اكتساح انتخابي لحزب «البديل»... ما سرّ صعود أقصى اليمين في شرق ألمانيا؟

أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

اكتساح انتخابي لحزب «البديل»... ما سرّ صعود أقصى اليمين في شرق ألمانيا؟

أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

أظهرت انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، التي أُجريت الأحد 6 سبتمبر (أيلول)، أن الانقسام السياسي بين شرق ألمانيا وغربها لا يزال حاضراً بعد أكثر من ثلاثة عقود على الوحدة الألمانية. فالنتيجة التاريخية التي حققها حزب «البديل من أجل ألمانيا» المنتمي إلى أقصى اليمين تعكس مساراً أوسع جعل ولايات الشرق معقله الانتخابي الأبرز، وأعادت طرح السؤال عن أسباب اختلاف سلوك ناخبي هذه الولايات عن بقية البلاد.

وحصد الحزب نحو 44 في المائة من الأصوات، بعدما حصل على 20.8 في المائة فقط عام 2021، بينما تراجع الاتحاد الديمقراطي المسيحي، حزب المستشار فريدريش ميرتس، إلى نحو 18 في المائة بعدما نال 37.1 في المائة قبل خمس سنوات. وتكرّس هذه النتيجة اتجاهاً برز خلال السنوات الماضية في ولايات شرق ألمانيا، حيث عزّز «البديل» حضوره الانتخابي وبات يتقدّم بفارق واضح على الأحزاب التقليدية.

جذور السخط في الشرق

لفهم هذه الخريطة الانتخابية، لا بد من العودة إلى تجربة توحيد ألمانيا عام 1990. فبعد انهيار النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية، انتقلت المنطقة بسرعة إلى اقتصاد السوق، وأُغلقت أو أعيدت هيكلة مؤسسات صناعية كثيرة، فيما فقد مئات الآلاف وظائفهم وغادر عدد كبير من الشباب باتجاه الولايات الغربية.

مواطنون من ألمانيا الشرقية يتسلّقون جدار برلين عند بوابة براندنبورغ بعد الإعلان عن فتح الحدود مع ألمانيا الشرقية - برلين 10 نوفمبر 1989 (رويترز)

وبحسب «مؤسسة بروكينغز»، وهي مركز أبحاث أميركي، يرتبط صعود «البديل» في الشرق بعوامل من بينها عدم المساواة الاقتصادية، وضعف البنية المدنية، وتراجع الارتباط بالأحزاب، فضلاً عن استياء لدى بعض السكان من الطريقة التي جرت بها إعادة توحيد البلاد، عبر اندماج ألمانيا الشرقية سريعاً في النظام السياسي والاقتصادي القائم في الغرب. كما يستثمر الحزب حنين قسم من الناخبين إلى جوانب من ماضي ألمانيا الشرقية.

وتشير شبكة «دويتشه فيله» الإعلامية الألمانية إلى استمرار بعض الفوارق بين الشرق والغرب بعد أكثر من ثلاثة عقود على الوحدة، إذ لا تزال مستويات الدخل والثروة أدنى في الولايات الشرقية، التي شهدت أيضاً تراجعاً في عدد السكان وانتقال أعداد كبيرة من الشباب إلى غرب البلاد.

وتتداخل العوامل الاقتصادية مع شعور لدى قسم من سكان الشرق بأن تجربتهم وهويتهم لم تحظيا بالتقدير الكافي بعد الوحدة، وأن ألمانيا الشرقية اندمجت في النظام الغربي القائم من دون أن يشعروا بأن عملية توحيد البلاد قامت على شراكة متكافئة بين تجربتي الشرق والغرب.

الهجرة والهوية وتصويت الاحتجاج

وجد حزب «البديل» في ظل هذا الشعور بالتهميش والاستياء مساحة مناسبة لتقديم نفسه باعتباره قوة تتحدى النخب والأحزاب التي حكمت البلاد لعقود. واستفاد تباعاً من أزمة اللاجئين التي شهدتها ألمانيا عام 2015، والاعتراض على القيود خلال جائحة كورونا، ثم التضخم وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة.

أنصار حزب «البديل من أجل ألمانيا» يحتجون على الحكومة في برلين بألمانيا 8 أكتوبر 2022 (رويترز)

وأصبحت الهجرة إحدى أبرز أدوات التعبئة السياسية للحزب، الذي يدعو إلى تشديد سياسات اللجوء والهجرة والترحيل. والمفارقة أن بعض المناطق التي يسجّل فيها «البديل» أعلى نسب التأييد تضم أعداداً محدودة نسبياً من المهاجرين، ما يشير إلى أن القضية تتصل أيضاً بالمخاوف من التحوّلات الاجتماعية والديموغرافية وبمسألة الهوية.

ويرى «مركز كارنيغي للسلام الدولي»، وهو مركز أبحاث أميركي، أن تفسير قوة اليمين الشعبوي في شرق ألمانيا بالتراجع الاقتصادي وحده لم يعد كافياً، إذ تلعب الثقافة السياسية والشعور بهوية شرقية مميزة وعدم الثقة بالمؤسسات دوراً مهماً أيضاً.

ويشكّل التصويت الاحتجاجي جزءاً من قاعدة تأييد «البديل»، ويساعد في تفسير استمرار حضوره القوي رغم الجدل الذي أثارته مواقف متشددة لعدد من قياداته حيال المهاجرين والإسلام والهوية الألمانية، وتصريحات أثارت جدلاً بسبب صلتها بالحقبة النازية.

أحد مؤيدي حزب «البديل من أجل ألمانيا» يؤدي تحية هتلر خلال احتجاج في برلين 8 أكتوبر 2022 (رويترز)

روسيا في المزاج السياسي للشرق

يظهر التباين أيضاً بين شرق ألمانيا وغربها في المواقف تجاه السياسة الخارجية، إذ تسجّل الولايات الشرقية مستويات أعلى من التشكيك في بعض جوانب العلاقة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومواقف أكثر انفتاحاً على روسيا مقارنة بغرب البلاد، من دون أن يعني ذلك وجود توجّه عام مناهض للغرب. كما يبرز في الشرق اعتراض أكبر على سياسة برلين تجاه موسكو، ولا سيما العقوبات ودعم أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي.

ويعود ذلك جزئياً إلى الإرث التاريخي لألمانيا الشرقية، التي كانت جزءاً من المعسكر السوفياتي، وما تركته تلك المرحلة من روابط وتجارب مختلفة عن تلك التي عرفها سكان ألمانيا الغربية خلال الحرب الباردة.

واستثمر حزب «البديل» هذا التباين في مواقف ناخبي الشرق حيال روسيا والسياسة الغربية، مطالباً بإنهاء العقوبات على موسكو وإعادة العلاقات الاقتصادية معها، ومعارضاً إرسال الأسلحة إلى كييف. وهكذا تداخلت السياسة الخارجية مع الخطاب الداخلي للحزب، الذي يصوّر الحكومات المتعاقبة باعتبارها تضع الالتزامات الخارجية قبل المصالح الاقتصادية للألمان.

«جدار الحماية» أمام اختبار أصعب

لكن انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت تطرح سؤالاً سياسياً آخر يتعلّق بموقع الحزب في الحكم. فمنذ سنوات، تتمسك الأحزاب الألمانية الرئيسية بما يُعرف بـ«جدار الحماية» (Brandmauer)، أي رفض تشكيل ائتلافات أو إقامة تعاون سياسي مع حزب «البديل». وكان تطبيق هذه القاعدة أسهل عندما كان الحزب يشكل قوة انتخابية محدودة. أمّا عندما يحصل على أكثر من 40 في المائة من الأصوات ويحل أولاً بفارق كبير عن منافسيه، فتصبح عملية تشكيل حكومة من دونه أكثر تعقيداً سياسياً.

مرشح «البديل» في ساكسونيا-أنهالت أولريش زيغموند وزعيمة الحزب أليس فايدل خلال الاحتفال بنتائج الانتخابات في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

ورغم أن النتيجة الانتخابية الأخيرة لا تمنح حزب «البديل» الأغلبية اللازمة للحكم منفرداً، فإن رفض القوى الأخرى التحالف معه يعني أن عدداً من الأحزاب التي حلّت خلفه قد تضطر إلى التعاون لتشكيل حكومة الولاية وإبقاء حزب «البديل» في المعارضة.

ويمنح ذلك الحزب بدوره مادة إضافية لخطابه المناهض للمؤسسات، إذ يستطيع تقديم نفسه أمام مؤيديه باعتباره الحزب الذي اختاره أكبر عدد من الناخبين، فيما تتكتل الأحزاب التقليدية لمنعه من الوصول إلى السلطة.

آثار الانقسام لا تزال واضحة

وتعطي انتخابات ساكسونيا-أنهالت صورة أوضح عن الانقسام في المشهد الألماني ككل. فهي تكشف أن آثار الانقسام الذي عاشته ألمانيا لأكثر من أربعة عقود قبل إعادة توحيدها لم تختفِ تماماً من الخريطة السياسية والاجتماعية.

وإذا واصل «البديل» تسجيل نتائج تتجاوز الأربعين في المائة في الشرق، فسيزداد الضغط على الأحزاب التقليدية التي تصر على إبقائه خارج السلطة، وقد يصبح الحفاظ على «جدار الحماية» أكثر صعوبة مع استمرار اتساع القاعدة الانتخابية للحزب.


مقالات ذات صلة

مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

أفريقيا جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)

مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

قال مصدران أمنيان إن أكثر من 50 فرداً من قوات الأمن في النيجر لقوا حتفهم في هجومين وقعا في غرب الدولة الواقعة بمنطقة الساحل.

«الشرق الأوسط» (داكار)
أميركا اللاتينية صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) وفلافيو بولسونارو مرشح «الحزب الليبرالي» للرئاسة (رويترز)

البرازيل أمام خيار اليسار أو اليمين... لولا وبولسونارو في سباق محتدم للرئاسة

يتوجه البرازيليون إلى صناديق الاقتراع وسط سباق محتدم بين لولا دا سيلفا وفلافيو بولسونارو، في انتخابات تخيّم عليها فضائح الفساد، والانقسام السياسي.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
أفريقيا حمّالون إثيوبيون يدفعون عرباتهم اليدوية على طول شارع في ميكيلي بمنطقة تيغراي الإثيوبية يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

سكان إقليم تيغراي الإثيوبي يخزّنون الغذاء والنقد خشية «حرب كبرى»

سارع سكان إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا، اليوم (الخميس)، إلى تخزين المواد الغذائية والنقد والسلع الأساسية، خشية أن يؤدي تجدُّد القتال إلى اشتعال حرب كبرى جديدة.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
تحليل إخباري عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز) p-circle

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

يسرّع الذكاء الاصطناعي القرارات العسكرية، لكنه يثير مخاوف من أخطاء وسوء تقدير قد يقودان إلى تصعيد غير مقصود بين الدول المتنافسة.

شادي عبد الساتر (بيروت)
الخليج الوزراء في صورة جماعية عقب الاجتماع في مدينة نيويورك الاثنين (التعاون الخليجي)

تأكيد خليجي على أهمية الارتقاء بالعلاقات مع فرنسا وتوسيع مجالاتها

شدَّدت دول مجلس التعاون الخليجي على موقفها الداعي لضمان أمن الممرات المائية وحرية الملاحة الدولية، وضرورة الالتزام بعودة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

أفاد مسؤول أوكراني إقليمي، اليوم (الاثنين)، بأنّ مسيّرة روسية تعمل بمحرّك نفّاث أصابت قرية قرب الحدود البولندية، ما أدى إلى إلحاق أضرار بمعبر حدودي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم يكشف المسؤول أي تفاصيل على صلة بطبيعة نقطة التفتيش، أو حجم الأضرار الناجمة عن الانفجار. وفي الأسابيع الأخيرة، شنّت روسيا هجمات عدة قرب حدود أوكرانيا مع بولندا، ما استدعى إدانات من وارسو وحلفائها الأوروبيين. وفي وقت سابق من الشهر الحالي، أصابت مسيّرة روسية قطاراً متّجهاً إلى وارسو في المنطقة نفسها، في هجوم وصفه وزير الخارجية البولندي بأنه «تصعيد».

وقال رومان رومانيوك القائم بأعمال حاكم منطقة فولين في غرب أوكرانيا في منشور على «تلغرام»: «لسوء الحظ، وقع انفجار بالقرب من الحدود مع بولندا في قرية ستاروفويتوف... وقد ألحق الانفجار أضراراً بمبنى المعبر عند مدخل محطة المسافرين». وقال إنه لم ترد على الفور أي تقارير تفيد بوقوع إصابات أو قتلى. وتقع قرية ستاروفويتوف على بُعد نحو كيلومترين من الحدود البولندية، بالقرب من معبر «ياغودين» الحدودي الأوكراني.

وتطرّق وزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك-كاميش إلى الضربة في منشور على منصة «إكس». وقال الوزير إن «المجال الجوي البولندي لم يُنتهك، وكانت أنظمة الدفاع الجوي والطائرات التابعة لنا على أهبة الاستعداد للرد».

ولم تصدر روسيا على الفور أي تعليق. وكان الكرملين قال في وقت سابق من الشهر الحالي رداً على سؤال بشأن الضربة قرب الحدود البولندية، إن القوات الروسية ستواصل شن ضربات «على كامل الأراضي الأوكرانية».


بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
TT

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)

قال نائب وزير الدفاع البولندي، سيزاري تومتشيك، الاثنين، إنه سيصبح في إمكان المقاتلات والمروحيات البولندية إسقاط الطائرات الأجنبية التي يتم رصدها في أجواء البلاد، وفق تدابير دفاعية تُتخذ عادة في زمن الحرب.

وتأتي هذه الخطوة ضمن أحدث الإجراءات الرامية إلى تعزيز دفاعات بولندا، العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، مع قرب إتمام الحرب في أوكرانيا المجاورة عامها الخامس، وازدياد تحذيرات حلفاء كييف من ازدياد خطر الطائرات المسيّرة الروسية.

وقال تومتشيك إن مثل هذا التغيير سيسمح «للطيار أو قائد العمليات باتخاذ قرار بإسقاط طائرة أجنبية استناداً إلى بيانات الرادار أو معلومات أخرى ترد إلى النظام».

وأشار إلى أن هذه المعايير «تطبّق عادة في حال الحرب أو الأحكام العرفية»، في حين أن المعايير المعتدة خلال فترات السلم تستوجب رؤية الطائرة بالعين المجردة، وليس فقط الاعتماد على قراءات أنظمة الرادار.

وقال المسؤول إن التغيير اعتمد لأن بولندا «تواجه احتمال دخول طائرات مسيّرة إلى أجوائها بشكل يومي».

وفي وقت سابق من سبتمبر (أيلول)، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، إن روسيا تخطط في إطار الحرب مع أوكرانيا، لشنّ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على حلفاء كييف، من بينهم بولندا.

وتتهم وارسو، وهي من أعضاء حلف شمال الأطلسي الأكثر إنفاقاً على الدفاع نسبة إلى حجم اقتصادها، موسكو، بتنفيذ استفزازات «متعددة الوسائل» على أراضيها، تشمل انتهاك مجالها الجوي باستخدام طائرات مسيّرة.


البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
TT

البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)

اختار البابا لاوون الرابع عشر مدينة ميتز الفرنسية الواقعة قرب الحدود مع ألمانيا ودوقية لوكسمبورغ لتوجيه مجموعة من الرسائل السياسية في اليوم الأخير من زيارته رباعية الأيام إلى فرنسا. ولم يكن اختيار ميتز وليد مصادفة؛ بل كون هذه المدينة اشتهرت لأن السياسي والوزير الفرنسي روبيرت شومان الذي يعد أحد آباء ولادة الاتحاد الأوروبي بمسمياته المختلفة، عاش سنوات فيها، ودُفن في ضاحية قريبة منها. كذلك، فإن «مركز المؤتمرات» الذي استضاف اللقاء السياسي، صباح الاثنين، يحمل اسم روبيرت شومان، وخطاب البابا جاء تحت مسمى «في جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة». ولأن أوروبا في قلب كلمة البابا، فإن الإليزيه عمد إلى توجيه دعوة لقادة دول الاتحاد الأوروبي وكبار مسؤوليه، إلا أن أياً من رؤساء الدول والحكومات الأوروبية لم يكن حاضراً باستثناء غيوم، دوق لوكسمبورغ ورئيس وزرائه وأمير موناكو وعدد من مسؤولي الصف الثاني في دول الاتحاد.

وقبل خطاب البابا، تحدث الرئيس الفرنسي الذي حض أوروبا على أن «تستعيد شجاعة مؤسسيها» من أجل أن «تصبح قوةً للسلام والاستقلال والديمقراطية، كما ينبغي لها أن تكون». لكن ماكرون سارع إلى توصيف الواقع الأوروبي حيث الحرب تدور منذ أكثر من 4 سنوات على الأراضي الأوروبية، وحيث الدعوات لإعادة التسلح والتحضر ربما لحروب آتية قائمة على قدم وساق. وإذ رأى أن «الأخطار تغيرت من حيث الحجم»، إلا أنه سارع لإضافة أنه «يجب أن تكون جهودنا من أجل السلام على قدر حجم التحديات، ومن أجل ضمان سيادة حقيقية، يتعين علينا بالتالي أن نتحرك». وهذا التحرك، بنظره «ضروري لضمان أمننا، والحفاظ على قيمنا»، ولتجنب ما سماه «عودة النزعات القومية» في أوروبا حيث اليمين المتطرف، أكان في ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا أو في بلدان أخرى، يحقق مزيداً من النجاحات الانتخابية.

بابا الفاتيكان والرئيس الفرنسي في جلسة حوارية مع مجموعة من المسؤولين الذين حضروا للاستماع لخطابه عن أوروبا في مركز شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين (إ.ب.أ)

وهم التسلح

ومنذ بداية ولايته، يطرح لاوون الرابع عشر نفسه داعية للسلام عبر العالم وحافزاً للتشجيع على الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان والدول. ولأن الحرب «عادت، حتى إلى أوروبا حيث تدور مجزرة جديدة عبثية، تحصد أرواح عدد لا يحصى من المدنيين كل يوم»، ولأن محاولات إيجاد حد نهائي لها استمرت حتى اليوم بسبب تمسك كل طرف بموقفه، فإن البابا حض المفاوضين على «إظهار الشجاعة في المفاوضات، وأن نكون مستعدين للتخلي عن بعض مواقفنا من أجل الخير الأكبر، أي السلام».

واستحضر البابا في ذلك دعوة مماثلة أطلقها البابا بنديكتوس الخامس عشر عام 1917، في خضم المجازر التي شهدتها الحرب العالمية الأولى. واللافت أن لاوون الرابع عشر لم يذكر أوكرانيا ولا روسيا ولا أي دولة أخرى بالاسم، إلا أن إشارته للحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات ونصف السنة جاءت جلية. ولأن الحرب مرتبطة عضوياً بزيادة التسلح، وهو الأمر الغالب اليوم في أوروبا بسبب الأوضاع والمخاطر الجيواستراتيجية، وتضاعف الإنفاق العسكري عموماً خصوصاً في أوروبا، فقد حرص البابا على التحذير من مخاطر «وهم التسلح». وقال: «علينا أن نحذّر من أن إعادة التسلح هي الحل» مضيفاً أن «علينا اليوم أن نسأل أنفسنا: هل نبذل بالفعل جهوداً إبداعية لتعزيز السلام العالمي، أم أننا نسعى ببساطة إلى وقف زحف الحرب والاستعداد بشكل أفضل لحروب نفترض أنها لا تزال قادمة». وذهب لاوون الرابع عشر إلى التنديد بعلاقات «تزداد همجية بين البشر وبين الدول»، منتقداً أيضاً «التباهي بالكذب والخداع»، وحضّ أوروبا على «وضع حدّ لهذه الدوامة بفضل احترام الآخر الذي عرفت كيف تنمّيه وتصونه».

البابا لاوون الرابع عشر في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين في طريقه إلى كاتدرائية سانت إتيان (أ.ب)

الهجرات والإرث الأوروبي

وخلال الأيام الأربعة المنصرمة، دعا البابا في أكثر من مناسبة، إلى تغليب الحوار والحوار متعدد الأطراف، محذراً من الحوارات الفارغة التي تحولت إلى «مسرحية صورية»، كما حذر من تغليب قانون القوة على قوة القانون. وفيما يقوى عود الدعوات الشوفينية والقومية المتطرفة، حرص بابا روما على التذكير بأهمية الانفتاح على التلاقح وعلى التعددية الثقافية التي في أساس البناء الأوروبي، وضرورة تغليب سيادة القانون والمساواة بين الناس. وفي هذا السياق، كان لا بد له من تناول مسألة الهجرات المتدفقة على أوروبا الساعية إلى إقفال الأبواب، وبناء الأسيجة والجدران بوجه المهاجرين واللاجئين بما في ذلك على المستوى الأوروبي الجماعي.

وبداية، أعاد البابا إلى الأذهان أن الحضارة الأوروبية «ثمرة لقاءات تمتد عبر قرون، حتى إن لم تكن هذه اللقاءات سهلة دائماً»، في إشارة إلى الهجرات التي توافدت على أوروبا خلال العصور المنصرمة، حيث «ازدهرت وتقدمت عندما تمكنت من الاستفادة من أفضل جوانب ماضيها، وإعادة ابتكارها بطرق جديدة ومبدعة من خلال الانفتاح على الآخرين».

أما اليوم، فإن «أوروبا المعاصرة تواجه مرحلة جديدة من تاريخها الطويل من اللقاءات، مع وصول عدد كبير من الرجال والنساء إلى القارة، فراراً من ساحات الحرب والاضطهاد، أو بحثاً عن حياة أفضل بعيداً عن الفقر والبؤس». وإزاء المآسي المتلاحقة في المتوسط، رفع البابا الصوت ليدعو إلى التعامل مع اللاجئين والمهاجرين بطريقة «إنسانية» بما يحفظ كرامتهم الإنسانية مكرراً دعوته من أجل توفير «مسارات قانونية وآمنة» للهجرة، والتعاون الدولي لمكافحة الاتجار بالبشر، كذلك دعا القادة الأوروبيين إلى العمل على دمج المهاجرين الذين يصلون إلى القارة الأوروبية، وتوفير الفرص لهم كما لو كانوا أفراداً في العائلة نفسها. وخلال لقائه بمجموعة من المهاجرين في مؤسسة باريسية تعمل على استقبالهم، حض البابا على إدماج اللاجئين والمهاجرين في المجتمعات التي يحلون فيها ومنحهم فرصاً للانخراط. وإزاء الدعوات للانغلاق الحضاري في المجتمعات الأوروبية، فإن لاوون الرابع عشر ركز على الانفتاح والتعددية الثقافية رغم إشارته إلى الجذور المسيحية لأوروبا.

حقيقة الأمر أن بابا روما في وادٍ وما هو جارٍ في أوروبا في وادٍ آخر. ولا يصح ذلك فقط على ملف الهجرات؛ فالبابا ندد بالقوانين الجديدة في أوروبا التي تتيح الموت الرحيم معتبراً أن ذلك يمكن عدُّه «قانونياً ولكنه ليس أخلاقياً». كذلك ندد بزواج المثليين وبالإنجاب من خلال استعارة أحشاء أخريات، ولم يفته التحذير من فقدان الجوهر الإنساني، والعيش في ظل «جنة الآلات» واستبداد الذكاء الاصطناعي.