خطاب «حالة الاتحاد» يحيي فرص بايدن الانتخابية

الرئيس الأميركي واجه منتقديه حول العمر والسياسات

خطاب حال الاتحاد هو الأخير لبايدن قبل الانتخابات الرئاسية (أ.ف.ب)
خطاب حال الاتحاد هو الأخير لبايدن قبل الانتخابات الرئاسية (أ.ف.ب)
TT

خطاب «حالة الاتحاد» يحيي فرص بايدن الانتخابية

خطاب حال الاتحاد هو الأخير لبايدن قبل الانتخابات الرئاسية (أ.ف.ب)
خطاب حال الاتحاد هو الأخير لبايدن قبل الانتخابات الرئاسية (أ.ف.ب)

على وقع تصفيق وهتافات متراوحة بين التشجيع والاستهجان، وقف الرئيس الأميركي جو بايدن أمام الكونغرس بمجلسيه ليلقي خطاب حال الاتحاد الأخير له قبل الانتخابات الرئاسية.

خطاب مصيري بكل معنى الكلمة، يعول عليه بايدن لكسب دعم الناخب الأميركي المتردد بسبب كبر سنه وأدائه وسياساته المثيرة للجدل من الهجرة، مروراً بأوكرانيا ووصولاً إلى حرب غزة. وقد ذكر كل هذه الملفات بالتفصيل، أمام جمهور كبير من المشرعين وأعضاء إدارته وقضاة المحكمة العليا. فخاطب الأميركيين عبر الشاشات، عارضاً حلولاً من ناحية، وملقياً باللوم على الحزب الجمهوري ومنافسه دونالد ترمب من جهة أخرى..

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، أهمية توقيت الخطاب بعد «الثلاثاء الكبير»، وانعكاساته على الانتخابات الأميركية، بالإضافة إلى حظوظ بايدن بانتزاع ثقة الناخبين بمواجهة ترمب.

حرب غزة

في ظل الاعتراضات المتزايدة لسياسة بايدن تجاه إسرائيل، والتي انعكست بشكل واضح على الانتخابات التمهيدية في ولايات مثل ميشيغان ومينيسوتا، حيث صوتت شريحة كبيرة من الديمقراطيين لصالح «عدم الالتزام»، سعى بايدن جاهداً لاسترضاء هؤلاء الناخبين وبعض من أعضاء حزبه الذين كثفوا في الأيام الأخيرة من دعواتهم له بالضغط على إسرائيل وتغيير موقفه حيال حرب غزة.

متظاهرون معارضون لسياسة بايدن تجاه إسرائيل يغلقون الطرق المؤدية إلى الكونغرس خلال خطاب بايدن في 7 مارس 2024 (أ.ب)

وفي هذا السياق أعلن بايدن عن نيته إنشاء ميناء في غزة لإيصال المساعدات، داعياً إسرائيل إلى السماح بإدخال المزيد من المساعدات، ومشدداً على أن «الحل الحقيقي الوحيد هو حل الدولتين».

ويتحدث هاورد دين، حاكم ولاية فيرمونت السابق ومدير اللجنة الديمقراطية سابقاً والمرشح الرئاسي الديمقراطي لعام 2004، عن هذا التغيير في لهجة بايدن، فيشير إلى أن حجب الناخبين للأصوات في ولايتي ميشيغان ومينيسوتا ساعد كثيراً؛ «لأنه سيغير طبيعة العلاقة في الحزب الديمقراطي فيما يتعلق بالفلسطينيين والإسرائيليين».

وذكّر دين بموقفه السابق في عام 2004 خلال خوضه السباق الرئاسي، فقال: «لقد ناديت بالإنصاف في سياساتنا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتعرّضت للسخرية بسبب ذلك. اليوم، هذا ما يطالب به الشباب». وتابع دين مشدداً على أهمية حل الدولتين: «بقدر ما تستحق إسرائيل أن يكون لها دولة والحق في الوجود، فالأمر ينطبق أيضاً على الفلسطينيين». وأكد دين أن الرئيس الحالي بدأ فعلاً بتغيير موقفه، وفسر: «عندما طالبت كامالا هاريس منذ أسبوع تقريباً بوقف إطلاق نار غير مشروط، أصبت بدهشة كبيرة. لم تكن لتقول ذلك أبداً لو لم يمنحها بايدن الإذن، فهي نائبة الرئيس وليست الرئيسة. ولا تصنع سياساتها الخاصة».

تمويل أوكرانيا

على غير عادة، بدأ بايدن خطابه بالسياسة الخارجية، تحديداً من أوكرانيا. فدعا الكونغرس إلى إقرار حزمة المساعدات العالقة هناك، وقال: «إذا كان أي أحد موجود في هذه الغرفة يظن بأن بوتين سوف يتوقف في أوكرانيا، أؤكد لكم أنه لن يفعل ذلك».

ديمقراطيون يهتفون تشجيعاً لبايدن خلال الخطاب (أ.ف.ب)

لكن بريتاني مارتينيز، مديرة الاتصالات السابقة لرئيس مجلس النواب السابق كيفين مكارثي، تشكك في احتمالات إقرار مجلس النواب لحزمة المساعدات هذه، مشيرة إلى انصياع رئيس المجلس الحالي مايك جونسون لعدد قليل من أعضاء المجلس اليمينيين الذين تمكنوا من خلع مكارثي.

وأوضحت: «الحزب الجمهوري ليس بحالة جيدة على الإطلاق، خصوصاً في مجلس النواب. رأينا بكل وضوح نقصاً في الهيكلية والقيادة في مكتب رئيس مجلس النواب. ومع احترامي لرئيس المجلس جونسون، فهو لا يملك الخبرة السياسية التي كان يملكها رئيس المجلس السابق مكارثي».

لكن بو روثتشايلد، مدير التنسيق السابق للجمهوريين في مجلس النواب، يلقي باللوم على الأغلبية الضئيلة التي يتمتع بها الجمهوريون في مجلس النواب، الأمر الذي يعطي عدداً صغيراً منهم نفوذاً كبيراً. يقول: «إنها أغلبية ضئيلة، وبرأيي هذه الأغلبية الضئيلة هي التي تخلق المشاكل بغض النظر عن رئيس مجلس النواب». ويضيف: «يواجه رئيس المجلس جونسون عملاً شاقاً أمامه، فهو إنسان رائع وأنا أعرفه جيداً... هناك بعض المشاكل بالعمل من دون هيكلية، ولا شك أنه سيواجه صعوبات».

أزمة الهجرة

تمويل أوكرانيا لم يكن الوحيد على لائحة مطالب بايدن من الكونغرس؛ إذ وجه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة للجمهوريين لـ«عرقلتهم» الاتفاق الذي توصل إليه المفاوضون من الحزبين حول الهجرة وأمن الحدود، ملقياً باللوم على ترمب في هذه المسألة. وقال: «لقد قالوا لي إن سلفي طالب الجمهوريين في الكونغرس بصد الاتفاق. فهو يشعر بأنه سيشكل فوزاً سياسياً لي وخسارة سياسية له».

النائبة الجمهورية مارجوري غرين تصرخ محتجة على سياسة الهجرة خلال خطاب بايدن (أ.ف.ب)

لكن روثتشايلد رفض هذه المقاربة، مشيراً إلى أن الجمهوريين يريدون حل قضية الهجرة قبل «حل مشاكل حلفائنا الأجانب كأوكرانيا وإسرائيل». وأضاف: «الأمر يتعلق بالأولويات. الحدود هي مسألة في غاية الأهمية، وبعض سياسات الرئيس الحالي وضعتنا في هذا الموقف، فالحدود ليست آمنة حالياً، بالإضافة إلى نسبة الجرائم العالية وانتشار الفنتانيل».

ويوافق دين على أن الهجرة أصبحت بالفعل «مشكلة ضخمة»، مضيفاً: «نحن نواجه مشكلة كبيرة على الحدود ويجب أن تحل... كان لدينا تشريع جاهز حيث قدمنا التنازلات، لكن عدداً صغيراً من الجمهوريين اليمينيين الذين لا يحترمون البلاد، ولا حتى الحزب الجمهوري، أوقفوا الأمر أولاً من خلال خلع مكارثي، ومن ثم استخدام خطر الخلع تهديداً لمنع جونسون من الموافقة على التشريع».

من ناحيتها، تنتقد مارتينيز مقاربة الجمهوريين الذين أفشلوا الاتفاق الحدودي. وتقول: «ما حصل هو أننا عندما تعاوننا مع الحزب الديمقراطي كما فعلنا العام الماضي للمحافظة على تمويل الحكومة، تم خلع مكارثي. أعتقد أن هذا أمر مؤسف، وبرأيي لهذا السبب قرر الجمهوريون في مجلس النواب عدم المضي قدماً في هذا التشريع».

ترمب... الحاضر الغائب

لم يوفر بايدن انتقاداً للرئيس السابق، رغم عدم ذكره بالاسم طيلة خطابه. فذكّر الأميركيين بأحداث اقتحام الكابيتول، ووصفها بـ«الخنجر في قلب الديمقراطية الأميركية»، مضيفاً: «يسعى سلفي وبعضكم هنا إلى طمس حقيقة 6 يناير (كانون الثاني)... الحقيقة بسيطة وهي أنكم لا يمكنكم حب بلادكم عندما تفوزون فقط».

بايدن انتقد خصمه الجمهوري أكثر من مرة من دون ذكر اسمه (أ.ب)

لكن الواقع لا يعكس تراجعاً في الدعم لترمب. بل على العكس؛ إذ إن الرئيس السابق يتقدم في استطلاعات الرأي رغم القضايا التي يواجهها في ملفات عدة، منها التحريض على التمرد في أحداث الكابيتول. ويؤكد روثتشايلد أن داعمي ترمب «سيستمرون بدعمه مهما كلف الأمر»، مضيفاً: «لا أعتقد أن الناخبين يركزون على محاكماته، بل على البلاد والاتجاه الذي تسلكه حالياً. إنهم يركزون على مصاريفهم وما يجري على الحدود الجنوبية». ويتابع: «أعتقد أن الحزب الجمهوري قد تحوّل من كونه حزباً مؤسساتياً إلى حزب شعبوي».

وفيما يوافق دين على أن العديد من الناخبين سيصوتون لترمب في كافة الأحوال، فإنه يشير إلى أنهم لا يشكلون الأغلبية، مضيفاً: «الكثيرون من الأشخاص الذين صوتوا لنيكي هايلي لن يستطيعوا التصويت لشخص مدان، وقد تمت إدانته مرة، وستتم إدانته مجدداً».

التقدم في العمر

لم يتجنب بايدن الحديث عن عمره في الخطاب، فطرح المسألة بأسلوب ساخر سعى من خلاله التخفيف من وطأة تقدم سنه على رأي الناخب الأميركي.

بايدن تحدى منتقديه بشأن كبر سنه (أ.ف.ب)

وينتقد دين التغطية الإعلامية المحيطة بعمر بايدن، فيؤكد أن الرئيس الحالي يتصرف بهذه الطريقة؛ «لأنه جو بايدن وليس لأنه متقدم في السن». وتحدث دين عن معرفته القديمة ببايدن، فقال: «لطالما كان بايدن يتصرّف بهذه الطريقة، فهو منذ أن عمل في هذا المجال منذ 50 عاماً كان يقول أشياء ربما لا ينبغي أن يقولها... والآن عندما يقول هذه الأشياء وهو في الـ82 من عمره، فإن ردة الفعل هي: يا إلهي هذا لأنه مسن جداً. كلا، هذا لأنه جو بايدن».

لكن مارتينيز تعارض دين الرأي، وتقول إن هناك مخاوف مشروعة من تقدم سنه تدعو للقلق. وتضيف: «لا أعتقد بأنه يتمتع بالصفاء الذهني مقارنةً بما كان عليه منذ سنوات قليلة عندما ترشّح». وهذا ما يوافق عليه روثتشايلد الذي رفض المقارنة بين تقدم سن بايدن وتقدم سن ترمب قائلاً: «بايدن واجه الكثير من الزلات، ونحن نرى هذه الحوادث مع بايدن أكثر مما نراها مع الرئيس السابق ترمب... فهو لا يقبل الرد على أسئلة من الصحافيين... كانت لديه فرصة خلال السوبر بول لمخاطبة الأمة، لكنه لم يفعل. كانت لديه فرصة يوم الثلاثاء الكبير لمخاطبة الأمة بصفته فائزاً. وبرأيي، هذه فرص ضائعة للرئيس للتوجه إلى الشعب».

ويوجه روثتشايلد اللوم في هذه الاستراتيجية إلى المسؤولين عن إدارة حملة بايدن الانتخابية، الذين يقول إنهم «غير مستعدين لمنحه هذه الفرص. وأعتقد أنه إن ظهر علناً أكثر، فسيتمكن من معالجة بعض هذه المخاوف».


مقالات ذات صلة

تصعيد ميداني إسرائيلي بمشاركة العصابات المسلحة في غزة

المشرق العربي فتيان فلسطينيون يشاركون في تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (رويترز)

تصعيد ميداني إسرائيلي بمشاركة العصابات المسلحة في غزة

كشفت تحقيقات حصلت على نتائجها «الشرق الأوسط» أن عناصر من العصابات المسلحة التابعة لإسرائيل باتوا يتلقون تدريبات على أسلحة متطورة بينها الطائرات المسيرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي لاجئون فلسطينيون يحتمون في مخيم بمدينة غزة في يوم ممطر... 26 مارس 2026 (رويترز)

خطة «مجلس السلام» تنص على نزع سلاح «حماس» وتدمير أنفاق غزة خلال 8 أشهر

أظهرت وثيقة أن «مجلس السلام» قدّم خطة لحركة «حماس» تتطلب الموافقة على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة والتخلي عن السلاح على مراحل خلال ثمانية أشهر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

تسيطر حالة من التشاؤم على موقف الفصائل الفلسطينية، التي تنشط داخل القطاع، من الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولا ميلادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

خاص «الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ترمب يستحضر حكماً عمره 150 عاماً لإنهاء «حق المواطنة بالولادة»

احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)
احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يستحضر حكماً عمره 150 عاماً لإنهاء «حق المواطنة بالولادة»

احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)
احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)

​تستعد المحكمة العليا الأميركية للنظر، في 1 أبريل (نيسان)، في واحدة من أكثر القضايا الدستورية إثارة للجدل بالولايات المتحدة، تتعلق بمستقبل مبدأ منح الجنسية الأميركية تلقائياً لكل من يولد على الأراضي الأميركية.

وتدافع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن خطتها لإنهاء هذا النظام بالاستناد إلى تفسير دستوري قديم، وإلى حكم قضائي يعود إلى أكثر من 150 عاماً، كان قد استُخدم في الأصل لمنع السكان الأصليين في أميركا، المعروفين تاريخياً باسم «الهنود الحمر»، من الحصول على الجنسية الأميركية.

ومن المقرر أن تستمع المحكمة العليا، الأربعاء، إلى المرافعات الشفهية في القضية، التي تركز على تفسير «بند المواطنة» في التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي، وهو أحد أهم النصوص الدستورية التي أُقرت بعد الحرب الأهلية عام 1868 عقب إلغاء العبودية. وينص هذا البند على أن «جميع الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة، أو الذين اكتسبوا جنسيتها بالتجنس، والخاضعين لولايتها القضائية، يعدّون مواطنين في الولايات المتحدة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب سعى منذ الأيام الأولى من ولايته إلى تشديد القيود على الهجرة (أ.ف.ب)

ومنذ أكثر من قرن ونصف قرن، كان التفسير السائد لهذا النص أنه يمنح الجنسية الأميركية لأي شخص يولد داخل الولايات المتحدة تقريباً، بغض النظر عن الوضع القانوني لوالديه. ويستثنى من ذلك فقط عدد محدود من الحالات؛ مثل الأطفال المولودين لدبلوماسيين أجانب، أو لأفراد قوات عسكرية معادية تحتل الأراضي الأميركية. لكن إدارة ترمب تسعى إلى إعادة تفسير هذا النص الدستوري، مركزة على عبارة «الخاضعين لولايتها القضائية» الواردة في التعديل الرابع عشر.

ويقول مسؤولو الإدارة إن هذه العبارة لا تنطبق على أطفال المهاجرين الذين دخلوا الولايات المتحدة بصورة غير قانونية، ولا على أطفال المقيمين مؤقتاً مثل حاملي تأشيرات العمل أو الدراسة.

وبناء على هذا التفسير، ترى الإدارة أن هؤلاء الأطفال لا ينبغي أن يحصلوا تلقائياً على الجنسية الأميركية، بمجرد ولادتهم داخل البلاد.

ويرى مؤيدو هذا التوجه أن نظام «حق المواطنة بالولادة» يشجع الهجرة غير الشرعية؛ إذ يعتقد بعض المهاجرين أن إنجاب طفل في الولايات المتحدة يمنح العائلة لاحقاً فرصة للبقاء في البلاد بصورة قانونية.

العودة إلى حكم تاريخي

وفي دفاعها عن هذا التفسير، استشهدت إدارة ترمب بحكم قضائي يعود إلى عام 1873 في قضية عُرفت باسم «قضايا المسالخ» (Slaughter-House Cases). وفي ذلك الحكم، فسرت المحكمة العليا عبارة «الخاضعين لولايتها القضائية» بشكل ضيق، معتبرة أن هناك فئات لا تنطبق عليها هذه العبارة، ومن بينها - في ذلك الوقت - السكان الأصليون في أميركا الذين كانوا يعيشون ضمن قبائل تتمتع بدرجة من الاستقلال عن الحكومة الفيدرالية.

متظاهرون يواجهون عناصر وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وبناء على هذا التفسير، لم يُعدّ الأميركيون الأصليون مواطنين تلقائياً رغم ولادتهم داخل الأراضي الأميركية، ولم يحصلوا على الجنسية الكاملة إلا لاحقاً عبر قانون أصدره الكونغرس عام 1924. وتقول إدارة ترمب إن هذا الحكم يثبت أن التعديل الرابع عشر لم يكن يهدف إلى منح الجنسية لكل شخص يولد في الولايات المتحدة من دون استثناء.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أبيجيل جاكسون، في بيان لها: «تحظى المحكمة العليا بفرصة مراجعة (بند المواطنة) الوارد في التعديل الرابع عشر للدستور، وإعادة المعنى الأصلي للمواطنة في الولايات المتحدة إلى سياقه العام الأولي». وأضافت: «ستكون لهذه القضية تداعيات هائلة على أمن جميع الأميركيين».

جدل دستوري

غير أن عدداً من الخبراء القانونيين يعارضون هذا التفسير بشدة، ويقولون إن المحكمة العليا حسمت المسألة بالفعل في حكم شهير صدر عام 1898 في قضية «الولايات المتحدة ضد وونغ كيم آرك»، حيث أقرت المحكمة أن أي شخص يولد على الأراضي الأميركية يعد مواطناً، حتى لو كان والداه من المهاجرين غير المواطنين.

تستمع المحكمة العليا الأربعاء إلى المرافعات الشفهية في القضية التي تركز على تفسير «بند المواطنة» في التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي (أ.ب)

ومنذ أول يوم له بعد عودته إلى منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025، أصدر ترمب توجيهات للوكالات الفيدرالية بعدم الاعتراف بجنسية الأطفال المولودين في الولايات المتحدة، الذين ليس لديهم على الأقل أحد الوالدين مواطناً أميركياً أو مقيماً دائماً قانونياً، يُعرف أيضاً بحامل «البطاقة الخضراء». وأصدر أمراً تنفيذياً حينها بعنوان «حماية معنى وقيمة المواطنة الأميركية»، الذي يعد واحداً من أكثر من 500 تغيير في السياسات التي أقرّتها الإدارة، ووصفت بأنها من بين أوسع القيود المفروضة على الهجرة في التاريخ الأميركي الحديث.

ويرى منتقدو خطة ترمب أن إعادة فتح هذا الملف قد تقود إلى تغيير جذري في أحد أهم المبادئ القانونية بالولايات المتحدة. وقال عدد من أساتذة القانون الدستوري إن حق المواطنة بالولادة أصبح جزءاً أساسياً من النظام الدستوري الأميركي منذ أكثر من قرن، وإن تغييره قد يتطلب تعديلاً دستورياً وليس مجرد تفسير جديد للنص.

أميركي بلا جنسية

يأتي هذا الجدل في سياق أوسع من السياسات التي تبنتها إدارة ترمب لتشديد القيود على الهجرة، وهي قضية تعدّ من أبرز الملفات السياسية في الولايات المتحدة؛ فقد جعل ترمب من مكافحة الهجرة غير الشرعية محوراً رئيسياً في برنامجه السياسي، مؤكداً أن نظام المواطنة بالولادة «يشجع الهجرة غير النظامية ويستغل ثغرات القانون». في المقابل، تقول منظمات حقوقية ومدافعون عن حقوق المهاجرين، إن إلغاء هذا النظام قد يؤدي إلى ظهور فئة كبيرة من الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة، لكنهم بلا جنسية واضحة.

وينتظر أن يكون قرار المحكمة العليا في هذه القضية مفصلياً، إذ قد يحدد مستقبل أحد أقدم المبادئ الدستورية في الولايات المتحدة؛ فإذا تبنت المحكمة تفسير إدارة ترمب، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في نظام الجنسية الأميركي. أما إذا رفضت هذا التفسير، فسيظل مبدأ المواطنة بالولادة قائماً كما هو منذ أكثر من قرن. وفي كلتا الحالتين، يرى مراقبون أن القضية تعكس عمق الانقسام السياسي في الولايات المتحدة حول ملف الهجرة، وهو انقسام يتوقع أن يبقى في صلب النقاش السياسي الأميركي لسنوات مقبلة.


ترمب يخيّر إيران: التوصل لاتفاق أو تدمير محطات الطاقة وآبار النفط وجزيرة خرج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يخيّر إيران: التوصل لاتفاق أو تدمير محطات الطاقة وآبار النفط وجزيرة خرج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

​وجَّه الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب، اليوم (الاثنين)، تحذيراً جديداً إلى إيران بضرورة فتح مضيق هرمز، وإلا ‌فإنها ستواجه ‌هجمات ​أميركية ‌على ⁠آبار ​النفط ومحطات الكهرباء.

وكتب ⁠ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «لقد تحقق تقدم ⁠كبير، ولكن إذا ‌لم ‌يتم ​التوصل ‌إلى اتفاق ‌قريباً لأي سبب كان، وهو ما سيحدث على الأرجح، ‌وإذا لم (يُفتح) مضيق هرمز فوراً، ⁠فسننهي (إقامتنا) ⁠الجميلة في إيران عبر تفجير جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج، ومحوها تماماً».

وأضاف: «سيكون هذا انتقاماً لجنودنا وغيرهم ممن قتلتهم إيران خلال 47 عاماً من (عهد الإرهاب) الذي فرضه النظام السابق». ومساء أمس (الأحد) صرَّح ترمب للصحافيين بأن على إيران أن تُطيع مطالب الولايات المتحدة، وإلا «فلن تكون لها دولة». وفي إشارة إلى اليورانيوم الإيراني، قال الرئيس الأميركي: «سيُعطوننا الغبار النووي».

ويدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب تنفيذ عملية عسكرية معقدة، لاستخراج نحو ألف رطل (450 كيلوغراماً) من اليورانيوم من داخل إيران، وفق ما أفاد به مسؤولون أميركيون، في خطوة تنطوي على مخاطر كبيرة، وقد تتطلب بقاء قوات أميركية داخل الأراضي الإيرانية أياماً.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن المسؤولين قولهم إن ترمب لم يتخذ قراراً نهائياً بعد، وإنه يدرس المخاطر التي قد يتعرض لها الجنود الأميركيون. ولكن الرئيس الأميركي لا يزال منفتحاً على الفكرة عموماً، وفقاً للمسؤولين؛ لأنها قد تساعد في تحقيق هدفه الرئيسي المتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي.


تقرير: صاروخ أميركي جديد استُخدم في قصف صالة رياضية ومدرسة بإيران

صورة مقتبسة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية للصاروخ
صورة مقتبسة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية للصاروخ
TT

تقرير: صاروخ أميركي جديد استُخدم في قصف صالة رياضية ومدرسة بإيران

صورة مقتبسة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية للصاروخ
صورة مقتبسة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية للصاروخ

كشف خبراء أسلحة وتحليل أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن صاروخاً باليستياً أميركياً حديث التطوير استُخدم في هجوم استهدف صالة رياضية ومدرسة ابتدائية قرب منشأة عسكرية في مدينة لامرد جنوب إيران، في اليوم الأول من الحرب مع إيران.

وأفاد مسؤولون محليون، نقلت عنهم وسائل إعلام إيرانية، بأن هذا الهجوم وهجمات أخرى مجاورة في لامرد، أسفرت عن مقتل 21 شخصاً على الأقل.

ووقع الهجوم في 28 فبراير (شباط)، في اليوم نفسه الذي استهدف فيه صاروخ «توماهوك» أميركي مدرسة في مدينة ميناب، على بعد مئات الأميال، ما أسفر عن مقتل 175 شخصاً. إلا أن هجوم لامرد استخدم سلاحاً لم يُختبر في القتال من قبل.

وقد تحققت صحيفة «نيويورك تايمز» من مقاطع فيديو لهجومين في لامرد، بالإضافة إلى لقطات من آثار الهجمات. وتوصلت -بعد الاستعانة بخبراء الذخائر- إلى أن خصائص السلاح والانفجارات والأضرار تتطابق مع صاروخ باليستي قصير المدى يُسمى «صاروخ الضربة الدقيقة» (PrSM)، وهو مصمم للانفجار فوق هدفه مطلقاً شظايا معدنية قاتلة.

وأظهرت مقاطع فيديو وتحليلات ميدانية أن الانفجار حدث فوق المباني مباشرة، ما تسبب في أضرار واسعة وثقوب منتشرة في الموقعين نتيجة الشظايا. كما أظهرت الصور دماراً في الصالة الرياضية وأضراراً كبيرة داخل المدرسة، بما في ذلك نوافذ محطمة وآثار حريق ودماء.

ورغم وجود موقع تابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بجوار المكان، لم يتأكد مما إذا كان هو الهدف المباشر للهجوم؛ خصوصاً أن المنشآت المدنية كانت منفصلة عنه منذ سنوات طويلة، وكانت تُستخدم بشكل واضح من قبل المدنيين، بما في ذلك الأطفال وفريق كرة طائرة نسائي.

أول استخدام للصاروخ

ووفقاً لبيان صحافي صادر عن الجيش الأميركي، لم يكتمل اختبار النموذج الأولي لـ«صاروخ الضربة الدقيقة» إلا في العام الماضي.

وفي الأول من مارس (آذار)، نشرت القيادة المركزية الأميركية مقطع فيديو لإطلاق الصاروخ خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى من الحرب.

وبعد أيام، صرَّح الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية، بأن «صاروخ الضربة الدقيقة» استُخدم في القتال لأول مرة. وقد روَّج الجيش لهذا الظهور الأول.

ونظراً لحداثة السلاح، يصعب تحديد ما إذا كانت ضربات لامرد متعمدة، أم ناتجة عن خلل في التصميم أو التصنيع، أم أنها كانت نتيجة اختيار غير مناسب للهدف.

ومن جانبه، قال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية، في بيان لصحيفة «نيويورك تايمز» يوم السبت: «نحن على علم بالتقارير ونجري تحقيقاً فيها. القوات الأميركية لا تستهدف المدنيين عشوائياً، على عكس النظام الإيراني».

وحسب التقارير، فإن من الضحايا لاعبات كرة طائرة كنَّ يتدربن داخل الصالة، كما وثَّقت وسائل إعلام محلية مقتل أطفال كانوا في المدرسة، ما أثار جدلاً واسعاً حول طبيعة الهجوم ودقة الأسلحة المستخدمة.

بالإضافة إلى الصالة الرياضية والمدرسة، يُحتمل أن يكون موقع ثالث قد استُهدف في الهجوم.

وذكرت تقارير نشرتها صحيفة «التلغراف» ووسائل إعلام أخرى، أن مركزاً ثقافياً قد استُهدف، ولكن لم يتسنَّ التحقق من ذلك بشكل مستقل.