إعادة النظر في قضية موضوعية بعد صدور الحكم فيها. غير أن موافقة المحكمة على مثل هذه الطلبات نادرة للغاية. وكانت المرة الأخيرة التي وافقت فيها المحكمة على طلب إعادة النظر بعد إعلان حكماً في قضية حصلت عام 1965. ووفقاً لأستاذ القانون في جامعة جورجتاون ستيفن آي. فلاديك، لم تغير المحكمة قرارها إلا مرة واحدة بعد إعادة النظر في قضية قدمت عام 1956، وتتعلّق باختصاص المحاكم العسكرية فيما يتعلق بأزواج العسكريين المدنيين.

وواصل ترمب، الذي حضر المرافعات الشفهية في قضية الجنسية أمام المحكمة العليا، هجومه اللاذع على المحكمة بسبب حكمها الذي أعلنه رئيس القضاة جون روبرتس، الذي كتب في حيثيات الحكم: «كانت المواطنة، آنذاك والآن، حقاً في التمتع بالحقوق - في المشاركة بحرية في مجتمعنا السياسي. ووسّع واضعو التعديل الرابع عشر هذا الوعد ليشمل كل إنسان حر المولد في هذه الأرض».

وجاء هذا القرار، الذي صدر بأكثرية ستة أصوات مقابل ثلاثة، تتويجاً لأكثر من عقد من جهود ترمب لاستغلال هذه القضية سياسياً. وفي أعقاب صدوره مباشرة، حض الكونغرس على معالجة القضية بتشريع، مدعياً أنه «لا حاجة إلى تعديل دستوري مطول ومعقد».

سياحة الولادة

وعلى أثر الحكم، أعلن وزير العدل الأميركي بالإنابة تود بلانش أن إدارة ترمب ستشدد حملتها ضد ما يسمى «سياحة الولادة» في الولايات المتحدة، مضيفاً أن السلطات الأميركية ستمضي بإجراءات تستهدف الأجنبيات اللواتي يعتزمن الولادة في الولايات المتحدة لمنح أطفالهن الجنسية الأميركية.

وقال إن وزارة العدل أعطت توجيهات للمدّعين الفيدراليين وأجهزة إنفاذ القانون للتشدّد حيال «سياحة الولادة»، واصفاً الظاهرة بأنها «مزدهرة وستستمر»، وذلك «بالنظر إلى قرار المحكمة العليا». وأضاف أن «هناك أموراً أخرى يمكن للحكومة الفيدرالية القيام بها في عملية منح التأشيرات وعملية تقديم الطلبات، لمحاولة تقليص أو تقييد فرص مجيء بعض الأشخاص إلى هنا فقط لإنجاب طفل يمكنه بعد ذلك أن يصبح مواطناً أميركياً».