مشروع قرار في مجلس الشيوخ لإلغاء قانون «قيصر» نهائياً

باحثون وناشطون يشيدون بالخطوة ويتساءلون عن الضوابط والفرص التي سيتيحها القرار

أعضاء «التحالف السوري الأميركي لأجل السلام والازدهار» في اجتماع بمقر الحزب الجمهوري في واشنطن مع زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ السيناتور جون ثون لمناقشة الحاجة الملحّة لرفع العقوبات عن سوريا (إكس)
أعضاء «التحالف السوري الأميركي لأجل السلام والازدهار» في اجتماع بمقر الحزب الجمهوري في واشنطن مع زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ السيناتور جون ثون لمناقشة الحاجة الملحّة لرفع العقوبات عن سوريا (إكس)
TT

مشروع قرار في مجلس الشيوخ لإلغاء قانون «قيصر» نهائياً

أعضاء «التحالف السوري الأميركي لأجل السلام والازدهار» في اجتماع بمقر الحزب الجمهوري في واشنطن مع زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ السيناتور جون ثون لمناقشة الحاجة الملحّة لرفع العقوبات عن سوريا (إكس)
أعضاء «التحالف السوري الأميركي لأجل السلام والازدهار» في اجتماع بمقر الحزب الجمهوري في واشنطن مع زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ السيناتور جون ثون لمناقشة الحاجة الملحّة لرفع العقوبات عن سوريا (إكس)

في خطوة عدت تسريعاً لافتاً في الإجراءات التي عادة ما تأخذ شهوراً لإقرارها في الكونغرس الأميركي، قدم عضوان في مجلس الشيوخ، هما السيناتور الديمقراطية، جين شاهين، والسيناتور الجمهوري راند بول، مشروع قانون لإلغاء قانون «قيصر» الذي يفرض عقوبات قاسية على سوريا، وذلك بعد أسبوع واحد من تقديم مشروع قرار مماثل في مجلس النواب.

«قيصر» مخفياً هويته بمعطف أزرق خلال جلسة نقاش في الكونغرس الأميركي لقانون حماية المدنيين السوريين (أ.ف.ب)

يذكر أن قانون قيصر الذي صدر عام 2019، وسمي باسم منشق عسكري سوري سرّب آلاف الصور التي توثق التعذيب والانتهاكات في السجون السورية، صمم لمحاسبة نظام الأسد وداعميه على جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان.

وفي بيان مشترك، قدم السيناتوران مشروع القرار، قائلين إنه يعكس إدراكاً متزايداً بأنه على الرغم من أن قانون قيصر حقق هدفه المتمثل في عزل نظام الأسد، لكنه يُخاطر الآن بعرقلة مسار سوريا نحو الاستقرار والديمقراطية وإعادة الإعمار. وأكدا على أن إلغاء القانون سيُنهي العقوبات الاقتصادية واسعة النطاق، مع الحفاظ على الأدوات الأميركية لمحاسبة المسؤولين السوريين.

السيناتورة الديمقراطية جين شاهين اعترضت على مشروع العقوبات في «الشيوخ» (رويترز)

صفحة جديدة للسوريين

وقالت السيناتور شاهين: «لدى الشعب السوري فرصة جيل لكتابة فصل جديد لبلاده والشرق الأوسط بأكمله». وأضافت أنه لفترة طويلة جداً، حكمت ديكتاتورية الأسد الوحشية، المدعومة من خصومنا إيران وروسيا، بقبضة من حديد. ولفترة طويلة جداً، عانى الشعب السوري من حرب أهلية مدمرة للتخلص من هذا القمع. وقالت: «يمكننا محاسبة السلطات السورية الجديدة من دون تدمير الاقتصاد. يمكن أن يؤدي التواصل الدبلوماسي المستدام إلى نتائج هائلة». وختمت قائلة: «أتطلع إلى العمل مع المبعوث الخاص توماس براك لدعم تطلعات الشعب السوري إلى الديمقراطية والاستقرار والأمن».

السيناتور الجمهوري راند بول يتحدث إلى الصحافيين في الكونغرس الأحد (أ.ب)

بدوره، قال السيناتور بول: «لسنوات، عارضتُ العقوبات الشاملة التي تضر بالأبرياء أكثر مما تضر بالأنظمة التي تستهدفها. وفي حين أن قانون قيصر كان يهدف إلى عزل نظام الأسد إلا أنه انتهى به الأمر إلى معاقبة السوريين العاديين، مما أدى إلى تأجيج الفقر، وشل الانتعاش، وعرقلة التقدم نحو السلام». وأضاف أن هدف إلغاء القانون هو استعادة نهج أكثر استهدافاً، ومبدئياً يحاسب الجهات السيئة دون إلحاق معاناة لا داعي لها بالأشخاص الذين ندعي دعمهم.

ورغم أن مشروع القرار يعكس إجماعاً كبيراً لدى الحزبين الديمقراطي والجمهوري على تسريع الخطوات لنقل العلاقات الأميركية السورية إلى مرحلة جديدة أكثر عمقاً، غير أنه أثار العديد من التساؤلات في حال لم يؤد إلى تحقيق النتائج المرجوة.

مصافحة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع في الرياض 14 مايو الماضي (أ.ب)

الحفاظ على أدوات ضغط

يقول ماثيو ليفيت، كبير الباحثين في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إنه من المنطقي اليوم إلغاء قانون قيصر بعدما انتفت الأسباب التي أقر من أجلها. وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه عندما أقر مجلس الشيوخ القانون، كان لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سجون نظام الأسد. ومع ذهاب النظام كان من المنطقي إلغاء القانون. لكن ليفيت، أشار إلى أنه من أجل الحفاظ على النفوذ على النظام الجديد في سوريا، ينبغي تعليق بعض العقوبات فقط، وفي الوقت نفسه، رفع العقوبات الثانوية الإلزامية المنصوص عليها في قانون قيصر، التي تعيق التنمية الاقتصادية والإغاثة الإنسانية.

من ناحيته، يرى دكتور مرهف إبراهيم رئيس رابطة العلويين في الولايات المتحدة، أن تعزيز العلاقات السورية الأميركية على جميع الصعد، وإزالة العقوبات والانفتاح السياسي والاقتصادي الأميركي على سوريا، شيء قيّم جداً لبناء سوريا جديدة لها علاقات مميزة مع الولايات المتحدة. وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه من أجل تعزيز هذه العلاقات لا بد لها أن تتوافق مع القيم الأميركية، من التعددية إلى احترام حقوق الإنسان والديمقراطية واللامركزية في إدارة شؤون البلاد، التي حتى الآن لم نلاحظ أن حكومة الرئيس أحمد الشرع الانتقالية قد التزمت بها، ودعا إبراهيم الكونغرس الأميركي بمجلسيه، الشيوخ والنواب، إلى مساءلة الحكومة السورية عن تعهداتها بمعالجة الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، ومراجعة الإجراءات السياسية والدستورية التي اتخذتها حتى الآن، وأثارت الانتقادات لعدم تمثيلها أطياف الشعب السوري.

لوبي سوري - أميركي

من جهته، يقول الناشط السوري، عهد الهندي، كبير الباحثين في مركز اتصالات السلام في واشنطن، إن أهمية المشروع تكمن في أنه يدعو إلى إلغاء القانون من جذوره، أي من مجلس الشيوخ، لأنه صدر عنه وليس عن الرئيس الأميركي. وقال الهندي لـ«الشرق الأوسط» إن تحرك الكونغرس بمجلسيه، يعكس وجود لوبي سوري – أميركي قوي لم يكتفِ بوعود إدارة ترمب، بل يعمل بجد لضمان دعم الحزبين، وتحويل كلام الرئيس في الرياض إلى واقع سياسي وتشريعي ملموس داخل واشنطن.

«قيصر» مخفياً هويته بمعطف أزرق خلال جلسة نقاش في الكونغرس الأميركي لقانون حماية المدنيين السوريين (أ.ف.ب)

وأضاف، أنه على الرغم من عدم وجود سياسة أميركية واضحة حتى الآن تجاه سوريا، فإن إلغاء قانون قيصر، سيساعد في فتح صفحة جديدة، ويوجّه رسالة واضحة مفادها أن إزالة العقوبات ستكون خطوة محورية في إعادة إعمار سوريا. كما سيشكّل ذلك حافزاً للحكومة السورية للحفاظ على السلم الأهلي، واحترام الأقليات، وتجنّب التصعيد الإقليمي أو مع دول الجوار خوفاً من عودة العقوبات أو خسارة العلاقة مع أميركا التي تحتاج إليها حكومة الشرع.

من جهته، يقول الناشط السوري أيمن عبد النور، إن إلغاء القانون لا شك يخدم ويصب في الاتجاه نفسه الذي أراده الرئيس ترمب، لإنعاش سوريا وإعادة إعمارها. وأضاف عبد النور لـ«الشرق الأوسط»، أن إلغاء القانون سيكون في الوقت نفسه أداة لتمكين الإدارة الأميركية من تقييم الأداء السياسي والاقتصادي والمجتمعي للحكومة الجديدة في سوريا، ونزع الحجج من أي ادعاءات عن الأضرار التي يلحقها قانون قيصر في حال بقيت العقوبات التي يفرضها. غير أن عبد النور تساءل عن أسباب عدم توقيع مشروع القرار من قبل رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، السيناتور الجمهوري جيم ريش، الذي كان يفترض أن يكون هو الموقّع مع كبيرة الديمقراطيين السيناتور جين شاهين، وليس السيناتور الجمهوري راند بول، وعما إذا كان هذا يعكس تحفظات وخلافات.

مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا توماس برّاك خلال رفع علم بلاده على مقر إقامة السفير في دمشق (د.ب.أ)

قيود قيصر إذا لم يلغ

ينبغي الإشارة إلى أن عدم إلغاء القانون نهائياً، واستمرار تعليقه مؤقتاً بقرارات تنفيذية جزئية من الرئيس الأميركي، يبقياه سيفاً مسلطاً على سوريا وعلى الجهات التي ترغب في تقديم المساعدات أو القيام باستثمارات، سواء كانت قريبة أو بعيدة المدى. فهو إلى جانب فرضه عقوبات على قطاعات رئيسية تشمل قطاعات البناء والهندسة والطاقة والقطاعات العسكرية المرتبطة بنظام الأسد، فإنه يفرض أيضاً عقوبات ثانوية، تستهدف الأفراد أو الكيانات غير الأميركية التي تتعامل مع الحكومة السورية، بما في ذلك في قطاعات مثل البناء والطاقة والدعم العسكري. وتشمل الأفعال الخاضعة للعقوبة، تقديم السلع، أو الخدمات، أو التمويل للحكومة السورية، أو مؤسسات الدولة الرئيسية، أو دعم العمليات العسكرية السورية، أو المشاركة في أنشطة إعادة إعمار مهمة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام.

كما يجعل بقاء القانون، من الصعب للغاية على الشركات الأجنبية، بما في ذلك تلك الموجودة في الدول المجاورة، مثل لبنان والأردن والإمارات العربية المتحدة، الاستثمار في إعادة إعمار سوريا دون المخاطرة بالعقوبات الأميركية. فهو يُجمّد فعلياً جهود إعادة إعمار سوريا بعد الحرب ما لم يكن هناك إصلاح سياسي، وهي النقطة التي أثارت التساؤلات.

وفي حال قرر مجلس الشيوخ رفعه، فإن العودة إلى تطبيقه في حال سلكت الأمور في سوريا مساراً مختلفاً، قد لا تكون سهلة، حيث يحتاج إلى توافقات حزبية وسياسية وحتى تنسيق دولي وإقليمي.


مقالات ذات صلة

خاص عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز) p-circle

خاص واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

صعّد الكونغرس الضغوط على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية؛ لأن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أفراد من القوات الجوية الأميركية يقومون بأعمال صيانة على مدرج قاعدة فيرفورد الجوية في غرب إنجلترا - يوم 8 أبريل (إ.ب.أ)

ترمب أمام استحقاق «سلطات الحرب» مع اقتراب مهلة 60 يوماً

يتيح القانون تمديداً لمرة واحدة لمدة 30 يوماً، إذا قدّم الرئيس إفادة خطية بأن وقتاً إضافياً ضروري لتسهيل الانسحاب الآمن للقوات الأميركية.

روبرت جيميسون (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاشة هاتف أحد السكان المحليين وفيها تحديثات حول التصويت على إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في فيرجينيا (أ.ف.ب)

فيرجينيا تمنح الديمقراطيين أفضلية في حرب الدوائر الانتخابية

انتصر الديمقراطيون في استفتاء فيرجينيا على إعادة تقسيم دوائرها الانتخابية، مما يؤجج حرب ترسيم الدوائر مع الجمهوريين عبر الولايات قبل الانتخابات النصفية للكونغرس

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وكيل وزارة الحرب جولز هيرست (يسار) ومدير هياكل القوات الفريق ستيفن ويتني يعقدان مؤتمراً صحافياً لمناقشة طلب ميزانية وزارة الدفاع الأميركية للسنة المالية 2027 في البنتاغون في 21 أبريل 2026 في أرلينغتون بولاية فيرجينيا الأميركية (أ.ف.ب)

ترمب يطلب ميزانية دفاع بقيمة 1.5 تريليون دولار لسنة 2027

كشفت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، الثلاثاء، عن مزيد من التفاصيل بشأن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب ميزانية الدفاع البالغة 1.5 تريليون دولار ﻟ2027.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض

 الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
TT

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض

 الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)

أظهر مقطع مصور ‌من ‌حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض ​أن الحاضرين، ⁠ومن بينهم الرئيس ⁠دونالد ترمب، ‌احتموا ‌خلال ​الحفل ‌اليوم ‌السبت عقب ‌سماع ضجيج مرتفع.

ولم تظهر علامات على وقوع إصابات بعد إجلاء الرئيس من الحفل.

وأفاد مصدر لوكالة «اأنباء أسوشيتد برس»، أن ترمب ونائبه جي دي فانس لم يصابا بأذى بعد الحادث.


مقتل ضابط وإصابة آخر في إطلاق نار بمستشفى في مدينة شيكاغو الأميركية

رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
TT

مقتل ضابط وإصابة آخر في إطلاق نار بمستشفى في مدينة شيكاغو الأميركية

رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)

توفي ضابط شرطة وأصيب آخر بجروح حرجة بعد إطلاق نار في مستشفى بمدينة شيكاغو الأميركية يوم السبت، وفقا لمسؤولين.

وقال لاري سنيلينج، مدير شرطة شيكاغو، إنه تم احتجاز المشتبه به، الذي لم يجر الكشف عن هويته.

وقال سنيلينج في مؤتمر صحافي بعد الظهر: «نقل الضباط فردا إلى مستشفى سويديش للملاحظة، وفي ذلك الوقت تعرض اثنان من ضباطنا لإطلاق نار. أحدهما أصيب بجروح حرجة وأعلنت وفاته، والضابط الثاني يقاتل الآن من أجل حياته في المستشفى».

ووقع إطلاق النار في مستشفى «إنديفور هيلث سويديش» في شيكاغو، وقال المستشفى إن مجمعه وضع تحت الإغلاق، وإن المرضى والموظفين في المنشأة الصحية في أمان.

وذكر سنيلينج أن هناك تحقيقا جاريا، ولم يتمكن من تقديم تفاصيل. لكن المستشفى ذكر في منشور على «فيسبوك» أن فردا كان محتجزا لدى السلطات الأمنية أحضر إلى قسم الطوارئ لتلقي العلاج وتم «تفتيشه عند الوصول» بجهاز الكشف اليدوي، وفقا للبروتوكولات. وقال المستشفى إنه كان برفقة قوات إنفاذ القانون في جميع الأوقات.

وأضاف المستشفى أن الرجل أطلق النار لاحقا على ضباط إنفاذ القانون وخرج من مبنى المستشفى، وتم القبض عليه في وقت لاحق.


غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
TT

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

عندما تفاوض الرئيس باراك أوباما على اتفاق نووي مع إيران قبل أكثر من عقد، كان مبعوثه الرئيسي هو وزير الخارجية جون كيري. وعلى مدى 20 شهراً من المحادثات، التقى كيري نظيره الإيراني فيما لا يقل عن 18 يوماً مختلفاً، وغالباً عدة مرات في اليوم الواحد.

وكانت الدبلوماسية النووية رفيعة المستوى تُعدّ دوراً طبيعياً لكبير الدبلوماسيين الأميركيين، فعادة ما يتولى وزراء الخارجية قيادة أبرز المهام الدبلوماسية للبلاد، من معاهدات الحدّ من التسلح إلى الاتفاقات الإسرائيلية - الفلسطينية.

لكن مع استعداد الرئيس دونالد ترمب لإرسال وفد إلى الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية - الإيرانية في باكستان هذا الأسبوع، سيبقى وزير خارجيته، ماركو روبيو، حيث يوجد غالباً: داخل الولايات المتّحدة. ولم يحضر روبيو الاجتماع الأميركي الأخير مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر. كما لم يشارك في عدة اجتماعات عُقدت خلال العام الماضي في جنيف والدوحة.

وغاب روبيو أيضاً عن وفود أميركية في الخارج تعمل على تسوية الحرب في أوكرانيا وحرب إسرائيل في قطاع غزة. وعلى الرغم من فترة طويلة من الأزمات والحروب في المنطقة، فإنه لم يزر الشرق الأوسط منذ توقف قصير في إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

منصب مزدوج

وفي الأشهر الأخيرة، لم يسافر روبيو كثيراً على الإطلاق؛ إذ استهلكه دوره الثاني بوصفه مستشاراً للأمن القومي لدى ترمب. وخلال إدارة جو بايدن، قام وزير الخارجية أنتوني بلينكن بـ11 رحلة خارجية بين يناير (كانون الثاني) 2024 وأواخر أبريل (نيسان) 2024، زار خلالها نحو ثلاث عشرة مدينة، وفق وزارة الخارجية. أما روبيو، فقد زار هذا العام ست مدن أجنبية، من بينها محطة في ميلانو لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.

وقد عهد ترمب بجزء كبير من دبلوماسيته إلى آخرين، بينهم صديقه ستيف ويتكوف، وهو شريك ثري من عالم العقارات في مانهاتن، وصهره جاريد كوشنر. وقد قاد ويتكوف وكوشنر الجهود الدبلوماسية مع إسرائيل وأوكرانيا وروسيا، وكذلك إيران، التي سيلتقي وفدها للمرة الثانية هذا الشهر في إسلام آباد، عاصمة باكستان.

ويعكس ابتعاد روبيو عن خطوط التماس الدبلوماسية دوره المزدوج في فريق الأمن القومي لترمب. فعلى مدى العام الماضي، شغل منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، حتى في أثناء قيادته وزارة الخارجية - وهو أول شخص يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في منتصف سبعينات القرن الماضي.

ويتولى وزير الخارجية إدارة وزارة الخارجية، والإشراف على الدبلوماسيين الأميركيين والسفارات حول العالم، إضافة إلى صُنّاع السياسات في واشنطن. أما مستشار الأمن القومي فيعمل من البيت الأبيض على تنسيق عمل الوزارات والوكالات، بما في ذلك وزارة الخارجية، لوضع توصيات سياسية للرئيس.

تعزيز العلاقة مع ترمب

ويعكس الجمع بين المنصبين نفوذ روبيو لدى ترمب، ويُوفّر له وسيلة للحفاظ عليه. فبالنسبة لروبيو، يعني قضاء وقت أقل في الخارج وقتاً أطول إلى جانب رئيس يميل إلى اتخاذ قرارات حاسمة في مجال الأمن القومي في أي لحظة.

وعندما التقى ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس مسؤولين إيرانيين في باكستان، في وقت سابق من هذا الشهر، كان روبيو إلى جانب ترمب في فعالية لـ«بطولة القتال النهائي»، بحسب ما أشارت إليه إيما أشفورد، المحللة في شؤون الدبلوماسية الأميركية لدى مركز «ستيمسون» في واشنطن. وقالت: «من الواضح أن روبيو يفضل البقاء قريباً من ترمب».

وكان روبيو قد تولى منصب مستشار الأمن القومي بصفة مؤقتة في مايو (أيار) الماضي، بعد أن أعاد ترمب تكليف شاغل المنصب السابق مايكل والتز. غير أن مسؤولين يقولون إنه يُتوقع أن يحتفظ بالمنصب إلى أجل غير مسمى. وأضافت أشفورد أن هذا الترتيب ليس سيئاً بالضرورة، مشيرة إلى أن رؤساء سابقين أوكلوا مهام دبلوماسية كبرى إلى أشخاص غير وزير الخارجية. فقد كلّف بايدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز بإدارة الدبلوماسية مع روسيا، ومفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، على سبيل المثال.

لكنها رددت شكاوى العديد من الدبلوماسيين الحاليين والسابقين بأن روبيو يبدو كمستشار أمن قومي يظهر أحياناً في وزارة الخارجية. وقالت: «أعتقد أن ذلك يضر بوزارة الخارجية ككل، وبقدرة الولايات المتحدة على إدارة الدبلوماسية بشكل عام؛ إذ إننا فعلياً لدينا منصب وزير الخارجية شاغراً».

من جانبه، رفض تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هذه الانتقادات، قائلاً: «أي شخص يحاول تصوير التنسيق الوثيق بين الوزير روبيو والبيت الأبيض والوكالات الأخرى على أنه أمر سلبي، فهو مخطئ تماماً». وأضاف: «لدينا الآن مجلس أمن قومي ووزارة خارجية يعملان بتناغم كامل، وهو هدف استعصى على إدارات سابقة لعقود».

توازن صعب

ويقسم روبيو وقته بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وغالباً ما يقضي وقتاً في كليهما في اليوم نفسه. وفي مقابلة مع «بوليتيكو» في يونيو (حزيران)، قال إنه يزور وزارة الخارجية «تقريباً كل يوم».

وفي أثناء وجوده هناك، يلتقي غالباً مسؤولين زائرين قبل أن يعود إلى البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، ترأس روبيو اجتماعاً في وزارة الخارجية بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين مهّد الطريق لوقف إطلاق النار في لبنان. وقال إن وظيفتيه «تتداخلان بالفعل في كثير من الحالات». وأضاف: «في كثير من الأحيان، تجد نفسك في الاجتماعات نفسها أو في الأماكن نفسها؛ الأمر ببساطة أن هناك شخصاً أقل في الغرفة، إذا فكرت في الأمر». وتابع: «كان كثير من الناس يأتون إلى واشنطن للاجتماعات ويرغبون في لقاء مستشار الأمن القومي ثم لقائي بصفتي وزير الخارجية. الآن يمكنهم القيام بالأمرين في اجتماع واحد».

وعند سؤاله عن جدول سفره خلال مؤتمر صحافي في ديسمبر (كانون الأول)، قال روبيو إن لديه أسباباً أقل للسفر إلى الخارج؛ لأن «الكثير من القادة يأتون إلى هنا باستمرار» لزيارة ترمب في البيت الأبيض. كما يرافق روبيو ترمب في رحلاته الخارجية بصفته مستشاراً للأمن القومي.

ويرى العديد من المخضرمين في شؤون الأمن القومي أن هذا الترتيب غير حكيم، مؤكدين أن كلا المنصبين شديد المتطلبات، ولا يتوافقان معاً.

تجربة كيسنجر

ولم يكن الأمر سهلاً حتى بالنسبة لكيسنجر، الذي كان قد رسّخ موقعه على مدى أكثر من أربع سنوات مستشاراً للأمن القومي قبل أن يقنع الرئيس ريتشارد نيكسون بالسماح له بتولي منصب إضافي كوزير للخارجية عام 1973. وعلى عكس نهج روبيو، كان كيسنجر دائم الحركة، بما في ذلك جولات دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط أبقته متنقلاً لمدة 33 يوماً متواصلة.

وقال ماثيو واكسمان، الذي شغل مناصب رفيعة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والبنتاغون خلال إدارة جورج دبليو بوش: «بشكل عام، يُعد الجمع بين هذين الدورين خطأ». وأضاف: «مع ذلك، ليس بالضرورة أمراً سيئاً أن يكون روبيو، الذي يجمع بين المنصبين، بعيداً نسبياً عن الواجهة حالياً». وتابع: «خاصة في وقت يتركز فيه كثير من الاهتمام على دبلوماسية دقيقة مع إيران، يحتاج شخص ما إلى إدارة السياسة الخارجية في بقية أنحاء العالم».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».