بعد أمطار غزيرة... عشرات الآلاف محاصَرون وسط صحراء نيفادا

قوس يظهر في سهل صحراوي بعد أن حولت الأمطار الغزيرة موقع مهرجان «Burning Man» السنوي في صحراء بلاك روك بولاية نيفادا إلى حفرة طينية (أ.ف.ب)
قوس يظهر في سهل صحراوي بعد أن حولت الأمطار الغزيرة موقع مهرجان «Burning Man» السنوي في صحراء بلاك روك بولاية نيفادا إلى حفرة طينية (أ.ف.ب)
TT

بعد أمطار غزيرة... عشرات الآلاف محاصَرون وسط صحراء نيفادا

قوس يظهر في سهل صحراوي بعد أن حولت الأمطار الغزيرة موقع مهرجان «Burning Man» السنوي في صحراء بلاك روك بولاية نيفادا إلى حفرة طينية (أ.ف.ب)
قوس يظهر في سهل صحراوي بعد أن حولت الأمطار الغزيرة موقع مهرجان «Burning Man» السنوي في صحراء بلاك روك بولاية نيفادا إلى حفرة طينية (أ.ف.ب)

لا يزال عشرات آلاف الأشخاص محاصَرين في موقع تجمع «بيرنينغ مان Burning Man» السنوي وسط صحراء نيفادا، الذي تحوَّل إلى مستنقع، بعد هطول أمطار غزيرة أودت بحياة أحد المشاركين.

وأعلنت الشرطة في ولاية نيفادا، غرب الولايات المتحدة، السبت، أنها تحقق في حالة وفاة «وقعت خلال هذه الحلقة من الأمطار الغزيرة»، دون تقديم مزيد من التفاصيل حول ظروف الوفاة، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

«بيرنينغ مان» حدث سنوي يجمع صفات الاحتفال بالثقافة المضادة والخلوة الروحية، أُطلق عام 1986 في سان فرنسيسكو. ومنذ تسعينات القرن الماضي، أقيمت هذه الفعالية في صحراء بلاك روك، وهي منطقة محمية في شمال غرب ولاية نيفادا، تعهّد المنظمون بالحفاظ عليها.

منظر للخيام وسط الوحل بعد هطول أمطار غزيرة (أ.ف.ب)

وفي مقاطع فيديو نُشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، تظهر منطقة بلايا الضخمة، حيث يقام الحدث في الهواء الطلق، بوضوح على شكل أرض وعرة لا يمكن سلوك مساراتها.

وقال قائد شرطة المقاطعة نايثان كارمايكل، رداً على سؤال لقناة «سي إن إن» الإخبارية، إن «ما يزيد قليلاً عن 70 ألف شخص» كانوا عالقين في الموقع، صباح الأحد.

الوحل الكثيف بعد هطول الأمطار بغزارة في صحراء بلاك روك بولاية نيفادا وتحولت إلى حفرة طينية (أ.ف.ب)

وجرى إغلاق الوصول إلى «بلاك روك سيتي»؛ وهو اسم موقع التجمع الذي يبعد بضعة عشرات من الكيلومترات من أقرب تجمعات سكنية، الجمعة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

ويحاول البعض، ممّن أصابهم الوضع بالذعر، مغادرة الموقع سيراً، منتعلين أحياناً أكياساً بلاستيكية كأحذية، للوصول إلى الطريق الوحيد الصالح الذي يقع على بُعد ثمانية كيلومترات تقريباً.

شخص يرتدي زعانف يمشي في الوحل (أ.ف.ب)

وكتب نيل كاتيال، وهو محامٍ شارك في المهرجان، عبر حسابه على منصة «إكس» (تويتر سابقاً): «لقد كانت رحلة شاقة جداً لمسافة 10 كيلومترات، قمنا بها في منتصف الليل وسط طين كثيف وزلق، لكنني تمكنت من اجتيازها بأمان».

وأضاف: «لقد كان الطريق زلقاً جداً، والطين أَشبه بالإسمنت، إذ إنه يلتصق بالأحذية»، ويمكن أن «يتحول إلى ما يشبه الرمال المتحركة»، داعياً الناس إلى عدم محاولة العبور إلا ضمن مجموعات، بشرط أن يكونوا في حالة بدنية جيدة.

وحاول آخرون، دون جدوى، الهروب بالسيارة، بما فيها مركبة رباعية الدفع بَدَت مدفونة في الوحل حتى الجزء السفلي منها، كما ظهر في أحد المقاطع النادرة التي انتشرت من الحدث بسبب النفاذ المحدود إلى شبكة الإنترنت.

قررت الهولندية باسكال براند (40 عاماً) بعد «بكاء شديد»، مغادرة المكان «مهما حدث».

وقالت، لـ«وكالة فرنس برس»: «لقد خفتُ ممّا كان يحدث، وكان كثيرون من الناس يفتقرون إلى ورق المراحيض والماء والطعام، وشعرتُ بأنه يجب عليّ الخروج».

مشاركون بالمهرجان حوصروا فى الوحل بعد سقوط الأمطار (أ.ف.ب)

وركبت براند سيارة أحد الجيران، وتمكنت معه من مغادرة المكان رغم الوحل.

ووفق مسؤول في «البيت الأبيض»، فقد جرى إطلاع الرئيس جو بايدن على الوضع. ونصح المسؤول «المشاركين في الحدث بضرورة الاستماع إلى السلطات الوطنية والمحلية، وكذلك منظمو الحدث».

وتطلب السلطات المحلية من الناس «البقاء في أماكنهم حتى تصبح الأرض صلبة وآمنة بدرجة كافية» للسماح بالسفر.

ومن المفترض أن ينتهي الحدث، الاثنين، لكنّ رواد المهرجان قد يظلون عالقين حتى الثلاثاء أو الأربعاء، إذا هطل المطر مجدداً.

منظر عام يُظهر أشخاصاً يقفون وسط الوحل أثناء حدث «Burning Man» في مستوطنة بلاك روك سيتي الصحراوية المؤقتة، نيفادا (أ.ف.ب)

وقال أحد رواد المهرجان، وهو أوكراني مقيم في كاليفورنيا، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ«وكالة فرنس برس»: «أنا جرّاح ويجب أن أعمل، الثلاثاء، لكنني بدأتُ أدرك أن هذا لن يكون ممكناً، وأن المرضى سيحتاجون إليّ، لكن ليس هناك ما يمكنني فعله حيال ذلك».

ومنذ صباح السبت، دعا المنظمون المشاركين إلى «الحفاظ على المياه والمؤن والوقود والبحث عن ملجأ دافئ وآمن»، وكانوا أيضاً منشغلين بنشر الهوائيات لتوفير الوصول إلى الإنترنت.

وأكد المنظمون، في بيان أرسلوه، السبت، إلى «وكالة فرنس برس»: «لقد جئنا إلى هنا (في وسط الصحراء)، وكنّا نعلم أنه المكان الذي يجب أن نُحضر فيه كل ما نحتاج إليه للبقاء على قيد الحياة. لهذا السبب نحن جميعاً مستعدّون جيداً لهذا النوع من أحداث الأرصاد الجوية».

أحد الحضور يسير عبر الوحل بعد هطول أمطار غزيرة (أ.ف.ب)

ويشهد بعض المشاركين على روح التعاضد بين العالقين في المكان، وأكد كاتيال أن «الناس أسخياء جداً».

وقال المنظمون، الأحد، إن عملية حرق المجسم الخشبي العملاق المثبت وسط موقع «بلايا»، والتي تحصل عادة في نهاية المهرجان الذي يستمد منه اسمه («بيرنينغ مان» أي «الرجل المحترق»)، أرجئت حتى مساء الاثنين.

وتسببت الأمطار في حدوث فيضانات بأماكن أخرى في ولاية نيفادا، خصوصاً في مدينة لاس فيغاس.

وواجه التجمع، العام الماضي، موجة قيظ شديدة مصحوبة برياح عاتية جعلت التجربة شاقة على المشاركين.


مقالات ذات صلة

إيران تعلن فتح «هرمز» حتى انتهاء الهدنة... وواشنطن ترحّب

شؤون إقليمية صورة التقطها قمر اصطناعي تُظهر حركةَ السفن في مضيق هرمز يوم 17 أبريل من الفضاء (رويترز)

إيران تعلن فتح «هرمز» حتى انتهاء الهدنة... وواشنطن ترحّب

أعلن كلٌ من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم الجمعة، أنَّ مضيق هرمز قد صار مفتوحاً بشكل كامل أمام السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (د.ب.أ)

تقارير عن «اختفاء» علماء نوويين أميركيين.. وترمب: «أمر بالغ الخطورة»

سلطت وسائل إعلام أميركية الضوء على حوادث اختفاء أو وفاة علماء نوويين في مجالات الفضاء والدفاع والشؤون النووية مؤخراً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ مبنى الكابيتول ومكتبة الكونغرس الأميركي في العاصمة واشنطن 16 أبريل 2026 (رويترز)

مجلس النواب الأميركي يمدد برنامج المراقبة حتى 30 أبريل

أقر مجلس النواب الأميركي تمديد العمل ببرنامج المراقبة الذي تستخدمه وكالات الاستخبارات الأميركية حتى 30 أبريل الحالي بعد اعتراض الجمهوريين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ضابط من وزارة الأمن الداخلي في مطار جورج بوش الدولي في هيوستن بولاية تكساس (رويترز)

إدارة ترمب تسعى لترحيل المعلق الإعلامي الإيراني يوسف عزيزي

قالت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنها تسعى إلى ترحيل المعلق الإعلامي الإيراني يوسف عزيزي، وذكرت أنه ​قدم معلومات غير صحيحة في طلبه للحصول على تأشيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)

تقرير: أميركا أبلغت دولاً أوروبية باحتمال تأخر شحنات أسلحة

ذكرت 3 مصادر لوكالة «رويترز» أن مسؤولين أميركيين أبلغوا نظراءهم الأوروبيين بأن ​بعض شحنات الأسلحة التي تم التعاقد عليها من قبل من المرجح أن تتأخر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرا إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

 

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «اير فورس وان» في تعليق على مصير وقف إطلاق النار في حال عدم التوصل لاتفاق مع طهران «ربما لن أمدده»، مضيفا «لكن الحصار سيظل قائما».

وقد أعادت إيران فتح مضيق هرمز الجمعة إثر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، رغم تهديد طهران بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي مجددا في حال استمرار الحصار الأميركي.

وعند سؤال ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، قال «أعتقد أن ذلك سيحدث».

ولا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات باكستان.

وأبلغ ترمب الصحافيين أنه «لن تُفرض رسوم» من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة.

وفي منشور على منصته «تروث سوشال»، قال ترمب إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف «سيكون اجتماعنا في الصين مميزا، وربما تاريخيا»، في إشارة إلى القمة المزمع عقدها في بكين بين الرئيسين الأميركي والصيني في مايو (أيار).

كما شدد ترمب على أن واشنطن وطهران ستنقلان معا اليورانيوم المخصب المخزّن في إيران إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد صرّحت سابقا بأن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل «إلى أي مكان».

 


الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إعفاء لمدة شهر يسمح ببيع النفط الروسي المحمل على متن ناقلات في عرض البحر، وذلك في إطار خطوة سابقة لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة.

ويأتي هذا الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، بعد يومين من تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن واشنطن لن تمدد الإعفاء.


انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن حرب إيران شارفت على الانتهاء، في تغيير لافت في مواقفه من لهجة التصعيد إلى التهدئة، ومن التهديد إلى الانفتاح على التسوية.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر (تشرين الثاني) للتجديد النصفي.

في المقابل، لا تزال الحشود العسكرية تتوجه إلى الشرق الأوسط مع إعلان «البنتاغون» عن إرسال الآلاف من القوات الإضافية هذا الأسبوع.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة جراء حرب إيران، وما إذا كانت تؤثر على توجّه ترمب في استئناف الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران.

لبنان وإيران

مع إعلان ترمب عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين لبنان وإسرائيل، رحب أدولفو فرانكو مستشار السيناتور الجمهوري السابق جون ماكين والخبير الاستراتيجي الجمهوري، بهذا التطور ووصفه بالإيجابي للغاية، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. وفسّر قائلاً إن وقف إطلاق النار شكّل نقطة خلافية مع إيران، التي تصر على أنه كان جزءاً من الاتفاق الأولي معها، على خلاف موقف الولايات المتحدة.

ترمب أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر فرانكو أن هذا الإعلان من شأنه أن يزيل عقبة أمام استمرار المفاوضات مع طهران.

من ناحيته، يعتبر إيان راسل نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو أن ترمب يواجه مشكلة حقيقية في الداخل الأميركي، ما سيدفعه للجوء إلى تسوية مع إيران. ويشير إلى أنه أصبح في موقف دفاعي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير ذلك على استطلاعات الرأي، مضيفاً: «الرئيس يواجه مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، والجمهوريون الذين يخوضون انتخابات نوفمبر يواجهون المشكلة ذاتها؛ لذا تبدو الإدارة في حالة يأس متزايد في محاولة للتوصل إلى حل لهذا الأمر».

وانعكس هذا القلق الجمهوري في تصويت مجلس النواب لتقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران؛ إذ كانت النتيجة متقاربة جداً بفارق صوت واحد فقط تمكن من إفشال إقراره، على خلاف مجلس الشيوخ، حيث لا يزال الجمهوريون محافظين على وحدة صفهم.

وتنقل دانييلا تشيسلو، مراسلة الأمن القومي في موقع «بوليتيكو»، ما سمعته من آراء المشرّعين بهذا الخصوص، مشيرة إلى تقارب الأرقام في مجلس النواب. وقالت إن الديمقراطيين سيستمرون في محاولاتهم طرح هذه المشاريع للتصويت للضغط على الجمهوريين في الموسم الانتخابي، في حين يحرص الجمهوريون على عدم إغضاب ترمب في هذه المرحلة، ويدفعون نحو المزيد من الإحاطات من الإدارة التي لا تزال حتى الساعة مغلقة.

انقسامات حزبية

دافع فرانكو عن الموقف الجمهوري الداعم لسياسات ترمب تجاه إيران، مشدداً على أن التقارب في الأصوات طبيعي في قضايا من هذا النوع بسبب التركيبة الحالية في الكونغرس.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (رويترز)

ويعتبر فرانكو أن تحرك الديمقراطيين في مساعيهم لتقييد صلاحيات ترمب هو سياسي بحت، مشيراً إلى أنه، حتى لو تم إقرار المشروع، يمكن لترمب استعمال حق النقض ضده. وفي رأي المحلل الجمهوري، فإن مشروع تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس في عام 1973، والذي يعطي المجلس التشريعي صلاحية الإعلان عن الحرب، هو «غير قانوني ومخالف للدستور»، معرباً عن أمله في أن يسعى ترمب إلى اختباره في المحاكم الأميركية.

ويخفف فرانكو من وطأة حرب إيران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في مجلس النواب بغض النظر عن القضايا المطروحة.

كما خفّف من شأن ارتفاع الأسعار، وقال: «أنا أختلف تماماً مع هذه المقاربة، لو كان هذا هو التحليل في الحرب العالمية الثانية، لما خضنا الحرب. إيران تشكل تهديداً وجودياً للمنطقة وللعالم. إنها دولة إرهابية لا يمكننا تحمل امتلاكها سلاحاً نووياً».

ورداً على انتقادات الديمقراطيين، ذكر فرانكو أن سعر البنزين في عهد إدارة بايدن وصل إلى مستويات عالية بسبب حرب أوكرانيا، مضيفاً: «كانت إدارة بايدن تدعو الأميركيين إلى التحمل بسبب حرب أوكرانيا. والوضع نفسه ينطبق الآن على الجمهوريين. لكن الفارق هو أن الشعب الأميركي يدرك أن إيران تشكل تهديداً لأمن هذا البلد».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

تصريحات أثارت استياء راسل، الذي أعرب عن أمله في أن يردد الجمهوريون مواقف فرانكو في انتخابات التجديد النصفي، معتبراً أن الشعب الأميركي سيستجيب بشكل سلبي للغاية لهذه الرسالة. ويضيف: «الجمهوريون في وضع حرج بالفعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وما فعله ترمب هو أنه عقّد فرصهم في الفوز. فهو ركز في حملته الانتخابية على خفض التكاليف. لكن بدلاً من ذلك، ارتفعت التكاليف. كما لم يحاول إقناع الشعب الأميركي بضرورة خوض هذه الحرب».

واعتبر راسل أن الحرب ستتسبب في «كارثة سياسية للمرشحين الجمهوريين في جميع أنحاء البلاد». وتوقع أن يبرم ترمب اتفاقاً مشابهاً لذلك الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، مضيفاً: «لقد أدرك الإيرانيون أنه بإمكانهم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز. وقد نكون في وضع أسوأ مما كنا عليه في عام 2016 بعد أن أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران. إنها كارثة سياسية كاملة بالنسبة لترمب والجمهوريين، وأخشى أن الأسوأ لم يأتِ بعد».

ترمب يتحدث عن سياساته الضريبية في نيفادا يوم 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتسلط تشيسلو الضوء على ما تسمعه من بعض النشطاء الجمهوريين، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالقلق من الانتخابات، وتنقل عنهم: «لقد قال أحد النشطاء لزملائي إن كل شيء أصبح أكثر صعوبة بسبب القرارات الصادرة من البيت الأبيض، على حد تعبيره. إنهم يشعرون أنه في الوقت الذي يريدون فيه أن يركز الرئيس على مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فإنه يشتت انتباهه بالحرب في إيران».

وأعطت مثالاً على ذلك قائلة إن الخامس عشر من أبريل (نيسان) كان يوم الضرائب في أميركا، وهو يوم كان من المفترض أن يعكس انتصاراً سياسياً كبيراً للجمهوريين الذين أقروا تخفيضات كبيرة في الضرائب، لكن الناس لا يشعرون بتخفيف العبء؛ لأن أسعار البنزين ترتفع. وتضيف: «يشهد المزارعون ارتفاعاً في أسعار الأسمدة والديزل. هذه فئة من الناخبين كانت داعمة جداً للرئيس. وأعتقد أن الاستراتيجيين الجمهوريين يشعرون بقلق أكبر قليلاً مما قد نسمعه من الجمهوريين، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، الذي يتحدث بثقة كبيرة داعماً لتحركات الرئيس». لكن فرانكو يعارض هذا التقييم، ويرفض استطلاعات الرأي التي تظهر أن أغلبية الأميركيين يعارضون الحرب، مشيراً إلى أن «موسم الحرب لم ينتهِ بعد». ويقول: «بمجرد أن تنتهي هذه الحرب، وأعتقد أنها ستنتهي لصالح الولايات المتحدة وسنحقق أهدافنا، أعتقد أن شعبية الرئيس سترتفع بشكل كبير، وستبدأ الأسعار في الانخفاض بسرعة. أنا أتفق أنه من الصعب دائماً إقناع الناس بضرورة شد أحزمتهم. لكن الأمر يتعلق بكيفية انتهاء هذا الصراع في النهاية، وأعتقد أن الناس يرون الفرق بين القوة والضعف. وما نراه الآن هو اختلاف كبير مع سياسات الديمقراطيين الكارثية الاستسلامية والانهزامية».

استراتيجية ديمقراطية

أما راسل فيعتبر أن ما يراه الشعب الأميركي مختلف عما يصوره فرانكو. ويقول إن «أحد الأسباب التي تجعل هذه الأزمة كارثة سياسية كبرى بالنسبة لترمب، هو أن الشعب الأميركي يقول إن الأموال تتوفر بوفرة عندما يريد الجنرالات والسياسيون خوض حرب، ولكن عندما يتعلق الأمر بتوفير الرعاية الصحية أو بناء البنية التحتية أو تنمية بلدنا ورعاية شعبنا، فإن ترمب نفسه قال إننا لا نستطيع توفير حضانات للأطفال وتوفير الرعاية الصحية لأن لدينا حرباً نخوضها. الشعب الأميركي لم يوافق على هذه الصفقة، ولن يقبل بذلك. ولهذا السبب، سيُطرد الجمهوريون من مناصبهم في نوفمبر».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (أ.ب)

تصريحات أثارت غضب فرانكو الذي توجّه إلى راسل بالحديث قائلاً: «لن تقلق بشأن الرعاية الصحية أو سوق الأسهم أو الاقتصاد إذا أطلقت إيران قنبلة نووية على الولايات المتحدة. مشكلة الحزب الديمقراطي هي أنه يدعم فلسفة الأربعينيات، التي انتظرت حتى ضربة في بيرل هاربور. ربما ينجح ذلك في الحرب التقليدية وعدم شن ضربة استباقية، لكنه لا ينجح في عالم اليوم. لن نضطر إلى القلق بشأن اقتصادنا إذا طورت إيران سلاحاً نووياً؛ سنضطر إلى القلق بشأن بقائنا. وهذا هو ما يُعتبر قصر نظر. كان قصر نظر في الثلاثينيات عندما كان أمثالهم في السلطة ووقع هجوم بيرل هاربور، وهو قصر نظر اليوم».

تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، تتحدث تشيسلو عن تغيير لافت في المشهد السياسي الأميركي. وتعطي مثالاً على ذلك بتصويت مجلس الشيوخ على تقييد الأسلحة الأميركية لإسرائيل الذي طرحه السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في تجمع للنقابات العمالية بنيويورك يوم 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

فرغم إسقاط المشروع، فإنه حصد دعم 40 ديمقراطياً من أصل 47، وهو يُعدّ سابقة في الكونغرس الذي لطالما دعم الحزبان فيه إسرائيل. وأضافت: «ما نراه الآن هو أن إسرائيل ستظهر مراراً وتكراراً كقضية حاسمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وستشكل نوعاً من الاختبار الحاسم لمعرفة مَن في الحزب مستعد لاتخاذ موقف أكثر تقدمية، وأكثر يسارية، وانتقادي تجاه إسرائيل، ومَن سيبقى متمسكاً بالموقف الأكثر اعتدالاً للحزب، الذي، مثل الجمهوريين، ظل على مدى عقود متحالفاً مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي بالقدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويلوم راسل رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته على جعل إسرائيل قضية حزبية، بعد أن كانت قضية يُجمع عليها الحزبان. ويضيف: «لقد كانت إسرائيل وأمنها يعلوان على السياسة الحزبية، لكن نتنياهو غيّر ذلك. إذا نظرتم إلى التصويت في مجلس الشيوخ، فإن أي ديمقراطي في المجلس يفكر بجدية في الترشح للرئاسة صوّت لصالح مشروع ساندرز. وهذا يعكس موقف الناخبين وموقف الديمقراطيين. فهناك شعور أن إسرائيل تحصل على كل ما تطلبه من الولايات المتحدة. وحقيقة الأمر أن ترمب حقق حلم نتنياهو المحموم بضرب إيران، والشعب الأميركي يدفع ثمناً باهظاً لذلك».