تحويلات المغتربين المصريين... معيشة وترفيه واستثمار

«تدفقات تاريخية» للعملة الصعبة تنعش الاقتصاد

مؤتمر مصري يستعرض جهود الحكومة في رعاية أبنائها بالخارج يوم 3 أغسطس 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
مؤتمر مصري يستعرض جهود الحكومة في رعاية أبنائها بالخارج يوم 3 أغسطس 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
TT

تحويلات المغتربين المصريين... معيشة وترفيه واستثمار

مؤتمر مصري يستعرض جهود الحكومة في رعاية أبنائها بالخارج يوم 3 أغسطس 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
مؤتمر مصري يستعرض جهود الحكومة في رعاية أبنائها بالخارج يوم 3 أغسطس 2025 (وزارة الخارجية المصرية)

لم تعد الشابة العشرينية أسماء شعبان (اسم مستعار)، تحمل همّ تلبية طلبات طفلَيها منذ سافر زوجها إلى السعودية، قبل نحو عام للعمل في مجال الأشعة الطبية؛ فقد اعتاد أن يرسل لهم حوالة بنكية بمتوسط 1500 ريال سعودي (نحو 20 ألف جنيه) كل شهر «تنفق الأسرة منها على أساسيات المعيشة وبعض رفاهيات كانوا محرومين منها»، وفق حديث «أسماء» التي تقطن في منطقة فيصل بالجيزة.

حال هذه الأسرة، الذي تحسن بفضل عمل مُعيلها بالخارج، يعكس أحوال أسر مصرية كثيرة من طبقات اجتماعية مختلفة تستند في معيشتها على تحويلات المغتربين، والتي باتت تشهد مؤخراً زيادات غير مسبوقة وُصفت بـ«القفزات التاريخية»، بفضل استقرار سوق الصرف الرسمية، وتراجع «السوق السوداء» الموازية، وسط توجه حكومي لزيادة أعداد المصريين العاملين في الخارج، لزيادة الحصيلة الدولارية من تحويلاتهم.

وبلغت تحويلات المغتربين 37.5 مليار دولار (الدولار بنحو 48 جنيهاً) خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2025، بزيادة 42.5 في المائة عن نفس الفترة من عام 2024، وفق البنك المركزي، مسجلة بذلك «أعلى قيمة تاريخية».

ويصف الباحث والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، تحويلات المصريين في الخارج بالمصدر الدولاري «الأكثر أماناً واستدامة»، مقارنة بمصادر أخرى مثل السياحة وقناة السويس والمعاملات التجارية التي تتأثر بالأحداث الخارجية، متوقعاً أن تتواصل الزيادة مع تسجيل أرقام قياسية جديدة، في ظل استقرار سوق الصرف.

ويوجد نحو 11 مليون مغترب مصري حتى عام 2022، وهي آخر إحصائية رسمية بأعدادهم نشرها «الجهاز المركزي للإحصاء». وتعمل الحكومة المصرية حالياً من خلال وزارة العمل على تأهيل عمالة جديدة وفتح أسواق لها بالخارج.

وتبلغ نسبة تحويلات المصريين في الخارج أكثر من 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وفق عبد النبي الذي علق لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هي نسبة غير قليلة. وتعد مصر من أكثر الدول استقبالاً لأموال المغتربين»، لافتاً إلى أن «التحويلات لم تنقطع خلال الأزمات العالمية أو أزمة سعر الصرف، وإن كانت أقل من الآن، لكنها تظل تتدفق لارتباطها بجوانب إنسانية واقتصادية عديدة داخل مصر».

خلال لقاء سابق لوزير الخارجية المصري بأبناء الجالية في نيويورك (وزارة الخارجية المصرية)

وتضرب أسرة أميرة عبده (35 عاماً)، التي تعمل في مجال التجميل، مثالاً على ذلك؛ فبفضل تحويل شهري تستقبله من زوجها الذي يعمل في الإمارات بإحدى الفرق الفنية الشعبية، تفي باحتياجات ابنتها الصغرى التي وُلدت بعجز في قدمها. وهي تقول لـ«الشرق الأوسط» إن سفر زوجها، وإن لم يصل بهم إلى حد الرفاهية، بسبب ما يستنزفه مرض ابنتها من مصاريف، نجح في تلبية حاجاتهم.

ويلفت خبير أسواق المال إلى تأثير التحويلات على مساعدة الكثير من الأسر في امتصاص صدمات التضخم، قائلاً: «جزء كبير من التحويلات يأتي من الطبقة العاملة، التي سافر أبناؤها في محاولة للوفاء بالاحتياجات المعيشية والترقي المجتمعي، من الطبقة الوسطى إلى الوسطى العليا؛ لذا فمعظم التحويلات يتم إنفاقها على الاستهلاك، من نفقات تعليم وصحة وأكل وشرب...».

وبلغ معدل التضخم في نوفمبر الماضي 12.3 في المائة.

ولا تقتصر أغراض التحويلات المالية للمغتربين على بند الإنفاق على أسرهم؛ إذ يتجه جزء منها للاستثمار، ما يعني إرسال مبالغ أضعاف ما تعتمد عليها الأسر في المعيشة. ويرى الكاتب الاقتصادي أن قطاع العقارات من أكثر القطاعات الجاذبة لأموال المغتربين.

وقبل شهور، حوّل الستيني خالد إبراهيم (اسم مستعار)، والذي يعمل مديراً للمبيعات في شركة بألمانيا، 170 ألف دولار (أكثر من 8 ملايين جنيه) إلى وزارة الإسكان المصرية، للحجز في مشروع «بيت الوطن» الذي يطرح أراضي وعقارات للمصريين في الخارج.

يقول إبراهيم، المغترب هو وأسرته منذ 35 عاماً، لـ«الشرق الأوسط» إن حجم الإقبال كبير على المبادرة، حتى إنه لم يستطع الحصول على القطعة التي يريدها في الطرح السابق، وينتظر الطرح المقبل في مارس (آذار) 2026، لتحويل 3 آلاف دولار أخرى لتنشيط طلبه.

وأطلقت الحكومة المصرية مبادرة «بيت الوطن» عام 2012، وتتضمن طرح أراضٍ ووحدات سكنية للمغتربين، على أن تحول قيمة الوحدات بالدولار. وشهدت المرحلة العاشرة التي أطلقتها الحكومة من المبادرة في العام الماضي إقبالاً لافتاً، حتى زادت عدد الوحدات والأراضي من 3 آلاف إلى 15 ألفاً، ولم تفِ بكل الأعداد التي حولت مقدمة الحجز.

وزير العمل المصري يلتقي الجالية المصرية بإيطاليا خلال زيارته في ديسمبر 2025 (وزارة العمل المصرية)

ويربط الخبراء الاقتصاديون بين قرار تحرير سعر الصرف الذي اتخذته الحكومة في مارس 2024، وبين زيادة العائدات الدولارية للمغتربين، بعدما كان جزء كبير من التحويلات يتجه إلى «السوق السوداء» مع التباين الكبير في سعر الدولار.

وبعد قرار التعويم ارتفع سعر الدولار في البنوك إلى نحو 50 جنيهاً بدلاً من 30 جنيهاً وقتها.

ويوضح الخبير الاقتصادي، إلهامي الميرغني، لـ«الشرق الأوسط» أهمية تحويلات المغتربين للاقتصاد بمقارنتها بإيرادات دولارية من مصادر أخرى، ويقول: «خلال العام المالي 2024/ 2025 بلغت تحويلات المغتربين نحو 36.5 مليار دولار، في حين بلغت الصادرات خلال نفس السنة 40.2 مليار دولار، وإيرادات قناة السويس 3.6 مليار دولار؛ لذلك تشكّل تحويلات المصريين في الخارج أحد أهم مصادر الدخل المصري من النقد الأجنبي، وتكاد تقترب من حصيلة الصادرات، وهي أضعاف إيرادات قناة السويس، التي تراجعت بسبب الأوضاع الإقليمية».

وأضاف الميرغني: «بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك أوضح أن ما يقرب من 23.7 في المائة من الأسر يعتمدون في دخلهم على التحويلات النقدية الجارية».


مقالات ذات صلة

كيف تستفيد مصر من تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي؟

العالم العربي مذكرات تعاون في مجال الطاقة بين مصر وقبرص (الرئاسة المصرية)

كيف تستفيد مصر من تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي؟

تزامناً مع تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي تعول الحكومة المصرية على مزيد من التعاون بين القاهرة ونيقوسيا في مجال الطاقة للنفاذ إلى الأسواق الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين (مفوضية اللاجئين)

سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين

ينتظر سوريون يقيمون في مصر نتائج التنسيق المتزايد بين البلدين، وما قد يترتب عليه من انعكاسات على أوضاعهم، في ظل شكاوى من صعوبات في تجديد الإقامات.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

مصر والصين تعززان تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة

القوات الجوية الصينية والمصرية ستجري تدريبات مشتركة بعنوان (نسور الحضارة 2026) في مصر، خلال الفترة من منتصف أغسطس (آب) الحالي إلى أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

على عكس خطط الحكومة المصرية التي تستهدف خفض الدين العام إلى 78 في المائة من الناتج الإجمالي، توقَّع"«صندوق النقد» بلوغ هذه النسبة 82.2 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والدكتور بدر عبد العاطي وهاكان فيدان خلال اللقاء الأخوي في مدينة العلمين (متحدث الخارجية المصرية)

لقاء سعودي - مصري - تركي يناقش تطورات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه المصري الدكتور بدر عبد العاطي، والتركي هاكان فيدان، المستجدات والتطورات الراهنة في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

أوقفت السلطات المغربية السبت عشرات المهاجرين غير النظاميين معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، في غابة قريبة من المعبر الحدودي مع جيب سبتة المحتلة من قبل إسبانيا والواقعة شمال المغرب، وسط طوق أمني في المنطقة.

وتجمع هؤلاء المهاجرون، وغالبيتهم رجال وشباب من بلدان من أفريقيا جنوب الصحراء وبينهم أيضاً بعض المغاربة، في منطقة مطلة على مدينة الفنيدق الحدودية، على بعد بضعة كيلومترات من الطريق المؤدي للمعبر الحدودي، قبل أن تعترضهم قوات الأمن.

وأوقفت مجموعة منهم فيما لاذ آخرون بالفرار.

إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود (إ.ب.أ)

وبحسب وسائل إعلام محلية، أسفرت هذه العملية عن «توقيف 294 مرشحاً للهجرة غير النظامية».

وقال مصدر رسمي إن العملية «روتينية تهدف للتصدي لمحاولات الهجرة غير النظامية في اتجاه سبتة».

لكن منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي روّجت خلال الأيام الماضية إشاعة أن الحدود ستكون مفتوحة السبت، باعتباره «يوم عطلة في إسبانيا».

والأربعاء أعلنت وزارة الداخلية المغربية أنها اتخذت جميع التدابير الضرورية للتصدي لمحاولات عبور جديدة تبعاً لتلك المنشورات، وتوقيف مشتبه بهم.

السبت أفادت وسائل إعلام مغربية، بينها موقعا «لو360» و«هسبريس»، بأن السلطات «أوقفت 61 شخصاً يشتبه في تورطهم في التحريض والترويج لدعوات للهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

يأتي ذلك أسبوعين بعد تدفق كثيف لمهاجرين من عدة مدن مغربية إلى جيب سبتة، نجح نحو 72 ألفاً منهم في دخول المدينة، قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وفق السلطات الإسبانية. وساهم في ذاك التدفق الكبير للمهاجرين يومها أيضاً إشاعات على مواقع التواصل.

ولم تحل السلطات المغربية حينها دون وصول هؤلاء المهاجرين إلى المنطقة الحدودية، ثم أرسلت تعزيزات إلى هناك مساء الخميس 30 يوليو (تموز)، وفق تقارير منظمات حقوقية.

وخلفت هذه الأزمة، الأخطر من نوعها، مقتل 80 شخصاً على الأقل وفق الجانب الإسباني، و11 وفق السلطات المغربية، فيما قدّرت منظمات حقوقية مغربية الجمعة أن عدد الضحايا لا يقل عن 141.


الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
TT

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)

أعلن الجيش السوداني، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة معادية من طراز «FH – 95» صينية الصنع، في مدينة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، التي تشهد تصاعداً في وتيرة الهجمات التي تشنها «قوات الدعم السريع».

وقال مكتب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان صحافي، على موقع «فيسبوك»، إن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية معادية من طراز «FH-95» في سماء مدينة جبرة الشيخ. ونشر جنود من الجيش مقطع فيديو يُظهر حطام طائرة مُسيَّرة، بينما لم يصدر بعد تعليق رسمي من «الدعم السريع» على إعلان الجيش.

وصد الجيش السوداني، الخميس الماضي، هجوماً برياً لــ«الدعم السريع» بأكثر من 250 عربة قتالية على مدينة جبرة الشيخ، التي استعادها خلال المعارك الأخيرة. وكانت «قوات الدعم السريع» قد أعلنت في بيان، أمس الجمعة، على قناة «تلغرام»، السيطرة الكاملة على بلدة «أم عرد»، الواقعة شمال مدينة الأُبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان، لكن منصات إعلامية موالية للجيش، نقلت عن مصادر عسكرية بأن المنطقة لاتزال تحت السيطرة.

وفقاً لمفوضية العون الإنساني بشمال كردفان، قُتل وجرح العشرات من المدنيين في البلدة جراء الهجوم الأخير، وسط موجة نزوح واسعة نحو المناطق الآمنة.

وشهدت خريطة السيطرة في الميدان تبدلاً كبيراً، بعدما أحرزت «قوات الدعم السريع» تقدماً لافتاً نهاية الأسبوع الماضي، بعدما سيطرة على مدينتي الكرمك وقيسان، في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع أثيوبيا. وفي بيان ثانٍ، قالت «الدعم السريع»، «إن قواتها نفذت اليوم السبت، عملية عسكرية دقيقة، تمكنت من خلالها السيطرة على منطقة (أغرو) بالنيل الأزرق»، وتواصل التقدم نحو العاصمة الدمازين.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، اتسع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة من قبل طرفَي النزاع، لتطول مدناً بعيدة عن خطوط القتال، الأمر الذي أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المستهدفة.


الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، قبل نحو أسبوعين، لا تنبع فقط من عوز وبطالة كدافعين تقليديين لدى الطبقات الأكثر فقراً، ولا سيما في ظل التنمية الاقتصادية في المغرب، بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى، في ظل صورة جذابة عن أوروبا تلازم الأذهان.

وخلال يومين من أواخر يوليو (تموز) الماضي، توافد عشرات الآلاف من المغاربة، بينهم الكثير من القاصرين، بعد شائعات عن فتح الحدود مع جيب سبتة، ونجح نحو 72 ألفاً منهم في الدخول قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وأودى ذلك بحياة العشرات وفق السلطات ومنظمات. لكن هذه الموجة من الهجرة جاءت فيما سجّل المغرب نمواً اقتصادياً لافتاً، بلغ 5 في المائة عام 2025، وسط تفاؤل باستمرار النمو ارتباطاً على الخصوص بإطلاق عدة استثمارات في البنى التحتية وقطاع الخدمات، في أفق التحضير للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال.

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

وإذا كانت البطالة دافعاً تقليدياً للهجرة فإن الفئات، التي شاركت في هذه الموجة الأخيرة «تبدو أكثر تنوعاً وبينها أشخاص يُفترض (...) أنهم في أوضاع اجتماعية واقتصادية مقبولة نسبياً»، وفق رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بنعيسى، وهو إحدى الجمعيات التي تابعت الأحداث.

رحلة لآفاق أرحب

في مشهد غير معتاد مقارنة مع حوادث هجرة غير نظامية سابقة، جاء سعيد طريبق (38 عاماً) إلى المعبر الحدودي في سيارته برفقة طفليه، بعدما سمع أن الحدود ستكون مفتوحة. سعيد يعمل حرفياً في طنجة، ثاني قطب اقتصادي بالمغرب، في وضع «لا بأس به» كما يصفه. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية لدى عودته من سبتة: «ظننت أنني سأربح أكثر إن بذلت هناك الجهد نفسه الذي أبذله هنا... وفكرت أيضاً في أن العمل في إسبانيا سيؤمن مستقبلاً أفضل لأطفالي».

وحسب شهادات عدّة جمعها مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، فقد ترك كثيرون، مثل سعيد، وظائفهم لركوب المغامرة المحفوفة بالمخاطر، على أمل تحسين أوضاعهم في أوروبا. ومن بين هؤلاء المهاجرين العائدين قاصرون على غرار أيوب الأبيض (16 عاماً)، الذي شعر بأن مستقبله كان سيكون أفضل في أوروبا، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد عودته من سبتة. وأضاف: «أدرس في الثانية ثانوي ونتائجي جيدة، لكنني لست واثقاً بالحصول على عمل في مستوى طموحي».

محاولة العبور إلى سبتة سباحة تسببت في وفاة العشرات من المهاجرين (أ.ف.ب)

ويعتقد بنعيسى أن ما حصل «مؤشر أعمق يرتبط بأزمة الثقة بالمستقبل، وبقدرة المؤسسات على توفير الأمان الاجتماعي وتكافؤ الفرص والشعور بالاستقرار».

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي

تنبه الباحثة في علم الاجتماع، سمية نعمان جسوس، إلى أن صورة «الفردوس الأوروبي لا تزال قوية جداً»؛ إذ «ترتبط أوروبا في أذهان الشباب بالنجاح والترقي الاجتماعي والحياة الأفضل». مشيرة أيضاً إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي «في تضخيم هذه الظاهرة».

في المقابل، تعتقد جسوس أن الشعور بعدم القدرة على التعبير «يمكن أن يكون طريقاً مهماً» لفهم هذه الظاهرة. وتوضح أنه عندما لا يجد شاب «فضاءات للتعبير عن تذمره، والدفاع عن حقوقه، والمشاركة في القرارات (...) يمكن أن يشعر بأنه غير فاعل في المجتمع، بل مجرد متفرج في بلد يبنى دونه».

شبان مغاربة يلتقطون صورة جماعية بعد تمكنهم من دخول سبتة (أ.ف.ب)

منذ نحو عقد أصبحت الحركات الاجتماعية في المغرب عفوية، بينما تعجز الأحزاب السياسية والنقابات عن تعبئة الشارع. وبالموازاة مع ذلك، يتزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها خرجت آخر حركة اجتماعية واسعة في خريف العام الماضي، تحت اسم «جيل زد 212»، التي عبرت عن مطالب متظاهرين شباب بتحسين مستوى الصحة والتعليم، وتخللتها أعمال عنف في بعض المدن.

ويشير بنعيسى إلى أن دراسة ميدانية لمرصد الشمال لحقوق الإنسان، شملت 500 شاب وشابة في مدن قريبة من سبتة، أظهرت أن «74.2 في المائة يتابعون صفحات ومحتويات مرتبطة بالتخطيط للهجرة»، وأن «81 في المائة يرون أن هذه المحتويات تجعلهم يعتقدون أن الهجرة حل».

بعد الأزمة، ألقت السلطات باللوم على «الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر». لكن منظمات حقوقية وسياسيين ومعلقين تساءلوا عن سبب عدم منع المهاجرين من الوصول إلى مدينة الفنيدق المجاورة لسبتة، وطالبوا بالتحقيق في الموضوع.

والأربعاء، أعلنت وزارة الداخلية اتخاذ جميع التدابير الأمنية، بعد صدور دعوات جديدة للعبور إلى سبتة، السبت الفائت، وتوقيف مشتبه بهم.