ما مهام وزارة «الكفاءة الحكومية» التي سيرأسها ماسك؟

الملياردير الأميركي إيلون ماسك يتحدث خلال تجمع انتخابي إلى جانب دونالد ترمب (رويترز)
الملياردير الأميركي إيلون ماسك يتحدث خلال تجمع انتخابي إلى جانب دونالد ترمب (رويترز)
TT

ما مهام وزارة «الكفاءة الحكومية» التي سيرأسها ماسك؟

الملياردير الأميركي إيلون ماسك يتحدث خلال تجمع انتخابي إلى جانب دونالد ترمب (رويترز)
الملياردير الأميركي إيلون ماسك يتحدث خلال تجمع انتخابي إلى جانب دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب أنه سيعهد إلى الملياردير إيلون ماسك، رئيس شركتي «تيسلا» و«سبيس إكس» ومنصة «إكس»، الذي قدّم دوراً غير مسبوق في حملته الانتخابية، ورجل الأعمال فيفيك راماسوامي، مهمة قيادة وزارة «الكفاءة الحكومية» المستحدثة.

وحسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء، فإن وزارة «الكفاءة الحكومية» التي تُعرف اختصاراً بـ«DOGE»، هي من بنات أفكار الملياردير إيلون ماسك الذي أطلق عليها هذا الاختصار، ليتشابه مع اسم العملة الرقمية «دوغ كوين» (Dogecoin) المهووس بها.

فما مهام وزارة «الكفاءة الحكومية»؟

أعلن ترمب أن مهمة الوزارة ستكون «خفض الهدر».

وقال ترمب، في بيان: «هذان الأميركيان الرائعان (ماسك وراماسوامي) سيمهّدان معاً الطريق أمام إدارتي لتفكيك البيروقراطية الحكومية، وتقليص الإجراءات التنظيمية المفرطة، وخفض الهدر في النفقات وإعادة هيكلة الوكالات الفيدرالية، وهو أمر ضروري لحركة (إنقاذ أميركا)».

وأضاف ترمب أن الوزارة الجديدة «ستقدّم المشورة والتوجيه من خارج الحكومة»، وأنها ستباشر عملها بالتواصل مع البيت الأبيض ومكتب الإدارة والميزانية؛ «لدفع الإصلاح الهيكلي على نطاق واسع، ووضع نهج رائد للحكومة لم نشهده من قبل»، حسب قول ترمب.

وأوضح الرئيس المنتخب أنهما سينتهيان من عملهما بحلول الرابع من يوليو (تموز) 2026؛ ليقدّمه «هدية» إلى البلاد في الذكرى الـ250 لتوقيع «إعلان الاستقلال».

لكن كيف ستعمل هذه الوزارة؟

هذا الأمر غير واضح بعد. لكن بما أنها ستعمل من خارج الحكومة، كما قال ترمب، فإن إحدى الآليات المحتملة هي أنها ستعمل وفقاً لقانون «اللجنة الاستشارية الفيدرالية»، وهو قانون صدر عام 1972 ينظّم عمل الأعضاء الذين لا يتمتعون بمنصب حكومي والمجموعات الخارجية التي تقدّم المشورة إلى الحكومة، ويتيح للرئيس دفع أموال أو تعويضات لهم مقابل خدماتهم، ولكنه لا يلزمه بذلك.

بمعنى آخر، فإن عمل ماسك وراماسوامي تبعاً لقانون اللجنة الاستشارية الفيدرالية من شأنه أن يجعلهما بمنزلة «موظفين خاصين للحكومة». ومثل هذه الوظيفة يمكن أن تكون غير مدفوعة الأجر، وبعكس الوظائف الفيدرالية الأخرى فإنها لا تتطلّب من الشخص الكشف عن أصوله أو تعاملاته لتجنّب أي تضارب محتمل في المصالح.

ما المبلغ الذي تتطلّع الوزارة إلى خفضه؟

حدّد ماسك هدفاً بإجراء خفض بقيمة تريليوني دولار في ميزانية الحكومة الفيدرالية، البالغة ما بين 6.5 و7 تريليونات، لكن من غير الواضح ما إذا كان هذا المبلغ سيجري خفضه سنوياً أو ضمن خطة تمتد لعدة سنوات.

لكن ترمب استخدم رقماً سنوياً في إعلانه الوزارة؛ إذ قال: «سنخفّض الهدر الهائل والاحتيال الموجود في جميع أنحاء إنفاقنا الحكومي السنوي البالغ 6.5 تريليون دولار».

لكن لماذا لم يحدث هذا من قبل؟

لقد حدث بالفعل، وإن لم يحدث قط بهذه الطريقة تماماً. فواشنطن مليئة بخطط خفض الإنفاق التي لم تُنفّذ إطلاقاً.

ففي عام 2010 اقترحت لجنة «سيمبسون بولز» المالية التي شُكّلت في عهد إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما لمعالجة العجز الفيدرالي، تخفيضات بقيمة 4 تريليونات دولار على مدى عقد من الزمان من خلال تأخير سن التقاعد، ووضع حد أقصى لتكاليف الرعاية الصحية، وإلغاء الإعفاءات الضريبية.

ولم يتحرك «الكونغرس» قط لتنفيذ هذا الاقتراح. ثم حاولت لجنة جديدة فيه، أُطلق عليها اسم «اللجنة فائقة التوصل لصفقة كبرى» بين أوباما والجمهوريين في هذا الشأن عام 2011، ولكنها فشلت.

ووعد ترمب نفسه في عام 2016 بأنه سيحقّق التوازن في الميزانية «بسرعة معقولة»، ولكن عندما ترك منصبه في عام 2021 كان الدين الأميركي عند مستوى قياسي.

لماذا يُعدّ الأمر صعباً إلى هذا الحد؟

إن خفض العجز بشكل جدي يتطلّب مستوى من التقشف لم تشهده الولايات المتحدة منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومن المرجح أن يشمل تخفيضات كبيرة في برامج الضمان الاجتماعي، والرعاية الطبية، والبرامج الخاصة بالمحاربين القدامى.


مقالات ذات صلة

نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

يوميات الشرق النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)

نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

كشفت تقديرات نقلتها صحيفة «الغارديان» أن عدد المليارديرات حول العالم قد يصل إلى نحو 4 آلاف، بحلول عام 2031، مدفوعاً بالنمو السريع في ثروات الأثرياء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

إيلون ماسك يتغيب عن التحقيقات في قضية «إكس» بباريس

تغيّب الملياردير الأميركي إيلون ماسك عن جلسة استماع في باريس، الاثنين، لاستجوابه في إطار تحقيق حول انحرافات محتملة لشبكته الاجتماعية «إكس».

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)

تقرير: مسؤول أميركي يحقق أرباحاً من بيع أسهم في شركة «إكس إيه آي» بعد توقيع البنتاغون اتفاقاً معها

حقق مسؤول في وزارة الحرب الأميركية، يُشرف على جهود الوزارة في مجال الذكاء الاصطناعي، ربحاً يصل إلى 24 مليون دولار من أسهم كان يملكها في شركة «إكس إيه آي».

تكنولوجيا تدمج الشركة «غروك» داخل وظائف يومية في المنصة وليس فقط بوصفه روبوت محادثة منفصلاً (أ.ف.ب)

«إكس» توسّع استخدام «غروك» بترجمة المنشورات وتعديل الصور

«إكس» تدمج «غروك» في ترجمة المنشورات وتحرير الصور في خطوة توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المنصة وتثير أسئلة حول الدقة.

نسيم رمضان (لندن)
شؤون إقليمية لقاء سابق بين الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ورئيس الوزراء ⁠الهندي ناريندرا ‌مودي (رويترز) p-circle

تقرير: ترمب ومودي أجريا اتصالاً بشأن حرب إيران وماسك انضم لهما

ذكرت ​صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن ‌إيلون ‌ماسك ​شارك ‌في ⁠مكالمة بين الرئيس ترمب ورئيس الوزراء ⁠الهندي، الثلاثاء؛ ​لمناقشة ‌حرب ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مهاجم «حفل واشنطن» يواجه تهماً قد تصل عقوبتها إلى المؤبد

المسلح كول توماس آلن أثناء اعتقاله خلال محاولته دخول قاعة الحفل حاملاً أسلحة نارية وسكاكين مساء السبت (د.ب.أ)
المسلح كول توماس آلن أثناء اعتقاله خلال محاولته دخول قاعة الحفل حاملاً أسلحة نارية وسكاكين مساء السبت (د.ب.أ)
TT

مهاجم «حفل واشنطن» يواجه تهماً قد تصل عقوبتها إلى المؤبد

المسلح كول توماس آلن أثناء اعتقاله خلال محاولته دخول قاعة الحفل حاملاً أسلحة نارية وسكاكين مساء السبت (د.ب.أ)
المسلح كول توماس آلن أثناء اعتقاله خلال محاولته دخول قاعة الحفل حاملاً أسلحة نارية وسكاكين مساء السبت (د.ب.أ)

مثل المسلح الذي حاول اقتحام حفل عشاء «رابطة مراسلي البيت الأبيض» أمام القضاء، الاثنين، بعد محاولة الاعتداء الجديدة التي كانت تستهدف الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وأعلن البيت الأبيض أن المشتبه به الذي عرفت عنه وسائل الإعلام الأميركية باسم كول توماس آلن (31 عاماً)، كان يسعى إلى اغتيال ترمب وعدد من كبار مسؤولي إدارته خلال حفل العشاء السنوي الذي أقيم مساء السبت في واشنطن. وأعلنت المدعية العامة جينين بيرو توجيه تهم أولية تشمل استخدام سلاح ناري بهدف تنفيذ جريمة عنف والاعتداء على موظف فيدرالي.

ووسط توقعات بتوسيع لائحة الاتهام، حيث يرجح خبراء قانونيون إضافة تهم أخطر، قد تصل إلى محاولة اغتيال مسؤولين حكوميين أو حتى الإرهاب الداخلي، في حال أثبت الادعاء وجود نية واضحة لاستهداف الرئيس أو كبار المسؤولين. وترك آلن بياناً مع أفراد عائلته أشار فيه إلى نفسه «بالقاتل الودود»، وناقش فيه خططاً لاستهداف كبار مسؤولي إدارة ترمب، الذين كانوا حاضرين في قاعة الاحتفالات بالفندق. والرسالة هي أحد أبرز الأدلة التي يستخدمها المدعي العام ضده، إذ تعد محوراً أساسياً في التحقيق، لأنها تظهر بوضوح أن الهجوم لم يكن عشوائياً، بل استهدف «مسؤولين حكوميين من أعلى الهرم إلى أدناه»، مع تركيز محتمل على شخصيات بارزة في الإدارة.

وقال تود بلانش ‌القائم بأعمال وزير العدل لشبكة «سي بي إس» إن المعلومات «الأولية» تشير إلى أن المشتبه به «كان يستهدف أعضاء في إدارة ترمب». وأفاد المحققون بأن المشتبه به انتقل إلى واشنطن بالقطار من لوس أنجليس مروراً بشيكاغو للإفلات من المراقبة المفروضة على النقل الجوي. ورجحوا أن يكون قد «اشترى الأسلحة خلال العامين الماضيين». وأظهرت لقطات من كاميرات المراقبة نشرها ترمب نفسه على شبكته «تروث سوشيال»، المهاجم يهرع ويقتحم نقطة تفتيش أمنية عند مدخل القاعة، حيث كان يقام حفل العشاء، فيما سارع عدد من عناصر الأمن إلى إشهار أسلحتهم. وأفادت الشرطة بأن مطلق النار كان يحمل بندقية صيد ومسدساً وعدداً من السكاكين، وأطلق النار على أحد عناصر الأمن لكن سترته الواقية من الرصاص حمته من الإصابة. كما لم يصب المهاجم بجروح.

وتبدو احتمالات الحكم قاسية، إذ قد يواجه المشتبه به عقوبة السجن المؤبد، خصوصاً مع وجود أدلة مكتوبة تدعم فرضية الدافع السياسي. وأثارت الحادثة هلعاً خلال الحفل السنوي الذي جمع أوساط السياسة والإعلام في فندق «هيلتون». وقال الرئيس في مقابلة بثتها شبكة «سي بي إس» ضمن برنامج «60 دقيقة» مساء الأحد: «لم أشعر بالقلق، إنني أفهم الحياة. نعيش في عالم مجنون». كما قال ترمب لشبكة «فوكس نيوز» إن المهاجم الذي وصفه بشخص «مختل للغاية»، كتب بياناً «معادياً بشدة للمسيحيين»، فيما أوردت عدة وسائل إعلام أميركية نصاً قالت إنه أرسله إلى عائلته بصورة خاصة، وأفاد فيه بأنه سيستهدف مسؤولين «من الأعلى إلى الأدنى مرتبة».

أفراد إنفاذ القانون يعملون في الموقع عقب حادث إطلاق نار وقع خلال العشاء السنوي لجمعية مراسلي البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، في 25 أبريل 2026. (رويترز)

ثغرات أمنية

وأعادت الواقعة إحياء المخاوف بشأن سلامة ترمب، الذي نجا من محاولتي اغتيال خلال حملته الرئاسية لعام 2024، وسلامة مسؤولين أميركيين آخرين. ورغم إشادة السلطات بسرعة الاستجابة الأمنية لرجال «الشرطة السرية»، فإن الحادث أعاد فتح ملف جاهزية الأجهزة المكلفة بحماية الرئيس وكبار المسؤولين. وتتركز الانتقادات حول عدة نقاط تتعلق بنجاح المشتبه به في إدخال أسلحة إلى الفندق قبل الحدث وقدرته على الاقتراب من نقطة حساسة داخل منشأة تستضيف حدثاً رفيع المستوى يشارك فيه الرئيس الأميركي ونائبه جي دي فانس والوزراء وكبار مسؤولي الإدارة الأميركية، إضافة إلى إشارات المشتبه به في رسالته لعائلته «بسهولة اختراق الإجراءات الأمنية». وترى دوائر أمنية أن ما حدث يمثل «نجاحاً تكتيكياً» في احتواء التهديد، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن «ثغرات استراتيجية» تتطلب مراجعة شاملة، خصوصاً في ظل ازدياد التهديدات ذات الطابع الفردي. وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض، الاثنين، إن سوزي وايلز رئيسة موظفي البيت الأبيض ستعقد اجتماعاً هذا الأسبوع بشأن الأمن الرئاسي. وأردف المسؤول أن الرئيس ترمب والبيت الأبيض يقفان إلى جانب قيادة جهاز الخدمة السرية الأميركي بعد واقعة ‌إطلاق النار، وذكر أنه من المتوقع أن تجتمع وايلز ‌هذا الأسبوع مع قادة جهاز الخدمة السرية ووزارة الأمن الداخلي لمناقشة «البروتوكولات والممارسات» الخاصة بالفعاليات الكبرى التي يشارك فيها ترمب. وتابع أن الاجتماع سيراجع التعامل الأمني مع الواقعة، وسينظر أيضاً في «كل ما هو ممكن» لضمان أمن الفعاليات في المستقبل.

يغادر الحضور موقع الحدث بينما يفتح مسلح النار خلال العشاء السنوي لجمعية مراسلي البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، في 25 أبريل 2026. (رويترز)

نظريات المؤامرة

وكما يحدث دائماً في معظم الأزمات الأميركية الكبرى، لم يتأخر انتشار نظريات المؤامرة، التي وجدت في غموض بعض التفاصيل أرضاً خصبة. وتراوحت هذه النظريات بين التشكيك في الرواية الرسمية للأحداث والادعاء بوجود أطراف أجنبية خلف الهجوم، إضافة إلى اتهام جهات داخلية بالتواطؤ أو الإهمال المتعمد. كما تطرقت نظريات المؤامرة إلى تفسير السلوك المتناقض للحاضرين للحفل، حيث تداولت المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية والسوشيال ميديا لقطات تظهر بعض ضيوف الحفل جالسين في هدوء تام يتناولون الطبق الأول من قائمة العشاء دون أي إظهار لمفاجأة إقحام قوات الشرطة السرية للقاعة، والقفز على الطاولات للوصول إلى المنصة التي يجلس عليها ترمب.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب على أسئلة وسائل الإعلام خلال إيجاز صحافي في البيت الأبيض، وذلك عقب حادث إطلاق نار وقع أثناء حفل العشاء السنوي لجمعية مراسلي البيت الأبيض، في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 25 أبريل 2026. (رويترز)

ترمب «استفاد سياسياً من ذلك»

وبسبب هذه الحادثة، وجد ترمب نفسه في موقع مزدوج؛ فهو كان هدفاً محتملاً للهجوم، لكنه أيضاً استفاد سياسياً من تداعياته. وفي تصريحاته ركز على ما وصفه بـ«تصاعد خطاب الكراهية من اليسار»، مُحمّلاً خصومه جزءاً من المسؤولية غير المباشرة.

كما سعى إلى تقديم نفسه بصورة القائد الصلب، مشيراً إلى تعامله بهدوء مع الحادث، في رسالة تستهدف تعزيز صورته أمام قاعدته السياسية واستغلال الحادث في إعادة إحياء خطاب الوحدة الوطنية والدفاع عن أميركا التي يحاول ترمب جعلها عظيمة مرة أخرى في مواجهة اتهامات الديمقراطيين.

وبذلك يكون ترمب قد قلب الطاولة واتهم معارضيه بتسميم المناخ الإعلامي والسياسي والتحريض على العنف، مما يعطيه دفعة إعلامية وانتخابية أيضاً قبل الانتخابات النصفية التشريعية، وبناء زخم يمكن الجمهوريين من تصوير ترمب كأنه رمز للصمود الوطني والقيادة في وجه التهديدات. ويرى محللون أن هذا التوظيف ليس مفاجئاً، بل يندرج ضمن استراتيجية أوسع لتسييس قضايا الأمن وربطها بالصراع الحزبي، خصوصاً في ظل التوتر المستمر مع وسائل الإعلام.


محاكم الهجرة الأميركية تشهد تحوّلات تحت إدارة ترمب

الرئيس ترمب يسعى لمنع حق منح الجنسية لكل من يُولد داخل الأراضي الأميركية (رويترز)
الرئيس ترمب يسعى لمنع حق منح الجنسية لكل من يُولد داخل الأراضي الأميركية (رويترز)
TT

محاكم الهجرة الأميركية تشهد تحوّلات تحت إدارة ترمب

الرئيس ترمب يسعى لمنع حق منح الجنسية لكل من يُولد داخل الأراضي الأميركية (رويترز)
الرئيس ترمب يسعى لمنع حق منح الجنسية لكل من يُولد داخل الأراضي الأميركية (رويترز)

تشهد محاكم الهجرة في الولايات المتحدة تحولات كبيرة تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب، الذي يسعى إلى تسريع معالجة التراكم الضخم في قضايا المهاجرين، خصوصاً تلك الموجهة لترحيل مئات الآلاف من المقيمين بصورة غير شرعية. فيما أظهر استطلاع للرأي أن غالبية الأميركيين يؤيدون الإبقاء على منح الجنسية تلقائياً لكل من يُولد على الأراضي الأميركية.

ووفقاً لإحصاءات أعدتها صحيفة «واشنطن بوست» أو منقولة عن وثائق فيدرالية رسمية، تشمل التحولات إقالة أكثر من 100 قاضٍ مختص بقضايا الهجرة منذ بداية الولاية الثانية لترمب في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، بالإضافة إلى استقالة أو تقاعد عدد مماثل، مقابل تعيين أكثر من 140 قاضياً جديداً ليحلوا محلهم.

غير أن ما أثار الجدل هو أن نسبة كبيرة من القضاة الجدد لا يملكون خبرة واضحة في قانون الهجرة، وفق تحليلات لبيانات التوظيف، كما جرى تقليص مدة التدريب من نحو خمسة أسابيع إلى ثلاثة فقط. وترى جهات مهنية، مثل «الرابطة الوطنية لقضاة الهجرة»، أن هذا التغيير يمكن أن يؤثر على جودة الأحكام، خصوصاً في قضايا معقّدة تتعلق باللجوء والحماية الإنسانية التي لطالما سعى إليها وكلاء الدفاع عن المهاجرين في مثل هذه المحاكم.

3 ملايين قضية

وفي الوقت نفسه، يؤكد مسؤولون في وزارة العدل أن القضاة الجدد يتمتعون بالكفاءة، ويلتزمون بتطبيق القوانين كما أقرها «الكونغرس»، وأن التدريب لا يزال مكثفاً ويتضمّن جوانب نظرية وعملية. وتقول الإدارة إن هذه الإجراءات ضرورية لمعالجة أكثر من ثلاثة ملايين قضية متراكمة أمام نحو 700 قاضٍ فقط، وهو ما يشكل ضغطاً هائلاً على النظام القضائي.

ومع ذلك، أعرب قضاة سابقون وخبراء عن مخاوف من أن هذه التغييرات تهدف إلى إعادة تشكيل المحاكم بطريقة تخدم سياسات الهجرة الصارمة. ويعتقد بعضهم أن القضاة الذين يصدرون أحكاماً لا تتماشى مع توجهات الحكومة قد يتعرضون لضغوط أو حتى للإقالة. وأشار قضاة فُصلوا خلال الشهور الـ15 الماضية إلى أن هناك توقعات غير معلنة بزيادة عدد قرارات الترحيل وتسريع البت في القضايا، أحياناً، على حساب الإجراءات القانونية الواجبة.

كما تزامنت هذه التغييرات مع سياسات جديدة تجعل من الصعب على المهاجرين الفوز بقضاياهم، مثل تقليل منح الكفالة، وتشجيع على رفض طلبات اللجوء، وإغلاق بعض القضايا بناء على طلب الحكومة الفيدرالية. وتشير البيانات إلى أن حالات رفض اللجوء ارتفعت بشكل ملحوظ، حيث انخفضت نسبة الموافقة إلى أقل من 5 في المائة في بعض الفترات، مقارنة بنسب أعلى بكثير خلال سنوات سابقة.

ويرى المنتقدون أن هذه التطورات يمكن أن تقوّض ثقة المهاجرين بعدالة المحاكم، وقد تدفع حتى أصحاب القضايا القوية إلى التراجع عن طلب اللجوء، بسبب شعورهم بأن النظام لم يعد محايداً. كما يحذرون من أن تسييس القضاء قد يضر بسمعة النظام القانوني الأميركي، ويضعف مبدأ سيادة القانون في الولايات المتحدة.

في المقابل، يدافع مؤيدو هذه السياسات عن ضرورة الإصلاح، لافتين إلى أن النظام السابق كان بطيئاً وغير فعّال، وأن القضاة، بغض النظر عن تخصصهم، يمتلكون تدريباً قانونياً كافياً يؤهلهم إلى النظر في هذه القضايا. ويشيرون إلى أن هناك آليات استئناف تتيح مراجعة القرارات، مما يوفّر ضمانات إضافية للعدالة.

بالتوازي مع ذلك، أطلقت وزارة العدل حملة توظيف واسعة النطاق، تعرض حوافز مثل رواتب مرتفعة ومكافآت توقيع، وحتى مرونة في العمل، بهدف جذب المزيد من القضاة. كما جرت الاستعانة بمحامين عسكريين لسد النقص، وهو ما أثار بدوره تساؤلات حول مدى جاهزيتهم للتعامل مع قضايا الهجرة المعقدة.

في النهاية، تعكس هذه التغييرات صراعاً أوسع حول سياسات الهجرة في الولايات المتحدة، بين من يرى ضرورة التشدد وضبط الحدود، ومن يخشى على حقوق المهاجرين ونزاهة النظام القضائي. وبين هذين الموقفين، تبقى محاكم الهجرة في قلب هذا الجدل، وهي تحاول التوفيق بين الضغوط السياسية والمتطلبات القانونية والإنسانية.

المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

الجنسية بالولادة

إلى ذلك، أظهر استطلاع رأي أجرته «رويترز» مع مؤسسة «إبسوس» للإحصاءات أن غالبية الأميركيين يعتقدون أن كل من يُولد في الولايات المتحدة يجب منحه الجنسية تلقائياً.

وجاء ذلك في وقت تستعد فيه المحكمة العليا الأميركية للبت في مسعى الرئيس ترمب لإنهاء هذه الممارسة.

وأظهر الاستطلاع، الذي أُجري على مستوى الولايات المتحدة بين 15 و20 أبريل (نيسان) الحالي، أن 64 في المائة من الأميركيين يعارضون إلغاء حق الحصول على الجنسية بالولادة، في حين يؤيد 32 في المائة إلغاءه كما يرغب ترمب. وبيّن أن الرأي العام منقسم على أسس حزبية؛ إذ ‌يؤيد 9 في المائة فقط من الديمقراطيين إلغاء هذه السياسة، في حين ‌يؤيدها 62 في المائة من الجمهوريين، ويرفضها 36 في المائة منهم.

وستبت المحكمة العليا أيضاً مسألة احتساب الولايات بطاقات الاقتراع الواردة عبر البريد التي تحمل ختماً بريدياً بتاريخ يوم الانتخابات، لكنها تصل بعد ذلك بأيام.

Your Premium trial has ended


الملك تشارلز يبدأ زيارة إلى أميركا تُخيّم عليها «حرب إيران»

البيت الأبيض كما بدا صباح الاثنين قبيل وصول الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا (أ.ب)
البيت الأبيض كما بدا صباح الاثنين قبيل وصول الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز يبدأ زيارة إلى أميركا تُخيّم عليها «حرب إيران»

البيت الأبيض كما بدا صباح الاثنين قبيل وصول الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا (أ.ب)
البيت الأبيض كما بدا صباح الاثنين قبيل وصول الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا (أ.ب)

يصل الملك تشارلز الثالث، ملك إنجلترا، والملكة كاميلا، إلى واشنطن، الاثنين، في زيارة رسمية تستمر 4 أيام، وتأتي عقب الهجوم الذي وقع خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض في حضور الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وفي ظل توتر دبلوماسي متصاعد على خلفية «حرب إيران».

وتعدّ هذه الزيارة الرسمية، إلى حد بعيد، الأكبر أهمية وتأثيراً في عهد تشارلز، وجاء توقيتها بمناسبة مرور 250 عاماً على إعلان الولايات المتحدة استقلالها عن الحكم البريطاني، وهي أول زيارة أيضاً يجريها ملك بريطاني إلى الولايات المتحدة منذ نحو عقدين.

وبلغ تشارلز من العمر 77 عاماً ولا يزال يخضع للعلاج من السرطان.

وألقت واقعة إطلاق النار يوم السبت خلال مأدبة عشاء «رابطة مراسلي البيت الأبيض» في واشنطن بظلالها كذلك على الزيارة، لكن المتحدث باسم «قصر باكنغهام» أكد، الأحد، أن الزيارة «ستمضي كما هو مخطط لها». وأضاف المتحدث باسم القصر أن «الملك ‌والملكة يشعران بأقصى درجات الامتنان لكل من عملوا بوتيرة سريعة لضمان إتمام الزيارة، ويتطلعان إلى القيام بها».

«رجل عظيم وشجاع»

وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، الأحد، قال ترمب عن الملك تشارلز الثالث: «إنه رجل عظيم وشجاع جداً، ويمثل بلاده خير تمثيل».

وكان الملك تشارلز قد أعرب عن «ارتياح كبير» لعدم تعرّض ترمب وزوجته ميلانيا والضيوف الآخرين لأي أذى. وأكّد السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة، كريستيان ترنر، الأحد، أنّ ترمب «متحمس جداً» لهذه الزيارة، التي يبادل عبرها حُسن الاستقبال الذي حظي به في المملكة المتحدة العام الماضي.

الملك تشارلز والرئيس ترمب يستعرضان حرس الشرف في قصر ويندسور بإنجلترا يوم 17 سبتمبر 2025 (أ.ب)

شاي وخلايا نحل

ويتضمن البرنامج استضافة ترمب وميلانيا الضيفين لتناول الشاي، على أن تليها جولة لرؤية خلايا النحل في البيت الأبيض. ويبدأ برنامج الثلاثاء، وهو أكثر يوم يتضمن محطات رسمية، بحفل استقبال عسكري. وسيعقد ترمب والملك تشارلز الثالث اجتماعاً في المكتب البيضاوي، بينما تشارك زوجتاهما في فعالية محورها التعليم والذكاء الاصطناعي. ويُفترض في اليوم نفسه أن يُلقي الملك البريطاني خطاباً أمام الكونغرس الأميركي، سيكون الأول من نوعه منذ خطاب الملكة إليزابيث الثانية عام 1991؛ بهدف تهدئة التوترات الدبلوماسية الحالية من خلال التطرق إلى العلاقة التاريخية الممتدة على مدى قرنين ونصف قرن، بكل ما فيها من تقلبات، بين المملكة المتحدة ومستعمرَتها السابقة. وخفّف ترمب من انتقاداته لبريطانيا بشأن حرب إيران في الأيام القليلة الماضية. لكن رسالة بريد إلكتروني داخلية من وزارة الدفاع الأميركية أشارت إلى إمكان مراجعة الولايات المتحدة موقفها من سيادة بريطانيا على جزر فوكلاند عقاباً لها على عدم تقديم الدعم في الحرب؛ مما أدى مرة أخرى إلى توتر العلاقات.

وسيتناول الزعيمان وزوجتاهما العشاء مساء داخل قاعة استقبال في البيت الأبيض، بدلاً من جناح كبير في الحدائق عادة ما يُستخدم في مثل هذه المناسبات. إلا إنّ ترمب لا يحب هذا الجناح ويرغب في الاستبدال به قاعة احتفالات ضخمة يجري العمل على بنائها.

ملف إبستين

وفي زيارة لنيويورك الأربعاء، سيزور الملك والملكة النصب التذكاري لضحايا 11 سبتمبر (أيلول)2001، ثم يلتقيان ترمب وميلانيا آخر مرة الخميس قبل عودتهما إلى بريطانيا.

وسيسعى الملك تشارلز الثالث جاهداً إلى تجنّب أن يلقي التوتر بين لندن وواشنطن بظلاله على أجواء الزيارة المُنظمة بعناية. إلا إنّ مهمته لن تكون سهلة. ويتعيّن عليه تجنّب تأجيج الانتقادات الواسعة في المملكة المتحدة لهذه الزيارة التي لا تحظى بإجماع شعبي، وألا يعطي انطباعاً بأنها محاولة لاسترضاء ترمب. كما تقع على عاتق الملك مهمة ضمنية تتمثل في استمالة الرئيس الأميركي المستاء من أمور عدة؛ أهمها تحفظات السلطات البريطانية على الحرب في إيران. وبالإضافة إلى مهاجمة رئيس الوزراء، كير ستارمر، فقد أخلّ ترمب بـ«العلاقة المميزة» مع بريطانيا عبر انتقاده الجيش والبحرية البريطانيين. كما قلّل من شأن التضحيات التي قدمها البريطانيون عندما قاتلوا إلى جانب الأميركيين في أفغانستان. ولا يغيب عن هذه الزيارة أيضاً ملف حساس يتمثّل في قضية جيفري إبستين، والعلاقة السابقة بين شقيق الملك، آندرو، والمتمول الراحل المدان بجرائم جنسية. وسيراقب المعلّقون، طيلة الأيام الأربعة التي سيقضيها الثنائي الملكي في الولايات المتحدة، من كثب أي تلميح، وإن كان ضمناً، إلى هذه القضية التي لا تزال تُربك العائلة الملكية البريطانية.