بايدن في زيارة غير مسبوقة للأمازون

الرئيس الأميركي جو بايدن خلال جولته في الأمازون (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن خلال جولته في الأمازون (أ.ف.ب)
TT

بايدن في زيارة غير مسبوقة للأمازون

الرئيس الأميركي جو بايدن خلال جولته في الأمازون (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن خلال جولته في الأمازون (أ.ف.ب)

يزور جو بايدن، الأحد، الأمازون ليكون أول رئيس أميركي في منصبه يتوجه إلى هذه المنطقة، في وقت تلوح فيه مخاوف بشأن سياسة الولايات المتحدة البيئية مع عودة دونالد ترمب قريباً إلى البيت الأبيض.

وحطت طائرة بايدن (81 عاماً) في مدينة ماناوس في البرازيل، الواقعة في قلب أكبر غابة مدارية في العالم، بحسب ما أفاد مصور في وكالة الصحافة الفرنسية. وتأتي زيارة بايدن في إطار جولة في أميركا الجنوبية يرجح أن تكون آخر رحلة كبيرة له إلى الخارج قبل نهاية ولايته.

وكان في استقباله لدى نزوله من الطائرة مسؤولون محليون، وكارلوس نوبري عالم المناخ البرازيلي الحائز جائزة نوبل للسلام عام 2007 كعضو في مجموعة الخبراء الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. ورافق الرئيس الأميركي ابنته آشلي، وحفيدته ناتالي، ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن.

وتبرز هذه الزيارة التي تتم بين قمة آسيا - المحيط الهادئ في ليما، وقمة قادة مجموعة العشرين في ريو دي جانيرو، التزام الرئيس الديمقراطي «مكافحة التغير المناخي في بلاده والخارج» على ما أفاد مستشاره للأمن القومي جايك ساليفان.

وأعلن البيت الأبيض، قبيل وصول بايدن إلى ماناوس، أن الولايات المتحدة أوفت بالتزامها في عام 2024 بزيادة مساعداتها الثنائية إلى 11 مليار دولار لمكافحة تغير المناخ، وبذلك تصبح «أكبر مانح ثنائي في العالم في مجال التمويل المناخي». ويعد هذا الإعلان رمزياً، في وقت يختلف المشاركون في مؤتمر المناخ «كوب 29» في باكو حول الجهات التي يجب أن تمول مكافحة تغيّر المناخ.

وقال المتخصص في التمويل المناخي، فريدريك رودر، من منظمة «غلوبال سيتيزن» غير الحكومية، إنه «ينبغي ألا تتباهى أي دولة بأنها أكبر جهة مانحة ثنائية. فالمساهمة الإجمالية من حيث تمويل المناخ هي التي تهم، والولايات المتحدة لم تصل قط إلى (حصتها العادلة)».

وتتعرض واشنطن لانتقادات لتفضيلها المساعدات الثنائية على تمويل الصناديق المتعددة الأطراف التي تشترك في إدارتها الدول النامية. وما زال الاتحاد الأوروبي أكبر مساهم على مستوى العالم في تمويل قضايا المناخ. وأفاد البيت الأبيض بأن بايدن سيعلن من ماناوس مضاعفة المساهمة الأميركية في صندوق الأمازون لتبلغ 100 مليون دولار، وهو صندوق دولي لحماية هذه الغابة.

وستحلق طائرة الرئيس الأميركي فوق الغابة، ويزور متحفاً، قبل أن يتحدث إلى وسائل إعلام، على ما أفاد البيت الأبيض. وسيلتقي أيضاً ممثلين للسكان الأصليين ومسؤولين محليين ينشطون في حماية الأمازون. وللزيارة دلالات مهمة أيضاً فيما يستعد العالم لعودة دونالد ترمب إلى السلطة في 20 يناير (كانون الثاني) ما يثير قلقاً حيال التزامات الولايات المتحدة في مجال المناخ. وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الثانية على صعيد انبعاثات غازات الدفيئة في العالم بعد الصين.

وسحب ترمب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ خلال ولايته الأولى، وأشار إلى أنه سيقدم على الخطوة نفسها خلال عهده الثاني.

وتضطلع غابة الأمازون، التي تتشاركها 9 دول، بدور حيوي في مكافحة التغير المناخي بفضل قدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، أحد غازات الدفيئة الرئيسية، وهي أيضاً من أكثر المناطق ضعفاً أمام تداعيات التغير المناخي وتدهور البيئة. والأمازون من أكثر مناطق العالم رطوبة. لكن مع الجفاف الحاد الذي يضرب أميركا الجنوبية، اجتاحتها خلال السنة الراهنة أسوأ حرائق منذ عقدين، بحسب مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي.

وأدت عمليات قطع الأشجار إلى خسارة الغابة، خلال 4 عقود، مساحة توازي تقريباً مساحة ألمانيا وفرنسا مجتمعين، على ما أفادت دراسة حديثة للشبكة الأمازونية للمعلومات الاجتماعية - البيئية والجغرافية، وهي تجمع باحثين ومنظمات غير حكومية.

ويلتقي بايدن الأسبوع المقبل في ريو دي جانيرو الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي جعل من حماية هذه الغابة إحدى أولوياته، وتعهد بالعمل على وقف تام لعمليات القطع غير القانونية للأشجار في الجزء البرازيلي منها بحلول عام 2030. ويعقد اللقاء بينهما على هامش قمة قادة دول مجموعة العشرين التي تقام يومي الاثنين والثلاثاء في هذه المدينة البرازيلية.

وحذّر خبراء كثر من أن ولاية ترمب الثانية قد تلجم عملية الانتقال نحو مصادر الطاقة المتجددة التي كانت باشرتها إدارة بايدن، وتقوض الآمال بتحقيق الأهداف الحيوية في مجال المناخ على المدى الطويل. وخلال حملته، وعد ترمب بـ«عمليات تنقيب» واسعة وزيادة استغلال مصادر الطاقة الأحفورية. وشكّك صراحة في واقع التغير المناخي.

ومن شأن انسحاب الولايات المتحدة من المفاوضات المناخية أن يقوض الجهود العالمية لخفض الاعتماد على الطاقة الأحفورية من خلال إعطاء الدول الكبيرة الملوثة، مثل الصين والهند، ذريعة لخفض أهدافها في هذا المجال.


مقالات ذات صلة

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الجوية الأميركية الجنرال دان كين يشرح نتائج الضربات على المنشآت الإيرانية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

ترمب نفّذ ضربات في عامه الأول تعادل ما نفذه بايدن في كامل ولايته

مجموع الضربات التي نفّذت منذ تولي ترمب ولايته الثانية في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، إلى 672 ضربة جوية أو بطائرات مسيرة مقارنة بـ694 خلال كامل ولاية جو بايدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

إدارة ترمب تقاضي جامعة هارفارد بدعوى تقصيرها في حماية طلاب يهود

ساحة جامعة هارفارد (أ.ف.ب)
ساحة جامعة هارفارد (أ.ف.ب)
TT

إدارة ترمب تقاضي جامعة هارفارد بدعوى تقصيرها في حماية طلاب يهود

ساحة جامعة هارفارد (أ.ف.ب)
ساحة جامعة هارفارد (أ.ف.ب)

صعدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملتها على جامعة هارفارد، الجمعة، ورفعت دعوى قضائية على الجامعة المرموقة لاسترداد مليارات الدولارات بدعوى عدم حماية طلاب يهود وإسرائيليين.

وشكلت جامعة هارفارد محور تركيز رئيساً لحملة الرئيس لفرض تغييرات في الجامعات الأميركية الكبرى التي انتقدها ترمب بسبب ما قال إنها معاداة للسامية، وتبني فكر «يساري متطرف»، وهدد بحجب التمويل الاتحادي، أو سحبه.

وفي دعوى رُفعت أمام محكمة اتحادية في بوسطن، ذكرت وزارة العدل الأميركية أن هارفارد ظلت «تتجاهل عمداً» مضايقة طلاب يهود وإسرائيليين، وترفض عمداً تطبيق قواعد الجامعة عندما يكون المتضررون من اليهود، أو الإسرائيليين.

وجاء في الدعوى: «هذا يبعث برسالة واضحة إلى اليهود والإسرائيليين في هارفارد مفادها بأن هذا التجاهل لم يكن صدفة، بل يُستبعدون عمداً، ويُحرمون فعلياً من تكافؤ الفرص في التعليم». ولم يصدر تعليق بعد من جامعة هارفارد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأعلنت الجامعة، التي يقع مقرها في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، من قبل عن خطوات للتصدي لمعاداة السامية في الحرم الجامعي، منها توسيع نطاق التدريب، وتحسين الإجراءات التأديبية، واعتماد تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة لمعاداة السامية.

ووجهت إدارة ترمب أيضاً اتهامات لجامعات أخرى بغض الطرف عن معاداة السامية منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» الفلسطينية في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتعاود الدعوى القضائية التي رفعت، الجمعة، في الأغلب سرد وقائع واتهامات سابقة لجامعة هارفارد، دون تقديم حالات جديدة تشير لما تقول إنه تمييز متعمد.

وقالت الدعوى إن تجاهل جامعة هارفارد لما تعرض له يهود وإسرائيليون ينتهك البند السادس من قانون الحقوق المدنية لعام 1964 الذي يحظر التمييز على أساس العرق، واللون، والأصل القومي في البرامج التي تتلقى تمويلاً اتحادياً.

وتسعى الدعوى القضائية إلى استرداد قيمة جميع المنح الاتحادية المقدمة إلى هارفارد خلال فترة عدم امتثالها لذلك، والحصول على إذن بتجميد المدفوعات على المنح الحالية. وتسعى كذلك إلى تعيين مراقب خارجي مستقل معتمد من الولايات المتحدة لمراقبة امتثال الجامعة.


قتيلان بضربة أميركية على سفينة يشتبه في تهريبها مخدرات بالمحيط الهادئ

فيديو نشره الجيش الأميركي لغارة استهدفت سفينة في شرق المحيط الهادئ (أ.ف.ب)
فيديو نشره الجيش الأميركي لغارة استهدفت سفينة في شرق المحيط الهادئ (أ.ف.ب)
TT

قتيلان بضربة أميركية على سفينة يشتبه في تهريبها مخدرات بالمحيط الهادئ

فيديو نشره الجيش الأميركي لغارة استهدفت سفينة في شرق المحيط الهادئ (أ.ف.ب)
فيديو نشره الجيش الأميركي لغارة استهدفت سفينة في شرق المحيط الهادئ (أ.ف.ب)

نفّذت القوات الأميركية ضربة جوية على سفينة يُشتبه في قيامها بتهريب مخدرات في شرق المحيط الهادئ ما أسفر عن مقتل شخصين، فيما نجا شخص واحد تم إنقاذه، حسبما أعلن مسؤولون، الجمعة.

وأفادت القيادة الجنوبية الأميركية (ساوثكوم) في منشور على منصة «إكس» بأن الغارة التي نُفّذت، الخميس، استهدفت «سفينة يصعب رصدها كانت تعبر طرق تهريب المخدرات المعروفة في شرق المحيط الهادئ، وتُشارك في عمليات تهريب مخدرات».

ورغم وصفها الضربة بأنها «قاتلة» لم تعلن القيادة الجنوبية عدد القتلى، واكتفت بالإشارة إلى إخطار خفر السواحل «فوراً» للبحث عن الناجين الثلاثة.

وأعلن متحدث باسم خفر السواحل لاحقاً أنهم «تلقوا بلاغاً من القيادة الجنوبية الأميركية يفيد بوجود ثلاثة أشخاص في محنة في المحيط الهادئ».

وأضاف المتحدث أن زورقاً تابعاً لخفر السواحل «وصل إلى الموقع وانتشل جثتين وناجياً من الماء، ثم قام بتسليم جميع الأشخاص إلى خفر السواحل الكوستاريكي»، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدأت الولايات المتحدة استهداف قوارب تشتبه في قيامها بتهريب مخدرات في أوائل سبتمبر (أيلول)، وأسفرت الحملة حتى الآن عن مقتل أكثر من 150 شخصاً.

وتقول إدارة الرئيس دونالد ترمب إنها في حالة حرب فعلياً مع ما تُسمّيه «إرهابيي المخدرات» الذين ينشطون في أميركا اللاتينية. لكنها لم تقدم أي دليل قاطع على تورط السفن المستهدفة في تهريب المخدرات، مثيرةً جدلاً حول شرعية هذه العمليات.

ويقول خبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إن هذه الضربات ترقى على الأرجح إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء، إذ يبدو أنها استهدفت مدنيين لا يشكلون تهديداً مباشراً للولايات المتحدة.

ونشرت واشنطن قوة كبيرة في منطقة الكاريبي، حيث شنت قواتها في الأشهر الأخيرة غارات على قوارب يُشتبه في تهريبها المخدرات واستولت على ناقلات نفط، ونفذت عملية في العاصمة الفنزويلية اعتقلت خلالها الرئيس اليساري نيكولاس مادورو.


ترمب يهاجم «الناتو»: «نمر من ورق» وأعضاؤه «جبناء»

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
TT

ترمب يهاجم «الناتو»: «نمر من ورق» وأعضاؤه «جبناء»

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

في منشور غاضب على منصة «تروث سوشيال»، حمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحدّة على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، متهماً أعضاءه بالجبن والتنصل من المسؤولية، متوعداً بالانتقام، ومؤكداً أنه «لن ينسى هذا الموقف».

وكتب ترمب: «لولا الولايات المتحدة، لكان حلف الناتو مجرد نمر من ورق! لقد أحجموا عن الانخراط في المعركة الرامية إلى وقف تحول إيران إلى قوة نووية. والآن، وقد حُسمت تلك المعركة عسكرياً - مع ما انطوى عليه ذلك من مخاطر ضئيلة للغاية بالنسبة لهم - تراهم يتذمرون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها، ومع ذلك يرفضون تقديم العون لفتح مضيق هرمز؛ وهي مناورة عسكرية بسيطة تُعد السبب الأوحد وراء ارتفاع أسعار النفط هذا. إنه لأمر يسير للغاية عليهم إنجازه، وينطوي على مخاطر لا تكاد تُذكر. إنهم جبناء، ولن ننسى ذلك أبداً!».

ولم يكن المنشور مجرد تعبير عن إحباط، بل جاء بمثابة إعلان صريح عن تحول استراتيجي أميركي نحو العمل الأحادي، بعد الفشل في تشكيل «تحالف هرمز البحري» الذي دعا إليه ترمب مراراً لمرافقة الناقلات وإعادة فتح المضيق، الذي تعرقل إيران الملاحة فيه بصواريخها وطائراتها المسيّرة والألغام.

تصدّع الحلف الغربي

يعكس غضب ترمب من «الناتو» تصدّعاً متزايداً في العلاقات عبر الأطلسي، ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كان هذا الرفض سيدفع إلى إعادة النظر في مستقبل الحلف، أم أن ترمب سيحاول إثبات قدرة الولايات المتحدة على تأمين الملاحة في مضيق هرمز منفردة، وكيف قد يترجم تهديده بالانتقام من الحلف.

أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)

وبدأت محاولات ترمب للحشد منذ انطلاق عملية «ملحمة الغضب» في 28 فبراير 2026؛ إذ طالب حلفاءه الأوروبيين والآسيويين بإرسال سفن حربية لحماية الملاحة في هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من نفط العالم. وكرر هذا الطلب في اجتماعاته مع رئيسة الوزراء اليابانية وفي تصريحات علنية، محذراً من أن «مستقبل الناتو سيكون سيئاً جداً» إذا رفضوا.

غير أن الرد جاء «رفضاً شبه عام»، وفق ما وصفته وسائل إعلام أميركية وأوروبية.

أسباب التردّد الأوروبي

رفضت الدول الأوروبية الانخراط لأسباب مترابطة، أبرزها أن النزاع لا يُعدّ حرباً لـ«الناتو». فقد أكّدت ألمانيا أن الصراع «لا علاقة له بالناتو»، باعتبار أن الحلف مُخصّص للدفاع عن أراضي أعضائه، لا لعمليات خارجية. وأوضح المستشار الألماني فريدريش ميرتس أنه «لا يوجد قرار جماعي للتدخل»، وأن نشر سفن ألمانية في هرمز يتطلب موافقة برلمان بلاده (البوندستاغ)، وهو أمر غير مُرجّح.

صورة من مدخل مقر «الناتو» في بروكسل (رويترز - أرشيفية)

كما تخشى دول الحلف من الانزلاق إلى تصعيد أوسع، في ظل مخاطر مواجهة مباشرة مع إيران، لا سيما مع احتمال استخدام طهران صواريخ مضادة للسفن أو طائرات مسيّرة. وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد أكد أن بلاده لن تنجر إلى حرب أوسع، فيما قالت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، صراحة: «لا أحد مستعد لوضع جنوده في خطر عند مضيق هرمز».

وترى الدول الأوروبية أن الأولوية يجب أن تبقى لمواجهة ما تراه تهديداً روسياً مستمراً لأراضيها في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، معتبرة أن موسكو تمثل الخطر الوجودي الأبرز، وأن أي نشر لقوات في الشرق الأوسط قد يؤدّي إلى تشتيت الموارد وإضعاف الدفاعات الأوروبية.

وتفضل أوروبا أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات على الخيار العسكري، رغم تأثرها بارتفاع أسعار النفط والغاز، مع رهان على أن الضربات الجوية الأميركية كافية لدفع إيران إلى التراجع. وحتى بريطانيا، أقرب حلفاء واشنطن، اكتفت بإرسال فريق تخطيطي صغير إلى واشنطن من دون التزام بإرسال سفن حربية، فيما رفضت اليابان وكوريا الجنوبية، رغم اعتمادهما الكبير على نفط هرمز، المشاركة العسكرية المباشرة.

«أدوات انتقامية»

خلال الأيام الماضية، لمّح ترمب لمستشاريه إلى أنه سيُعيد تقييم «الكلفة العادلة» لمشاركة الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي. وتُشير تقديرات إلى أنه قد يدرس خفض عدد القوات الأميركية في أوروبا (الذي يتجاوز حالياً 80 ألف جندي) بنسبة تتراوح بين 30 و50 في المائة خلال عام 2026، لا سيما في ألمانيا التي رفضت المشاركة عسكرياً لتأمين هرمز.

سفن شحن في الخليج بالقرب من مضيق هرمز يوم 11 مارس (رويترز)

كما يملك ترمب ورقة ضغط تتعلّق بتكاليف القواعد الأميركية، إذ يبحث مطالبة الدول الأوروبية بتحمّل 100 في المائة من هذه التكاليف، بدلاً من النسبة الحالية. والأكثر حساسية هو احتمال تجميد مساهمة واشنطن في ميزانية الناتو، التي تُشكّل نحو 70 في المائة من إجماليها، إلى حين «إثبات الحلفاء ولاءهم». وتشير صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن هذه الخيارات ليست نظرية، إذ بدأ البنتاغون بالفعل مراجعة انتشار القوات في أوروبا. كما يمتلك ترمب ورقة ضغط إضافية تتمثل في الطاقة؛ فأوروبا، التي تعاني من ارتفاع أسعار النفط نتيجة إغلاق هرمز، تعتمد على الغاز الطبيعي المسال الأميركي. وقد تشمل الخيارات فرض رسوم جمركية جديدة على السيارات الأوروبية، خصوصاً الألمانية، أو ربط صادرات الغاز الأميركي بمواقف الدول من أزمة هرمز، بما يعني أسعاراً أعلى أو تأخيراً في الإمدادات للدول الرافضة.

كما يُرجّح أن يتجه ترمب إلى دعم مشاريع الطاقة في آسيا، لا سيما في اليابان وكوريا الجنوبية، على حساب أوروبا، في رسالة مفادها بأن «أميركا أولاً» قد تعني أيضاً «أوروبا أخيراً».

وبحسب تقرير لمركز «أتلانتيك»، يمتلك ترمب أدوات ضغط إضافية، من بينها دعم أحزاب يمينية متطرفة في أوروبا للضغط على الحكومات من الداخل، أو إعادة توجيه التركيز العسكري الأميركي بعيداً عن أوروبا نحو المحيطين الهادئ والخليج، ما قد يقلص الدعم في مواجهة روسيا ويدفع الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي إلى نحو 4 في المائة من الناتج المحلي. ويخلُص التقرير إلى أنّ مثل هذه الخطوات قد تقود إلى تصدع دائم في الحلف، في ظل سعي ترمب إلى استثمار الأزمة لإعادة صياغة «الناتو» وفق رؤيته: إما حلف تتحمل فيه الدول الأوروبية الكلفة، أو حلف يواجه خطر التفكك.