في نادي الرؤساء... جيمي كارتر «يغرد وحيداً»

الرؤساء الأميركيون السابقون: جورج دبليو بوش (وسط) وباراك أوباما (الثاني إلى اليسار) وجورج بوش الأب (يسار) وبيل كلينتون (الثاني إلى اليمين) وجيمي كارتر (يمين)... (أ.ف.ب)
الرؤساء الأميركيون السابقون: جورج دبليو بوش (وسط) وباراك أوباما (الثاني إلى اليسار) وجورج بوش الأب (يسار) وبيل كلينتون (الثاني إلى اليمين) وجيمي كارتر (يمين)... (أ.ف.ب)
TT

في نادي الرؤساء... جيمي كارتر «يغرد وحيداً»

الرؤساء الأميركيون السابقون: جورج دبليو بوش (وسط) وباراك أوباما (الثاني إلى اليسار) وجورج بوش الأب (يسار) وبيل كلينتون (الثاني إلى اليمين) وجيمي كارتر (يمين)... (أ.ف.ب)
الرؤساء الأميركيون السابقون: جورج دبليو بوش (وسط) وباراك أوباما (الثاني إلى اليسار) وجورج بوش الأب (يسار) وبيل كلينتون (الثاني إلى اليمين) وجيمي كارتر (يمين)... (أ.ف.ب)

عندما توقف الرئيس الأميركي جو بايدن عند منزل الرئيس الأميركي الراحل جيمي كارتر في بلينز بولاية جورجيا خلال أبريل (نيسان) 2021، لم يكن ذلك مجرد إظهار للاحترام من رئيس إلى آخر. ووفق تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد كانت هذه أول مرة منذ غادر كارتر البيت الأبيض قبل 40 عاماً، يزوره أيٌ من خلفائه السبعة في مسقط رأسه.

كانت علاقة كارتر بزملائه في نادي الرؤساء متقلبة، بل في كثير من الأحيان كانت باردة. فمنذ هزيمته في إعادة انتخابه عام 1980 حتى وفاته أمس، كان الرجل بعيداً عن الجمهوريين والديمقراطيين الذين تبعوه، وغالباً ما كان يزعجهم بسبب صراحته.

لم ينضم إلى زملائه الرؤساء في دائرة المتحدثين الكبار، ولم يتعاون في كثير من المهام الإنسانية المشتركة، ونادراً ما كان يُستشار من قبل شاغلي المناصب إلا عندما يشق طريقه إلى بعض القضايا ويجعل من الصعب تجاهله. عندما اجتمع كل الرؤساء الأحياء للترحيب بالرئيس الأسبق باراك أوباما في البيت الأبيض عام 2009، كان كارتر هو الوحيد الذي يقف على الجانب قليلاً، بعيداً عن أقرانه.

بالنسبة إلى كثير من خلفائه، كان شوكة في خاصرتهم، دائماً ما يفعل ما يريد حتى لو تعارض ذلك مع السياسة الخارجية الرسمية... ما عدّه هو مبدئياً، عدّوه هم تزمتياً. وفي حين أن الرؤساء السابقين الآخرين كانوا عموماً كتومين احتراماً لشاغل المكتب البيضاوي، فنادراً ما توقف كارتر عند هذا الأمر.

قال في عام 2010: «أشعر أن دوري بصفتي رئيساً سابقاً ربما يكون متفوقاً على دور الرؤساء الآخرين».

زار كارتر مناطق الصراع بصفته مراقباً للانتخابات، وسافر إلى كوريا الشمالية مفاوضاً مستقلاً، وتحدث عن السياسة في الشرق الأوسط. وكثيراً ما كان يلتقي زعماء مستبدين، مثل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في سوريا، ودانييل أورتيغا في نيكاراغوا، مما أثار استياء كل من كان في البيت الأبيض في ذلك الوقت. وعندما فاز كارتر بـ«جائزة نوبل للسلام» في عام 2002، وصفتها لجنة الجائزة علناً بأنها توبيخ للرئيس جورج دبليو بوش لتخطيطه لغزو العراق.

أدرك كارتر أنه أزعج الرؤساء الآخرين، ولكنه لم يبد أي اهتمام يذكر بإزعاجهم. يقول جاك واتسون، الذي عمل رئيساً لـ«هيئة موظفي البيت الأبيض» في عهد كارتر: «مع تقدمه في السن، لم يعد مقيداً بالحسابات السياسية. لقد تحدث كارتر بصراحة لم تجعله محبوباً لدى الآخرين دائماً».

بعد هزيمته من قبل الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، قال كارتر إن العلاقة بينهما كانت «متوترة». عدّ كارتر الرئيسَ التالي له ريغان غبياً وخطراً، وكان منزعجاً لأن خليفته لم يَدعُه مطلقاً إلى عشاء رسمي في البيت الأبيض. كتب كارتر في أحد كتبه أنه عندما سافر خلال إدارة ريغان، علم أن «سفراء الولايات المتحدة تلقوا تعليمات بعدم تقديم أي مساعدة لي أو حتى الاعتراف بوجودي».

عندما كانت صورته الرسمية جاهزة للتعليق في البيت الأبيض عام 1983 خلال فترة ولاية ريغان الأولى، طلب كارتر ألا تكون هناك مراسم حتى لا يضطر إلى الوقوف بجانب الرجل الذي لا يحترمه. بالنسبة إلى ريغان، كان كارتر خصماً مفيداً يمكنه إلقاء اللوم عليه بانتظام، بينما هاجم كارتر في كثير من الأحيان سياسات خليفته ووصفها بأنها عديمة القلب أو غير حكيمة أو سيئة التفكير.

أقام كارتر علاقات أوثق بالرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب، وتعاون الاثنان مع وزير الخارجية جيمس بيكر للمساعدة في إنهاء حرب «الكونترا» طويلة الأمد في نيكاراغوا. قال كارتر في مقابلة أُجريت معه عام 2015: «كانت علاقتي بصفتي رئيساً سابقاً مع بوش وبيكر أفضل من أي رئيس آخر». ولكن حتى في ذلك الوقت، كان هناك توتر. وعندما سعى بوش وبيكر للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لاستخدام القوة لمواجهة غزو العراق الكويت في عام 1990، مارس كارتر ضغوطاً خاصة على أعضاء مجلس الأمن للتصويت ضد الولايات المتحدة. وعدّ بعض كبار المسؤولين في إدارة بوش، بمن فيهم ديك تشيني، وزير الدفاع آنذاك، هذا خيانة.

ولم تكن الأمور أفضل كثيراً مع حزبه. فقد كانت علاقة كارتر بالرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون متوترة، على الرغم من أن كليهما كان من الديمقراطيين المعتدلين. فقد بدأ كل منهما الطريق بقدم خاطئة عندما أرسل كارتر، بصفته رئيساً، 19 ألف مهاجر كوبي إلى فورت تشافي في أركنساس عام 1980 على الرغم من اعتراضات كلينتون؛ حاكم الولاية آنذاك. وقد ألحقت أعمال الشغب التي قام بها المهاجرون ضرراً سياسياً بكلينتون، الذي هُزم في نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام مع كارتر، وهي الخسارة التي ألقى الحاكم فيها باللوم على زميله الديمقراطي.

وبعد وصول كلينتون إلى البيت الأبيض، لم تتحسن العلاقات كثيراً. أثار كارتر حفيظة كلينتون عندما انتقد الرئيسَ الجديدَ لإرساله ابنته تشيلسي إلى مدرسة خاصة في واشنطن بدلاً من مدرسة عامة كما فعل كارتر مع ابنته إيمي. كان كلينتون منزعجاً للغاية لدرجة أنه تجاهل كارتر بعد أيام قليلة في احتفالات تنصيبه عام 1993.

عدّ كلينتون الرئيسَ الأسبقَ كارتر متهوراً، ولكنه سمح له بالسفر إلى كوريا الشمالية في عام 1994 خلال مرحلة من التوتر بسبب البرنامج النووي الكوري. أبرم الرئيس صفقة واتصل بالبيت الأبيض لإبلاغه بذلك ثم ذهب إلى قناة «سي إن إن» دون التحدث أولاً مع كلينتون حول الأمر.

بعد 3 أشهر، أرسل كلينتون الرئيسَ كارتر إلى هايتي برفقة مبعوثين آخرين أجبرا المجلس العسكري على التنازل عن السلطة وقبول القوات الأميركية. ولكن مرة أخرى، عندما عاد كارتر إلى واشنطن ذهب إلى قناة «سي إن إن» قبل أن يلتقي كلينتون لتناول الإفطار وعقد مؤتمر صحافي مشترك مخطط له. لقد كان كلينتون غاضباً جداً.

كان كارتر ينتقد زميله الديمقراطي بعد الكشف عن علاقة كلينتون خارج نطاق الزواج مع مونيكا لوينسكي، التي أدت إلى عزله في عام 1998 بتهمة الحنث باليمين وعرقلة العدالة. لكن كلينتون بلع أي غضب وسافر إلى أتلانتا في عام 1999 لمنح «وسام الحرية» الرئاسي لكل من جيمي وروزالين كارتر.

وقال كلينتون إن وصف كارتر بأنه أعظم رئيس سابق في التاريخ، كما فعل كثيرون، لا ينصفه هو ولا عمله.

كان كارتر أكثر انتقاداً لجورج بوش الابن، خصوصاً فيما يتعلق بغزو العراق عام 2003. أعلن كارتر عام 2007: «أعتقد أن هذه الإدارة كانت الأسوأ في التاريخ فيما يتعلق بالتأثير السلبي على الأمة في جميع أنحاء العالم».

لقد خفف من حدة لهجته إلى حد ما عندما حضر افتتاح مكتبة بوش الرئاسية في عام 2013، ولم يذكر الخلاف بينهما بشأن العراق، وبدلاً من ذلك أشاد بالجمهوري لمساعدته في إنهاء الحرب بالسودان ومحاربة الفقر ووباء الإيدز في أفريقيا. قال كارتر لبوش: «أنا معجب بك وممتن لك بشأن المساهمات التي قدمتها لأكثر الناس احتياجاً على وجه الأرض».

كان هناك توتر أقل وضوحاً بين كارتر وأوباما. كان الرئيس الأسبق منزعجاً من إبعاده عن برنامج المتحدثين المباشرين في مؤتمر ترشيح أوباما في عام 2008، لكنه دعم جهود الرجل الأصغر سناً لتوسيع نطاق الرعاية الصحية للفقراء في الداخل، بينما انتقد الاستخدام المستمر لضربات الطائرات من دون طيار لاستهداف الإرهابيين في الخارج، حتى على حساب الضحايا المدنيين.

ومن الغريب أن كارتر كان أكثر تعاطفاً في البداية مع الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترمب، حيث قال للكاتبة مورين داود، من صحيفة «نيويورك تايمز»، في عام 2017 إن «وسائل الإعلام كانت أكثر قسوة على ترمب من أي رئيس آخر» وعرض دعم جهوده لإحلال السلام مع كوريا الشمالية، بينما انتقد كلاً من كلينتون وأوباما. لكن مشاعره تصلبت بحلول النصف الثاني من ولاية ترمب.

بعد أن أرسل كارتر إلى ترمب رسالة حول سياسة الصين، اتصل به ترمب في إحدى ليالي السبت من أبريل 2019 لمناقشة الأمر، قاطعاً عشاء مع أصدقاء في جورجيا. بدا ترمب مسروراً لأن الاثنين اتفقا على الصين. ولكن بعد شهرين، قال كارتر علناً إن ترمب كان «خسر الانتخابات بالفعل، وقد وُضع في منصبه لأن الروس تدخلوا نيابة عنه». ورد ترمب، واصفاً كارتر بأنه «رئيس فظيع» و«رئيس منسي». كان الرئيس الوحيد الذي أقام كارتر صداقة حقيقية معه هو الرئيس الذي هزمه في عام 1976، جيرالد فورد. ولم يكن من الممكن أن يكون الاثنان أكبر اختلافاً (الرجل الهادئ من الغرب الأوسط ومُزارع الفول السوداني الجنوبي) ولكن بعد أن تركا منصبيهما وجدا نفسيهما معاً في رحلة طويلة للقوات الجوية إلى القاهرة برفقة ريتشارد نيكسون في عام 1981 لتمثيل الولايات المتحدة في جنازة الرئيس المصري السادات؛ الذي اغتيل آنذاك. ومع كسر نيكسون الجليد، فاجأ كارتر وفورد نفسيهما باكتشاف مزيد من القواسم المشتركة التي لم يتوقعاها؛ بما فيها الكراهية المشتركة لريغان، الذي ترشح ضدهما.

وفي السنوات التالية، تعاون كارتر وفورد مراراً وتكراراً لمراقبة الانتخابات الأجنبية، وتعزيز البرامج الصحية، وكتابة مقالات رأي مشتركة حول قضايا مختلفة. وقبل وفاته في عام 2006، طلب فورد من كارتر إلقاء إحدى كلمات التأبين. وقال كارتر بولاية ميتشغان: «لقد اتفقنا أنا وجيري في كثير من الأحيان على أن إحدى أعظم النعم التي حظينا بها بعد مغادرتنا البيت الأبيض خلال الربع قرن الماضي كانت الصداقة الشخصية القوية التي ربطتنا معاً».

ولعل علاقتهما كانت أفضل من الآخرين لأن فورد جاء قبل كارتر، وبالتالي لم يضطر قط إلى التنافس معه بوصفه سلفاً جعل الحياة صعبة. وبالنسبة إلى أولئك الذين تبعوه، فقد ظل كارتر مصدر إزعاج. أما بايدن، الذي كان أول سيناتور يدعم محاولة كارتر الأولى للوصول إلى البيت الأبيض في عام 1976، فقد نجا إلى حد كبير من هذا الاختبار مع اقتراب الرئيس الأسبق من أواخر التسعينات من عمره.


مقالات ذات صلة

الاختباء والبحث عن الماء... ما الخيارات المتاحة للطيار عند إسقاط مقاتلته؟

الولايات المتحدة​ طائرة مقاتلة من طراز «إف-15» تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تحلق فوق وسط إسرائيل (إ.ب.أ) p-circle

الاختباء والبحث عن الماء... ما الخيارات المتاحة للطيار عند إسقاط مقاتلته؟

كشف طيار أميركي متقاعد لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الخطوات التي يجب على ربان الطائرة اتباعها للبقاء على قيد الحياة بعد هبوطه بالمظلة على أرض العدو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عناصر الإنقاذ المظلي التابعون لسلاح الجو الأميركي بالإضافة إلى شخص يُحاكي عملية «النجاة» يراقبون هبوط مروحية بوصف ذلك جزءاً من عملية تدريبية للجيش (أرشيفية - سلاح الجو الأميركي)

كيف تستعيد القوات الأميركية طياريها من قلب مناطق القتال؟

كيف تقوم القوات الأميركية بعمليات البحث والإنقاذ لطاقم طائرة مقاتلة سقطت؟

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​  أرشيفية لمجمع سجن «ألكاتراز» الواقع في جزيرة «ألكاتراز» في خليج سان فرانسيسكو (رويترز)

ترمب يطلب تمويلاً لإعادة فتح سجن «ألكاتراز» سيئ السمعة

طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقترح الميزانية الجديد من الكونغرس 152 مليون دولار لإعادة فتح سجن «ألكاتراز» سيئ السمعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يوقع أمرا تنفيذيا لإنقاذ الرياضة الجامعية من «الفوضى»

وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمعة، أمرا تنفيذيا يهدف إلى إعادة "النظام والعدالة والاستقرار" إلى الألعاب الرياضية بالجامعات.

تحليل إخباري هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

تحليل إخباري مجلس الأمن يصوّت على مشروع قرار «هرمز» وسط تباينات كبيرة

تتجه الأنظار مجدداً إلى مجلس الأمن الدولي، حيث يُنتظَر أن يتم التصويت يوم السبت، على مشروع القرار الذي قدَّمته البحرين بشأن إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة.

ميشال أبونجم (باريس)

هل تعكس تعيينات ترمب في إدارته معايير مزدوجة بين الجنسين؟

الرئيس دونالد ترمب والمدعية العامة بام بوندي خلال فعالية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر2025 في واشنطن (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب والمدعية العامة بام بوندي خلال فعالية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر2025 في واشنطن (أ.ب)
TT

هل تعكس تعيينات ترمب في إدارته معايير مزدوجة بين الجنسين؟

الرئيس دونالد ترمب والمدعية العامة بام بوندي خلال فعالية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر2025 في واشنطن (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب والمدعية العامة بام بوندي خلال فعالية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر2025 في واشنطن (أ.ب)

أثارت إقالة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المدعية العامة بام بوندي، يوم الخميس، موجة جديدة من الاتهامات بأن إدارته تطبق معايير مزدوجة تجاه النساء، خصوصاً أنها الوزيرة الثانية التي أقيلت في غضون شهر، بينما يحتفظ مسؤولون ذكور يواجهون فضائح متعددة على صلة بمناصبهم.

جاءت إقالة بوندي بعد أقل من شهر من إقالة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم في الخامس من مارس (آذار) الماضي. وأعلن ترمب الإقالة عبر «تروث سوشيال»، مشيداً ببوندي بوصفها «بطلة أميركية وفية»، ومؤكداً أنها ستتولى «منصباً مهماً في القطاع الخاص».

وترتبط الإقالة بإحباط ترمب المتزايد من أدائها، خصوصاً في التعامل مع ملفات جيفري إبستين، وعدم التقدم الكافي في ملاحقة خصومه السياسيين. أما نويم، فقد أُقيلت بعد انتقادات حادة لإدارتها لملف الهجرة والترحيل الجماعي، واستجوابها المهين أمام الكونغرس. وتم استبدال كلتاهما برجال هما: السيناتور ماركوين مولين عن أوكلاهوما خلفاً لنويم في الأمن الداخلي، والنائب العام المساعد، تود بلانش، المحامي السابق لترمب ليتولى منصب بوندي.

ويقول تقرير لمعهد «بروكينغز» إن هذا التشكيل الحكومي يعد الأقل تنوعاً في القرن الحادي والعشرين، حيث بلغت نسبة النساء في أول 300 يوم من الولاية الثانية 16 في المائة فقط، وهي أدنى نسبة مقارنة بالإدارات السابقة، بما فيها ولاية ترمب الأولى التي بلغت فيها نسبة النساء في المناصب الوزارية 23 في المائة، مقابل 50 في المائة في إدارة بايدن.

كريستي نويم وزيرة الأمن الداخلي التي تمت إقالتها في مارس الماضي (رويترز)

ردود فعل حادة

سارع الديمقراطيون إلى اتهام ترمب بإدارة «حكومة معادية للمرأة». وقالت النائبة جاسمين كروكيت الديمقراطية من تكساس، على وسائل التواصل: «أرى نمطاً واضحاً، فالرئيس ترمب يلقي بالنساء غير الكفؤات تحت الحافلة أسرع بكثير من الرجال غير الكفؤين». أما النائبة ياسمين أنصاري عن ولاية أريزونا، فكتبت على «إكس»: «نويم وبوندي ارتكبتا أخطاء جسيمة، لكن أليس من الغريب أن النساء فقط يُقلن؟ وأشارت إلى أن كلاً من وزير الحرب بيت هيغسيث، ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل لديهما قوائم طويلة من الفضائح ويجب إقالتهما أيضاً».

حتى الجمهوري السابق بيل كريستول (إدارتا ريغان وبوش الأب) علق قائلاً: «بوندي كانت سيئة، لكنها ليست أسوأ من باتيل. نويم كانت فاشلة، لكنها ليست أسوأ من هيغسيث. المضحك أن النساء فقط يُقلن».

الوزيرة التالية

مديرة المخابرات الوطنية تولسي غابارد (أ.ب)

أثارت الإقالات شائعات بأن تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، قد تكون التالية. أفادت عدة تقارير صحافية بأن ترمب استطلع آراء أعضاء الحكومة حول استبدالها، بسبب إحباط من شهادتها أمام لجنة الاستخبارات في الكونغرس يوم 19 مارس الماضي حول حرب إيران. ورد المتحدث باسم البيت الأبيض ستيفن تشونغ بأن ترمب «يثق بغابارد وبعملها الدؤوب»، مشيداً بـ«أكثر وزيرة في الحكومة تمتلك موهوبة مؤثرة على الإطلاق».

كما امتد غضب الرئيس ترمب إلى نساء أخريات داخل الحزب الجمهوري نفسه، ومن أبرزهن النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، التي كانت يوماً من أبرز المدافعات عنه، ومن أشد أنصار «ماغا». وقد تفجرت الخلافات بينهما بشكل علني نهاية 2025، عندما وقّعت غرين على عريضة تطالب بالإفراج الكامل عن ملفات المدان الجنسي جيفري إبستين، مما أثار غضباً شديداً لدى ترمب الذي وصفها بـ«الخائنة» و«المتطرفة اليسارية» على منصة «تروث سوشيال».

وسحب ترمب دعمه لها، وأعلن تأييده لأي مرشح محافظ يتحداها في الانتخابات التمهيدية لعام 2026، متهماً إياها بـفقدان الطريق السليم. وأدى الخلاف، الذي امتد أيضاً إلى انتقادات غرين لسياسة ترمب الخارجية وتركيزه على الحرب في إيران بدلاً من القضايا الداخلية، إلى استقالتها من الكونغرس في يناير 2026، بعد أقل من ثلاث دورات تشريعية. ووصف ترمب استقالتها بخبر سار للبلاد، في مشهد يعكس، برأي منتقديه، النمط ذاته من التخلص السريع من النساء اللواتي يبدين استقلالية أو يختلفن معه، حتى لو كن من أكثر حلفائه ولاءً سابقاً.

فضائح الرجال مقابل إقالة النساء

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث (أ.ب)

وأظهر المنتقدون تناقضاً كبيراً، فبينما أُقيلت النساء بسرعة، يحتفظ رجال بمناصبهم رغم فضائح كبيرة. فوزير الحرب بيت هيغسيث واجه تقريراً من مراقب البنتاغون يفيد بأن استخدامه لتطبيق «سيغنال» لمناقشة عمليات عسكرية عرَّضَ الجنود الأميركيين للخطر، وانتهك سياسات الوزارة. أما مدير مكتب التحقيقات الاتحادي كاش باتيل، فقد تعرض لانتقادات بسبب إعلانه المبكر اعتقال مشتبه به خاطئ في اغتيال تشارلي كيرك، مما أثار ارتباكاً عاماً، كما يواجه وزير التجارة هوارد لوتنيك اتهامات بالكذب بشأن صلاته بإبستين.

وقد بدأت الولاية الثانية للرئيس ترمب باستقرار نسبي، وبرز اسم رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز بوصفها أول امرأة في المنصب، مع تعهدات بالولاء المطلق. لكن بعد فترة أولية هادئة، بدأت إقالة الوزراء في الظهور، والضحايا الأوائل كن نساءً.

ويقول المحللون إن هذا النمط يعكس ثقافة «الولاء المطلق» التي يفرضها ترمب، مع ميل للتخلص السريع ممن يُنظر إليهن بوصفهن ضعيفات أو غير فعالات في تنفيذ أجندته، بينما يحظى الرجال بفرص أكثر للتصحيح. ومع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر 2026، قد يستغل الديمقراطيون هذا النمط ليصوروا إدارة ترمب بوصفها «معاديةً للمرأة»، مما يعمق الانقسام السياسي.


المواجهة بين واشنطن والفاتيكان إلى تصعيد

البابا ليو الرابع عشر يحيي الحشود المجتمعة في ساحة القديس بطرس (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يحيي الحشود المجتمعة في ساحة القديس بطرس (أ.ف.ب)
TT

المواجهة بين واشنطن والفاتيكان إلى تصعيد

البابا ليو الرابع عشر يحيي الحشود المجتمعة في ساحة القديس بطرس (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يحيي الحشود المجتمعة في ساحة القديس بطرس (أ.ف.ب)

صعدت حدة المواجهة الدائرة عن بعد بين الفاتيكان والبيت الأبيض بعد المواقف الأخيرة التي صدرت عن البابا ليو الرابع عشر، وأدان فيها فكرة «الحرب الاستباقية»، ودعا إلى العمل من أجل السلام في الشرق الأوسط والاحتكام إلى المؤسسات والشرعية الدولية.

كان ليو الرابع عشر، وهو أول بابا أميركي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، قرر لأول مرة منذ 24 عاماً أن يستأنف طقس حمل الصليب في مسيرة درب الآلام خلال الاحتفال بيوم الجمعة العظيمة، الذي يسبق عيد الفصح، أهم الأعياد عند الطوائف المسيحية. وأوضح البابا أنه قرر العودة إلى هذا التقليد الذي كان البابا الأسبق يوحنا بولس الثاني أول من اعتمده في عام 1994، للتدليل على «أن المسيح يعاني، وأن البابا أيضاً يحمل معاناة الناس وآلامهم في صلواته».

البابا ليو بابا الفاتيكان (رويترز)

واستمع البابا إلى الموعظة التي أعدّها هذا العام الراهب فرانشسكو باتون، الذي كان تولّى حتى نهاية العام الماضي مهام راعي الأراضي المقدسة، التي يوافق عليها الحبر الأعظم قبل تلاوتها، وجاء فيها: «يعتقد البعض أنهم تلقوا سلطات من غير حدود، وأن بوسعهم استخدامها وإساءة التصرف بها حسب مزاجهم... لكن يجب على كل مسؤول أن يخضع لحساب الله حول كيفية ممارسته للسلطة: سلطة شن الحروب أو إيقافها، وسلطة التحريض على العنف أو السلام، وسلطة تأجيج الرغبة في الانتقام أو المصالحة، وسلطة استخدام الاقتصاد لقمع الشعوب أو تحريرها من البؤس والشقاء». وختم باتون موعظته في نهاية مراحل درب الآلام التي تمثّل وفاة السيد المسيح بالقول: «كل ضحايا الحروب والمجازر والإبادات، واليتامى والمهاجرون والنازحون والمعذبون، حاضرون في هذه الصلوات».

البابا ليو الرابع عشر خلال لقاء خاص مع فيليب لازاريني المفوض العام لوكالة الأونروا... في مدينة الفاتيكان يوم 12 يناير 2026 (إ.ب.أ)

تأتي هذه المواقف الصادرة عن الفاتيكان في مرحلة تشهد خلالها العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والإدارة الأميركية فتوراً واضحاً منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض أواخر حبرية البابا الراحل فرنسيس. وقد تحوّل هذا الفتور إلى ما يشبه «المواجهة عن بعد» بين واشنطن والفاتيكان، وهو فتور بلغ ذروته منذ أيام بعد الموعظة التي ألقاها ليو الرابع عشر خلال قداس عيد الشعانين يوم الأحد الماضي، التي فسّرها المراقبون على أنها تشكّل انتقاداً واضحاً للصلاة التي قام بها عدد من المبشّرين الإنجيليين من أجل الرئيس الأميركي في المكتب البيضاوي.

مسيحيون من بلدات مسيحية في جنوب لبنان يحملون نعش الأب بيار الراعي الذي قتل بنيران إسرائيلية في بلدته القليعة بجنوب لبنان (د.ب.أ)

كان البابا قال يومها: «نميل دوماً إلى البحث عن الله الذي يخدمنا، وينصرنا، ويساعدنا على الثراء والسلطة، لكننا لا ندرك أن خدمته لنا تكمن في التواضع وخدمة الآخرين»، ثم أضاف: «إن البشرية جاثمة على ركبتيها أمام العنف والوحشية، والمسيح جاء ليطهرنا من الأصنام والآثام، وأيضاً من أولئك الذين يرون قوتهم في السيطرة، ويسعون إلى النصر بالقضاء على الآخرين، ويعتبرون أن الرهبة منهم هي مصدر عظمتهم ومجدهم».

رجال دين في القدس يقيمون صلاة بمناسبة «أحد الشعانين» في «كنيسة الأمم» بعد منع بطريرك القدس اللاتيني من الوصول إلى «كنيسة القيامة» الأحد (أ.ب)

ويقول أحد الدبلوماسيين المخضرمين في الفاتيكان إنه لم يعرف مرحلة أكثر توتراً في العلاقات بين واشنطن والكنيسة الكاثوليكية من التي تشهدها حالياً هذه العلاقات، علماً بأن ليو الرابع عشر هو الأميركي الأول الذي يجلس في كرسي بطرس في تاريخ الكنيسة. وتوقع هذا الدبلوماسي الذي تولّى مناصب رفيعة في الفاتيكان والخارج خلال العقود الثلاثة المنصرمة أن تذهب العلاقات بين الفاتيكان والإدارة الأميركية إلى مزيد من التصعيد والتوتر، خصوصاً في ضوء النفوذ المتزايد للأوساط الإنجيلية المتطرفة لدى الإدارة الحالية.

تنديد دولي بمنع إسرائيل طقوس «الفصح» في القدس

ومن مؤشرات هذا التصعيد التصريحات التي أدلى بها مؤخراً وزير خارجية الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، وهو الرجل الثاني في السدة الرسولية وموضع ثقة البابا ليو الرابع عشر، التي جاء فيها: «لو أعطيت الدول حق شن حروب استباقية، وفقاً لمعاييرها الذاتية وخارج أطر الشرعية الدولية، لاندلعت النيران في العالم بأسره».

توزيع أغصان الزيتون قبل موكب أحد الشعانين في أحد أديرة البلدة القديمة في القدس (أ.ف.ب)

وحذّر بارولين من مخاطر انهيار القانون الدولي ومن عواقب «استبدال القوة بالعدل، وبقوة القانون قانون القوة، والاعتقاد بأن السلام لا يتحقق إلا بالقضاء على العدو». ورأى المراقبون في هذه التصريحات التي أدلى بها بارولين لوسائل الإعلام الفاتيكانية وتناقلتها وكالات الأنباء على نطاق واسع رداً على المواقف المتعددة التي صدرت عن الرئيس الأميركي وعدد من أعضاء حكومته، وأيضاً على مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وبعض وزرائه.


الاختباء والبحث عن الماء... ما الخيارات المتاحة للطيار عند إسقاط مقاتلته؟

طائرة مقاتلة من طراز «إف-15» تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تحلق فوق وسط إسرائيل (إ.ب.أ)
طائرة مقاتلة من طراز «إف-15» تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تحلق فوق وسط إسرائيل (إ.ب.أ)
TT

الاختباء والبحث عن الماء... ما الخيارات المتاحة للطيار عند إسقاط مقاتلته؟

طائرة مقاتلة من طراز «إف-15» تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تحلق فوق وسط إسرائيل (إ.ب.أ)
طائرة مقاتلة من طراز «إف-15» تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تحلق فوق وسط إسرائيل (إ.ب.أ)

في وقت تسابق فيه الولايات المتحدة الزمن للعثور على طيار أميركي ذُكر أن طائرته أسقطت فوق إيران يوم الجمعة، قبل أن تتمكّن القوات الإيرانية من الوصول إليه، كشف طيار أميركي متقاعد لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الخطوات التي ينبغي على قائد الطائرة اتباعها للبقاء على قيد الحياة بعد هبوطه بالمظلة في أرض معادية.

وأعلنت القوات المسلحة الإيرانية أنها أسقطت الطائرة، وهي طائرة حربية من طراز «إف-15 إي». في المقابل، أفادت وسائل إعلام أميركية بأن أحد طياريها قفز بالمظلة وأُخرِج من إيران في عملية نفذتها قوات خاصة في جنوب غربي البلاد، في حين يتواصل البحث عن الآخر، وهو الملاح المُكلف بأنظمتها التسليحية.

وقال الجنرال المتقاعد، هيوستن كانتويل، الذي يعمل حالياً في معهد ميتشل لدراسات الفضاء الجوي، إن أول ردّ فعل للطيار عادة ما يكون «يا إلهي، كنت في طائرة مقاتلة قبل دقيقتين أحلق بسرعة 800 كيلومتر في الساعة، وانفجر صاروخ للتو على بُعد 4 أمتار ونصف المتر فقط من رأسي».

وفي حال تعرّضت الطائرات الحربية لإصابة لم تدمرها، أو أصيبت بعطل تقني سيؤدي حكماً إلى تحطمها، يمكن للطيار تفعيل نظام يقوم بدفع مقعده إلى خارج قمرة القيادة بسرعة فائقة، ما يُمكّنه من النجاة والهبوط باستخدام مظلة.

وسرعان ما يبدأ الطيار بعد ذلك تطبيقَ ما تمرّن عليه لتفادي الوقوع في الأسر، وهو تدريب للبقاء على قيد الحياة والتخفي عن العدو والمقاومة والفرار، والمعروف اختصاراً بـ«سيري (SERE)».

وأشار كانتويل -في مكالمة هاتفية- إلى أن الشروع في هذا الإجراء يبدأ حتى قبل أن يحط الطيار على الأرض.

وأوضح: «أفضل المعلومات التي ستحصل عليها هي أثناء هبوطك بالمظلة... أفضل رؤية لديك للمكان الذي قد ترغب في الذهاب إليه أو المكان الذي ترغب في تجنبه، هي أثناء هبوطك بالمظلة نظراً لمجال الرؤية المتوفر من الأعلى».

وفي سجّل كانتويل العسكري نحو 400 ساعة طيران قتالي، بينها مهمات فوق العراق وأفغانستان، وقد تدرب مطولاً على الهبوط المظلي الصعب.

وحذّر الطيار السابق من أن الارتطام بالأرض، حتى مع وجود مظلة، يعرّض الطيار لخطر الإصابة بقدمه أو كاحله أو ساقه.

وتابع: «هناك العديد من القصص لناجين من حرب فيتنام تعرضوا لإصابات بالغة... بمجرد القفز من الطائرة»، مشيراً إلى أنه يتوجب على الطيار بمجرد أن يبلغ الأرض تقييم حالته «لتحديد ما إذا كان قادراً على الحركة. هل أستطيع التحرك؟».

بعدها يبدأ الطيار تقييم الوضع وتحديد موقعه، وما إذا كان خلف خطوط العدو، وأين يمكنه الاختباء، وكيف يمكنه التواصل مع قيادته.

وأكد كانتويل أن على الطيار أن يُحاول تجنب «الوقوع في الأسر لدى العدو لأطول فترة ممكنة. إن كنت في بيئة صحراوية فسأحاول البحث عن الماء».

أما القوات التي يتبع لها فستستدعي على وجه السرعة فرق البحث والإنقاذ القتالي (CSAR)، وهم جنود وطيارون ذوو تدريب عالٍ وفي حال تأهب قصوى.

وقال كانتويل إن ذلك يمنح «راحة بال كبيرة، لإدراكك أنهم سيبذلون قصارى جهدهم لإنقاذك»، وإن كان يدرك أنهم لن «يُقدموا على مهمة انتحارية».

مهمة الإنقاذ

في هذه الحال، تقع على عضو طاقم الطائرة المفقود مسؤولية إضافية من خلال زيادة مقومات الإنقاذ الآمن.

وأوضح كانتويل أن «الأولوية القصوى هي لأنني لا أريد أن أقع في الأسر»، وبلوغ «مكان يمكنهم منه إخراجي».

في المدن قد يكون هذا المكان عبارة عن سطح مبنى، أما في المناطق الريفية فقد يكون حقلاً تهبط فيه المروحيات، والمفضّل أن تجري عملية الإنقاذ خلال الليل لتأمين غطاء إضافي.

ويحمل الطيارون الأميركيون حقيبة صغيرة في الكرسي المقذوف أو على بدلة الطيران تضم، حسب كانتويل، «بعض المواد الغذائية الأساسية والمياه وبعض معدات النجاة وأجهزة اتصال»، أي «الأشياء التي تجعلك قادراً على محاولة أن يتم إنقاذك بأسرع وقت ممكن».

وكشف كانتويل أنه كان يحمل مسدساً أيضاً عندما كان يقود طائرة «إف-16».

في الأثناء، يكون الجنود المكلفون بالبحث والإنقاذ على أهبة الاستعداد، وفي حال جاهزية دائمة، مثل الرقيب الأول المتقاعد سكوت فالز الذي شارك في عملية «بلاك هوك داون» في مقديشو عام 1993، حين أسقطت مروحية أميركية في العاصمة الصومالية.

وأكد فالز: «قبل تنفيذ أي عمليات... هناك دائماً خطة للبحث والإنقاذ القتالي».

بالتوازي، يتم جمع وتحليل كمية هائلة من المعلومات الاستخباراتية حول موقع الطيار المفقود وحالته، وذلك استناداً إلى «كل شيء، من الاستعلام البشري إلى الاستخبار بالصور... وكل الطائرات المسيّرة المختلفة التي نستخدمها في البحث والإشارات... كل ذلك يُستخدم لمحاولة العثور على هذا الشخص».

وما إن يُحدّد المكان يُعد أفراد الفريق المعني خطة إنقاذ آنية وهم في المروحيات التي تنقلهم إلى المكان.

قال فالز: «الرماة يرصدون ويبحثون عن التهديدات، والطيارون يبحثون عن مكان للهبوط، ونحن نتواصل مع الطيار الذي أُسقِطت طائرته». وعند بلوغه، يتأكدون من أنه بالفعل الشخص الذي يبحثون عنه، وينظرون فيما يحتاج إليه طبيّاً.

وتابع أن الفريق يجري تقييماً سريعاً لـ«طبيعة الخطر المباشر الذي نواجهه، كم من الوقت لدينا لإخراجه؟ ما نوع إصاباته؟ ثم نقرر نوع وكمية العلاج المطلوبة في موقع الحادث، أو ما إن كان يتوجب أن نغادر فوراً حسب التهديد».