أسبوع أول عاصف لترمب يثير مخاوف أميركية ودولية

ظهرت رغبة الرئيس الجمهوري في الانتقام من خصومه السياسيين

ترمب يلوّح بقرار تنفيذي وقَّع عليه في البيت الأبيض في 20 يناير 2025 (د.ب.أ)
ترمب يلوّح بقرار تنفيذي وقَّع عليه في البيت الأبيض في 20 يناير 2025 (د.ب.أ)
TT

أسبوع أول عاصف لترمب يثير مخاوف أميركية ودولية

ترمب يلوّح بقرار تنفيذي وقَّع عليه في البيت الأبيض في 20 يناير 2025 (د.ب.أ)
ترمب يلوّح بقرار تنفيذي وقَّع عليه في البيت الأبيض في 20 يناير 2025 (د.ب.أ)

عادة ما ينتظر المحللون والخبراء الـ100 يوم الأولى من ولاية أي رئيس أميركي، لتقديم رصد وتحليل لسياساته وتوجهاته الآيديولوجية وأفكاره الاقتصادية، لكن الرئيس دونالد ترمب قلب هذه العادة، وأصدر خلال أسبوع واحد من ولايته كثيراً من القرارات والتصريحات التي أثار بعضها القلق والمخاوف، وقوبل البعض الآخر بالرضا والترحيب والحفاوة.

فقد تحرك الرئيس ترمب بسرعة مذهلة خلال أسبوعه الأول من ولايته الثانية، وجاء منذ اليوم الأول حاملاً قائمة طويلة من الأوامر التنفيذية وقائمة من المنافسين والمعارضين السياسية للانتقام منهم، وأجندة للتأكد من ولاء ووفاء كل أعضاء حكومته وكل أعضاء الحزب الجمهوري وخطة لإخضاع مليارديرات التكنولوجيا، وأباطرة وول ستريت، والمديرين التنفيذيين للشركات، وأصحاب وسائل الإعلام الذين عارضوه سابقاً على إظهار الاحترام والتحسب لما يمكن أن يتخذه من قرارات.

رغبة واضحة لترمب في ترك بصماته القوية على الرئاسة للمرة الثانية (إ.ب.أ)

وقد تركت حصيلة الأسبوع الأول من ولاية ترمب بعض المحللين في حالة ذهول لقيامه بتنفيذ سريع لوعوده الانتخابية التي جاء بعضها صادماً ومثيراً لجدل قانوني ودستوري، بينما تفاخر أنصار الرئيس بأنه لم يهدر كثيراً من الوقت في الوفاء بهذه الوعود.

رسالة قوية

عاد ترمب إلى البيت الأبيض حاملاً معه خبرة ولايته الأولى من عام 2016 إلى عام 2020 وتجربته المؤلمة في خسارة انتخابات 2020 والملاحقات القانونية المتعددة التي أرهقته، وجعلته يضع خريطة واضحة المعالم لمن وقف بجانبه، ومن يجب الانتقام والتنكيل به.

وكدأبه في إثارة الجدل، أعلن قبل توليه السلطة أنه يريد ضم جزيرة غرينلاند وإعادة السيطرة على قناة بنما وضم كندا ولايةً أميركيةً، وخلال حفل تنصيبه، يوم الاثنين الماضي، حرص ترمب على إرسال رسالة واضحة أنه تعلم كثيراً خلال السنوات الثماني الماضية.

جنود أميركيون يثبِّتون أسلاكاً شائكة قرب الحدود بكاليفورنيا في 24 يناير 2025 (رويترز)

وفي اليوم الأول أطلق ترمب عاصفة من الإجراءات التنفيذية، منها 18 قراراً تنفيذياً يتعلق بالحكومة الفيدرالية و8 قرارات تنفيذية تتعلق بترحيل المهاجرين غير الشرعيين، و6 قرارات تتعلق بالمناخ والطاقة ومنها الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ و6 قرارات تتعلق بالاقتصاد و4 تتعلق بالأمن القومي، إضافة إلى قرارات متنوعة من العفو عن أنصاره الذين قاموا بالهجوم على مبنى الكابيتول، وسحب حق التجنيس للمواليد لأشخاص ليسوا مواطنين، وتغيير اسم خليج المكسيك إلى خليج أميركا، وإلغاء 78 من الأوامر التنفيذية لبايدن. ويقول محللون إن هناك قيوداً على ما يمكن للرئيس القيام به قانونياً من خلال القرارات التنفيذية، وبعض أوامر ترمب تم الطعن فيها بالفعل في المحاكم، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إبطاء أو إيقاف بعض هذه القرارات.

وعلى المستوى الدولي، أثار ترمب مخاوف الحلفاء الأوروبيين وقبل يومين، بحديثه المسجل لمنتدى دافوس الاقتصادي من مواجهة تعريفات جمركية كبيرة إذا لم يقوموا بالاستثمار في الولايات المتحدة، وأشار إلى أنه سيطلب من «أوبك» خفض أسعار النفط، وكرر مطالبه دول حلف شمال الأطلسي بزيادة الإنفاق الدفاعي من 2 في المائة إلى 5 في المائة. ومساء السبت، أثار عاصفة أخرى من الجدل الإقليمي والجيوسياسي، مصرّحاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية أنه يريد ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة إلى كل من مصر والأردن للقيام بأعمال إعادة التعمير.

ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين بمنتدى دافوس في 23 يناير 2025 (أ.ف.ب)

عاد لينتقم

قبل ساعات من رحيله من البيت الأبيض، أصدر الرئيس السابق جو بايدن عفواً استباقياً لأفراد من عائلته، وعفواً آخر لكبار المشرعين مثل ليز تشيني وآدم شيف ومسؤولين كبار مثل الجنرال مارك ميلي رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق، والدكتور أنطوني فاوتشي تحسباً لانتقام ترمب.

وظهرت رغبة ترمب في الانتقام من خصومه السياسيين وكبار المسؤولين في ولايته السابقة، حيث قام خلال الأسبوع الماضي بإلغاء الحماية الحكومية الأمنية لوزير الخارجية الأسبق، مايك بومبيو، وكبير مساعديه، برايان هوك، ومستشار ترمب للأمن القومي الأسبق، جون بولتون، رغم المخاوف الأمنية من تهديدات إيرانية بالقتل انتقاماً لمقتل الجنرال سليماني. وأنهى ترمب أيضاً الحماية الأمنية للدكتور أنطوني فاوتشي، مستشار ترمب السابق في مكافحة وباء «كوفيد - 19»، وأمر بإزالة صورة الجنرال مارك ميلي من جدران وزارة الدفاع الأميركي. وألغى ترمب التصاريح الأمنية لضباط المخابرات السابقين البالغ عددهم 51 مسؤولاً لمساندتهم لبايدن في الإقرار بوجود تسلل روسي للكمبيوتر المحمول لابنه هانتر بايدن.

وعلقت صحيفة «واشنطن بوست» قائلة إن الأيام الأولى لعودة ترمب إلى منصبه كانت تحولاً صارخاً في الأسلوب والمضمون يكشف رغبة ترمب في ترك بصماته القوية على الرئاسة للمرة الثانية.

وقال أحد كبار المسؤولين في البيت الأبيض: «إن الرئيس يعرف ما يريد أن يفعله خلال هذه الولاية، ومتى يريد أن يفعل ذلك»، ملمحاً إلى أن ترمب لديه فقط هذه السنوات الأربع؛ لأنه لا يستطيع الحصول على ولاية ثالثة. ويرفض حلفاء ترمب أن يكون لديه طموحات استبدادية؛ لأن فترة الرئاسة تخضع للتعديل الثاني والعشرين من الدستور الذي يمنعه من الترشح لولاية أخرى، لكن النائب الجمهوري آندي أوجلز قدم طلباً لتعديل دستوري للسماح لترمب بالترشح مرة أخرى؛ ما أثار الكثير من الجدل.

هل تستمر سياسات ترمب؟

يطرح المحللون تساؤلات حول إمكانية استمرار ترمب في هذه السياسة التي يستعرض بها صلاحيات جديدة واسعة النطاق تثير استياء الديمقراطيين والمدعين العامين ووسائل الإعلام. وقالت صحفية «بوليتيكو» إن استعراض القوة قد يثير الخلافات الداخلية داخل الحزب الجمهوري، لأن الأسبوع الأول لترمب أظهر أنه أكثر اهتماماً باستخدام قوته السياسية للقيام بأعمال الهيمنة، أكثر من اهتمامه بتسوية الانقسامات الداخلية التي قد تعوق أجندته. وأظهرت صحيفة «ذا هيل» مخاوف الديمقراطيين من أن تكون السنوات الأربع المقبلة في ولاية ترمب مشابهة للأسبوع الماضي.


مقالات ذات صلة

تميم بن حمد وترمب يناقشان تداعيات أوضاع المنطقة

الخليج أمير قطر الشيخ تميم بن حمد والرئيس الأميركي دونالد ترمب (قنا)

تميم بن حمد وترمب يناقشان تداعيات أوضاع المنطقة

استعرض الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، آخر تطورات الأوضاع الإقليمية، وتداعياتها على أمن الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الولايات المتحدة​  الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)

ترمب: إيران ستقدم عرضا يهدف إلى تلبية المطالب الأميركية

قال الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب، ‌لوكالة «رويترز»، اليوم ​الجمعة، إن إيران تعتزم تقديم عرض ‌يهدف ‌إلى ​تلبية ‌المطالب ‌الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تعلن فرض عقوبات على محافظ عملات مشفرة مرتبطة بإيران

قال وزير الخزانة الأميركي ‌سكوت بيسنت إن الوزارة ستفرض ‌عقوبات ‌على ​عدد ‌من المحافظ المرتبطة ‌بإيران؛ ما ‌سيؤدي إلى تجميد عملات مشفرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)

وزارة العدل الأميركية: يجب استخدام طرق إعدام مثل الرمي بالرصاص والصعق الكهربائي

قالت وزارة ‌العدل الأميركية إن على الحكومة الأميركية إضافة الإعدام رمياً بالرصاص وصعقاً بالكهرباء وباستنشاق الغاز لطرق إعدام ​المدانين بارتكاب أخطر الجرائم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر (رويترز)

البيت الأبيض: ويتكوف وكوشنر يتوجهان إلى باكستان لإجراء محادثات مع إيران

قالت المتحدثة ​باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن ستيف ويتكوف وجاريد ‌كوشنر صهر الرئيس، ‌سيتوجهان إلى باكستان صباح السبت لإجراء محادثات مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: إيران ستقدم عرضا يهدف إلى تلبية المطالب الأميركية

 الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: إيران ستقدم عرضا يهدف إلى تلبية المطالب الأميركية

 الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)

قال الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب، ‌لوكالة «رويترز»، اليوم ​الجمعة، إن إيران تعتزم تقديم عرض ‌يهدف ‌إلى ​تلبية ‌المطالب ‌الأميركية.

وقالت المتحدثة ​باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، ‌في ‌مقابلة ​مع قناة ‌«فوكس نيوز»، في وقت سابق من ​اليوم الجمعة، إن ستيف ويتكوف مبعوث ‌الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب ​الخاص، ‌وجاريد ‌كوشنر صهر الرئيس، ‌سيتوجهان إلى باكستان صباح غد السبت لإجراء محادثات مع إيران.

ووصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام أباد، اليوم ​الجمعة، لمناقشة مقترحات لاستئناف محادثات السلام مع الولايات المتحدة، لكن ليس من المقرر أن يلتقي بمفاوضين أميركيين، وفقا لوكالة «رويترز».

كانت إسلام أباد قد استضافت محادثات بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب لكنها انهارت في وقت سابق.


وزارة العدل الأميركية: يجب استخدام طرق إعدام مثل الرمي بالرصاص والصعق الكهربائي

صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
TT

وزارة العدل الأميركية: يجب استخدام طرق إعدام مثل الرمي بالرصاص والصعق الكهربائي

صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)

قالت وزارة ‌العدل الأميركية، اليوم الجمعة، إن على الحكومة الأميركية إضافة الإعدام رمياً بالرصاص وصعقاً بالكهرباء وباستنشاق الغاز لطرق إعدام ​المدانين بارتكاب أخطر الجرائم الاتحادية، وذلك في تقرير أشار إلى الصعوبات التي تواجه الحصول على الأدوية اللازمة للحقن المميتة.

وجاء التقرير في إطار تنفيذ لتعهد من الرئيس دونالد ترمب باستئناف تطبيق عقوبة الإعدام في ولايته الرئاسية الثانية. وفي ولايته الأولى، التي انتهت في 2021، استأنف ‌ترمب تنفيذ عقوبة الإعدام ‌بعد توقف استمر 20 ​عاماً؛ ‌إذ أعدم ​13 سجيناً اتحادياً بالحقن المميتة خلال أشهر قليلة في نهاية ولايته.

وقالت الوزارة إن تود بلانش، القائم بأعمال وزير العدل الأميركي والذي أصدر التقرير، أذن بالسعي إلى إصدار أحكام بالإعدام بحق تسعة أشخاص بعد أن ألغى ترمب قرار وقف تنفيذ أحكام الإعدام الاتحادية الذي أصدره الرئيس السابق ‌جو بايدن، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضافت الوزارة، ‌في بيان: «من بين الإجراءات المتخذة ​إعادة اعتماد بروتوكول الحقن ‌المميت الذي استُخدم خلال إدارة ترمب الأولى، وتوسيع ‌نطاق البروتوكول ليشمل طرق إعدام إضافية مثل الرمي بالرصاص، وتبسيط الإجراءات الداخلية لتسريع حالات الإعدام».

وقال بلانش: «تحت قيادة الرئيس ترمب، تعود وزارة العدل مرة أخرى إلى ‌تطبيق القانون والوقوف في صف الضحايا».

وفي التقرير، أصدر بلانش تعليمات إلى مكتب السجون التابع لوزارة العدل بتعديل بروتوكول الإعدام «ليشمل طرق إعدام إضافية ودستورية ينص عليها حالياً قانون بعض الولايات»، مشيراً إلى الطرق القديمة المتمثلة في الإعدام رمياً بالرصاص والصعق بالكهرباء، وطريقة الإعدام الجديدة بالاختناق بالغاز بادرت ولاية ألاباما بتطبيقها في 2024.

وذكر التقرير: «سيساعد هذا التعديل على ضمان استعداد الوزارة لتنفيذ عمليات الإعدام القانونية حتى في حالة عدم توفر عقار معين».

وخفف بايدن، وهو ديمقراطي، أحكام ​37 مداناً من ​المحكوم عليهم بالإعدام في السجون الاتحادية، ولم يتبقَّ سوى 3 رجال.


حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
TT

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة جوية وصاروخية مكثفة ضد إيران، بل باتت تتصل مباشرة بجاهزية الجيش الأميركي لمواجهة طارئة في مسارح أخرى، خصوصاً في غرب المحيط الهادئ إذا قررت الصين التحرك ضد تايوان، أو في أوروبا إذا تصاعد التهديد الروسي.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال سياسي لا يقل حساسية، وفق ما يطرحه محللون، وهو: هل تعكس التسريبات قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها تتحول أيضاً أداةَ ضغطٍ على الكونغرس لتمرير ميزانية دفاعية ضخمة وطلب تمويل إضافي للحرب؟

وتستند هذه المخاوف إلى تقارير نشرتها صحف أميركية عدة، إضافة إلى تقديرات من مركز دراسات استراتيجية ودولية، تشير إلى أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى واعتراضات دفاعية باهظة التكلفة.

وعلى سبيل المثال، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن إطلاق أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي اعتراضي، بينها «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد»، مع تقديرات بأن تعويض بعض المخزونات بالكامل قد يستغرق حتى ست سنوات.

أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فأشارت إلى استخدام نحو 1100 صاروخ «جاسم - إي آر» وأكثر من 1200 صاروخ «باتريوت»، فضلاً عن أكثر من ألف صاروخ أرضي من طرازات دقيقة؛ ما جعل المخزون العالمي الأميركي تحت ضغط شديد.

مخزون يتآكل سريعاً

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس أركان القوات المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 24 أبريل (أ.ف.ب)

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن كثيراً من الذخائر المستهلكة ليست من النوع الذي يمكن استبداله سريعاً. فصواريخ «توماهوك» و«جاسم - إي آر» و«باتريوت» و«ثاد» ليست ذخائر عادية، بل هي جزء من العدة الأساسية لأي مواجهة مع قوة كبرى، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية معقدة كالتي يتوقعها المخططون الأميركيون في حال نشوب حرب حول تايوان مثلاً. لذلك؛ لا يقاس الاستنزاف بعدد الصواريخ وحده، بل بموقع هذه الصواريخ داخل خطط الحرب الأميركية.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين في الإدارة باتوا يقدّرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع، في المدى القريب، تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان بالكامل إذا وقع غزو صيني مفاجئ.

ويكمن جوهر القلق في أن الحرب مع إيران استهلكت ذخائر كان يُفترض أن تبقى جزءاً من «مخزون الردع» في آسيا. فالصين، بخلاف إيران، تملك قوة صاروخية وبحرية وجوية ضخمة، وتستند عقيدتها العسكرية في أي حرب محتملة إلى منع القوات الأميركية من الاقتراب، عبر كثافة نيران وصواريخ مضادة للسفن والطائرات.

في مثل هذا السيناريو، تصبح الاعتراضات الدفاعية والصواريخ البعيدة المدى سلعة استراتيجية لا يمكن تعويض نقصها بمجرد نقل وحدات أو حاملات إضافية.

تايوان وحرب إيران

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

من جانبها، تؤكد الإدارة الأميركية أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض حرب كبرى. فالبيت الأبيض نفى بشدة خلاصات التقارير التي تتحدث عن ضعف القدرة العسكرية؛ إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن فرضية النقص «خاطئة»، مؤكدة أن الولايات المتحدة تملك أقوى جيش في العالم ومخزونات كافية لتنفيذ أي عملية يوجه بها الرئيس.

وقال أيضاً المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل، إن الجيش يملك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهمة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس.

لكن النفي السياسي لا يلغي جوهر المشكلة العملياتية. فقائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، حاول خلال شهادته في الكونغرس، الموازنة بين دعم العمليات الجارية في الشرق الأوسط والطمأنة إلى أن الردع ضد الصين لم يتضرر. غير أنه أقرّ ضمناً بوجود حدود في «المخزن»، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة في النقاش العسكري الأميركي، مفادها أن القضية ليست فقدان القدرة، بل ارتفاع المخاطر إذا جاءت الأزمة التالية قبل إعادة ملء المخازن.

وتتعمق هذه المخاوف مع نقل منظومات وذخائر من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط. فالتقارير تتحدث عن إرسال رادارات من كوريا الجنوبية، وتحريك صواريخ اعتراضية من منظومة «ثاد»، وتحويل وحدات من مشاة البحرية من المحيط الهادئ إلى المنطقة.

كما سبقت ذلك إعادة توجيه حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

هذه التحركات لا تعني انسحاباً أميركياً من آسيا، لكنها تمنح بكين مادة دعائية وسياسية للقول إن واشنطن مشتتة بين حروب متعددة، وإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء ليست بلا حدود، وفق ما يقول عدد من المحللين.

امتحان الزمن والتكلفة

حاملة طائرات أميركية من طراز «نيميتز» خلال مناورات تدريبية في تشيلي 18 أبريل (رويترز)

تكشف الحرب مع إيران عن فجوة مزمنة في قاعدة التصنيع الدفاعي الأميركية. فقد اعتادت الولايات المتحدة على خوض حروب ضد خصوم أضعف بتكلفة عسكرية يمكن احتواؤها، لكنها تجد نفسها الآن أمام معادلة مختلفة، وهي استخدام ذخائر بملايين الدولارات لاعتراض صواريخ أو مسيّرات أرخص بكثير، أو لضرب أهداف كثيرة ومتفرقة في مسرح واسع.

وإذا صح أن تكلفة الحرب حتى الآن تراوح بين 25 و35 مليار دولار، حسب تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز»، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالنفقات، بل بوتيرة الاستهلاك مقارنة بوتيرة الإنتاج.

تقول بعض التقارير إن إنتاج «باتريوت» في عام كامل لا يعادل تقريباً نصف ما استُهلك في الحرب. وتضيف أن تعويض «توماهوك» و«ثاد» و«ستاندرد» قد يستغرق سنوات، حتى لو ضُخت أموال جديدة. فالمال يشتري العقود، لكنه لا يبني فوراً خطوط إنتاج ولا يؤمّن سلاسل توريد معقدة ولا يضاعف العمالة المتخصصة خلال أسابيع.

لهذا؛ يضغط «البنتاغون» على شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» لزيادة الإنتاج، بل ويفتح قنوات مع شركات السيارات والمصانع المدنية لاختبار إمكان تحويل جزء من القدرة الصناعية الأميركية إلى نمط أقرب إلى «اقتصاد حرب».

غير أن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي واقتصادي. فشركات الدفاع تريد عقوداً طويلة الأجل قبل توسيع مصانعها، والكونغرس يريد رقابة على التكلفة، والرأي العام قد لا يتقبل بسهولة إنفاقاً إضافياً ضخماً على حرب لا تزال نهايتها غير واضحة.

وبينما تطلب الإدارة ميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وتطرح في الوقت نفسه حاجة إلى تمويل إضافي بنحو 200 مليار دولار للحرب مع إيران، تصبح أرقام الذخائر جزءاً من معركة داخل واشنطن حول حجم الدولة الأمنية والعسكرية في عهد ترمب.

إنذار أم ضغط على الكونغرس؟

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

ويتفق المراقبون على أنه من الصعب فصل البعد العسكري عن البعد السياسي في توقيت هذه التقارير. فالتسريبات تخدم، من جهة، وظيفة إنذارية حقيقية: تنبيه صناع القرار إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة قد تستهلك بسرعة ذخائر مخصصة أصلاً لمنافسة القوى الكبرى. لكنها، من جهة أخرى، تمنح «البنتاغون» وحلفاءه في الكونغرس حجة قوية لطلب اعتمادات إضافية، تحت عنوان أن عدم التمويل لا يهدد حملة إيران وحدها، بل يضعف الردع في تايوان وأوروبا وكوريا الجنوبية.

هنا تتبدى المفارقة في خطاب الإدارة. فترمب يقول إن لدى الولايات المتحدة إمدادات تكاد تكون «غير محدودة» من بعض الذخائر، بينما تطالب مؤسسته العسكرية بزيادة تاريخية في الإنفاق وتسريع الإنتاج.

وينفي البيت الأبيض أن تكون الجاهزية قد تضررت، لكنه يدفع في الوقت نفسه باتجاه استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الأميركية: الطمأنة مطلوبة للحلفاء والخصوم، أما التهويل المدروس فمفيد داخل الكونغرس.

الخلاصة، أن حرب إيران لا تختبر القوة الأميركية في الشرق الأوسط وحده، بل تختبر نموذج القوة الأميركية عالمياً. فإذا كانت واشنطن قادرة على ضرب آلاف الأهداف، فإن السؤال الأعمق هو: كم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وفي كم مسرح، وبأي تكلفة، ومن دون أن تفتح نافذة إغراء أمام خصومها؟ تلك هي المعضلة التي تجعل نقص الذخائر قضية استراتيجية لا لوجستية فحسب.