هل ينجح المبعوث الخاص إلى السودان في مهمته؟

مسؤولون سابقون يتحدثون إلى «الشرق الأوسط» عن التحديات ودور مولي في «المعرقل»

لاجئون سودانيون يفرّون من مناطق النزاع في 14 فبراير 2024 (أ.ف.ب)
لاجئون سودانيون يفرّون من مناطق النزاع في 14 فبراير 2024 (أ.ف.ب)
TT

هل ينجح المبعوث الخاص إلى السودان في مهمته؟

لاجئون سودانيون يفرّون من مناطق النزاع في 14 فبراير 2024 (أ.ف.ب)
لاجئون سودانيون يفرّون من مناطق النزاع في 14 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

مع تخبط السودان في أزماته وتنامي التحذيرات الدولية من تدهور الوضع الأمني والإنساني هناك، تسعى الإدارة الأميركية جاهدة لاحتواء الانتقادات الداخلية المتنامية لها حيال تعاطيها مع الأزمة. فعمدت إلى الاستجابة جزئياً إلى مطالب المشرعين الأميركيين الحثيثة عبر تعيين مبعوث خاص إلى السودان، هو السابع في غضون 23 عاماً، ليقع الخيار هذه المرة على توم بيريللو، نائب ديمقراطي سابق ومبعوث خاص سابق لمنطقة بحيرات أفريقيا العظمى في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.

المبعوث الخاص توم بيريللو (صورة رسمية من مجلس النواب)

وبطبيعة الحال، قوبل تعيين بيريللو في خضمّ الأزمة بالترحيب والتهليل من حلفاء الرئيس الأميركي جو بايدن، فسارع مستشاره للأمن القومي جايك سوليفان، إلى تسليط الضوء على «التزام الإدارة العميق بإنهاء النزاع والتطرق إلى الوضع الإنساني المتدهور بسرعة في السودان والمنطقة».

فيما أكّد وزير الخارجية أنتوني بلينكن، أن بيريللو سوف «ينسّق سياسة أميركا تجاه السودان، ويقدم جهود الولايات المتحدة لإنهاء الأعمال العدائية وتأمين وصول المساعدات الإنسانية ودعم الشعب السوداني في سعيه إلى تحقيق تطلعاته نحو الحرية والسلام والعدالة...».

تحديات وعراقيل

كلمات تحمل في واجهتها التزاماً لا لبس فيه لحل النزاع لكنها تُخفي في طياتها تعقيدات كثيرة تعكسها السياسة الأميركية تجاه السودان، التي لم تنجح حتى الساعة في حلحلة الأزمة، وهذا ما تحدث عنه كاميرون هادسون، كبير الموظفين السابق في مكتب المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أن تعيين مبعوث خاص مخصص للسودان هو الخطوة الدبلوماسية الصحيحة في الوقت الحالي، فإنها لن تكون مؤثرة بالشكل اللازم إن لم يتم تعزيز سلطات المبعوث لقيادة المسار الداخلي للحكومة الأميركية والمحادثات الدبلوماسية مع السودان وأصحاب المصلحة هناك».

كبير الموظفين السابق في مكتب المبعوث الخاص للسودان كاميرون هادسون (معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية)

وتابع هادسون محذراً: «إذا كان هدف هذه الخطوة مجرد محاولة من الإدارة لتهدئة الانتقادات المستمرة لواشنطن بسبب عدم تخصيصها الانتباه الكافي للأزمة، فهي لن تفشل فحسب بل ستجعل الوضع الميداني أسوأ بكثير».

ويوافق القائم بأعمال السفارة الأميركية في السودان سابقاً ألبرتو فرنانديز على مقاربة هادسون، فيقول لـ«الشرق الأوسط»: «أنا أشكك في تعيين المبعوثين الخاصِّين بشكل عام. فقد أصبحوا يجسدون محاولة واشنطن الظهور كأنها تهتمّ بملف معيّن من دون تحقيق الكثير فعلياً». ويفسر فرنانديز: «إن تعيينهم يهدف إلى إظهار صورة التقدم لكن من دون تحقيق نتائج فعلية...».

ويعكس كلام كلٍّ من هادسون وفرنانديز مشاعر ومخاوف الكثيرين في واشنطن من الذين يدعون منذ اندلاع الأزمة إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية من جهة، والدفع باتجاه فرض العقوبات التي أقرها الكونغرس من جهة أخرى، بحق الجهات المسؤولة عن النزاع. فأغلبية المشرعين الأميركيين لا يريدون مبعوثاً خاصاً فحسب، بل يطالبون بمبعوث رئاسي يتمتع بالصلاحيات المطلوبة لتنفيذ مهامه، وبدا غضبهم واضحاً في بيان لاذع اللهجة من مشرعين جمهوريين على رأسهم كبير الجمهوريين في لجنة العلاقات الخارجية في الشيوخ جيم ريش، بعد الإعلان عن بيريللو، قال: «إن التعيين المؤقت لمبعوث خاص إلى السودان بعد 10 أشهر من بدء الحرب يجب ألا يُنظر إليه بوصفه اعترافاً من إدارة بايدن بأهمية الأزمة. على العكس فهو يدل على فشل آخر في تجاوبها مع الأزمة».

ويشرح البيان مقاربة المشرعين الذين دعوا الإدارة إلى تعيين مبعوث رئاسي يخضع لمصادقة الكونغرس بهدف إعطائه صلاحيات كافية للتصرف في الملف، فيقول: «الحرب لديها نتائج ضخمة على السودانيين الأبرياء وعلى كل المنطقة. لهذا السبب فقد بدأ الكونغرس بالدعوة لتعيين مبعوث خاص يتواصل مباشرةً مع الرئيس بتوافق بين الحزبين مباشرةً بعد بدء الحرب. ونأسف أنه وبعد مرور هذه الأشهر، فإن الإدارة فشلت في تعيين مبعوث رئاسي منصبه مستدام أكثر».

المبعوث الخاص السابق إلى السودان دونالد بوث (معهد ويلسون)

ويتحدث المبعوث الخاص السابق إلى السودان وجنوب السودان، دونالد بوث، إلى «الشرق الأوسط» عن دور المبعوث الخاص، فيشير إلى أنه «يجب أن يكون الشخص الأساسي للحديث مع أطراف النزاع بهدف انخراطهم، وهذا يشمل الأطراف المتقاتلة والمتأثرة بالنزاع، بالإضافة إلى الأطراف الخارجية التي تدعم الأطراف المتنازعة أو تحاول التوسط بينها أو تسهيل المفاوضات»، ويتابع بوث متحدثاً عن مثال السودان تحديداً فيقول: «في حالة السودان، من الصعب أن نرى القوات المسلحة السودانية و(قوات الدعم السريع) توافق على وقف القتال والالتزام بمسار سياسي إلى أن يصبح داعموهم مستعدين للضغط عليهم لفعل ذلك».

مولي في أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ أكتوبر 2023 (مجلس الشيوخ)

مولي في و«الدور المعرقِل»

وتتحدث مصادر في الكونغرس، رفضت الكشف عن اسمها نظراً لحساسية الموضوع، عن دور مولي في، مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأفريقية «المعرقل» في ملف السودان، مشيرةً إلى سيطرتها الكاملة على الملف، ومقاومتها لتسلم أي شخص آخر دفة إدارته. لكن رغم تحفظات المصادر هذه في الكشف عن اسمها، فإن فرنانديز لم يتردد في انتقاد في بشكل علني، فقال: «أنا شخصياً أعتقد أن الدور الذي لعبته مولي في كان مضراً جداً للسودان منذ الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021». وأضاف فرنانديز أنه ومع تعيين بيريللو اليوم سيكون السؤال: «مَن صاحب القرار الأخير في ملف السودان؟ بيريللو أم في التي تتمتع بنفوذ أكثر في وزارة الخارجية وفي الحكومة بشكل عام لتحديد سياسة السودان؟»، وأعرب فرنانديز عن مخاوفه من أن «يضطر بيريللو إلى إمضاء معظم وقته في مواجهة معارك بيروقراطية في واشنطن بدلاً من العمل على وقف المعارك الفعلية في السودان».

القائم بأعمال السفارة في السودان سابقاً ألبرتو فرنانديز (وزارة الخارجية)

وبالفعل فقد أدت هذه البيروقراطية إلى تأخير تعيين المبعوث الخاص رغم كل الدعوات من الحزبين في الكونغرس لضرورة حسم المسألة وتعيين شخص مسؤول رفيع المستوى عن الملف يحظى بمصادقة مجلس الشيوخ، ويتواصل مباشرة مع وزير الخارجية والبيت الأبيض.

وهذا ما أشار إليه بيان الجمهوريين الذين قالوا بشكل واضح: «وزارة الخارجية سوف تقول إنها اختارت تجنب مصادقة مجلس الشيوخ بسبب الوضع الطارئ (في السودان) لكنها أخّرت هذا القرار بسبب نقاشات داخلية حول الموارد والتراتبية وكيفية توظيف المنصب».

ويرى هادسون أن عدم انخراط مسؤولين رفيعي المستوى، مثل وزير الخارجية، لحل النزاع في السودان، وتكليف أشخاص مثل مولي في وغيرها، هو الذي أدى إلى غياب الحلحلة في الأزمة، فقال: «المشكلة هو أن ملف السودان ما كان يجب أن يتم تسليمه لدبلوماسيين متوسطي المستوى، الكثيرون منهم لا يتمتعون بأي خبرة في إدارة العمليات الانتقالية، أو يملكون سجلات ضعيفة في التجاوب مع النزاعات». وتابع هادسون: «السودان كبير جداً ومهم جداً ومعقد جداً وواشنطن لديها تاريخ كبير هناك كي تتركه بيد دبلوماسيين من المستوى الثاني...».

غودفري يؤدي قَسم اليمين لدى تسلمه منصبه في أغسطس 2022 (حساب السفارة الأميركية لدى السودان)

استقالات متتالية

ويشير المنتقدون لدور مولي في إلى الاستقالات المتتالية لمسؤولين في ملف السودان، من المبعوثين للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان، وديفيد ساترفيلد، وصولاً إلى السفير الأميركي لدى السودان جون غودفري الذي غادر منصبه بهدوء عبر إعلان خافت على موقع السفارة الأميركية لدى السودان، قال إنه «أنهى فترة خدمته». ليعود بلينكن بعد مرور أكثر من 24 ساعة على الإعلان ويشكر غودفري على خدمته بشكل مقتضب ضمن بيان الإعلان عن تعيين بيريللو، قال فيه: «السفير غودفري كان أساسياً في تقديم المصالح الأميركية في السودان».

ويقول هادسون إن «الباب الدوار الذي يخرج منه الدبلوماسيون الذين يزعمون الحديث عن السودان أظهر ضعفاً في الالتزام والتماسك من واشنطن، مما يهدد بالتالي ما نحاول تحقيقه في السودان».

وعن مغادرة غودفري، وهو أول سفير أميركي إلى السودان منذ أكثر من ربع قرن، يعقّب هادسون: «لقد أتى إلى منصبه بضجيج وغادر بأنين. إنه تقارُب صارخ بين طريقة الاحتفال بوصوله إلى السودان بوصفه بداية عهد جديد في العلاقات الثنائية، وبين طريقة الإعلان عن مغادرته، مما يُظهر التراجع الكبير في العلاقات...».

وحول حظوظ المبعوث الخاص الجديد في تحقيق أي انفراجة في الملف، يقول فرنانديز: «عملت مع 3 مبعوثين خاصين إلى السودان. وهناك تحديات كثيرة: معرفة المبعوث وخبرته، والوقت والجهد اللذين سيخصصهما للملف والدعم الذي تعطيه الإدارة للمبعوث، وهو أساسي». ويختم فرنانديز: «يمكن أن تكون هناك سياسات جيدة ومبعوث سيئ، لكن الحقيقة عادةً ما تعكس واقعاً معاكساً: السياسات غير واضحة أو غير واقعية، والصفات الشخصية للمبعوث لا تهم لأن المشكلة في السياسة».

أما المبعوث السابق دونالد بوث، فيشير إلى وظيفة مهمة في مهام المبعوث الخاص وهي «تنسيق مقاربة الولايات المتحدة للمساعدة على حل الصراع»، مضيفاً أنه كي ينجح في فعل ذلك فإنه يحتاج إلى أن يكون منخرطاً في المحادثات التي ترسم السياسات، وأن يتمتع بدعم مسؤولين رفيعي المستوى في الإدارة وبعلاقة جيدة مع مشرعين أساسيين وموظفيهم، بالإضافة إلى جالية مهمة من مجموعات المجتمع المدني.


مقالات ذات صلة

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

شمال افريقيا طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

في خطوة عدّها البعض تُكرس تقسيم السودان إلى دولتين، أعلنت حكومة «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في مناطقها.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر على أعتاب «الندرة المطلقة» للمياه

قال وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم إن بلاده «تُعد من أكثر دول العالم جفافاً وتعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل» 

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا صورة جوية لملاجئ مؤقتة بمخيم أدري في تشاد للسودانيين الذين فرّوا من الصراع بدارفور (رويترز)

السودان يمدد فتح معبر «أدري» مع تشاد وسط ضغوط دولية

أعلنت وزارة الخارجية السودانية تمديد فتح معبر «أدري» على الحدود مع تشادية لـ3 أشهر أخرى، أمام المعونات الإنسانية وسط ضغوط دولية ومخاوف أمنية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا من وقفة للأساتذة المضربين (لجنة أساتذة الجامعات السودانية)

أساتذة الجامعات السودانية يُنفذون إضراباً عن العمل لتدني الرواتب

دخل إضراب أساتذة الجامعات السودانية الشامل والمفتوح عن العمل؛ احتجاجاً على تدني الرواتب، يومه الثاني، وتوقفت الدراسة بشكل كامل، بينما لا تلوح في الأفق بوادر حل.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نساء في ضاحية «أم القرى» هُدمت منازلهن (الشرق الأوسط)

السلطات السودانية تهدم عشرات المنازل في الخرطوم بحجة عشوائيتها

استيقظ سكان منطقة أم القرى، شمال مدينة الخرطوم بحري، الخميس الماضي، على أصوات آليات الهدم وهي تزيل نحو 83 منزلاً بشكل مفاجئ.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

حدث استثنائي... ترمب يحضر مناقشات قضائية حول إلغاء حق المواطنة بالولادة

الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

حدث استثنائي... ترمب يحضر مناقشات قضائية حول إلغاء حق المواطنة بالولادة

الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

تناقش المحكمة العليا في الولايات المتحدة اليوم (الأربعاء) قضية مركزية في الهوية الأميركية تتعلق بالجنسية عن طريق الولادة، وهو حق يرغب في إلغائه دونالد ترمب الذي يعتزم حضور الجلسات باسم حربه ضد الهجرة غير القانونية.

ووقّع ترمب خلال ولايته الثانية أمراً تنفيذياً يقضي بأن الأطفال المولودين لأبوين يقيمان في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، أو بتأشيرات مؤقتة، لن يصبحوا تلقائياً مواطنين أميركيين.

ونقضت محاكم أدنى درجة هذا القرار باعتباره غير دستوري، وقضت بأنه بموجب بند المواطنة في التعديل الرابع عشر للدستور، يُعتبر كل من يولد على الأراضي الأميركية مواطناً أميركياً، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وينص التعديل على أن «جميع الأشخاص المولودين أو المجنسين في الولايات المتحدة، والخاضعين لولايتها القضائية، هم مواطنون أميركيون». ولا ينطبق هذا على الأشخاص غير الخاضعين للولاية القضائية الأميركية، كالدبلوماسيين الأجانب، والقبائل الأميركية الأصلية.

ورداً على سؤال حول جلسة المحكمة العليا قال ترمب للصحافيين: «سأحضر». وكان ترمب قد حضر مراسم تنصيب أول مرشح له لمنصب قاضٍ في المحكمة العليا، هو نيل غورسوش عام 2017، بعد أشهر من بدء ولايته الأولى. لكن حضور رئيس في منصبه للمرافعات الشفوية في قضية تخص إدارته حالياً يُعد حدثاً استثنائياً.

وتقول إدارة ترمب إن التعديل الرابع عشر للدستور الذي أُقرّ عقب الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، يُعنى بحقوق المواطنة للعبيد المُحررين، وليس لأبناء مهاجرين غير قانونيين، أو زوار مؤقتين.

ويستند الأمر التنفيذي الصادر عن ترمب إلى فكرة أن أي شخص موجود في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، أو بتأشيرة لا يخضع لسلطة الدولة، وبالتالي يُستثنى من الحصول على الجنسية تلقائياً.

ورفضت المحكمة العليا هذا التعريف الضيق في قضية عام 1898 تتعلق برجل يُدعى وونغ كيم آرك، وُلد في سان فرانسيسكو عام 1873 لأبوين هاجرا إلى الولايات المتحدة من الصين.

وبعد زيارة للصين مُنع وونغ كيم آرك من دخول الولايات المتحدة عام 1895 بموجب قوانين استبعاد الصينيين. إلا أن المحكمة العليا قضت بأنه مواطن أميركي بحكم ولادته في الولايات المتحدة.

تاريخ وتقاليد

وقال أستاذ القانون بجامعة إيلينوي في شيكاغو ستيفن شوين إن من المرجح أن ترفض المحكمة الطعن في حق المواطنة بالولادة.

وصرح شوين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هذه محكمة لطالما استندت إلى التاريخ والتقاليد كمرجع أساسي في فهم الدستور. وسيكون من المستغرب بعض الشيء أن نكتشف بعد 150 عاماً أننا كنا نطبق بند المواطنة بشكل خاطئ تماماً». وللمحافظين أغلبية ساحقة في المحكمة العليا (6-3). وقد عيّن ترمب ثلاثة من قضاتها.

وقال جون ساوير، المدعي العام في عهد ترمب، إنه لكي يكون الشخص مؤهلاً للحصول على الجنسية «يجب أن يكون مولوداً في الولايات المتحدة، وخاضعاً لولايتها القضائية». وأضاف ساوير في مذكرة للمحكمة أن «أبناء الأجانب المقيمين مؤقتاً أو غير القانونيين ليسوا خاضعين للولاية القضائية للولايات المتحدة». و«لا يخضع أي شخص لـ(للولاية القضائية) للولايات المتحدة إلا إذا كان يدين لها بالولاء الكافي، ويحق له المطالبة بحمايتها».

«سياحة الولادة»

وقال ساوير إن منح الجنسية تلقائياً لأبناء مهاجرين غير قانونيين «حافز قوي للهجرة غير القانونية»، معتبراً أن ذلك يشجع ما يُسمى بـ«سياحة الولادة».

وإذا رفضت المحكمة العليا إلغاء حق المواطنة بالولادة، فستكون هذه ثاني خسارة كبيرة لترمب خلال هذه الولاية، بعد أن أبطل القضاة معظم رسومه الجمركية في فبراير (شباط).

ورد ترمب بغضب على هذا الحكم، ووصف الثلاثاء حق المواطنة بالولادة بأنه «إحدى أكبر عمليات الاحتيال في عصرنا»، وذلك بعد يوم من منشور له على «تروث سوشال» ينتقد فيه «قضاة أغبياء».

وقال الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، الذي يدافع عن حق المواطنة بالولادة أمام المحكمة، إن إدارة ترمب «لا تطالب بأقل من إعادة صياغة الأسس الدستورية لأمتنا». وأضاف أن «الحجج الباطلة للحكومة، إذا قُبلت، فسترخي بظلالها على جنسية ملايين الأميركيين على مدى أجيال». ومن المتوقع صدور قرار في القضية بحلول أواخر يونيو (حزيران)، أو أوائل يوليو (تموز).


ترمب يثور غضباً من حكم قضائي بوقف بناء صالة الاحتفالات بالبيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بتصريحات للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بتاريخ 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بتصريحات للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بتاريخ 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب يثور غضباً من حكم قضائي بوقف بناء صالة الاحتفالات بالبيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بتصريحات للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بتاريخ 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بتصريحات للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بتاريخ 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)

انفجر الرئيس الأميركي دونالد ترمب غضباً بعد أن أصدر القاضي الاتحادي ريتشارد ليون أمراً قضائياً مؤقتاً يوقف بناء صالة الاحتفالات الضخمة التي يتفاخر بها ترمب في موقع الجناح الشرقي من البيت الأبيض.

الحكم الذي جاء في 35 صفحة، يشترط موافقة صريحة من الكونغرس قبل استئناف الأعمال، عادّاً أن الرئيس يفتقر إلى السلطة القانونية لتمويل وتنفيذ مشروع بقيمة 400 مليون دولار دون تفويض تشريعي. وعُلّق تنفيذ القرار 14 يوماً لتجنب تعقيدات لوجيستية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في البيت الأبيض (د.ب.أ)

لم ينتظر ترمب طويلاً، ولجأ إلى منصته المفضلة «تروث سوشيال» ليهاجم الحكم بشدة، واصفاً إياه بـ«غير المنطقي»، ومؤكداً أن المشروع «متوافق مع الميزانية ومتقدم عن الجدول الزمني». وأضاف أنه ممول بالكامل من تبرعات خاصة من «الأثرياء والشركات الكبيرة»، دون أن ينفق دافعو الضرائب دولاراً واحداً. ووصف «الصندوق الوطني للحفاظ على التراث التاريخي» الذي رفع الدعوى بـ«جماعة يسارية متطرفة من المجانين»، كما هاجم مجدداً رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، عادّاً مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي بمبلغ (2.5 مليار دولار) دليلاً على «عدم الكفاءة وربما الفساد».

بدورهم، أعلن مسؤولو البيت الأبيض فوراً بدء خطوات الاستئناف ضد الحكم القضائي، فيما رأى مراقبون أن الحكم أشعل فتيل خلاف قانوني وسياسي حاد يتجاوز مجرد «صالة احتفالات» إلى جوهر توازن السلطات في الديمقراطية الأميركية.

القاعة الأكبر والأجمل

على مدى أشهر، روّج ترمب لمشروع بناء «صالة احتفالات عظيمة وجميلة» متفاخراً بأنها ستكون الأكبر في تاريخ البيت الأبيض، بمساحة 90 ألف قدم مربعة. ووصفها بأنها إضافة فاخرة لاستضافة الاحتفالات الرسمية والدبلوماسية، و«هدية» من شركات وأثرياء. وبدأت بالفعل أعمال الهدم في الجناح الشرقي التاريخي العام الماضي في جزء من رؤيته لـ«تحديث» مقر الرئاسة، لكن الدعوى القضائية كشفت مخاوف جدية تتعلق بعدم إجراء تقييمات بيئية وتاريخية كاملة، وتجاوز السلطة التنفيذية حدودها.

ورفض القاضي ليون - المعيّن من قبل الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش الابن - خطة البناء، مؤكداً أنه لا يوجد قانون يمنح الرئيس السلطة التي يدّعيها. وشدّد على أن «الرئيس ليس مالكاً شخصياً للبيت الأبيض»، بل هو ملكية عامة تاريخية تحتاج إلى رقابة تشريعية للتعديلات الكبرى.

تمويل من القطاع الخاص

صورة تظهر الرافعات البرجية المُستخدمة في بناء قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض بواشنطن 31 مارس 2026 (أ.ب)

كان الرئيس ترمب قد خطط لتمويل بناء صالة الاحتفالات عبر صندوق خيري، بتبرعات من شركات كبرى مثل «أمازون»، و«غوغل»، و«بلانتير»، ومساهمة شخصية منه. وكانت ميزانية المشروع تقدر بـ200 مليون دولار، ثم ارتفعت إلى 400 مليون. وبينما أكدت الإدارة أن هذا التمويل الخاص يحمي المشروع من استقطاع من الميزانية الفيدرالية، لكن القاضي حذر من «التعقيد» ومخاطر تضارب المصالح، خصوصاً أن بعض المانحين يحملون عقوداً حكومية بمليارات الدولارات.

وقد أعطى القاضي للكونغرس سلطة الموافقة التشريعية الصريحة لأي أعمال، لكن الكونغرس يواجه انقساماً قوياً، حيث يدعم الجمهوريون مشروع بناء صالة الاحتفالات بقوة، ويعدونه ضرورة لتحديث البيت الأبيض و«هدية للأمة».

وقد وصف النائب بيرون دونالدز الجمهوري من فلوريدا الانتقادات الموجهة للمشروع بأنها «متلازمة الغضب من ترمب»، مؤكداً أن البيت الأبيض يحتاج إلى صالة احتفالات. وأعرب عدد من الجمهوريين أن التمويل الخاص يعفي المشروع من الحاجة إلى موافقة الكونغرس، واتهموا الديمقراطيين باستخدام القضاء لعرقلة إنجازات ترمب.

انتهاك لتوازن السلطات

أما الديمقراطيون، فيعارضون الاستمرار في البناء دون مراجعة شاملة، ويطالبون بتقييم تاريخي وبيئي، ويحذرون من «الفساد» الناتج عن تبرعات الشركات. ويرى الديمقراطيون هذا المشروع، انتهاكاً لتوازن السلطات، ويطالبون بحماية التراث الوطني، وأنه يفتح الباب لتغييرات مستقبلية دون رقابة.

ويقول المحللون إن الحكم القضائي يعد نقطة تحول في الجدل حول صلاحيات الرئيس في إجراء تعديلات في البيت الأبيض. ويعيد إحياء نقاشات تاريخية حول تجديدات سابقة، لكن حجم المشروع (400 مليون دولار) وتوقيته يجعله أكثر إثارة.

سياسياً، يستغل ترمب الحكم لتعزيز صورته بأنه ضحية الدولة العميقة والقضاة المعادين، أما الديمقراطيون، فيستخدمونه للضغط على المانحين وكشف تضارب المصالح. ويقول المحللون إنه إذا نجح الاستئناف أو حصلت موافقة الكونغرس (وهو أمر مرجح نتيجة الأغلبية الجمهورية)، فقد يستمر البناء. لكن الأمر يتجاوز الصراع حول صالة احتفالات إلى سؤال جوهري، هل يحق للرئيس إعادة تشكيل رموز السلطة دون رقابة، أم أن الكونغرس لا بد أن يكون حارس التوازن والمراقب؟


ترمب: أدرس جدياً الانسحاب من حلف «الناتو»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

ترمب: أدرس جدياً الانسحاب من حلف «الناتو»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة مع صحيفة «التلغراف» البريطانية، إنه يدرس جدياً سحب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بعد امتناع الحلف عن الانضمام إلى حربه على إيران، أو إرسال سفن حربية لإعادة فتح مضيق هرمز.

ووصف ترمب الحلف بأنه «نمر من ورق»، قائلاً إن مسألة خروج الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع المشترك «لم يعد أمراً قابلاً لإعادة النظر».

ويُعد هذا أقوى مؤشر حتى الآن على أن البيت الأبيض لم يعد يعتبر أوروبا شريكاً دفاعياً موثوقاً به، وذلك بعد رفض طلب ترمب من الحلفاء إرسال سفن حربية لإعادة فتح مضيق هرمز.

وسُئل ترمب عما إذا كان سيعيد النظر في عضوية الولايات المتحدة في الحلف بعد انتهاء النزاع، فأجاب: «بالتأكيد. أقول إن الأمر لا رجعة فيه. لم أقتنع يوماً بـ(الناتو). لطالما عرفت أنه نمر من ورق، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلم ذلك أيضاً بالمناسبة».

وأضاف أن الولايات المتحدة لطالما كانت حاضرة لدعم الحلفاء، بما في ذلك أوكرانيا، بينما لم يظهر الحلفاء الدعم نفسه تجاه المصالح الأميركية.

واستهدف ترمب المملكة المتحدة بشكل خاص، منتقداً رئيس ​الوزراء البريطاني كير ستارمر بسبب رفضه المشاركة في الحرب، مُلمّحاً إلى أن «البحرية الملكية غير مؤهلة لهذه المهمة».

وعندما سُئل عما إذا كان ينبغي على ستارمر زيادة الإنفاق على الدفاع، قال ترمب: «لن أملي عليه ما يفعل. فليفعل ما يشاء. لا يهم. كل ما يريده ستارمر هو طواحين هواء باهظة الثمن ترفع أسعار الطاقة لديكم إلى مستويات فلكية».

وفي وقت لاحق، دافع ستارمر عن حلف شمال الأطلسي، واصفاً إياه بأنه «التحالف العسكري الأكثر فاعلية الذي عرفه العالم على الإطلاق».

وقال ستارمر خلال مؤتمر صحافي في مقر رئاسة الحكومة «(الناتو) يكفل أمننا منذ عقود، ونحن ملتزمون به كلياً».

وأبدت واشنطن استياءها المتزايد من موقف الحلفاء خلال الحرب؛ حيث اعتبر وزير الخارجية ماركو روبيو أن «الناتو» أصبح «طريقاً باتجاه واحد»؛ مشيراً إلى رفض الحلفاء السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدهم العسكرية.

وفي حديثه على قناة «فوكس نيوز» قبل ساعات من المقابلة مع ترمب، قال روبيو إن على أميركا «إعادة النظر» في عضويتها في حلف «الناتو» عند انتهاء الحرب في إيران.

وكانت صحيفة «التلغراف» قد كشفت الأسبوع الماضي أن ترمب يدرس اتخاذ إجراءات تتعلق بـ«الناتو» تهدف إلى معاقبة الأعضاء الذين لا يلبُّون مطالبه التمويلية.

ومساء أمس (الثلاثاء) قال ترمب، إن الحرب على إيران قد تنتهي في غضون «أسبوعين، وربما ثلاثة»، مؤكداً أن هدفها الوحيد هو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية.