ترمب يصف محاكمته المدنية بأنها «مهزلة ومطاردة ساحرات»

القاضي سيحدد المبلغ الذي يتعين عليه دفعه كغرامة لتزويره بيانات مالية

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يصف محاكمته المدنية بأنها «مهزلة ومطاردة ساحرات»

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (رويترز)

وصف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب محاكمته في الدعوي المدنية بتهم تضخيم الأصول في نيويورك، بأنها «مهزلة ومطاردة ساحرات» غرضها عرقلة تقدمه في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024.

وقد مثُل ترمب صباح الاثنين أمام المحكمة في نيويورك، مواجهاً دعوى مدنية وتهماً بالاحتيال والتزوير المالي، حيث سيحدد القاضي المبلغ الذي يتعين على الرئيس السابق دفعه كغرامة لقيامه بتزوير بيانات مالية، وتضخيم قيمة أصوله التجارية على مدي عشر سنوات من 2011 إلى 2021.

وعلى خلاف المتبع في محاكم نيويورك من منع التصوير داخل قاعة المحكمة، تم السماح لكاميرات التليفزيون بالتصوير لدقائق عدة، التي أظهرت الحضور المكثف في القاعة، كما أظهرت الاستعدادات الأمنية المشددة حول مبنى المحكمة والشوارع المؤدية إليها.

وقبل دخوله قاعة المحاكمة، وقف ترمب أمام كاميرات المصورين، مؤكداً أن القضية ليست سوي جزء من مطاردة الساحرات، وأنها محاولة لعرقلة تقدمه في الانتخابات المقبلة، ووصف المحاكة بـ«المهزلة»، وقال ترمب: «هذه أكبر مطاردة ساحرات في كل العصور، ولدينا مدعية عامة عنصرية فشلت في محاولتها للترشح لمنصب الحاكم وهي تعود لتلاحق ترمب مرة أخرى، ولعلمكم بياناتي المالية استثنائية».

وشدد ترمب أن هذه الملاحقات القانونية هي محاولة لإلحاق الضرر به في الانتخابات، وقال: «لن أغادر (الانتخابات) أنا أسبق بايدن بفارق عشر نقاط وأسبق الجمهوريين بفارق 50 و60 نقطة، وهذا (المحاكمة) يعد تدخلاً في الانتخابات، بكل وضوح وبساطة إنهم يحاولون إلحاق الضرر بي حتى لا أقوم بأداء جيد كما أفعل دائماً في الانتخابات». وأضاف: «لدينا بلد في حالة تدهور خطير، ورجل يدير بلادنا وليس لديه أدنى فكرة عما يفعله، إنه وصمة عار، وما لدينا هنا هو محاولة لإيذائي، وسبب إدانتي هو أنني أخوض السباق، وكان من الممكن إجراء هذه المحاكمة قبل سنوات، لكنهم انتظروا حتى أكون في منتصف حملتي الانتخابية حتى أنشغل بالمحاكمات ولوائح الاتهام الأخرى».

واستغل ترمب وجوده في المحكمة للدفع بخطاب انتخابي، متهماً الجميع بالفساد، خاصة وزارة العدل في واشنطن التي اتهمها بالفساد، وقال: «كلهم فاسدون وبصراحة بلادنا فاسدة، وهذا أحد الأسباب التي جعلتني أترشح لنقوم بتصحيح الأمور، وما يحصل معي الآن لم يحدث مع أي رئيس سابق».

ودافع ترمب عن تقييم أصوله العقارية، مشيراً إلى أنه لم يضع أكثر أصوله قيمة وهي العلامة التجارية لاسم ترمب، وقارن ذلك بالعلامة التجارية لشركة «كوكا كولا»، قائلاً: إن قيمة العلامة التجارية أكبر من كل أصول الشركة، وقال: «لدينا واحد من أعظم العقارات في العالم»، وأضاف: «التقليل من قيمة الممتلكات (الخاصة بشركته) هو وصمة عار على أمتنا، وتحدثت مع البنوك وقد حصلتْ على مستحقاتها بالكامل وحصلت على إخلاء مسؤولية بالكامل، ورغم ذلك عندما علمت المدعية العامة بإخلاء المسؤولية قالت فلنمضِ قدماً على أي حال، إنها دعاية جيدة ونحن نتعامل مع الأشخاص الأكثر فساداً».

العقوبة المتوقعة

ويواجه ترمب وأبناؤه الثلاثة وشركاؤه اتهامات بتضخيم أصول شركته بما يصل إلى ما بين 1.9 مليار دولار و3.6 مليار دولار سنوياً بين أعوام 2011 و2021 للحصول على مئات الملايين من الدولارات في شكل قروض وتأمين.

وتقول أوراق القضية: إن شركة ترمب قدمت أرقاماً غير صحيحة لحجم ممتلكاته وقيمتها، وهو ما يعني أن المحاكمة في هذه الدعوى المدنية ستركز على المبلغ الذي يتعين على ترمب دفعه كعقوبة مالية وتجارية، ولا توجد عقوبة بالسجن. وقد خصص القاضي ثلاثة أشهر (حتي ديسمبر) إطاراً زمنياً لنظر القضية.

ومن شأن الحكم المتوقع في هذه القضية أن يكون له عواقب مالية كبيرة على الرئيس ترمب وعائلته وشركاته، فالغرامة المالية التي يمكن للقاضي فرضها ستلحق ضرراً جسيماً بالإمبراطورية التي استخدمها ترمب منصةً لإطلاق مسيرته السياسية، التي أوصلته إلى البيت الأبيض في عام 2016. وقد بدأت القضية في سبتمبر 2022 ووجهت الاتهامات إلى ترمب وثلاثة من أبنائه (دونالد جونيور وإيفانكا، وإريك ترمب) وعدد كبير من المديرين التنفيذيين الآخرين للشركة.

ووجهت الاتهامات إلى عائلة ترمب وشركتهم بالاحتيال وتزوير سجلات تجارية وإصدار بيانات مالية كاذبة والتآمر والمبالغة في تقدير ثروة ترمب وقيمة الكثير من العقارات، منها قيمة شقته في برج ترمب بمقدار ثلاثة أضعاف سعرها. وكلٌ من ترمب وأبنائه الثلاثة مدرجون في قوائم الشهود، لكن هذا لا يعني بالضرورة استدعاءهم للإدلاء بشهادتهم ويحق لهم إما اختيار الإدلاء بشهادتهم طواعية أو رفض الإدلاء بها اعتماداً على البند الخامس من الدستور الذي يحمي الشخص من الإدلاء بشهادة قد تضره وتؤدي إلى إدانته.

وتعدّ هذه المحاكمة من بين أربع ملاحقات، وتشابكات قانونية أخرى تواجه ترمب والتي يبدو أن أياً منها لم يؤثر على تقدمه الكبير في سباق الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية لعام 2024. لكن العواقب المالية ستكون هي الأكثر تأثيراً على أعمال إمبراطورية ترمب التجارية 250 مليون دولار وتطالب المدعية العامة ليتيتا جيمس بفرض غرامة مالية بقيمة 250 مليون دولار وفرض حظر على ترمب ونجليه دونالد جونيور وإريك ترمب من إدارة الأعمال في نيويورك، وفرض حظر على عقارات ترمب التجارية ومن بينها برج ترمب ونوادي الغولف التابعة له في نيويورك، ومنع الشركة من الانخراط في معاملات تجارية لمدة خمس سنوات.

ويجادل كريستوفر كيس، محامي ترمب، بأن التقييم الوارد في أوراق القضية هو دليل على عبقرية ترمب، مؤكداً أن ترمب بارع في العثور على القيمة، حيث لا يراها الآخرون، وشكك في الأرقام والأوراق التي قدمتها المدعية العامة، مشيراً إلى أنها تستند إلى أساليب محاسبية معيبة. وقبل مثوله في اليوم الأول من المحاكمة المدنية، قال ترمب عبر منصة «تروث سوشيال» مساء الأحد: «سأذهب إلى المحكمة صباح الغد للقتال من أجل اسمي وسمعتي». وأضاف: «هذه القضية برمتها صورية»، ووجّه حديثه للمدعية العامة ليتيتا جيمس والقاضي آرثر انجورون قائلاً «أراكما غداً في المحكمة».

ترمب يهاجم الجميع

وقد شنّ ترمب هجوماً لاذعاً ضد المدعية العامة خلال الأشهر الماضية، واتهمها بملاحقته لتحقيق مكاسب سياسية، واتهم القاضي بأنه مختل ومخترق سياسياً. وفي ديسمبر 2021، رفع ترمب دعوى قضائية ضد المدعية العامة جيمس في محاولة لوقف التحقيقات، وتم رفض الدعوى.

وقد اتهم القاضي انجورون ترمب بازدراء المحكمة لرفضه تسليم وثائق طلبتها المدعية العامة، وفرض عليه غرامة قدرها 10 آلاف دولار، كما رفض محاولات محامي ترمب تأجيل موعد المحاكمة. وفي 26 سبتمبر أصدر القاضي حكماً بأن ترمب بالغ بالفعل في تقديم قيمة العقارات أثناء سعيه للحصول على قروض مصرفية، وأمر بإلغاء بعض التراخيص التجارية لشركات ترمب وحل بعض تلك الشركات.

وجاء الحكم بناءً على طلب قدّمه مكتب المدعية العامة ليتيتا جيمس للفصل في بعض الادعاءات قبل المحاكمة التي ستركز على ادعاءات أخرى تتعلق بتزوير سجلات الأعمال وإصدار بيانات مالية كاذبة وجرائم الاحتيال المالي.

ومنذ عام 2019، لاحقت المدعية العامة في نيويورك ليتيتا جيمس شركات ترمب وإمبراطوريته العقارية، واتهم مكتبها شركات ترمب بارتكاب احتيال مالي والمبالغة في تضخيم ثروة ترمب وقيمة 23 من ممتلكاته وأصوله في بياناته المالية، وقامت في النهاية برفع دعوى مدنية بقيمة 250 مليون دولار تتهم فتها ترمب وأبناءه وآخرين في منظمة ترمب بالاحتيال والتلاعب المالي، وجعل صافي ثروته يبدو أكبر مما هو عليه في الواقع.


مقالات ذات صلة

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن العمليات العسكرية الأميركية على إيران «تقترب من نهايتها».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

لاحظ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن فرنسا لم تكن متعاونة مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، منتقداً حظرها تحليق الطائرات الأميركية فوق أراضيها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صواريخ إيرانية تُعرض في متحف القوات الجوية التابع لـ«الحرس الثوري» بطهران (رويترز)

«الحرس الثوري» الإيراني: سنستهدف شركات أميركية بالمنطقة ابتداءً من يوم غد

نقلت وسائل إعلام رسمية ​عن «الحرس الثوري» الإيراني قوله، اليوم الثلاثاء، إنه سيستهدف شركات أميركية في المنطقة، ‌ابتداء ‌من ​أول ‌أبريل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز) p-circle

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

ترمب بين إنهاء الحرب وترك هرمز مغلقاً: هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب يدعو الدول للسيطرة على مضيق هرمز للحصول على النفط

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الثلاثاء الدول التي «لا تستطيع الحصول على على وقود الطائرات» بسبب مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
TT

ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 29 مارس 2026 أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن العمليات العسكرية الأميركية على إيران «تقترب من نهايتها».

وأضاف ترمب في مقابلة مع شبكة «إن بي سي نيوز»: «نبلي بلاءً حسناً... العمليات تقترب من نهايتها»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

دخلت المواجهة في الشرق الأوسط منعطفاً شديد الخطورة، حيث رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتيرة الضغوط العسكرية والسياسية على إيران إلى مستويات غير مسبوقة. وفي تحول ميداني بارز، اتسعت رقعة الحرب لتشمل ضربات أميركية-إسرائيلية منسقة طالت منشآت عسكرية حيوية في قلب العاصمة طهران ومدينة أصفهان، وسط مؤشرات على غياب أي تراجع قريب في حدة الهجمات.

سياسياً، تمسك ترمب بمطلب إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، موجهاً رسائل حازمة لحلفاء واشنطن بضرورة تحمل دور أكبر في هذه المعركة. وفي تصريح يعكس نهجه «الواقعي»، قال ترمب إن الدول المتضررة من ارتفاع أسعار الوقود يجب أن «تذهب وتجلب نفطها بنفسها»، منتقداً الحلفاء الذين لا يشاركون بفعالية في تأمين الممر الحيوي.


ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)

لاحظ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن فرنسا لم تكن متعاونة مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، منتقداً حظرها تحليق الطائرات الأميركية فوق أراضيها، من دون أن يتضح ما كان يقصده بالضبط، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «لم تسمح فرنسا للطائرات المتجهة إلى إسرائيل، والمحملة معدات عسكرية، بالتحليق فوق أراضيها. كانت فرنسا غير متعاونة إطلاقاً، بينما تتصل بالجزار الإيراني الذي تم القضاء عليه بنجاح».

وقال قصر الإليزيه للصحافيين، الثلاثاء، رداً على تصريحات ترمب، إن هذا القرار يتماشى مع الموقف الفرنسي منذ بداية الحرب، وأضاف: «لم تُغيِّر فرنسا موقفها منذ البداية. لقد فوجئنا بهذا المنشور» لترمب.

ولم تعلن باريس رسمياً أو علناً حظراً لتحليق الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب فوق أراضيها، على عكس إسبانيا.

وكانت إسبانيا التي أعلنت حكومتها اليسارية «معارضتها التامة» للهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت الاثنين إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب.


هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
TT

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

لم يعد السؤال في واشنطن حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق ضرر عسكري كبير بإيران، بل ما إذا كان هذا النجاح يكفي لتبرير وقف الحرب قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

فالإشارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض والتسريبات الصحافية توحيان بأن الرئيس دونالد ترمب بات أقرب إلى تضييق أهدافه العملية: ضرب البحرية الإيرانية، استنزاف مخزون الصواريخ، تقويض القاعدة الصناعية الدفاعية، ثم الانتقال إلى ضغط دبلوماسي يحمّل الآخرين عبء الملاحة والطاقة. غير أن هذه المقاربة لا تبدو مستقرة بعد؛ لأن ترمب نفسه يراوح بين لغة التهدئة ولغة التهديد، فيما تواصل طهران تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي صمد عسكرياً وانتزع ورقة ضغط اقتصادية عالمية من خلال هرمز. بهذا المعنى، دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد معركة إسقاط النظام بالضرورة، لكنها لم تصبح أيضاً تسوية قابلة للحياة.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

أهداف تتقلص

أبرز ما تكشف عنه التطورات الأخيرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد، في الخطاب الأميركي الأحدث، هدفاً عسكرياً فورياً بالمعنى نفسه الذي طُرح سابقاً. «وول ستريت جورنال» ذكرت أن ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً إلى حد كبير، على أن تُترك مهمة إعادة فتحه لاحقاً للدبلوماسية أو لتحالفات دولية أوسع. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل إقرار ضمني بأن انتزاع المضيق بالقوة قد يجر واشنطن إلى حرب أطول وأثقل مما يريده الرئيس، وخصوصاً إذا استلزم الأمر بقاء قوات برية أو السيطرة على عقد استراتيجية مثل جزيرة خرج أو فرض حماية دائمة للممر البحري.

Spain's Patriot system at Incirlik Air Base in southern Turkey (AFP)

لكن تضييق الأهداف لا يحل المعضلة، بل يعيد صياغتها. فإذا توقفت الحرب قبل فتح هرمز، تكون إيران قد خسرت كثيراً من قدراتها العسكرية، لكنها تكون أيضاً قد فرضت على العالم معادلة خطيرة: تستطيع قوة إقليمية متضررة أن تشل أحد أهم شرايين الطاقة ثم تنتزع مفاوضات من موقع التعطيل. لذلك يتركز كثير من النقد الأميركي حول الفجوة بين «النجاح العسكري» و«النتيجة الاستراتيجية». فالتوقف الآن قد يعني الاكتفاء بتقليص التهديد الإيراني من دون إزالة ورقة الابتزاز البحري، بينما يعني الاستمرار حتى فتح المضيق بالقوة احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة النهاية.

إيران تراهن على البقاء

في المقابل، تبدو طهران كأنها قرأت هذا التردد الأميركي بوصفه فرصة لاختبار السقف النهائي لترمب. رسالتها المعلنة لا تقتصر على رفض الخطة الأميركية، بل تذهب أبعد من ذلك: لا تفاوض فعلياً قبل وقف الضربات، ولا عودة طبيعية للممر البحري قبل انتزاع تنازلات تتعلق بالسيادة والضمانات وربما التعويضات. ومن هنا يمكن فهم تصريحات نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن أن «الأعداء» باتوا يطلبون التفاوض بشأن المضيق، في محاولة لتثبيت رواية داخلية وخارجية تقول إن إيران، رغم الضربات، لم تُهزم سياسياً، وإن هرمز جعل الآخرين بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليهم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ب)

هذا لا يعني أن إيران في وضع مريح. العكس هو الأرجح عسكرياً واقتصادياً. لكن حساباتها الحالية تبدو قائمة على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن مجرد استمرار قدرتها على تهديد الملاحة يمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل من موقع طرف مهزوم تماماً. كما أن سماحها الانتقائي لبعض السفن أو لبعض الدول الصديقة بالمرور لا يعني فتح المضيق فعلاً، بل إدارة الإغلاق بطريقة تخلق شبكة مصالح وضغوط متعارضة بين القوى الكبرى، والمستوردين الآسيويين، والحلفاء الخليجيين. إنها تحاول تحويل هرمز من ساحة عسكرية إلى سوق مساومات.

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

الميدان يضغط

على جبهة المفاوضات، لا تزال الصورة ضبابية. هناك حديث أميركي عن اتصالات و«محادثات» أكثر منه عن مفاوضات كاملة، مع تداول دور لباكستان في نقل مقترحات، وسعي أطراف إقليمية ودولية إلى بلورة إطار يسمح بوقف الحرب أو على الأقل تجميدها. لكن اللافت أن واشنطن نفسها تبدو منقسمة في توصيف ما تريد الوصول إليه: ترمب يلمّح أحياناً إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة «عقلانية»، ثم يعود إلى التهديد بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه؛ وزير خارجيته ماركو روبيو يتحدث عن أسابيع قليلة إضافية لاستكمال الأهداف العسكرية، ثم يربط ملف هرمز بخيارات إيران أو بتحالف دولي لاحق.

صورة لانفجارات قوية قيل إنها لقصف أميركي بقنابل خارقة لإحدى القواعد العسكرية الإيرانية في مدينة أصفهان (رويترز)

هذا التناقض ليس مجرد فوضى خطابية، بل يعكس مأزقاً حقيقياً: كيف يمكن الجمع بين الرغبة في نهاية سريعة للحرب والحاجة إلى نتيجة لا تبدو كأنها تترك لإيران قدرة مزمنة على تعطيل التجارة العالمية؟ ميدانياً، يزيد هذا المأزق استمرار الحشد العسكري الأميركي. فبينما يلوّح ترمب بإنهاء الحرب من دون حسم ملف المضيق فوراً، تستمر واشنطن في دفع أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ويستمر النقاش حول خيارات أكثر خطورة، من حماية الممرات بالقوة إلى السيطرة على عقد استراتيجية أو نشر مزيد من القوات البرية. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن خيار «الإنهاء السريع» لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مستقر، بل لا يزال أداة ضغط تفاوضي قد تنقلب سريعاً إذا واصلت إيران الرفض أو رفعت مستوى التهديد.

حلفاء مرتبكون

خارجياً، تكشف الأزمة عن حدود الحلفاء أكثر مما تكشف عن قوتهم. بريطانيا تحاول تسويق مشاركتها على أنها «دفاعية» لا «هجومية»، رغم أن قواعدها تستضيف قاذفات أميركية تنفذ ضربات مرتبطة مباشرة بمسرح الحرب. أما أوروبا فمأزقها مضاعف: فهي تحتاج إلى استقرار الطاقة وحرية الملاحة، لكنها تخشى الغرق في حرب جديدة لا تملك أدوات التحكم بها، بينما تضغط عليها في الداخل فاتورة النفط والغاز والتضخم والإنفاق الدفاعي. لذلك، فإن أي رهان أميركي على أن يتولى الأوروبيون أو تحالف واسع مهمة إعادة فتح هرمز لاحقاً يصطدم بحقيقة أن هذه الأطراف لا تريد حرباً ممتدة، ولا تملك دائماً هامشاً سياسياً أو عسكرياً لتحملها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على درج الطائرة الرئاسية قبيل عودته إلى واشنطن من منتجعه في فلوريدا (رويترز)

وهنا برز العرض الأوكراني؛ فقد طرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة بلاده في كسر الحصار البحري الروسي في البحر الأسود بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه في هرمز. سياسياً، يحمل العرض رسالة بأن كييف تريد أن تقدم نفسها شريكاً أمنياً لا مجرد طالب سلاح. أما عملياً، فإن التجربة الأوكرانية تتضمن عناصر جدية، مثل استخدام المسيّرات البحرية، والدفاع الساحلي المتكامل، والتعامل مع الألغام، وتأمين ترتيبات الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الخبرة إلى هرمز ليس أمراً آلياً؛ لأن الجغرافيا مختلفة، والخصم مختلف، وتشابك الحرب مع أسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير. لذلك قد تكون القيمة الفعلية للعرض الأوكراني تقنية وتكتيكية أكثر منها حلاً استراتيجياً كاملاً..

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز)

في المحصلة، يبدو ترمب أقرب اليوم إلى حسم من نوع خاص: ليس حسم الحرب، بل حسم أولوياته داخلها. فإذا اختار إنهاء الحملة قبل فتح هرمز، فيكون قد قرر أن تقليص الخطر الإيراني أهم حالياً من فرض نظام ملاحي جديد بالقوة. وإذا تراجع عن ذلك، فسيكون قد أقر بأن أي نهاية للحرب من دون كسر قبضة إيران على المضيق هي نهاية ناقصة وربما مكلفة سياسياً. وحتى الآن، لا يبدو أن إيران مستعدة لتسهيل هذا الاختيار، بل تراهن على أن عنادها ومرونتها الانتقائية في آن سيدفعان واشنطن إلى قبول تسوية أدنى من شعاراتها الأولى. لهذا، فإن الأيام المقبلة لن تختبر فقط قدرة ترمب على إنهاء الحرب، بل قدرته على تعريف ما يعدّه «انتصاراً» أصلاً.