غوانتانامو... ما سبب بقائه مفتوحاً حتى الآن؟!

15 معتقلاً... بعد أن كان يضم مئات السجناء عندما افتُتح قبل 23 عاماً

خفض البنتاغون مؤخراً عدد العاملين في السجن بأكثر من النصف (نيويورك تايمز)
خفض البنتاغون مؤخراً عدد العاملين في السجن بأكثر من النصف (نيويورك تايمز)
TT

غوانتانامو... ما سبب بقائه مفتوحاً حتى الآن؟!

خفض البنتاغون مؤخراً عدد العاملين في السجن بأكثر من النصف (نيويورك تايمز)
خفض البنتاغون مؤخراً عدد العاملين في السجن بأكثر من النصف (نيويورك تايمز)

كانت عملية الاحتجاز التي نفذتها وزارة الدفاع الأميركية في غوانتانامو تضم مئات الرجال الذين أسرتهم القوات الأميركية وحلفاؤها في الحرب ضد الإرهاب. أما الآن، فلا يوجد سوى 15 سجيناً بينما يدخل السجن عامه الرابع والعشرين.

الرئيس جورج دبليو بوش افتتحه وملأه. وحاول الرئيس باراك أوباما إغلاقه، لكنه لم يستطع. وقال الرئيس دونالد ترمب إنه سوف يملأه «بالأشرار»، لكنه لم يفعل. وقال الرئيس بايدن إنه يريد أن ينهي المهمة التي بدأها السيد أوباما، لكنه لن يستطيع القيام به.

البوابة الرئيسية لمعتقل غوانتانامو في قاعدة غوانتانامو الأميركية بجزيرة كوبا 16 أكتوبر 2018 (أ.ف.ب)

ما لم يرفع الكونغرس الحظر المفروض على نقل سجناء غوانتانامو إلى الأراضي الأميركية، فإن العملية البحرية المكلفة هناك قد تستمر لسنوات، إلى أن يموت آخر محتجز، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الاثنين.

من المحتجز في غوانتانامو الآن؟

تتراوح أعمار السجناء الـ15 المتبقين بين 45 و63 عاماً. وهم من أفغانستان، وإندونيسيا، والعراق، وليبيا، وباكستان، والصومال واليمن. وأحدهم من الروهينغا عديمي الجنسية، والآخر فلسطيني. وتم نُقل جميع المعتقلين، باستثناء ثلاثة منهم، إلى غوانتانامو من شبكة السجون السرية التابعة للبحرية الأميركية، حيث أخفت إدارة بوش الأشخاص الذين اعتبرتهم «الأسوأ» حتى عام 2006.

5 من المتهمين في قضية سبتمبر

يُذكر أن خمسة من المتهمين في قضية 11 سبتمبر (أيلول)، من بينهم خالد شيخ محمد، المتهم بالتخطيط للهجمات. وأحدهم متهم بتدبير تفجير المدمرة الأميركية كول عام 2000 الذي أودى بحياة 17 بحاراً أميركياً.

محتجز بغوانتانامو تقيَّدت رجلاه إلى أرضية الغرفة عند حضوره دروساً لتطوير المهارات عام 2010 (رويترز)

وهذه قضايا مستحقة لعقوبة الإعدام ولم تصل إلى المحاكمة قط.

أما أطول فترة لسجين هناك فهو علي حمزة البهلول، الذي جُلب إلى غوانتانامو من أفغانستان في يوم افتتاح السجن، بعد أربعة أشهر من هجمات 11 سبتمبر 2001. وهو السجين الوحيد الذي يقضي حالياً حكماً بالسجن مدى الحياة.

سجين في غوانتانامو عام 2019 لا يزال 15 سجيناً في القاعدة العسكرية (نيويورك تايمز)

أصغرهم وليد بن عطاش

في السنوات الأولى من عملية الاحتجاز، كان بعض أصغر السجناء مراهقين. أما اليوم، فأصغرهم هو وليد بن عطاش (45 عاماً)، وهو متهم في قضية 11 سبتمبر، الذي لديه صفقة للاعتراف بذنبه مقابل الحكم عليه بالسجن مدى الحياة بدلاً من أن يواجه محاكمة عقوبتها الإعدام. وأكبرهم سناً هو عبد الهادي العراقي (63 عاماً)، وهو السجين الأكثر إعاقة جسدياً في خليج غوانتانامو. وقد أدين بارتكاب جرائم حرب في الفترة من 2003 إلى 2004 في أفغانستان وقت الحرب.

معتقل داخل معسكر دلتا في غوانتانامو (متداولة)

واستُخدم السجن حصرياً لاحتجاز المشتبه في انتمائهم إلى تنظيم «القاعدة» وحركة «طالبان» أو من شركائهم. ولم يكن أي منهم من النساء أو من المواطنين الأميركيين.

لماذا لم يغلقه رئيس أميركي حتى الآن؟

لن يسمح الكونغرس بذلك. وفي كل عام، تعتمد الحكومة تشريعاً يحظر نقل أي معتقل في غوانتانامو إلى الأراضي الأميركية لأي سبب من الأسباب. لكن إدارة أوباما خلصت بأنها غير قادرة على إطلاق سراح الجميع، وأن إغلاق السجن يعني أن عدداً قليلاً من السجناء على الأقل سوف يحتجزون في معتقل على غرار غوانتانامو في الولايات المتحدة.

ومن المرجح أيضاً أن تعترض الاستخبارات المركزية الأميركية على عمليات نقل سجنائها السابقين إلى دولة ثالثة، ممن يعرفون معلومات سرية تتعلق باحتجازهم، مثل هويات الأشخاص الذين يقولون إنهم عذبوهم.

وفي الوقت الراهن، تراقب أجهزة الاستخبارات الأميركية جميع اتصالاتهم للتأكد من أنهم لا يكشفون أسرار الدولة.

جندي أميركي خارج أسوار معسكر غوانتانامو (متداولة)

هل نعرف مقدار التكلفة؟

ليس بالضبط. إذ قدرت الدراسة الشاملة الأخيرة التي أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز» عام 2019 لتكاليف إدارة السجن، أن الرقم يتجاوز 13 مليون دولار سنوياً عن كل سجين.

ويخصص معظم ذلك المبلغ لدعم عمليات المحاكم وموظفي السجون.

وفي ذلك الوقت، كان هناك 40 سجيناً، إلى جانب 1800 جندي أميركي من موظفي البنتاغون.

وفقاً لذلك؛ سوف تُكلف عملية احتجاز كل سجين هناك 36 مليون دولار في عام 2025.

لكن التكاليف التشغيلية قد تغيرت.

وقد خفضت وزارة الدفاع عدد العاملين بأكثر من النصف واستأجرت متعاقدين آخرين قد يكونون أغلى من الجنود الذين يخدمون في فترات تبلغ تسعة أشهر. وكلفت إجراءات المحكمة الحربية مئات الملايين من الدولارات في الرواتب والبنية التحتية والنقل. ومنذ عام 2019، أضاف مكتب اللجان العسكرية غرفتي محكمة جديدتين، ومكاتب جديدة، ومساكن مؤقتة، والمزيد من المحامين، والمزيد من أفراد الأمن، والمزيد من المتعاقدين.

على نحو متزايد، تعدّ تكاليف عمليات المحاكم من أسرار الأمن القومي ولا تخضع للتدقيق العام. لكن هناك لقطات سريعة تلفت الانتباه. فقد دفع الادعاء العام 1.4 مليون دولار للطبيب النفسي الشرعي رسومَ استشارة في قضية 11 سبتمبر.

هل التعذيب الذي مارسته الاستخبارات المركزية الأميركية هو السبب؟ إنه عامل مؤثر. ولو نُقل بعض هؤلاء السجناء مباشرة إلى الولايات المتحدة بعد القبض عليهم، لكانوا قد احتجزوا في سجن فيدرالي وربما قُدموا بالفعل إلى المحاكم الأميركية.

«المواقع السوداء»

عوضاً عن ذلك، احتُجز 12 من آخر ال‍ـ15 سجيناً في سجون «المواقع السوداء» التي تديرها الاستخبارات المركزية الأميركية في الخارج. حيث احتُجزوا بمعزل عن العالم الخارجي، واستُجوبوا بأساليب محاكاة الغرق، والضرب، والحرمان من النوم، وسنوات من العزلة. وبسبب ما حدث في حقهم، ومكانه، اختارت حكومة بوش محاكمة هؤلاء الرجال في محكمة أمن قومي جديدة أسستها في خليج غوانتانامو.

وقد علقت المحاكمات في جلسات الاستماع السابقة للمحاكمة، التي استمرت اثنتان منها لأكثر من عقد من الزمن، وركزت على وصمة تعذيبهم؛ ومدى معرفة محاميي السجناء والجمهور بذلك؛ والجهود الرامية إلى رفض القضايا بسببه.

كما أن صحة بقية المحتجزين تتدهور، جسدياً وعقلياً على حد سواء، ويلقي المحامون باللوم في ذلك على حبسهم الانفرادي طويل الأمد وإساءة معاملتهم.

ويعاني البعض تلفاً في الدماغ، واضطرابات ناجمة عن الضرب والحرمان من النوم. ويعاني آخرون تلفاً في الجهاز الهضمي بسبب إساءات تعرضوا لها في نهاية الجهاز الهضمي. ويُمول الكونغرس عيادة طبية جديدة في القاعدة بمبلغ 435 مليون دولار.

هل يمكن إطلاق سراح المزيد من السجناء؟

من المقرر الإفراج عن ثلاثة من السجناء الخمسة عشر إذا وجدت وزارة الخارجية الأميركية بلداناً تعيد توطينهم وتتابع أنشطتهم. وهم من الروهينغا عديمي الجنسية، وصومالي، وليبي.

هناك ثلاثة سجناء آخرين لم توجّه إليهم اتهامات قط، وجميعهم سجناء سابقون لدى الاستخبارات المركزية الأميركية، ولم تبرأ ساحتهم حتى الآن، لكنهم يخضعون لمراجعات دورية.

ومن بين هؤلاء الثلاثة، هناك رجل أفغاني يريد قادة «طالبان» إعادته إلى بلاده؛ جزءاً من صفقة الإفراج عنه، ويمكن للسجين العراقي المعاق (عبد الهادي العراقي) أن يقضي عقوبته، التي تنتهي عام 2032، في عهدة حليف أميركي قادر على رعايته بشكل أفضل. ولدى وزارة الخارجية خطة لإرساله إلى سجن في بغداد. لكنه يُقاضي الحكومة لوقف هذا القرار. ويقول محاموه إن السجون العراقية غير إنسانية، ومن شأنها أن تنتهك التزامات الولايات المتحدة بعدم إرسال شخص قسراً إلى بلد قد يتعرض فيه لسوء المعاملة. كما يقولون إن العراق لا يملك القدرة على توفير الرعاية الكافية له، وهو شرط من شروط صفقة الإقرار بالذنب.

من أطلق سراح أغلب السجناء؟

أرسلت إدارة جورج دبليو بوش نحو 780 من الرجال إلى غوانتانامو، وأفرجت عن نحو 540 منهم في السنوات الأولى من عمر المؤسسة. وقد سلمت الاستخبارات المركزية الأميركية آخر معتقل هناك عام 2008. ولم تُرسل أي إدارة أخرى محتجزين إلى خليج غوانتانامو.

وقد أطلقت إدارة أوباما سراح 200 محتجز آخرين. وقد أعيد توطين الكثير منهم في بلدان ثالثة؛ نظراً لأن بلدانهم الأصلية كانت غير مستقرة إلى الحد الذي لم يسمح لها بمساعدتهم على العودة إلى المجتمع أو مراقبة أنشطتهم».


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)

قاضٍ أميركي يلغي قيود «البنتاغون» على الصحافة

أصدر قاضٍ فيدرالي أميركي، أمس، حكماً بوقف سياسة جديدة ينتهجها «البنتاغون» قيّدت عمل الصحافيين، وأفضت إلى سحب اعتمادات للتغطيات الصحافية من معظم وسائل الإعلام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» يوم 19 مارس (أ.ب)

أنباء عن رصد مسيّرات فوق قاعدة يقيم فيها روبيو وهيغسيث

رصد المسؤولون الأميركيون مسيّرات مجهولة فوق «قاعدة فورت ليزلي جاي ماكنير» العسكرية في واشنطن حيث يقيم وزيرا الخارجية ماركو روبيو والحرب بيت هيغسيث.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال إحاطة إعلامية مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين في البنتاغون بالعاصمة واشنطن... 19 مارس 2026 (رويترز)

البنتاغون يسعى للحصول على 200 مليار دولار تمويلاً للحرب مع إيران

أفاد مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية، بأن البنتاغون يسعى للحصول على 200 مليار دولار إضافية لتمويل الحرب على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المتحدث الرسمي باسم البنتاغون شون بارنيل (رويترز)

«واشنطن بوست»: رصد مسيرات فوق قاعدة أميركية يقيم بها وزيرا الخارجية والدفاع

أشار التقرير إلى أن رصد المسيرات فوق قاعدة «فورت ماكنير» دفع المسؤولين إلى التفكير في إمكانية نقل روبيو وهيغسيث.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وفاة روبرت مولر الذي حقق بشأن التدخل الروسي في حملة ترمب الأولى

المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
TT

وفاة روبرت مولر الذي حقق بشأن التدخل الروسي في حملة ترمب الأولى

المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)

توفِّي روبرت مولر المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) الذي أشرف على تحقيق في شبهة تدخُّل روسي في حملة دونالد ترمب الانتخابية الأولى، بينما لم يخف الرئيس الأميركي «سعادته» بهذا النبأ، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» وفاة مولر عن 81 عاماً نقلاً عن بيان للعائلة، من دون تحديد سببها، بينما سارع ترمب للتعليق على ذلك في منشور على «تروث سوشيال» كتب فيه «روبرت مولر توفّي للتوّ. جيّد. يسعدني أنه توفّي. لم يعد في وسعه أن يؤذي أبرياء!».

وتولَّى مولر إدارة مكتب التحقيقات الفيدرالي لمدّة 12 عاماً، وتسلّم مهامه قبيل اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وأنشأ وحدة مكافحة الإرهاب في المكتب. وبعد مغادرته منصبه، كلّفته وزارة العدل بالتحقيق بين 2017 و2019 في شبهات تدخّل روسي في حملة ترمب.

وكانت ⁠صحيفة «نيويورك تايمز» قد ذكرت ‌العام الماضي ‌أن مولر يعاني من ​مرض باركنسون.

وعبرت ‌شركة ويلمر هيل للمحاماة، التي ‌عمل فيها مولر محامياً حتى تقاعده عام 2021، عن حزنها لرحيله. وقالت الشركة في بيان لها اليوم السبت «كان بوب ‌قائداً استثنائياً وموظفاً حكومياً متميزاً، وشخصاً يتمتع بأعلى درجات ⁠النزاهة».

وتقاعد ⁠مولر في 2013 بعد 12 عاما من توليه منصب مدير مكتب التحقيقات الاتحادي، لكن أحد كبار المسؤولين في وزارة العدل استدعاه للعودة إلى الخدمة العامة بعد أربع سنوات بصفته مستشارا خاصا لتولي التحقيق في تدخل روسيا في الانتخابات بعد أن ​أقال ترمب رئيس ​مكتب التحقيقات الاتحادي آنذاك جيمس كومي.


من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لم تُغيّر حربُ إيران، حتى الآن، الاستراتيجيةَ الدفاعية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها وضعتها تحت اختبار قاسٍ. فعلى المستوى النظري، ما زال ترتيب الأولويات المعلن قائماً: حماية «الوطن» ونصف الكرة الغربي وفق مقاربة «ملحق ترمب» لـ«عقيدة مونرو»، ثم ردع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، مع تخفيف التورط الطويل والمكلف في الشرق الأوسط.

لكن على المستوى العملي، بدا أن واشنطن اضطرت إلى سحب أصول قتالية، ومنظومات دفاعية، وقوة بحرية - برمائية متقدمة، من المسرح الآسيوي؛ لإسناد الحرب ضدّ إيران. هنا يكمن جوهر الإرباك؛ إذ لم تعد المسألة سجالاً فكرياً بشأن ما إذا كانت آسيا هي الأولوية، بل أصبحت سؤالاً عملياً أكبر إلحاحاً: كيف يمكن الحفاظ على استراتيجية ردع الصين إذا كانت كل أزمة كبرى في الشرق الأوسط تفرض على الولايات المتحدة الاقتراض من قواتها الجاهزة في آسيا؟ هذا ما يقلق طوكيو وتايبيه وسيول، ويمنح بكين مادة دعائية ثمينة لتكرار أن «أميركا قوية؛ لكنها ليست دائماً الشريك الذي يمكن التعويل عليه عندما تتزاحم الجبهات».

«أولوية آسيا» لم تعد محصنة

الوثائق الرسمية لا تزال واضحة... فـ«استراتيجية الأمن القومي لعام 2025» تتحدث صراحة عن «ملحق ترمب لعقيدة مونرو» لاستعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، فيما تؤكد «استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026» أن الرهان الرئيسي هو «السلام عبر القوة» في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع زيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء بحيث يكون الدعم الأميركي «حاسماً لكنه محدود» على المسارح الأخرى.

جنود من مشاة البحرية الأميركية يترجلون من طائرة «أوسبري» خلال تدريب في أوكيناوا باليابان يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)

نظرياً، هذا يعني أن الشرق الأوسط ليس ساحة استنزاف دائمة في سياسة ترمب الخارجية، بل هو مسرح يُفترض أن يُدار بضربات حاسمة وتكلفة سياسية وعسكرية أقل من الحروب الطويلة. غير أن حرب إيران كشفت عن حدود هذا الترتيب؛ فالرئيس ترمب يكرر أنه لا يريد «حرباً برية» جديدة، لكنه في الوقت نفسه يقول إن الولايات المتحدة ستفعل «ما يلزم». فيما أعلنت «رويترز» أن واشنطن تدفع آلافاً إضافيين من المارينز والبحارة إلى الشرق الأوسط، لينضمّوا إلى أكثر من 50 ألف عسكري موجودين أصلاً في المنطقة. هذا التناقض بين خطاب تقليص الانخراط، ووقائع التوسع العملياتي، هو ما يضعف صدقية «الأولوية الآسيوية» في نظر الحلفاء.

ما الذي نُقل من آسيا؟

الحديث لم يقتصر على إمكان نقل بطاريات «باتريوت» من كوريا الجنوبية، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية في شبه الجزيرة الكورية، بل شمل أيضاً قوة بحرية - برمائية متقدمة من اليابان. فقد أكدت تقارير عسكرية أن السفينة الهجومية البرمائية «تريبولي» اتجهت إلى الشرق الأوسط مع عناصر من «الوحدة الـ31» الاستكشافية البحرية، وهي قوة متمركزة في أوكيناوا اليابانية وتُعدّ من أهم أدوات الاستجابة السريعة الأميركية في غرب المحيط الهادئ. كما أظهرت بيانات التتبع عبور مجموعة «تريبولي» المؤلفة من 3 سفن ونحو 2200 من المارينز، مضيق ملقا بجنوب شرقي آسيا في طريقها إلى المنطقة. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن هذه القوة صُممت أصلاً لسيناريوهات الجزر والنزاعات الساحلية في آسيا، أي لبيئة قريبة مباشرة من أي أزمة محتملة حول تايوان أو البحار المحيطة باليابان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس الماضي (رويترز)

قلق الحلفاء الآسيويين هنا ليس مبالغاً فيه؛ لأنه لا يتعلق بمجرد سفينة نقل، أو تدوير روتيني للقوات، بل بإعادة توجيه أداة ردع كاملة من مسرح حساس إلى آخر... فـ«تريبولي» ليست مجرد منصة برمائية، بل سفينة هجومية يمكن تشغيلها أيضاً على أنها «حاملة خفيفة»، وقد اختبرت سابقاً مفهوم نشر أعداد كبيرة من مقاتلات «إف35 بي» على متنها. وحين تُسحب هذه القدرة من آسيا، فإن الرسالة لا تُقاس فقط بعدد الجنود، بل بنوعية القوة التي غادرت.

وإلى جانب القوة البرمائية المتقدمة التي تحركت من اليابان، قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إن واشنطن دفعت أيضاً بتعزيزات برمائية إضافية من كاليفورنيا، تمثلت في مجموعة «بوكسر» البرمائية و«وحدة المارينز الـ11» وقوامها 2500 جندي، بما يدل على أن الحرب لم تعد تقتصر على إعادة توزيع الأصول في آسيا، بل باتت تستدعي قوات إضافية من البر الأميركي نفسه.

نقص الذخائر والجاهزية

هذا هو بالتحديد ما بدأ يلفت نظر مراكز البحث والخبراء. وفق معهد «بروكينغز»، فإن اليابان لن تجد كثيراً من الطمأنينة ما دامت واشنطن تعيد توجيه موارد عسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط؛ من السفن إلى منظومات الدفاع الجوي والمارينز في أوكيناوا، عادّةً أن الاضطراب الحالي يصدر من واشنطن نفسها بقدر ما يفرضه الخصوم.

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي الاتجاه نفسه، حذّرت دراسة حديثة من «مكتب المحاسبة» الحكومي الأميركي بأن الجاهزية العسكرية الأميركية تدهورت على مدى العقدين الماضيين؛ بسبب صعوبة الموازنة بين الطلب العملياتي والتحديث والاستدامة.

من جهتها، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» أن حرب إيران أدت إلى «تآكل ردع أميركا الصين»؛ لأن الموارد التي تُستهلك في الشرق الأوسط تصبح غير متاحة للمحيط الهادئ؛ من صواريخ الدفاع الجوي، إلى المدمرات وناقلات التزود بالوقود، حتى وسائط الاستطلاع. وتكتسب هذه الحجة وزناً أكبر لأنها لا تنطلق من رفض مبدئي للعمل العسكري، بل من سؤال الجاهزية: كيف يمكن ردع خصم بحجم الصين إذا كانت الصيانة والتدريب والمخزون البعيد المدى كلها تُستنزف في مسارح أخرى؟

ويضاف إلى ذلك بُعد آخر أعلى حساسية، هو استنزاف الذخائر بعيدة المدى. فقد أوردت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن تايوان تراقب بقلق الاستهلاك الأميركي الكثيف لصواريخ «JASSM-ER» و«توماهوك» في حرب إيران، خشية أن يُضعف ذلك الجاهزية الأميركية في أي مواجهة مستقبلية مع الصين.

بكين و«موعد 2027»

في قلب هذا المشهد يبرز عام 2027 بوصفه التاريخ الذي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بتقديرات بشأن تسارع الجاهزية الصينية حيال تايوان. صحيح أن التقديرات الاستخبارية الأميركية الأحدث قالت إن بكين لا تخطط حالياً لضمّ تايوان في ذلك العام، لكن وزير الدفاع التايواني، ويلينغتون كو، شدّد قبل أيام على أن التهديد الصيني «ضاغط وخطير جداً»، وأن الردع الفعّال هو وحده ما يمكن أن يجعل أي هجوم يبدو عالي التكلفة ومنخفض فرص النجاح. هذا يعني أن المسألة لم تعد تاريخاً جامداً، بل معادلة ردع متغيرة: كلما بدت الولايات المتحدة أعلى عرضة للتشتيت، بدت بكين أكبر ميلاً إلى اختبار حدود هذا الردع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نظيره الصيني شي جينبينغ قبل اجتماعهما في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

ومن هنا أيضاً يمكن فهم قلق الحلفاء وتأجيل زيارة ترمب الصين. فقد كان مقرراً أن يناقش ترمب والرئيس الصيني، شي جينبينغ، ملفات: تايوان، والرسوم، والرقائق، والمعادن النادرة... في نهاية هذا الشهر، لكن الحرب على إيران قلبت جدول الأولويات، وأُرجئت الزيارة أسابيع عدة.

بالنسبة إلى اليابان، التي تعتمد بشدة على نفط الخليج وتخشى الصين في آن معاً، تبدو المعادلة أشد تعقيداً: فهي لا تريد إضعاف التحالف مع واشنطن، لكنها لا تريد أيضاً أن يتحول الصراع مع إيران إلى ثقب أسود يبتلع التركيز الأميركي.

الخلاصة أن حرب إيران لم تُلغِ «أولوية الصين» في استراتيجية ترمب، لكنها كشفت عن أنها أولوية قابلة للتغيير وليست محصنة. فحين تُنقل بطاريات دفاع من كوريا الجنوبية، وتتحرك «تريبولي» مع المارينز المرتبطين بأوكيناوا إلى الشرق الأوسط، ويحذر الخبراء من أثر ذلك على الجاهزية والردع، يصبح السؤال أقل تعلقاً بما تقوله واشنطن عن أولوياتها، وأكبر ارتباطاً بما تستطيع فعلاً الحفاظ عليه عندما تتعدد الجبهات. وهذا بالضبط ما تراقبه بكين اليوم، وما يخشاه حلفاء أميركا في آسيا.


ترمب يهدد بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)
TT

ترمب يهدد بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)

منح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية مهدداً بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، خلال 48 ساعة من الآن، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستضرب وتدمر مختلف محطاتها للطاقة، بدءا بأكبرها!».

وبعد دقائق من تهديد ترمب، أعلن الجيش الإيراني أنه سيستهدف البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه في المنطقة إذا نفّذ الرئيس الأميركي تهديداته بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، القيادة العملياتية للجيش، في بيان نقلته وكالة أنباء فارس «إذا تعرّضت البنية التحتية للنفط والطاقة الإيرانية لهجوم من العدو، فسيتم استهداف كل البنى التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه التابعة للولايات المتحدة والنظام في المنطقة»، من دون أن يحدد أي «نظام» يقصد.