السوداني: لا قوات قتالية في العراق لكي تنسحب

رئيس الوزراء العراقي أكد في واشنطن رفضه «الزج ببلدنا في ساحة الصراع بين إيران وإسرائيل»

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

السوداني: لا قوات قتالية في العراق لكي تنسحب

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن «التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، والمكون من 86 دولة لم يعد له مبرر بعدما تمكّن العراق من هزيمة التنظيم التي لم يعد يملك متراً واحداً في العراق».

كلام السوداني جاء في لقاء مع مراسلي الصحف والقنوات الفضائية عقده ليل الثلاثاء في واشنطن، حيث التقى الرئيس الأميركي جو بايدن وعدداً من المسؤولين. ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» بشأن الجدل الدائر حول وجود قوات قتالية أميركية في العراق، وهل تضمنت المباحثات التي أجراها مع الإدارة الأميركية جدولة واضحة للانسحاب، قال السوداني: «لا وجود لقوات قتالية في العراق لكي تنسحب»، مبيناً أن «القوات الأميركية انسحبت من العراق ولم يتبق سوى وجود استشاري، واللجان الفنية العسكرية بين الجانبين تبحث الآليات الخاصة بإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق والانتقال إلى علاقة ثنائية بين العراق ودول التحالف وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية».

وقال السوداني إن «العراق في 2024 مختلف عن العراق في 2014 حينما بدأ عمل قوات التحالف»، مؤكداً أن «مسالة إنهاء عمل التحالف مطلب عراقي، وجزء من البرنامج الحكومي الذي صوّت عليه مجلس النواب، ومحل النقاش بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة منذ أغسطس (آب) 2023». وأضاف: «لقد وضعنا شعار (العراق أولاً) خلال محادثاتنا مع المسؤولين الأميركيين، و(داعش) اليوم لا يمثل تهديداً للدولة العراقية».

الجدول الزمني

وتكررت أسئلة الصحافيين حول الجدول الزمني لخروج القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي لمكافحة «داعش» من العراق وتأثير التوترات الحالية والتصعيد بين إيران وإسرائيل على هذه الخطط، ومدى جدية المخاوف من استغلال إيران لخروج القوات الأميركية والسعي لزيادة نفوذها في العراق، وزيادة نفوذ الميليشيات الموالية لها داخل العراق.

وحرص السوداني في إجابته على أن يؤكد أن «إنهاء مهمة التحالف يحظى بنقاش موسع داخل اللجنة العسكرية التي تجري حواراً يحمل ثلاثة عناوين أساسية: الأول هو تقييم خطر (داعش)، والثاني هو تقييم الظروف والبيئة المحيطة، والثالث هو تقييم القدرات العملياتية للقوات العراقية وعلى ضوء هذه التقييمات سيتم تقييم الجدول الزمني لإنهاء عمل التحالف والانتقال إلى علاقات ثنائية مع الولايات المتحدة ودول التحالف».

وشدد على أن التصعيد بين إيران وإسرائيل يوثر على استقرار العراق والمنطقة، وقال: «سنستخدم حقنا القانوني والدبلوماسي لحماية أراضينا من أي اعتداء، والعراق ليس بلداً مفتوحاً لكل من هبّ ودبّ».

وفي إجابته عن الهجمات المسلحة التي تقوم بها «كتائب حزب الله» بالعراق على المقار والمنشآت الأجنبية، قال السوداني إنه يرفض أي اعتداءات مسلحة في المناطق التي يتواجد فيها المستشارون، ولا يسمح لأي مجموعة مسلحة بالعبث بالأمن والاستقرار.

إيران والعراق

صواريخ محمولة على شاحنة بينما يقود قائد فرقة عسكرية إيرانية الفرقة الموسيقية خلال عرض يوم الجيش في قاعدة عسكرية شمال طهران - إيران الأربعاء 17 أبريل 2024. وفي العرض حذّر الرئيس إبراهيم رئيسي من أن «الغزو الأصغر» من قِبل إسرائيل سيؤدي إلى رد فعل «ضخم وقاسٍ»... حيث تستعد المنطقة لانتقام إسرائيلي محتمل بعد الهجوم الإيراني نهاية الأسبوع (أ.ب)

ونفى رئيس الوزراء العراقي أن تكون بلاده تلقت تقارير أو مؤشرات من إيران حول إطلاق صواريخ وطائرات مسيرّة في الهجوم على إسرائيل، خاصة أن الهجوم الإيراني اخترق المجال الجوي العراقي في طريقه إلى إسرائيل. ورفض تورط العراق في التصعيد الحالي بين إسرائيل وإيران.

وأوضح السوداني أن بلاده أدانت حادثة قصف القنصلية الإيرانية في دمشق لكونه عملاً يتنافى مع الأعراف القانونية، ويأتي في إطار سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتوسيع ساحة الصراع واستراتيجيته التي تستهدف إشعال المنطقة بعد فشله في الحرب في غزة، وقال: «لقد بذل العراق جهداً لعدم الرد الإيراني وتفويت الفرصة لاتساع ساحة الصراع، وكنا حريصين على إبعاد العراق عن التورط في هذا التصعيد، لقد كان موقفنا واضحاً، ولن نسمح أن يكون العراق طرفاً في ساحة الصراع».

فلسطين المشكلة الجذرية

وشدد السوداني على أن المشكلة الجذرية للتصعيد الحالي هي القضية الفلسطينية التي لم يتم حلها ولم يتم وقف العدوان الإسرائيلي على غزة والاستهداف المتعمد للمدنيين خارج نطاق القانون الدولي الإنساني، وما يحدث من إبادة جماعية على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي؛ وهو ما أدى إلى التصعيد والأخطار في البحر الأحمر على الملاحة الدولية والمناوشات في جنوب لبنان وسوريا والآن هذا التصعيد المباشر بين إيران وإسرائيل، وقال: «موقفنا هو ضرورة إيقاف الحرب في غزة وتوصيل المساعدات، وأي حديث آخر عن ملفات ثانوية هو هروب عن القضية الأساسية وهي القضية الفلسطينية».

الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في مستهل لقاء ثنائي بالمكتب البيضاوي في البيت الأبيض يوم الاثنين 15 أبريل 2024 (د.ب.أ)

وأضاف: «سقوط الضحايا من النساء والأطفال أمر غير مقبول وبمجرد وقف هذه الحرب ستشهد المنطقة انفراجه واستقراراً، والتغاضي عن حل المشكلة الفلسطينية يعني المزيد من التداعيات واتساع ساحة الصراع».

وفي سؤال حول حصول العراق على وعود أميركية لرفع عقوبات الخزانة الأميركية ضد مصارف عراقية متورطة في عمليات غسل أموال لصالح إيران، قال السوداني إن العقوبات المفروضة هي حرمان من التداول بالدولار، وشدد على أن الحكومة الحالية عملت على تنفيذ عمليات إصلاح مالي ومصرفي خلال الفترة الماضية، وحققت تقدماً بشهادة وزارة الخزانة الأميركية في ضبط أكثر من 80 في المائة من التعاملات المالية التي تجريها المصارف العراقية وفق المعايير الدولي، وهو عامل أساسي لدعم البنك المركزي العراقي في سياساته النقدية.

الغاز الإيراني

وأعلن رئيس الوزراء العراقي أن بلاده بدأت بمشاريع واعدة وجدول زمني واضح في استثمار الغاز المسال والغاز الطبيعي من خلال تعاقدات مع شركات تعمل في إقليم كردستان؛ بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز خلال فترة من ثلاث إلى خمس سنوات ومناقشة مشروعات جديدة للنفط والغاز مع شركات أميركية في هيوستن ومتشغان.


مقالات ذات صلة

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

المشرق العربي لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق (متداولة)

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

يلتقي في الشدادي بالحسكة وفدٌ أممي أهاليَ المرحّلين من سجون «قسد» إلى العراق، ويطالب الأهالي بإعادتهم ومحاكمتهم في سوريا.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي 
من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

صراع على الحصص يعطل مفاوضات الحكومة العراقية

شهدت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي في العراق حالة من الانسداد السياسي لتكليف رئيس جديد للوزراء، في ظل خلافات داخلية.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

واشنطن تضغط على بغداد بالدولار لتفكيك الميليشيات

أفادت تقارير أميركية، الأربعاء، بأن واشنطن ربما منعت نقل شحنة مالية تُقدر بنحو 500 مليون دولار من عائدات النفط العراقي إلى بغداد.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي هجوم سابق بطائرة مُسيرة على مشارف أربيل (د.ب.أ)

هجوم بمُسيرات على موقع للمعارضة الكردية الإيرانية في أربيل

أصيب ثلاثة مقاتلين بحزب كردي إيراني معارض متمركز في إقليم كردستان بشمال العراق، بجروح، اليوم الأربعاء، جراء هجوم بالطيران المُسيّر، وفق ما أعلن الحزب.

«الشرق الأوسط» (أربيل)
المشرق العربي من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

رئاسة الحكومة العراقية عالقة في خلافات «الإطار التنسيقي»

يواجه التحالف الحاكم في العراق مصاعب جدية في حسم مرشحه لرئاسة الحكومة الجديدة، رغم مرور 10 أيام على انتخاب رئيس الجمهورية.

فاضل النشمي (بغداد)

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، في تبادل رسائل مع صحيفة «نيويورك بوست»، إنه «من الممكن» استئناف المحادثات مع إيران في الأيام المقبلة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورداً على سؤال للصحيفة بشأن احتمال عقد مفاوضات خلال «36 إلى 72 ساعة»، أي قبل حلول يوم الجمعة، قال ترمب: «هذا ممكن».

وكان ترمب قد أعلن، الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار، لإتاحة المجال للتوصل إلى اتفاق مع إيران، من دون أن يحدد مهلة جديدة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، في وقت سابق، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، فاتحاً نافذة زمنية إضافية بانتظار تقديم طهران «مقترحاً موحداً» ينهي حالة الانسداد السياسي، في حين هاجم «الحرس الثوري» ثلاث سفن في مضيق هرمز.


إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
TT

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)

قال مسؤولون أميركيون إن مركبة عمل اصطدمت بقطار ركاب بوسط واشنطن في وقت مبكر من اليوم الأربعاء، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً.

وقالت هيئة النقل في منطقة العاصمة واشنطن في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن قطار الخط الفضي المتوقف تعرض للاصطدام بعد منتصف الليل في محطة المترو المركزية.

وذكرت المحطة أن حالة المصابين ليست خطيرة، ولكنها لم تقدم تفاصيل بشأن شدة الإصابات أو نوعها.


هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
TT

هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)

في لحظة بدت أقرب إلى إعادة ضبط الصراع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران «إلى أجل غير مسمى»، مع الإبقاء على الحصار البحري لموانئها واستمرار التوتر في مضيق هرمز؛ ما جعل المشهد يبدو أقرب إلى هدنة قسرية فوق حافة الانفجار، حيث يصر كل طرف على سياسة «عض الأصابع» لفرض شروطه قبل العودة إلى طاولة المحادثات أو إلى ميدان المعركة.

وجاء التمديد بعد تعثر محادثات كان يفترض أن تُستأنف بوساطة باكستانية، وتراجع ترمب فيها عن موقف سابق برفض التمديد، وبعد مؤشرات متضاربة من واشنطن من تهديد باستئناف الضربات من جهة، ثم قرار بإعطاء التفاوض فرصة إضافية من جهة أخرى، بما يعكس مأزقاً استراتيجياً عميقاً يواجه الإدارة الأميركية.

وقد برر البيت الأبيض تمديد وقف إطلاق النار على أساس أن إدارة ترمب لم تحصل بعد على ما تعدّه «عرضاً إيرانياً موحداً»، ولأن ترمب، رغم لهجته التصعيدية، لا يبدو راغباً في استئناف حرب مفتوحة ما دام هناك احتمال لانتزاع تنازلات تحت الضغط.

وأشارت صحيفة «وول ستريت» إلى سلسلة اجتماعات تداول فيها ترمب خياراته مع نائبه جي دي فانس وصهره جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وأُثيرت خلال الاجتماعات قضية الانقسامات داخل القيادة الإيرانية ووجود فصائل متشددة ترفض الانصياع لمطالب ترمب.

لماذا غير ترمب موقفه؟

ويقول محللون إن التحول من التلويح بعدم التمديد إلى إعلان تمديد مفتوح لا يعني أن ترمب أصبح أكثر ميلاً للتسوية بقدر ما يعكس حسابات التكلفة والمردود. ووفقاً لبعض التسريبات، كان البيت الأبيض يدرس بالفعل إمكان استئناف الهجمات بعد انهيار الترتيبات الخاصة بجولة تفاوض جديدة، لكن الرئيس انتهى إلى خيار وسط هو تمديد الهدنة مع الإبقاء على أقصى درجات الضغط.

ويحقق هذا الخيار ثلاثة أهداف لترمب: أولاً، تجنب التورط الفوري في حرب أطول وغير مضمونة النتائج، ثانياً، الإبقاء على صورة الرئيس القوي الذي لم يتراجع، بل قام فقط بتأجيل الضربة العسكرية، ثالثاً، منح الدبلوماسية فرصة أخيرة من دون رفع الحصار الذي يمثل ورقة الضغط الأهم حالياً.

ويرتبط هذا التبدل أيضاً بمعضلة سياسية داخلية، فترمب الذي هاجم طويلاً اتفاق باراك أوباما النووي المبرم في عام 2015، يجد نفسه الآن أمام مقارنات شبيهة جداً تتعلق بتخفيف عقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل قيود نووية مؤقتة - مثل إعادة 20 مليار دولار من أصول إيرانية المجمدة مقابل تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، مع مناقشة حدود التخصيب والبرنامج الصاروخي والوكلاء الإقليميين.

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة ساحل مسندم العُماني 20 أبريل 2026 (رويترز)

التهدئة

يبدو أن سيناريو التهدئة والتوصل إلى اتفاق مؤجل دون اختراق سريع، ممكن، لكنه ليس سهلاً، وفق مراقبين؛ إذ يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي أو شامل جزئياً، ويشترك الطرفان في الدوافع ذاتها في هذه المقاربة.

وتريد واشنطن ترجمة تفوقها العسكري والبحري إلى مكاسب سياسية ملموسة تتعلق مباشرة بضبط البرنامج النووي، وتقليص المخزون عالي التخصيب، وفرض ترتيبات دائمة أو شبه دائمة في مضيق هرمز، وربما توسيع التفاوض ليشمل الصواريخ والوكلاء الإقليميين. أما طهران، فرغم خطابها المتشدد، فإنها تحتاج إلى متنفس اقتصادي وإلى كسر دائرة الخنق المالي والعسكري.

ويشير خبراء أميركيين إلى أن نافذة إمكانية التوصل الي اتفاق لم تغلق، وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز والخبيرة في الشأن الإيراني، لصحيفة «واشنطن بوست» إن الإيرانيين «غير قابلين للتزحزح» في مسألة التخلي الكامل عن التخصيب، لكنهم أكثر استعداداً للتفاوض حول المدد، والمستويات، وكيفية التعامل مع المخزون. وهذا يعني أن جوهر التسوية المحتملة لن يكون «صفر تخصيب»، كما يطمح بعض صقور واشنطن، بل سيكون تقييداً صارماً ومراقباً للتخصيب.

وتقول ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين في عهد أوباما، إن ترمب يسعى هذه المرة إلى ملف أوسع من اتفاق 2015، يشمل الصواريخ والوكلاء وهرمز، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن مجرد انتزاع تعليق طويل الأمد للتخصيب سيكون إنجازاً أكبر مما تحقق في الاتفاق السابق، إذا أمكن التحقق منه وضمان تنفيذه.

أما ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على ملف إيران في إدارة ترمب الأولى، فيمثل تياراً جمهورياً متشدداً، لكنه يعترف بأن الوصول إلى السيطرة على مخزون اليورانيوم العالي التخصيب وتفكيك المنشآت الحساسة، مثل منشأة «بيك آكس ماونتن» التي يكثر الحديث عنها في التقارير الأميركية، سيكون تحولاً استراتيجياً يزيل التهديد النووي الإيراني لسنوات. هذه المقاربة تعني أن بعض دوائر اليمين الأميركي ليست ضد التفاوض من حيث المبدأ، بل ضد أي اتفاق لا يترجم الحرب إلى مكاسب ملموسة قابلة للتسويق سياسياً. وإذا اتجهت الأمور نحو هذا السيناريو، فلن يكون «سلاماً تاريخياً» سريعاً، بل صفقة إدارة أزمة تمنع الانفجار الكبير.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في غرفة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض مساء 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

سيناريو التصعيد

يبقى سيناريو التصعيد واستغلال تمديد الهدنة كاستراحة قبل استئناف الحرب مطروحاً بقوة، مع اتساع الهوة في المطالب بين الطرفين. فواشنطن تحث طهران على التراجع عن التخصيب، والنفوذ الإقليمي، والقدرة على التهديد في هرمز، بينما طهران تعدّ أن التفاوض تحت الحصار والإملاءات اعترافاً بالهزيمة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية وأحد مهندسي نظام العقوبات على إيران، أن «الحرب لم تضعف إيران فقط، بل حررتها أيضاً من بعض ضغوط الردع التقليدية؛ لأنها أثبتت أنها قادرة على امتصاص الضربة والردّ».

وبرأيه، فإن صعود «الحرس الثوري» إلى مركز القرار قلّص مساحة المناورة التي كان يوفرها وجود تيارات أكثر براغماتية في مراحل سابقة.

من جانبه، حذر مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي والباحث في معهد واشنطن، لصحيفة «وول ستريت» من أن الحصار البحري الأميركي سلاح ذو حدين؛ إذ يعيد التوازن في الضغط ويمنع إيران من الاستفادة وحدها من ورقة هرمز، لكنه أيضاً رهان محفوف بالخطر.

ويصف بهنام بن طالبلو، في تقرير لموقع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، هذا المشهد بأنه «حرب إرادات» بقدر ما هو صراع طاقة وأمن؛ ما يعني أن كلاً من الطرفين يقيس نجاحه ليس فقط بالمكاسب المادية، بل أيضاً بمن يكسر إرادة الآخر أولاً.

وأوضح أنه في ظل هذا السيناريو، قد تتحول الهدنة الحالية إلى فترة إعادة تموضع عسكري وسياسي، وإذا خلص ترمب إلى أن إيران تشتري الوقت، أو إذا شعرت طهران بأن الحصار يخنقها من دون مقابل تفاوضي، فقد تعود الضربات الأميركية أو الهجمات الإيرانية غير المباشرة، ويعود المضيق إلى مركز الاشتعال العالمي.

المنطقة الرمادية

يصرّ الطرفان على سياسة «عضّ الأصابع»؛ وهذا لأن الصراع لم يعد تقنياً حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش فقط، بل أصبح معركة وإرادة سياسية. فإدارة ترمب تريد فرض معادلة تقول إن الحرب نجحت، وإن إيران خرجت أضعف، وبالتالي عليها أن تقبل بالشروط الأميركية لا أن تفاوض من موقع الندّية.

أما طهران فترى، وفق مراقبين، أن أخطر ما يمكن أن تقبل به هو أن تظهر كمن انكسر تحت النار والحصار. لهذا؛ تصر على عدم منح واشنطن صورة النصر الكامل. هي تريد أن تقول إنها رغم الضربات، لا تزال تملك أوراقاً يمكن استخدامها ومنها التخصيب، ومضيق هرمز، والقدرة على الإيلام الاقتصادي، والقدرة على الصبر.

لهذا؛ تبدو سياسة «عضّ الأصابع» منطقية من منظور الطرفين. كل واحد منهما يعتقد أن الآخر يتألم، وأن مزيداً من الصبر والضغط قد يفرض تنازله. لكن خطورة هذه السياسة أنها كثيراً ما تنتهي ليس بفائز واضح، بل بانزلاق جماعي إلى مواجهة لا يريدها أحد بالكامل ولا يستطيع أحد منعها بالكامل.

ويقول المحللون إن السيناريو الأرجح في المدى القريب ليس اتفاقاً نهائياً ولا حرباً شاملة، بل استمرار هدنة هشة تحت ضغط متبادل فالرئيس ترمب مدّد الهدنة لأنه يريد صفقة من موقع القوة لا حرباً مفتوحة مجهولة الكلفة، وإيران قبلت ببقاء الباب موارباً؛ لأنها تريد تخفيف الخنق من دون تقديم مشهد استسلام. لكن هذه المنطقة الرمادية لا يمكن أن تدوم طويلاً.