ترحيل أطفال أميركيين يثير جدلاً واسعاً

إدارة ترمب تتذرع بمنح ذويهم خيار السفر من دونهم

تحدَّث بول كريستيان نامفي المنظّم الرئيسي لحركة «شبكة العمل الأسري» عن سياسات الهجرة الجديدة خلال مؤتمر صحافي عُقد في ميامي بالولايات المتحدة الأميركية... 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)
تحدَّث بول كريستيان نامفي المنظّم الرئيسي لحركة «شبكة العمل الأسري» عن سياسات الهجرة الجديدة خلال مؤتمر صحافي عُقد في ميامي بالولايات المتحدة الأميركية... 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)
TT

ترحيل أطفال أميركيين يثير جدلاً واسعاً

تحدَّث بول كريستيان نامفي المنظّم الرئيسي لحركة «شبكة العمل الأسري» عن سياسات الهجرة الجديدة خلال مؤتمر صحافي عُقد في ميامي بالولايات المتحدة الأميركية... 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)
تحدَّث بول كريستيان نامفي المنظّم الرئيسي لحركة «شبكة العمل الأسري» عن سياسات الهجرة الجديدة خلال مؤتمر صحافي عُقد في ميامي بالولايات المتحدة الأميركية... 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

تعرَّضت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لانتقادات شديدة؛ بسبب ترحيلها كثيراً من الأطفال الأميركيين مع ذويهم الذين وفدوا إلى الولايات المتحدة من بلدان مختلفة، ويقيمون فيها بصورة غير شرعية.

ونفى المسؤولون في إدارة ترمب السعي إلى عمليات الترحيل هذه، بل دافعوا عنها بذريعة أن ذوي هؤلاء الأطفال اختاروا اصطحاب أطفالهم معهم بدلاً من إبقائهم على الأراضي الأميركية.

يحضر نشطاء الهجرة مؤتمراً صحافياً حول قرار المحكمة العليا الأميركية الذي يسمح لإدارة الرئيس الأميركي ترمب بإلغاء حماية الإفراج المشروط في مقر حركة «شبكة العمل الأسري» في ميامي بالولايات المتحدة الأميركية... 2 يونيو 2025 (إ.ب.أ)

بيد أن وكلاء الدفاع عن العائلات المعنية يؤكدون أن موكليهم لم يُعطوا إشعاراً كافياً، وأُجبروا على اتخاذ قرارات ارتجالية في شأن ما يجب فعله بالأطفال المولودين في الولايات المتحدة، ويحملون الجنسية الأميركية. وأوضح المحامون أن هناك مجموعة محددة من البروتوكولات التي يُفترَض أن تتبعها إدارة الهجرة والجمارك الأميركية عند الاستعداد لترحيل أي شخص لديه قاصر، سواء كان هذا الطفل مواطناً أم لا، وهذا يشمل توفير إمكان الوصول إلى مستشار قانوني، وهو ما لم يُطبَّق في أي من هذه الحالات.

يحضر نشطاء الهجرة مؤتمراً صحافياً حول قرار المحكمة العليا الأميركية الذي يسمح لإدارة الرئيس الأميركي ترمب بإلغاء حماية الإفراج المشروط في مقر حركة «شبكة العمل الأسري» في ميامي بالولايات المتحدة الأميركية... 2 يونيو 2025 (إ.ب.أ)

وتَواصَل النائب الديمقراطي سيث ماغازينر، مع محامي كثير من العائلات، وبينهم امرأة هندوراسية لديها طفلان أميركيان، أحدهما يبلغ من العمر 4 سنوات ومصاب بالسرطان في مرحلته الرابعة. وقال: «لم تُقدِّم الأم أي موافقة في أي وقت. ولم تُوقِّع على أي شيء في أي وقت. ولم تُتح لها فرصةُ التحدث مع مستشار قانوني، على الرغم من وجود المحامي في المبنى نفسه في ذلك الوقت».

وليست هذه المرأة الوحيدة التي تواجه هذا الوضع، إذ جرى ترحيل أم هندوراسية أخرى إلى بلدها الأصلي مع طفلها الأميركي الذي يبلغ من العمر سنتين، بينما كان الأب يُعدُّ وثائق الحضانة.

نفذ ضباط إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية مذكرة تفتيش جنائية في 30 مايو 2025 في سان دييغو بكاليفورنيا (أ.ب)

وهناك والدان مكسيكيان يعيشان في تكساس، رُحِّلا مع 5 من أطفالهما الـ6 بعد توقيفهم عند نقطة تفتيش حدودية، عندما كانوا في طريقهم لتلقي علاج طارئ لابنتهما الأميركية البالغة من العمر 10 سنوات.

خيار الآباء

وقال وكيل الدفاع عن العائلة، المحامي داني وودوارد، إن الأسرة لديها وضع اجتماعي مختلط؛ لأن لديها أطفالاً وُلدوا في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى طفل وُلد في المكسيك. وأضاف أن الوالدين لم يُمنَحا أي خيار ذي معنى حيال ما سيفعلانه بابنتهما وبقية أطفالهما الأميركيين.

ويردد مكتب الجمارك وحماية الحدود مراراً أن «الآباء جميعاً منحوا خياراً في شأن ما يجب أن يحدث». لكن ما حدث في هذه الحالة هو أن الوالدين تعرَّضا لضغوط متكرِّرة لتوقيع أوراق الترحيل، وقيل لهما ببساطة: «خياراكما هما: إما إعادة أطفالكما إلى المكسيك، جميعاً، أو تسليمهما إلى الحكومة ولن ترياهم مجدداً».

والتقى رئيس الكتلة الهسبانية في الكونغرس، النائب الديمقراطي أدريانو أسبايلات، أفراد العائلة في المكسيك. وقال إن هذا الأمر كان مزعجاً للعائلة؛ فالابنة لا تتلقى العلاج، بينما لا يستطيع الأطفال الأميركيون الالتحاق بالمدرسة. وقال إن «الطفلة الصغيرة غير قادرة على الحصول على العلاج اللازم للتعامل مع مرضها»، مضيفاً أن «جهود الترحيل الجماعي التي تبذلها الإدارة بدأت تؤتي ثمارها، وهي الآن أكثر ضخامة». وأكد أن «هذا يحدث لحاملي البطاقة الخضراء («غرين كارد» للإقامة الدائمة) والمواطنين الأميركيين، خصوصاً الأطفال. لذا، فهي ليست مجرد مشكلة تتعلق بالأشخاص غير الموثقين، بل تؤثر على الجميع».

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم قالت «نحن لا نُرحل المواطنين الأميركيين... ولم نُرحل مواطنين أميركيين» (رويترز)

وصوَّرت وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، الأمر بأنه اختيار الوالدين، قائلة لمُشرِّعين خلال جلسة استجواب في مايو (أيار) الماضي: «نحن لا نُرحِّل المواطنين الأميركيين، ولم نُرحِّل مواطنين أميركيين».

كما انتقدت إدارة ترمب، هذا الأسبوع، تقريراً لصحيفة «واشنطن بوست» عرض بالتفصيل قضية طفلة تبلغ من العمر عامين، وُلدت في فلوريدا لأبوين برازيليَّين لا يتمتعان بوضع قانوني في الولايات المتحدة. وجرى ترحيلهما من دون ابنتهما إلى البرازيل.

«معلومات كاذبة»

وأفادت وزارة الأمن الداخلي: «تُغذي وسائل الإعلام الجمهور بمعلومات كاذبة مفادها أن أطفالاً أميركيين يُرحَّلون. هذا كذبٌ وغير مسؤول». وأضافت: «يُسأل الآباء عمّا إذا كانوا يرغبون في ترحيلهم مع أطفالهم، وإلا ستُرسلهم إدارة الهجرة والجمارك مع شخص يُعينه الوالد. ويُمكن للآباء المقيمين هنا بشكل غير قانوني التحكم في مغادرتهم»، مذكرة بأن الحكومة الأميركية «تُقدِّم للمهاجرين غير الشرعيين ألف دولار أميركي ورحلة طيران مجانية لترحيلهم بأنفسهم الآن».

زملاء الطالب البرازيلي مارسيلو غوميز دا سيلفا الذي ورد أنه تم احتجازه من قبل عملاء دائرة الهجرة والجمارك ينضمون إلى أعضاء المجتمع في تجمع لدعمه بعد تخرجهم في المدرسة الثانوية في ماساتشوستس بالولايات المتحدة... 1 يونيو 2025 (رويترز)

في غضون ذلك، دافع القائم بأعمال مدير دائرة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية، تود ليونز، عن قرار اعتقال الطالب البرازيلي مارسيلو غوميز دا سيلفا (18 عاماً) في مدرسة ثانوية في ماساتشوستس وهو في طريقه إلى تدريب الكرة الطائرة، قائلاً إنه «في هذا البلد بشكل غير قانوني، ولن نتهاون مع أي شخص».

وأثار اعتقال الطالب المقيم في الولايات المتحدة منذ عام 2012 احتجاجاً ضخماً، الأحد، في بوسطن، بالإضافة إلى المطالبة بمعلومات عن الواقعة من حاكمة الولاية، الديمقراطية مورا هيلي، التي قالت إنها «منزعجة وغاضبة».

وتحدَّث ليونز عن اعتقال غوميز، في أثناء إعلانه نتائج حملة إنفاذ قوانين الهجرة في ماساتشوستس، التي أدت عن احتجاز نحو 1500 شخص، الشهر الماضي، في إطار جهود الرئيس ترمب لتكثيف عمليات الترحيل الجماعي.


مقالات ذات صلة

سلطات بنغازي تطلب تعاوناً أوروبياً لمواجهة الهجرة غير النظامية

شمال افريقيا عدد من المهاجرين غير النظاميين داخل منشأة لـ«جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» (الجهاز)

سلطات بنغازي تطلب تعاوناً أوروبياً لمواجهة الهجرة غير النظامية

قال اللواء صلاح الخفيفي رئيس «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» في شرق ليبيا، إن «مخاطر الظاهرة على الأمن الإقليمي والعالمي تستوجب من الجميع التعاون مع بلاده».

علاء حموده (القاهرة)
تحليل إخباري مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

تحليل إخباري لماذا تفشل الجهود الليبية والأوروبية في كبح الهجرة غير النظامية؟

فجَّر حادث مصرع 22 مهاجراً غير نظامي قبالة سواحل اليونان، بعدما ضلوا الطريق إلى أوروبا تساؤلات عدة، بشأن الجهود التي تتخذها السلطات الليبية لمنع عمليات التهريب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر خلال استقبال وزير الخارجية اليوناني في بنغازي السبت (إعلام القيادة العامة)

ليبيا: «الهجرة غير النظامية» تتصدر محادثات حفتر ووزير خارجية اليونان

تصدر ملف الهجرة غير النظامية محادثات قائد «الجيش الوطني» في شرق ليبيا المشير خليفة حفتر مع وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس، السبت.

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (رويترز)

ظلوا لـ9 أيام في البحر... غرق 22 مهاجراً قبالة سواحل اليونان

لقي 22 مهاجراً مصرعهم بعدما بقوا 6 أيام عالقين في قاربهم المطاطي في البحر الأبيض المتوسط، عقب انطلاقهم من ليبيا، حسبما أفاد خفر السواحل اليوناني.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
TT

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن العمليات العسكرية الأميركية على إيران «تقترب من نهايتها».

وأضاف ترمب في مقابلة مع شبكة «إن بي سي نيوز»: «نبلي بلاءً حسناً... العمليات تقترب من نهايتها»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

دخلت المواجهة في الشرق الأوسط منعطفاً شديد الخطورة، حيث رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتيرة الضغوط العسكرية والسياسية على إيران إلى مستويات غير مسبوقة. وفي تحول ميداني بارز، اتسعت رقعة الحرب لتشمل ضربات أميركية-إسرائيلية منسقة طالت منشآت عسكرية حيوية في قلب العاصمة طهران ومدينة أصفهان، وسط مؤشرات على غياب أي تراجع قريب في حدة الهجمات.

سياسياً، تمسك ترمب بمطلب إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، موجهاً رسائل حازمة لحلفاء واشنطن بضرورة تحمل دور أكبر في هذه المعركة. وفي تصريح يعكس نهجه «الواقعي»، قال ترمب إن الدول المتضررة من ارتفاع أسعار الوقود يجب أن «تذهب وتجلب نفطها بنفسها»، منتقداً الحلفاء الذين لا يشاركون بفعالية في تأمين الممر الحيوي.


ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)

لاحظ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن فرنسا لم تكن متعاونة مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، منتقداً حظرها تحليق الطائرات الأميركية فوق أراضيها، من دون أن يتضح ما كان يقصده بالضبط، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «لم تسمح فرنسا للطائرات المتجهة إلى إسرائيل، والمحملة معدات عسكرية، بالتحليق فوق أراضيها. كانت فرنسا غير متعاونة إطلاقاً، بينما تتصل بالجزار الإيراني الذي تم القضاء عليه بنجاح».

وقال قصر الإليزيه للصحافيين، الثلاثاء، رداً على تصريحات ترمب، إن هذا القرار يتماشى مع الموقف الفرنسي منذ بداية الحرب، وأضاف: «لم تُغيِّر فرنسا موقفها منذ البداية. لقد فوجئنا بهذا المنشور» لترمب.

ولم تعلن باريس رسمياً أو علناً حظراً لتحليق الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب فوق أراضيها، على عكس إسبانيا.

وكانت إسبانيا التي أعلنت حكومتها اليسارية «معارضتها التامة» للهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت الاثنين إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب.


هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
TT

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

لم يعد السؤال في واشنطن حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق ضرر عسكري كبير بإيران، بل ما إذا كان هذا النجاح يكفي لتبرير وقف الحرب قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

فالإشارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض والتسريبات الصحافية توحيان بأن الرئيس دونالد ترمب بات أقرب إلى تضييق أهدافه العملية: ضرب البحرية الإيرانية، استنزاف مخزون الصواريخ، تقويض القاعدة الصناعية الدفاعية، ثم الانتقال إلى ضغط دبلوماسي يحمّل الآخرين عبء الملاحة والطاقة. غير أن هذه المقاربة لا تبدو مستقرة بعد؛ لأن ترمب نفسه يراوح بين لغة التهدئة ولغة التهديد، فيما تواصل طهران تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي صمد عسكرياً وانتزع ورقة ضغط اقتصادية عالمية من خلال هرمز. بهذا المعنى، دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد معركة إسقاط النظام بالضرورة، لكنها لم تصبح أيضاً تسوية قابلة للحياة.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

أهداف تتقلص

أبرز ما تكشف عنه التطورات الأخيرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد، في الخطاب الأميركي الأحدث، هدفاً عسكرياً فورياً بالمعنى نفسه الذي طُرح سابقاً. «وول ستريت جورنال» ذكرت أن ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً إلى حد كبير، على أن تُترك مهمة إعادة فتحه لاحقاً للدبلوماسية أو لتحالفات دولية أوسع. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل إقرار ضمني بأن انتزاع المضيق بالقوة قد يجر واشنطن إلى حرب أطول وأثقل مما يريده الرئيس، وخصوصاً إذا استلزم الأمر بقاء قوات برية أو السيطرة على عقد استراتيجية مثل جزيرة خرج أو فرض حماية دائمة للممر البحري.

Spain's Patriot system at Incirlik Air Base in southern Turkey (AFP)

لكن تضييق الأهداف لا يحل المعضلة، بل يعيد صياغتها. فإذا توقفت الحرب قبل فتح هرمز، تكون إيران قد خسرت كثيراً من قدراتها العسكرية، لكنها تكون أيضاً قد فرضت على العالم معادلة خطيرة: تستطيع قوة إقليمية متضررة أن تشل أحد أهم شرايين الطاقة ثم تنتزع مفاوضات من موقع التعطيل. لذلك يتركز كثير من النقد الأميركي حول الفجوة بين «النجاح العسكري» و«النتيجة الاستراتيجية». فالتوقف الآن قد يعني الاكتفاء بتقليص التهديد الإيراني من دون إزالة ورقة الابتزاز البحري، بينما يعني الاستمرار حتى فتح المضيق بالقوة احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة النهاية.

إيران تراهن على البقاء

في المقابل، تبدو طهران كأنها قرأت هذا التردد الأميركي بوصفه فرصة لاختبار السقف النهائي لترمب. رسالتها المعلنة لا تقتصر على رفض الخطة الأميركية، بل تذهب أبعد من ذلك: لا تفاوض فعلياً قبل وقف الضربات، ولا عودة طبيعية للممر البحري قبل انتزاع تنازلات تتعلق بالسيادة والضمانات وربما التعويضات. ومن هنا يمكن فهم تصريحات نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن أن «الأعداء» باتوا يطلبون التفاوض بشأن المضيق، في محاولة لتثبيت رواية داخلية وخارجية تقول إن إيران، رغم الضربات، لم تُهزم سياسياً، وإن هرمز جعل الآخرين بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليهم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ب)

هذا لا يعني أن إيران في وضع مريح. العكس هو الأرجح عسكرياً واقتصادياً. لكن حساباتها الحالية تبدو قائمة على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن مجرد استمرار قدرتها على تهديد الملاحة يمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل من موقع طرف مهزوم تماماً. كما أن سماحها الانتقائي لبعض السفن أو لبعض الدول الصديقة بالمرور لا يعني فتح المضيق فعلاً، بل إدارة الإغلاق بطريقة تخلق شبكة مصالح وضغوط متعارضة بين القوى الكبرى، والمستوردين الآسيويين، والحلفاء الخليجيين. إنها تحاول تحويل هرمز من ساحة عسكرية إلى سوق مساومات.

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

الميدان يضغط

على جبهة المفاوضات، لا تزال الصورة ضبابية. هناك حديث أميركي عن اتصالات و«محادثات» أكثر منه عن مفاوضات كاملة، مع تداول دور لباكستان في نقل مقترحات، وسعي أطراف إقليمية ودولية إلى بلورة إطار يسمح بوقف الحرب أو على الأقل تجميدها. لكن اللافت أن واشنطن نفسها تبدو منقسمة في توصيف ما تريد الوصول إليه: ترمب يلمّح أحياناً إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة «عقلانية»، ثم يعود إلى التهديد بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه؛ وزير خارجيته ماركو روبيو يتحدث عن أسابيع قليلة إضافية لاستكمال الأهداف العسكرية، ثم يربط ملف هرمز بخيارات إيران أو بتحالف دولي لاحق.

صورة لانفجارات قوية قيل إنها لقصف أميركي بقنابل خارقة لإحدى القواعد العسكرية الإيرانية في مدينة أصفهان (رويترز)

هذا التناقض ليس مجرد فوضى خطابية، بل يعكس مأزقاً حقيقياً: كيف يمكن الجمع بين الرغبة في نهاية سريعة للحرب والحاجة إلى نتيجة لا تبدو كأنها تترك لإيران قدرة مزمنة على تعطيل التجارة العالمية؟ ميدانياً، يزيد هذا المأزق استمرار الحشد العسكري الأميركي. فبينما يلوّح ترمب بإنهاء الحرب من دون حسم ملف المضيق فوراً، تستمر واشنطن في دفع أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ويستمر النقاش حول خيارات أكثر خطورة، من حماية الممرات بالقوة إلى السيطرة على عقد استراتيجية أو نشر مزيد من القوات البرية. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن خيار «الإنهاء السريع» لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مستقر، بل لا يزال أداة ضغط تفاوضي قد تنقلب سريعاً إذا واصلت إيران الرفض أو رفعت مستوى التهديد.

حلفاء مرتبكون

خارجياً، تكشف الأزمة عن حدود الحلفاء أكثر مما تكشف عن قوتهم. بريطانيا تحاول تسويق مشاركتها على أنها «دفاعية» لا «هجومية»، رغم أن قواعدها تستضيف قاذفات أميركية تنفذ ضربات مرتبطة مباشرة بمسرح الحرب. أما أوروبا فمأزقها مضاعف: فهي تحتاج إلى استقرار الطاقة وحرية الملاحة، لكنها تخشى الغرق في حرب جديدة لا تملك أدوات التحكم بها، بينما تضغط عليها في الداخل فاتورة النفط والغاز والتضخم والإنفاق الدفاعي. لذلك، فإن أي رهان أميركي على أن يتولى الأوروبيون أو تحالف واسع مهمة إعادة فتح هرمز لاحقاً يصطدم بحقيقة أن هذه الأطراف لا تريد حرباً ممتدة، ولا تملك دائماً هامشاً سياسياً أو عسكرياً لتحملها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على درج الطائرة الرئاسية قبيل عودته إلى واشنطن من منتجعه في فلوريدا (رويترز)

وهنا برز العرض الأوكراني؛ فقد طرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة بلاده في كسر الحصار البحري الروسي في البحر الأسود بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه في هرمز. سياسياً، يحمل العرض رسالة بأن كييف تريد أن تقدم نفسها شريكاً أمنياً لا مجرد طالب سلاح. أما عملياً، فإن التجربة الأوكرانية تتضمن عناصر جدية، مثل استخدام المسيّرات البحرية، والدفاع الساحلي المتكامل، والتعامل مع الألغام، وتأمين ترتيبات الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الخبرة إلى هرمز ليس أمراً آلياً؛ لأن الجغرافيا مختلفة، والخصم مختلف، وتشابك الحرب مع أسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير. لذلك قد تكون القيمة الفعلية للعرض الأوكراني تقنية وتكتيكية أكثر منها حلاً استراتيجياً كاملاً..

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز)

في المحصلة، يبدو ترمب أقرب اليوم إلى حسم من نوع خاص: ليس حسم الحرب، بل حسم أولوياته داخلها. فإذا اختار إنهاء الحملة قبل فتح هرمز، فيكون قد قرر أن تقليص الخطر الإيراني أهم حالياً من فرض نظام ملاحي جديد بالقوة. وإذا تراجع عن ذلك، فسيكون قد أقر بأن أي نهاية للحرب من دون كسر قبضة إيران على المضيق هي نهاية ناقصة وربما مكلفة سياسياً. وحتى الآن، لا يبدو أن إيران مستعدة لتسهيل هذا الاختيار، بل تراهن على أن عنادها ومرونتها الانتقائية في آن سيدفعان واشنطن إلى قبول تسوية أدنى من شعاراتها الأولى. لهذا، فإن الأيام المقبلة لن تختبر فقط قدرة ترمب على إنهاء الحرب، بل قدرته على تعريف ما يعدّه «انتصاراً» أصلاً.