بايدن «المسن» ضحية «نيران صديقة»

تقرير «مؤلم» للمحقق الخاص يسلّط الضوء على صحة الرئيس الأميركي الذهنية

بايدن في مؤتمر صحافي بعد إصدار تقرير المحقق الخاص (أ.ف.ب)
بايدن في مؤتمر صحافي بعد إصدار تقرير المحقق الخاص (أ.ف.ب)
TT

بايدن «المسن» ضحية «نيران صديقة»

بايدن في مؤتمر صحافي بعد إصدار تقرير المحقق الخاص (أ.ف.ب)
بايدن في مؤتمر صحافي بعد إصدار تقرير المحقق الخاص (أ.ف.ب)

عادت صحة الرئيس الأميركي الذهنية إلى الواجهة، بتقرير أصدره المحقق الخاص روبرت هير، اعتبره أنصار جو بايدن مؤلماً في مضمونه، رغم توصياته «المتساهلة» مع قاطن البيت الأبيض.

أصدر هير، الذي أوكلت إليه مهمة التحقيق بتعاطي بايدن مع وثائق سرية، «حكمه» قائلاً إنه على الرغم من أن بايدن احتفظ ببعض الوثائق وكشف عن مضمونها عن قصد، فإنه لا يوصي بتوجيه التهم ضده. السبب، بحسب نص التقرير، أنه «رجل مسن وودّي، نيته صافية وذاكرته سيئة، وسيكون من الصعب إدانته حينها - كرئيس سابق في الثمانينات من عمره - بجنحة تتطلب حالة ذهنية تتسم بالتعمد».

تقييم أسوأ من إصدار أي حكم بحق الرئيس الأميركي البالغ من العمر 81 عاماً، يسلّط الضوء على هفواته المتكررة التي خلط فيها الأوراق والهويات، من لقائه بالرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، مروراً بحديثه مع المستشار الألماني الراحل هيلموت كول، ووصولاً إلى خلطه، في مؤتمر صحافي عقده بعد صدور التقرير للدفاع عن ذاكرته، بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس المكسيك.

بعض الوثائق السرية التي عُثر عليها بمنزل بايدن في ديلاوير 21 ديسمبر 2022 (أ.ب)

ولعلّ الموجع لبايدن أكثر من فحوى التقرير هو أن وزير العدل الأميركي الذي عيّنه في منصبه هو الذي قرر تعيين المحقق الخاص وإصدار التقرير العلني، ما فسّره البعض على أنه اعتراف ديمقراطي مبطّن بتراجع صحة بايدن الذهنية، رغم إصرارهم العلني على دعم جهوده للترشح لولاية ثانية.

وهذا ما يستعرضه برنامج ”تقرير واشنطن“ ، ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» و«الشرق»، عبر النظر في تراجع صحة بايدن الذهنية وتدهور شعبيته المستمر، بالإضافة إلى أسباب إصراره على الترشح لولاية ثانية.

صحة ذهنية متدهورة

يهبّ الخبير الاستراتيجي الديمقراطي، آريش راميش، للدفاع عن بايدن، مذكراً بعمر ترمب المتقدم. واعتبر راميش أنه رغم كل المشكلات التي يعاني منها الرئيس الأميركي، فإن «أسوأ أداء له لا يزال أفضل بكثير من أي أداء لدونالد ترمب». وفسّر موقفه قائلاً: «صحيح أننا نتعامل مع مرشحَين للرئاسة متقدميَن في السن، لكن على الأقل ما زال أحدهما يؤمن بالنظام الديمقراطي ولا يرغب في أن يتحول إلى ديكتاتور في أول يوم له كرئيس، ولا يريد أن يطارد منتقديه لينتقم منهم، ولن يُقيد التعديل الأول للدستور، ولن ينسحب من حلف الناتو، ولن يبذل قصارى جهده لخدمة بوتين».

المحقق الخاص وصف بايدن بـ«المسن» الذي يتمتع بـ«ذاكرة ضعيفة» (إ.ب.أ)

نقاط عارضها بشدة مارك لوتر، المساعد الخاص السابق لترمب ومدير الاتصالات في معهد «أميركا أولاً»، مشيراً إلى وجود فوارق كبيرة بين الأشخاص في عمر الثمانين. فقال: «ما زلنا نرى الرئيس ترمب يلعب مباريات غولف كاملة، ويحضر عدة جولات انتخابية، ويزور مدناً مختلفة». واعتبر لوتر أن فريق بايدن «يسعى لإخفائه بسبب خوفهم مما قد يقوله أو يتذكره أو أي أشباح قد يراها». وأضاف لوتر: «الناخبون يرونه رجلاً عجوزاً ضعيفاً يتحدث مع أشخاص ماتوا من عشرات السنين... وإذا أخذنا كل هذه العناصر بعين الاعتبار، فمن غير المرجح أن يُعاد انتخابه».

من ناحيته، يفسّر آدم كانكرين، مراسل البيت الأبيض في صحيفة «بوليتيكو»، استراتيجية البيت الأبيض، مشيراً إلى أن حملة بايدن «تراهن على أنها ستتمكن في نهاية المطاف من التغلب على المخاوف المرتبطة بالتقدم في العمر، من خلال تذكير الناس بالفوضى التي لم تعجبهم خلال فترة رئاسة ترمب». وقال كانكرين إنه لهذا السبب تركز حملة بايدن بشكل أساسي على الديمقراطية. وأضاف: «سنرى أن بايدن سيركز خلال الأشهر المقبلة على لقاء الناس بشكل مباشر، وليس من خلال جولات انتخابية حاشدة، حيث سيتحدث مع الناخبين بشكل فردي».

ترمب بحدث انتخابي في لاس فيغاس 8 فبراير 2024 (أ.ب)

وينتقد لوتر هذه الاستراتيجية، مذكراً أن استطلاعات الرأي تظهر تفوق ترمب على بايدن في الاقتصاد، ومكافحة الجريمة، والتضخم، والهجرة، وغيرها من ملفات. ويقول: «لهذا يسعى الديمقراطيون لتغيير الموضوع كي يصبح النقاش عن الديمقراطية، بينما يمنعون المرشح الآخر (ترمب) من خوض الانتخابات. ويتهمونه باضطهاد أعدائه، بينما يحاولون سجنه، فما يقولونه يختلف عما يفعلونه، والناس لم يعودوا مقتنعين بذلك».

ويعترف راميش ببعض الإخفاقات من قبل فريق بايدن في إيصال الرسالة بشكل واضح للأميركيين، معتبراً أنها من الأمور التي ينبغي تحسينها إذا ما أراد الديمقراطيون ضمان فوز الرئيس الأميركي في الانتخابات.

حرب غزة ومشكلة الشباب

يتزامن التراجع المستمر في شعبية بايدن، التي وصلت إلى 37 في المائة، مع تدهور حاد في دعم الشباب له فيما يتعلق بتعاطيه مع حرب غزة. وتظهر الأرقام أن 15 في المائة فقط من الشباب ما دون الـ35 من العمر يدعمون سياسته في هذا الملف.

متظاهرون معارضون بنيويورك لسياسة بايدن في غزة 7 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

ويشير راميش إلى أنه مما لا شك فيه أن بايدن لديه مشكلة، ليس مع الشباب فحسب، بل مع بعض الفئات في قاعدة الحزب الديمقراطي بسبب حرب غزة. ويقول: «هو يدعم إسرائيل بشكل واضح، ويقف في صفها في هذه المعركة. وهذا الأمر لا يلقى ترحيباً في أوساط اليساريين في الحزب الديمقراطي وبعض الشباب... كان ذلك هو الخيار الذي أقدم عليه الرئيس، وسيدفع ثمنه».

لكن راميش يذكّر بالخيار الثاني، وهو ترمب، فيحذر قائلاً: «هل تعتقدون أن الأمور ستكون أفضل لو فاز دونالد ترمب؟ على الأقل، يمارس الرئيس بايدن بعض الضغوط على إسرائيل للحد من الخسائر بين المدنيين. لا أعتقد أن دونالد ترمب سيهتم بذلك أبداً، بل سيعطيهم الضوء الأخضر. عليكم أن تنظروا للبديل، فالبديل لم يكن ليمنحهم ضوءاً أخضر فحسب، بل كان سيمنع وضع أي ضوابط على ما يقدم عليه نتنياهو وحلفاؤه من المتشددين اليمنيين».

متظاهرون يحتجون على زيارة بايدن لميشيغان في 1 فبراير 2024 (رويترز)

وسرعان ما هبّ لوتر مدافعاً عن ترمب وسياساته. قال: «تذكروا، على الرغم من تصريحات راميش، أن دونالد ترمب كان الرئيس الوحيد الذي لم تبدأ حرب في عهده. فهو الذي نجح في عقد اتفاقات إبراهام التي مهدت الطريق لسلام واسع النطاق في الشرق الأوسط . في فترة ترمب، لم تقدم روسيا على غزو أوكرانيا، ولم تهاجم إيران إسرائيل من خلال وكلائها لأنهم كانوا يخشون ردة الفعل الأميركية». واستمر لوتر في مهاجمة سياسات بايدن، ووصفه بـ«الضعيف في أفغانستان، وفي أوكرانيا، وفي الشرق الأوسط»، مضيفاً: «عندما كان لدينا قائد قوي، لم تكن هناك حروب. وعندما أصبح لدينا قائد ضعيف، أصبح العالم يحترق في الشرق الأوسط وأوروبا، والآن الصين تحاول التحرك في آسيا». واعتبر لوتر أنه مثلما كانت أزمة الرهائن الإيرانية المسمار الأخير في نعش فترة جيمي كارتر الرئاسية، «ستكون إيران المسمار الأخير في نعش جو بايدن حيث إن إيران تقف خلف (حماس) وخلف كل الهجمات في منطقة الشرق الأوسط. وجو بايدن يظهر ضعفاً في التعامل معها».

ويتحدث كانكرين عن تدهور الدعم لبايدن في ولايات مهمة كميشيغن، التي زارها مراسل «بوليتيكو» وتحدث مع الناخبين فيها. وقال: «بالنسبة للبعض منهم، يشكل مقتل 30 ألف فلسطيني نقطة تحول لا عودة منها. وبالتالي لن يصوتوا لصالح بايدن». وأشار كانكرين إلى أن امتناع هؤلاء عن التصويت سيكون بمثابة تصويت لترمب، مضيفاً: «لقد طرحت على كثير من الناس هذا السؤال عندما كنت هناك، فكان جوابهم؛ لا ينبغي أن تقع على عاتقنا مهمة عدم انتخاب دونالد ترمب فهذه لم تعد مسؤوليتنا، نشعر أننا تعرضنا للخيانة وهذا وحده سيحدد قرارنا».

خيارات بديلة

في ظل التدهور المستمر في صحة بايدن، يتساءل كثيرون عن سبب غياب مرشح بديل. وهذا ما يعرضه راميش، الذي أكد أنه «لا أحد يعترض على حصول بايدن على قسط من الراحة بعد أن خدم بلاده بشكل رائع لمدة 50 عاماً»، لكنه أضاف: «لنواجه الأمر بصراحة، أعتقد أن الحزب الديمقراطي لديه مجموعة رائعة من المرشحين يمكن أن يتصدروا المشهد في انتخابات 2028. لكن حالياً، لا مفر من مواجهة الواقع، أحياناً نتمنى لو كانت لدينا خيارات مختلفة، لكن يتعين علينا الاختيار من البدائل المتاحة أمامنا، فهذا هو واقع الحال».

المرشح المستقل روبرت كينيدي جونيور في زيارة للحدود مع المكسيك (رويترز)

ويشير راميش إلى أن البيت الأبيض سيتعين عليه في الفترة المقبلة إظهار أن نائبة بايدن، كامالا هاريس، «مستعدة لتولي زمام الأمور إذا وقع مكروه للرئيس»، متابعاً: «إنها جاهزة، لكن عليها أن تقنع الشعب الأميركي بذلك، ويتعين على الأميركيين رؤية ذلك».

من ناحيته، يشير آدم إلى وجود مرشحين مستقلين قد يسلبون أصواتاً مهمة من بايدن قد تكلفه الرئاسة. وقال: «هناك عدة مرشحين مثل روبرت كينيدي جونيور الذي حصل على نسبة جيدة في استطلاعات الرأي، والمرشح كورنيل ويست الذي يخوض الانتخابات لدعم الفلسطينيين في غزة، كما ينتقد أسلوب بايدن في التعامل مع الحرب. هؤلاء هم المرشحون المعطلون الذين يتعين على حملة بايدن التنبه لهم، رغم عدم وجود أي فرصة حقيقية لهم بالفوز».


مقالات ذات صلة

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الجوية الأميركية الجنرال دان كين يشرح نتائج الضربات على المنشآت الإيرانية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

ترمب نفّذ ضربات في عامه الأول تعادل ما نفذه بايدن في كامل ولايته

مجموع الضربات التي نفّذت منذ تولي ترمب ولايته الثانية في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، إلى 672 ضربة جوية أو بطائرات مسيرة مقارنة بـ694 خلال كامل ولاية جو بايدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

ترمب يهاجم «الناتو»: «نمر من ورق» وأعضاؤه «جبناء»

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
TT

ترمب يهاجم «الناتو»: «نمر من ورق» وأعضاؤه «جبناء»

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

في منشور غاضب على منصة «تروث سوشيال»، حمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحدّة على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، متهماً أعضاءه بالجبن والتنصل من المسؤولية، متوعداً بالانتقام، ومؤكداً أنه «لن ينسى هذا الموقف».

وكتب ترمب: «لولا الولايات المتحدة، لكان حلف الناتو مجرد نمر من ورق! لقد أحجموا عن الانخراط في المعركة الرامية إلى وقف تحول إيران إلى قوة نووية. والآن، وقد حُسمت تلك المعركة عسكرياً - مع ما انطوى عليه ذلك من مخاطر ضئيلة للغاية بالنسبة لهم - تراهم يتذمرون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها، ومع ذلك يرفضون تقديم العون لفتح مضيق هرمز؛ وهي مناورة عسكرية بسيطة تُعد السبب الأوحد وراء ارتفاع أسعار النفط هذا. إنه لأمر يسير للغاية عليهم إنجازه، وينطوي على مخاطر لا تكاد تُذكر. إنهم جبناء، ولن ننسى ذلك أبداً!».

ولم يكن المنشور مجرد تعبير عن إحباط، بل جاء بمثابة إعلان صريح عن تحول استراتيجي أميركي نحو العمل الأحادي، بعد الفشل في تشكيل «تحالف هرمز البحري» الذي دعا إليه ترمب مراراً لمرافقة الناقلات وإعادة فتح المضيق، الذي تعرقل إيران الملاحة فيه بصواريخها وطائراتها المسيّرة والألغام.

تصدّع الحلف الغربي

يعكس غضب ترمب من «الناتو» تصدّعاً متزايداً في العلاقات عبر الأطلسي، ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كان هذا الرفض سيدفع إلى إعادة النظر في مستقبل الحلف، أم أن ترمب سيحاول إثبات قدرة الولايات المتحدة على تأمين الملاحة في مضيق هرمز منفردة، وكيف قد يترجم تهديده بالانتقام من الحلف.

أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)

وبدأت محاولات ترمب للحشد منذ انطلاق عملية «ملحمة الغضب» في 28 فبراير 2026؛ إذ طالب حلفاءه الأوروبيين والآسيويين بإرسال سفن حربية لحماية الملاحة في هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من نفط العالم. وكرر هذا الطلب في اجتماعاته مع رئيسة الوزراء اليابانية وفي تصريحات علنية، محذراً من أن «مستقبل الناتو سيكون سيئاً جداً» إذا رفضوا.

غير أن الرد جاء «رفضاً شبه عام»، وفق ما وصفته وسائل إعلام أميركية وأوروبية.

أسباب التردّد الأوروبي

رفضت الدول الأوروبية الانخراط لأسباب مترابطة، أبرزها أن النزاع لا يُعدّ حرباً لـ«الناتو». فقد أكّدت ألمانيا أن الصراع «لا علاقة له بالناتو»، باعتبار أن الحلف مُخصّص للدفاع عن أراضي أعضائه، لا لعمليات خارجية. وأوضح المستشار الألماني فريدريش ميرتس أنه «لا يوجد قرار جماعي للتدخل»، وأن نشر سفن ألمانية في هرمز يتطلب موافقة برلمان بلاده (البوندستاغ)، وهو أمر غير مُرجّح.

صورة من مدخل مقر «الناتو» في بروكسل (رويترز - أرشيفية)

كما تخشى دول الحلف من الانزلاق إلى تصعيد أوسع، في ظل مخاطر مواجهة مباشرة مع إيران، لا سيما مع احتمال استخدام طهران صواريخ مضادة للسفن أو طائرات مسيّرة. وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد أكد أن بلاده لن تنجر إلى حرب أوسع، فيما قالت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، صراحة: «لا أحد مستعد لوضع جنوده في خطر عند مضيق هرمز».

وترى الدول الأوروبية أن الأولوية يجب أن تبقى لمواجهة ما تراه تهديداً روسياً مستمراً لأراضيها في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، معتبرة أن موسكو تمثل الخطر الوجودي الأبرز، وأن أي نشر لقوات في الشرق الأوسط قد يؤدّي إلى تشتيت الموارد وإضعاف الدفاعات الأوروبية.

وتفضل أوروبا أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات على الخيار العسكري، رغم تأثرها بارتفاع أسعار النفط والغاز، مع رهان على أن الضربات الجوية الأميركية كافية لدفع إيران إلى التراجع. وحتى بريطانيا، أقرب حلفاء واشنطن، اكتفت بإرسال فريق تخطيطي صغير إلى واشنطن من دون التزام بإرسال سفن حربية، فيما رفضت اليابان وكوريا الجنوبية، رغم اعتمادهما الكبير على نفط هرمز، المشاركة العسكرية المباشرة.

«أدوات انتقامية»

خلال الأيام الماضية، لمّح ترمب لمستشاريه إلى أنه سيُعيد تقييم «الكلفة العادلة» لمشاركة الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي. وتُشير تقديرات إلى أنه قد يدرس خفض عدد القوات الأميركية في أوروبا (الذي يتجاوز حالياً 80 ألف جندي) بنسبة تتراوح بين 30 و50 في المائة خلال عام 2026، لا سيما في ألمانيا التي رفضت المشاركة عسكرياً لتأمين هرمز.

سفن شحن في الخليج بالقرب من مضيق هرمز يوم 11 مارس (رويترز)

كما يملك ترمب ورقة ضغط تتعلّق بتكاليف القواعد الأميركية، إذ يبحث مطالبة الدول الأوروبية بتحمّل 100 في المائة من هذه التكاليف، بدلاً من النسبة الحالية. والأكثر حساسية هو احتمال تجميد مساهمة واشنطن في ميزانية الناتو، التي تُشكّل نحو 70 في المائة من إجماليها، إلى حين «إثبات الحلفاء ولاءهم». وتشير صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن هذه الخيارات ليست نظرية، إذ بدأ البنتاغون بالفعل مراجعة انتشار القوات في أوروبا. كما يمتلك ترمب ورقة ضغط إضافية تتمثل في الطاقة؛ فأوروبا، التي تعاني من ارتفاع أسعار النفط نتيجة إغلاق هرمز، تعتمد على الغاز الطبيعي المسال الأميركي. وقد تشمل الخيارات فرض رسوم جمركية جديدة على السيارات الأوروبية، خصوصاً الألمانية، أو ربط صادرات الغاز الأميركي بمواقف الدول من أزمة هرمز، بما يعني أسعاراً أعلى أو تأخيراً في الإمدادات للدول الرافضة.

كما يُرجّح أن يتجه ترمب إلى دعم مشاريع الطاقة في آسيا، لا سيما في اليابان وكوريا الجنوبية، على حساب أوروبا، في رسالة مفادها بأن «أميركا أولاً» قد تعني أيضاً «أوروبا أخيراً».

وبحسب تقرير لمركز «أتلانتيك»، يمتلك ترمب أدوات ضغط إضافية، من بينها دعم أحزاب يمينية متطرفة في أوروبا للضغط على الحكومات من الداخل، أو إعادة توجيه التركيز العسكري الأميركي بعيداً عن أوروبا نحو المحيطين الهادئ والخليج، ما قد يقلص الدعم في مواجهة روسيا ويدفع الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي إلى نحو 4 في المائة من الناتج المحلي. ويخلُص التقرير إلى أنّ مثل هذه الخطوات قد تقود إلى تصدع دائم في الحلف، في ظل سعي ترمب إلى استثمار الأزمة لإعادة صياغة «الناتو» وفق رؤيته: إما حلف تتحمل فيه الدول الأوروبية الكلفة، أو حلف يواجه خطر التفكك.


استقالة جدلية وتباين استخباراتي يشعلان الجدل حول حرب إيران في واشنطن

ترمب لدى استقبال رفات عناصر القوات الأميركية الذين قضوا في حرب إيران يوم 7 مارس 2026 (رويترز)
ترمب لدى استقبال رفات عناصر القوات الأميركية الذين قضوا في حرب إيران يوم 7 مارس 2026 (رويترز)
TT

استقالة جدلية وتباين استخباراتي يشعلان الجدل حول حرب إيران في واشنطن

ترمب لدى استقبال رفات عناصر القوات الأميركية الذين قضوا في حرب إيران يوم 7 مارس 2026 (رويترز)
ترمب لدى استقبال رفات عناصر القوات الأميركية الذين قضوا في حرب إيران يوم 7 مارس 2026 (رويترز)

حرب إيران مستمرة، ومعها تستمر التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة وتحتد. وشهد الأسبوع المنصرم تطورات لافتة على الجبهة الداخلية، أبرزها اول استقالة رسمية لمسؤول في إدارة ترمب احتجاجاً على حرب إيران، بالإضافة إلى فاتورة ضخمة للحرب يدرس البيت الأبيض تقديمها إلى الكونغرس في ظل تسريبات جديدة باحتمال نشر قوات أميركية في المنطقة.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق» هذه التطورات وانعكاساتها على المشهد الداخلي الأميركي، وما إذا كانت مؤشراً على بداية انقسامات داخلية ستشتد كلما طال أمد الحرب.

استقالة مدوية

قال مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، لدى استقالته إن إيران لم تكن تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة، على خلاف تصريحات الإدارة التي سعت لاحتواء هذه التصريحات والتشكيك بأهلية كينت في هذا المنصب.

مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت في واشنطن في 18 سبتمبر 2021 (رويترز)

ويقول دان شنايدرمان، الذي شغل منصب كبير المنسقين لملف أفغانستان في وزارة الدفاع ومدير ملف اليمن في مجلس الأمن القومي سابقاً، إن تصريحات كينت أحدثت ضجة كبيرة في الأوساط السياسية والاستخباراتية الأميركية، إلا أنه «لم يتفاجأ» من حجم «الصدمة» التي ولّدها موقف المسؤول السابق في الكونغرس. ويضيف: «إنها قضية خطيرة للغاية. وأعلم أن الرئيس ترمب والبيت الأبيض حاولا صرف الانتباه عنها، لكن من الصعب جداً التعامل معها من خلال السردية المعتمدة».

وكان ترمب هو من عيّن كينت في منصبه، ودفع مجلس الشيوخ للمصادقة عليه. ويُقرّ ماثيو بارليت، المسؤول السابق في وزارة الخارجية في عهد ترمب الأول، بأن تعيين كينت كان قراراً خاطئاً، ويقول: «هذا ما يحدث عندما تعيّن أشخاصاً سيئين. إن كينت ليس شخصاً جاداً عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، لكن عندما نفكر فيه وفي أشخاص كمديرة الاستخبارات الوطنية تلسي غابارد، نجد أنهم ينتمون إلى جناح انعزالي (مناهض للتدخلات الخارجية). وهذا يُعدّ جزءاً من سياسة خارجية غير تقليدية بالنسبة للجمهوريين».

مديرة الاستخبارات الوطنية تلسي غابارد في جلسة استماع في مجلس النواب يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

من ناحيته، يرى إدريس علي، مراسل شؤون الأمن القومي في وكالة «رويترز»، أن هذا التناقض في الرؤية كان واضحاً في جلسة الاستماع التي حضرتها غابارد في مجلس الشيوخ قبل أيام، وقال: «إنها تدعم سياسية انعزالية، ولا تريد التورط في حروب خارجية. ومن ناحية أخرى، لا تريد أن يطردها الرئيس ترمب». ولفت علي إلى التصريح المكتوب الذي قدّمته غابارد للجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ بشأن نجاح الضربات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) في تدمير القدرات النووية الإيرانية، كما ذكرت أن تقييم أجهزة الاستخبارات الأميركية يُشكّك في محاولة إيران بذل أي جهد لإعادة بناء أسلحتها النووية. وتتعارض هذه الشهادة المكتوبة، والتي تحفّظت غابارد عن تكرارها شفاهة أمام أعضاء اللجنة، تتعارض مع إحدى النقاط الرئيسية التي استند إليها الرئيس ترمب لخوض حرب إيران، وهي أن الأخيرة تسعى إلى إعادة إطلاق برنامجها النووي.

«تغيير السلوك» وليس النظام

يرى شنايدرمان أن الصقور من الحزب الجمهوري فازوا على الانعزاليين في التأثير في قرار ترمب خوض هذه الحرب، لكنه يُسلّط الضوء على التقلب في أهداف الحرب الاستراتيجية، وما يصفه بتغيير سردية الإدارة المستمرة حول تلك الأهداف.

لكن بارليت يرفض هذه المقاربة، ويشدّد على أن الإدارة كانت واضحة منذ البداية أن هدفها النهائي ليس تغيير النظام بل «تغيير السلوك بالقوة». ويُفسّر: «لن يُسمح بعد الآن بالسلوك الشائن لإيران، سواء كان ذلك في المنطقة، أو عبر وكلائها، أو في المجال النووي، أو في مجال الصواريخ الباليستية؛ لذا، فإن الهدف ليس هو تدمير البرنامج النووي فحسب، بل الصواريخ الباليستية والطائرات من دون طيار، وضمان أنه إذا أراد هذا النظام الشرير وغير المنطقي أن يهتف: الموت لأميركا، فإن ذلك يقتصر على الكلمات وحدها، وأنه لم يعد لديه القدرات على إحداث دمار في أنحاء المنطقة».

ويُشدّد بارليت على أن «الشعب الإيراني هو المسؤول عن مستقبل إيران»، وليس الولايات المتحدة التي تهدف بشكل أساسي إلى القضاء على قدرات النظام من الناحية العسكرية.

قوات برية

يتردّد الحديث في الأيام الأخيرة حول احتمال نشر قوات أميركية في المنطقة لاحتواء الحرب. ويشير علي إلى أن الولايات المتحدة لديها حالياً 50 ألف جندي في المنطقة، وأن هذا العدد قد يرتفع بآلاف أخرى.

ترمب في قاعدة دوفر العسكرية بديلاوير يوم 7 مارس 2026 (رويترز)

ولفت علي إلى المناقشات الجارية في البيت الأبيض حول الخطوة التالية، وما إذا كانت الإدارة تنوي نشر قوات برية، سواء كان ذلك في مضيق هرمز، أو على طول الساحل، من أجل القضاء على هذا التهديد بطريقة ما، والسماح باستئناف بعض عمليات الشحن بطريقة أكثر استدامة، أو حتى السيطرة على جزيرة خرج.

وأبلغ 3 مسؤولين أميركيين، وكالة «رويترز»، ​الجمعة، أن الولايات المتحدة تعتزم نشر آلاف من مشاة البحرية والبحارة الإضافيين في الشرق الأوسط. ولم يكشف أي من المسؤولين الثلاثة، الذين تحدثوا شريطة ‌عدم الكشف عن هوياتهم، عن الدور الذي ستقوم ⁠به ⁠القوات الإضافية، لكن أحدهم قال إن القوات ستغادر ساحل الولايات المتحدة الغربي قبل الموعد المحدد بنحو 3 أسابيع.

وفيما يعارض أغلبية الأميركيين نشر قوات برية في إيران، يتحدث علي عن أهمية تحديد مهمة هذه القوات وأهدافها، قائلاً: «إذا كان هدف وجودها هو مجرد تعزيز المواقع في المنطقة، أعتقد أن رد الفعل قد يكون محدوداً، لكن إذا بدت تحركات بعض جنود مشاة البحرية تقترب من الأراضي الإيرانية، فأعتقد أن رد الفعل قد يكون شديداً وحاداً للغاية. هذا هو نوع التوازن الذي تحاول الإدارة إيجاده. كيف يمكن فتح مضيق هرمز، على سبيل المثال، وربما نشر قوات، مع ضمان حمايتهم في الوقت نفسه؟».

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويوافق شنايدرمان على التعقيدات المرتبطة بتحديد مهام القوات وأهدافها، مشيراً إلى أن مهمة إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران على سبيل المثال هي مهمة معقدة وصعبة، ولكنها الطريقة الوحيدة التي تضمن فعلياً ألا يبقى في أيدي الإيرانيين. وقال إن «هناك احتمالاً كبيراً لتوسيع نطاق المهمة عندما نتحدث عن إرسال قوات أميركية إلى الميدان. الجيد هنا هو أن البيت الأبيض يُدرك المخاطر الكامنة في إرسال قوات برية، وأعتقد أنه يسعى للتوازن بين التكاليف الاستراتيجية التي ستتحملها الولايات المتحدة، والخسائر المحتملة في الأرواح، والتكلفة السياسية». ويقول شنايدرمان إن ترمب كان واضحاً جداً في أنه لا يريد إرسال قوات أميركية في حرب برية في الشرق الأوسط مرة أخرى، ولكنه قد يكون منفتحاً على نشر قوات لفترة محدودة لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً بينما تمارس ضغوطات على إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق ما».

دعم جمهوري راسخ

وفي ظلّ هذه التطورات المتسارعة، يبقى الدعم الجمهوري لترمب راسخاً، كما أن تأييد قاعدته الشعبية لم يتزعزع رغم اتهامات الكثيرين له بـ«خيانة وعوده الانتخابية». ويقول بارليت إن «ترمب هو رئيس لا يريد الحرب، لأنه يعلم أنها ليست جيدة للأعمال. لكنه اصطدم بحائط الواقع والتحديات في الشرق الأوسط، واضطر للتعامل معها». وتابع: «من ناحية أخرى، يجب الاعتراف بوجود تناقض وبعض النفاق، وربما حتى خيانة من رئيس انتقد الحروب التي لا نهاية لها لعقود من الزمن ثم خاض هذه الحرب».

أنصار ترمب يتظاهرون دعماً لسياساته تجاه إيران في أونتاريو بكندا يوم 28 فبراير (رويترز)

في المقابل، استدلّ علي بأرقام الاستطلاعات، وعدّها خير دليل على أن ترمب هو من يُقرّر شعارات «ماغا» وليس العكس. ويقول إن «الحقيقة هي أن ترمب يُمثّل قوة سياسية لا مثيل لها في الذاكرة الحديثة؛ لذا، إذا ما غيّر موقفه، فسيبدو أن جزءاً كبيراً من قاعدته الانتخابية يتغيّر معه أيضاً. ورغم وجود أشخاص مثل تاكر كارلسون ومارغوري تايلور غرين وآخرين ينتقدون توجهاته، لكن الحقيقة هي أن معظم الجمهوريين سيدعمون ترمب إلى حد كبير مهما فعل».


ترمب يشدد الخناق على كوبا ويمنع وصول ناقلتين روسيتين

أرشيفية لناقلة النفط «سي هورس» التي ترفع علم هونغ كونغ قرب روزنبورغ بهولندا (أ.ف.ب)
أرشيفية لناقلة النفط «سي هورس» التي ترفع علم هونغ كونغ قرب روزنبورغ بهولندا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يشدد الخناق على كوبا ويمنع وصول ناقلتين روسيتين

أرشيفية لناقلة النفط «سي هورس» التي ترفع علم هونغ كونغ قرب روزنبورغ بهولندا (أ.ف.ب)
أرشيفية لناقلة النفط «سي هورس» التي ترفع علم هونغ كونغ قرب روزنبورغ بهولندا (أ.ف.ب)

حذرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أنها ستمنع كوبا من تسلم حمولة ناقلتين من الغاز والمشتقات والبنزين والمشتقات النفطية الأخرى، على رغم أن الجزيرة الشيوعية تعاني نقصاً حاداً في الوقود أدى إلى انقطاع تام في الكهرباء. وأدى هذا التحذير إلى تغيير وجهة ناقلة كانت على وشك الوصول الجمعة إلى ترينيداد وتوباغو المجاورة.

وتخضع كوبا لحصار أميركي على الوقود منذ إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير (كانون الثاني) الماضي. وتسبب الحصار بأزمة اقتصادية حادة، مع تفاقم انقطاعات التيار الكهربائي بسبب التوقف المفاجئ لإمدادات الوقود. ولم يجر استيراد أي وقود إلى الجزيرة منذ 9 يناير الماضي، ما أثر سلباً على قطاع الطاقة وأجبر شركات الطيران على تقليص رحلاتها إلى الجزيرة، وهو ما شكل ضربة قوية لقطاع السياحة الحيوي.

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يلوّح بعَلم بلاده خلال مسيرة أمام السفارة الأميركية في هافانا (رويترز)

وجاء التحذير في سياق ترخيص أصدره مكتب مراقبة الأصول الأجنبية لدى وزارة الخزانة الأميركية «أوفاك»، الذي أضاف كوبا إلى قائمة الدول الممنوعة من التعامل مع بيع أو تسليم أو تفريغ النفط الخام أو المنتجات النفطية الواردة من روسيا، بعدما كانت الولايات المتحدة سمحت مؤقتاً الأسبوع الماضي بشراء النفط الروسي العالق في البحر، في إطار جهودها لتحقيق استقرار أسواق الطاقة خلال الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وعلق هذا الإجراء القصير الأجل العقوبات التي فُرضت على روسيا عقب غزوها الشامل لأوكرانيا.

كوبيون يتجمعون حول صهريج مياه لملء الدلاء والحاويات الأخرى في هافانا (رويترز)

وكان قرار الاستثناء الأساسي يشمل فقط إيران. وقد وسع قرار الخميس نطاق الاستثناءات ليشمل أيضاً كوريا الشمالية وبعض المناطق الأوكرانية التي تحتلها روسيا. وجاء قرار الخميس في وقت كان مقرراً أن تصل فيه ناقلة تحمل وقود الديزل الروسي «خلال أيام» بعد استخدامها مناورات خادعة للوصول إلى الجزيرة، وفقاً لبيانات أحد متتبعي الملاحة البحرية.

أساليب مخادعة

وأفادت شركة «ويندوارد» المتخصصة في المعلومات البحرية عبر موقعها الإلكتروني بأن ناقلة النفط «سي هورس» متجهة إلى كوبا. ويُقدر أن السفينة، التي ترفع علم هونغ كونغ، تحمل نحو 190 ألف برميل من زيت الغاز الروسي، وتشير عمليات التتبع إلى أنها قد تُفرغ شحنتها خلال الأيام القادمة. وأضافت أن الناقلة تمارس أساليب شحن خادعة، بما في ذلك إيقاف تشغيل أجهزة تحديد المواقع (أو ما يُعرف بـ«انتحال» نظام التعرف الآلي) أثناء نقل النفط، كما أنها تفتقر إلى تأمين غربي، وهو ما تعتبره «ويندوارد» دليلاً على احتمال التحايل على العقوبات. وأعلنت أنه «عندما تصل ناقلة النفط، في حال تمكنت من ذلك، فسيكون هذا أول وصول مؤكد لشحنة من المنتجات المكررة إلى الجزيرة منذ أوائل يناير الماضي».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز يدخلان قاعة خلال اجتماع في موسكو 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

كما ذكرت مؤسسة «كيبلر» لتحليل البيانات البحرية أن سفينة ثانية هي ناقلة النفط الروسية أناتولي كولودكين الخاضعة للعقوبات، في طريقها أيضاً إلى كوبا حاملة 730 ألف برميل من النفط الخام.

وتمثل هذه الشحنات تحدياً للولايات المتحدة، لا سيما بعد تهديد واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تزودها بالنفط. وكان الكرملين تجاهل سابقاً تهديدات ترمب بفرض رسوم جمركية، مشيراً إلى أن التبادل التجاري بين واشنطن وموسكو «ليس كبيراً في الوقت الراهن».

وكذلك انتقدت روسيا بشدة الحصار الذي فرضته إدارة ترمب على إمدادات الوقود لكوبا، متعهدة بتقديم «الدعم اللازم، بما في ذلك المساعدات المالية».

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت روسيا ترسل وقوداً إلى كوبا، قال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف: «نحن على اتصال دائم بالقيادة الكوبية، ومع أصدقائنا الكوبيين، ونناقش بالفعل الخيارات المتاحة لتقديم المساعدة». وأضاف: «هذا كل ما يمكنني قوله في هذا الشأن».

كوبا تعاني شحّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)

وقال الخبير في معهد الطاقة بجامعة تكساس خورخي بينيون إن ناقلة النفط أناتولي كولودكين التي ترفع العلم الروسي إنه في حال تفريغ حمولة الناقلة في كوبا، يصعب تحديد المدة التي يمكن أن تكفي فيها هذه الكمية. وأضاف: «نحن نتحدث عن نفط خام يجب تكريره ليصبح وقوداً سائلاً... لكل منتج حاجاته الخاصة». وعبّر عن اعتقاده بأن الشحنة المتوقعة قد تنتج نحو 180 ألف برميل من الديزل، وهو ما يكفي لتلبية حاجات كوبا اليومية لمدة تسعة أو عشرة أيام.

أما السفينة «سي هورس» فمحملة بنحو 200 ألف برميل من الديزل، علماً بأن كوبا تستهلك ما نحو 20 ألف برميل من الديزل يومياً، وبالتالي فإن حمولة «سي هورس» لا تغطي بالضرورة الطلب الإجمالي على الديزل؛ نظراً لانخفاض مخزونات الجزيرة.

الشباب الكوبي يواجهون تحديات اقتصادية كبيرة فاقمتها العقوبات الأميركية (رويترز)

إذا تأكد وصول أي من السفينتين، فسيكون ذلك أول شحنة نفط روسية هذا العام. وكانت الشحنة السابقة التي رصدت نُقلت على السفينة أوشن مارينر وعلى متنها 85 ألف برميل من ميناء باخاريتوس، المكسيك، في 9 يناير.

نشطاء يعقدون مؤتمراً صحافياً قبل تحميل قارب مشارك في قافلة «نوسترا أميركا» التي تحمل سلعاً أساسية إلى كوبا وذلك قبل إبحاره من ميناء يوكالبيتين في يوكاتان بالمكسيك (رويترز)

ورغم الحصار الأميركي، يتوقع وصول المزيد من المساعدات جواً، الجمعة والسبت عبر أسطول بحري كبير، يشمل ألواحاً شمسية وإمدادات طبية ومواد غذائية غير قابلة للتلف جمعها ناشطون في المكسيك. ويتوقع أن يسافر إلى كوبا كل من البرلماني البريطاني جيريمي كوربين وفرقة الهيب هوب الآيرلندية «نيكاب». وسيضم الأسطول ثلاث سفن و30 طناً من المساعدات الإنسانية و40 شخصاً.