بالطائرات المسيرة والطلاء الأبيض... أوروبا تحاول حماية البنية التحتية من الحر

ترش فرق الإطفاء نحو 9000 لتر من الماء على الأجزاء الرئيسية من مدرج المطار في النرويج (رويترز)
ترش فرق الإطفاء نحو 9000 لتر من الماء على الأجزاء الرئيسية من مدرج المطار في النرويج (رويترز)
TT

بالطائرات المسيرة والطلاء الأبيض... أوروبا تحاول حماية البنية التحتية من الحر

ترش فرق الإطفاء نحو 9000 لتر من الماء على الأجزاء الرئيسية من مدرج المطار في النرويج (رويترز)
ترش فرق الإطفاء نحو 9000 لتر من الماء على الأجزاء الرئيسية من مدرج المطار في النرويج (رويترز)

مع تزايد الضغط على شبكات السكك الحديدية والكهرباء في أوروبا وتصدع بعض الطرق تحت وطأة موجات حرارة قياسية، تلجأ الدول الأوروبية إلى مجموعة متنوعة من الحلول لمواجهة تقادم البنية التحتية، بدءاً من الطائرات المسيّرة التي تفحص القضبان وأجهزة الاستشعار التي تعمل بالذكاء الاصطناعي وصولاً إلى أداة بسيطة بشكل مدهش... الطلاء الأبيض.

في مطار أوسلو بالنرويج، اليوم (الأربعاء)، ومع توقعات بوصول درجات الحرارة إلى 30 درجة مئوية، أي أعلى بنحو 10 درجات عن المعدل الطبيعي في هذا الوقت من العام، قام العمال برش مدرج المطار بالمياه لتبريده، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

يمثل هذا تحولاً ملحوظاً في بلد اعتاد أكثر على التعامل مع البرد، كما يسلط الضوء على التحديات التي تواجهها أوروبا في التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة التي تغذي حرائق الغابات، وتتسبب في آلاف الوفيات، وتضع البنية التحتية تحت ضغط متزايد.

وقال يورن أرفيد ريمارك، المهندس في شركة أفينور المملوكة للدولة والمسؤولة عن تشغيل المطارات النرويجية: «في النرويج، يجب أن يتحمل الأسفلت كلاً من البرد القارس ودرجات الحرارة المرتفعة نسبياً»، مضيفاً أن المطار يجري اختباراً لنوع جديد من الأسفلت المقاوم للحرارة.

وترش فرق الإطفاء نحو 9000 لتر من الماء على الأجزاء الرئيسية من مدرج المطار، الذي قد يتضرر عند ارتفاع درجات الحرارة حيث يلين بسبب ثقل الطائرات.

تواجه الطرق والسكك الحديدية في أوروبا، التي شُيد الكثير منها قبل عقود، صعوبات متزايدة في التكيف مع هذه الظروف. وأظهرت بيانات «رويترز كلايمت مونيتور» أن درجات الحرارة في غرب أوروبا تجاوزت اليوم (الأربعاء) المعدلات المعتادة في منتصف شهر يوليو (تموز) بنحو 5.5 درجة.

وقال كريس دودويل، المدير المشارك لمركز الاستدامة في شركة إمباكس لإدارة الأصول: «بنيتنا التحتية ليست مهيأة بأي شكل من الأشكال لمواجهة الظواهر الجوية المتطرفة المتوقعة أن نشهدها»، مضيفاً أن موجات الحر، التي كانت نادرة في السابق، أصبحت تحدث بانتظام.

وقدر تقرير صادر عام 2025 عن بنوك مركزية كبرى أن الظواهر الجوية القاسية، بما في ذلك موجات الحرارة والجفاف والفيضانات، قد تؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو بنسبة تصل إلى 4.7 في المائة بحلول عام 2030.

ارتفاع درجات الحرارة يعني المزيد من العواصف والفيضانات

كانت شبكات السكك الحديدية في أوروبا من أكثر القطاعات تأثراً بهذه التغيرات.

وكشف تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي في أبريل (نيسان) أن أكثر من 70 في المائة من مديري السكك الحديدية رصدوا تزايداً في الاضطرابات الناجمة عن الأحوال الجوية المتطرفة. وخلال الفترة بين 2015 و2024، بلغ إجمالي فترات التعطل المرتبطة بالطقس ما يعادل ما بين عام وثلاثة أعوام من خدمات السكك الحديدية على مستوى القارة.

يمكن للحرارة أن تتسبب في تمدد القضبان، وتعطل المحولات والإشارات وأنظمة الطاقة. لكن الظروف الجوية المتطرفة الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن تكون أكثر تدميراً.

وقال أوليفييرو باتشيلي، الأستاذ بجامعة بوكوني في ميلانو: «المشكلة الأكثر خطورة بالنسبة لشبكات السكك الحديدية ليست الحرارة في حد ذاتها، بل العواصف الرعدية والرياح القوية والانهيارات الأرضية التي غالباً ما تعقب موجات الحر». وأضاف: «شهدت إيطاليا بالفعل اضطرابات كبيرة في شبكة السكك الحديدية، لا سيما على الطرق الجبلية في جبال الألب، نتيجة الظواهر المرتبطة بالمناخ».

وتواجه دول شمال أوروبا، ومنها بريطانيا، تحديات خاصة لأن جزءاً كبيراً من بنيتها التحتية للسكك الحديدية صمم ليتحمل نطاقاً ضيقاً من درجات الحرارة مقارنة بشبكات جنوب أوروبا.

وذكر جون لورانس، رئيس الشبكة الفنية للسكك الحديدية التابعة لمعهد الهندسة والتكنولوجيا، أن العديد من مكونات وأنظمة السكك الحديدية «لا تزال تعتمد على تصاميم تعود إلى عقود مضت».

وأضاف أن تهيئة الشبكات بأكملها لتحمل الحرارة سيتكلف مبالغ كبيرة، على الرغم من أن شركات تشغيل السكك الحديدية يبحثون عن تصاميم أكثر استقراراً للعوارض الخشبية الحاملة للقضبان وتقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة من أجل «تسريع عملية فحص ومراقبة المسارات».

وتعهدت شركة نتوورك ريل البريطانية باستثمار 2.6 مليار جنيه إسترليني (3.5 مليار دولار) بين عامي 2024 و2029 لمساعدة شبكتها على تحمل تزايد وتيرة الظروف الجوية المتطرفة.

ومع ذلك، ليست جميع الحلول باهظة التكلفة، إذ يستخدم بعض مشغلي شبكات النقل طرقاً تقليدية للحد من تأثير الحرارة عبر عكس أشعة الشمس. فقد أنفقت هيئة النقل في استوكهولم نحو 100 ألف كرونة سويدية (10300 دولار) في طلاء أجزاء من قضبان المترو باللون الأبيض خلال شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران) للحد من مخاطر انبعاجها.

موجات الحرارة «أكثر حدة وتواتراً وأطول أمداً»

قال مارتن ويلسون، مدير القسم الهندسي في شركة ألستوم الفرنسية المصنعة لمعدات السكك الحديدية، إن أوروبا يمكنها أن تستفيد من أنظمة النقل المصممة للعمل في درجات حرارة تزيد على 50 درجة مئوية مثل مترو الرياض وترام دبي.

وقال: «أصبحت موجات الحر اليوم أشد وطأة، وأكثر تواتراً، وأطول أمداً... ويشكل ارتفاع درجات الحرارة تحدياً متزايداً لأنظمة السكك الحديدية في جميع أنحاء أوروبا».

ولا تقتصر الضغوط على السكك الحديدية، إذ تواجه الطرق بدورها تحديات مماثلة. ويقول مهندسون إن الطرق السريعة في شمال أوروبا صُممت في الأساس لتحمل الأضرار الناجمة عن دورات التجمد والذوبان، في حين تستخدم دول جنوب أوروبا مثل إسبانيا خلطات أسفلت أكثر ملاءمة لحرارة الصيف. غير أن إيجاد التوازن المناسب يزداد صعوبة مع اضطرار الدول للتعامل في الوقت نفسه مع شتاء أكثر برودة وصيف أشد حرارة.

وقال خوسيه بابلو سايز فيلار، من جمعية المهندسين المدنيين الإسبانية، في إشارة إلى مهندسي الطرق في شمال أوروبا: «قد يضطرون إلى تعديل نهجهم».

أنشأت هيئة النقل في باريس وحدة طوارئ لمواجهة موجات الحرارة، وتعمل على إعداد خطة للتكيف مع تغير المناخ بحلول نهاية العام.

وفي النرويج، يقول المسؤولون إن الطقس الأكثر دفئاً ورطوبة يغير طريقة تصميم البنية التحتية الجديدة.

وقالت جريت فيكان، المسؤولة عن التنمية المجتمعية والمناخ في الإدارة النرويجية للطرق العامة: «ستُمد الطرق بمواصفات أكثر متانة... بحيث تتمكن من الصمود في وجه التحديات التي نواجهها بالفعل، وكذلك تداعيات تغير المناخ المتوقعة».


مقالات ذات صلة

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

علوم ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

الأقوى من نوعها على الإطلاق ويمتد تأثيرها إلى بداية العالم المقبل

كريستين توسان (واشنطن)
المشرق العربي من السيول في إدلب (سانا)

أمطار الصيف تفاجئ السوريين وسط مخاوف من موجة فيضانات جديدة

حذّرت الحكومة السورية سكان محافظتي الرقة ودير الزور شرق سوريا من الزيادة ‏التدريجية في كميات المياه القادمة من «سد كديران» على نهر الفرات، السبت، ودعت إلى…

سعاد جروس (دمشق)
يوميات الشرق قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)

أوروبا تواجه خامس موجة حر خلال صيف استثنائي

أدت موجات الحر المتكررة وحالات الجفاف إلى صيف حار تاريخياً شهد حرائق غابات، كما أسهمت في وفاة آلاف الأشخاص حتى الآن

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)

مصريون يواجهون موجة الحر الشديدة بتجنب العمل خلال الظهيرة

دفعت موجة الحر الشديدة التي تشهدها مصر بعض المصريين إلى إعادة ترتيب ساعات عملهم وتحركاتهم اليومية، لتجنب الوجود في الشوارع خلال ساعات الظهيرة، التي تسجل ذروة…

منى أبو النصر (القاهرة)
آسيا زائر ينظر إلى البحر مع اقتراب إعصار هايكوي من المنطقة على شاطئ سانسيت في تشاتان بمحافظة أوكيناوا باليابان (أرشيفية-رويترز)

مكتب الأرصاد الياباني يتوقع استمرار ظاهرة النينيو خلال الشتاء

أفادت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية بأن هناك احتمالاً بنسبة 100 % لاستمرار ظاهرة النينيو، خلال فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي وحتى أوائل عام 2027.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
TT

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)

قتل شخصان وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم أوكراني بالقرب من مدينة سيمفيروبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، حسبما أعلنت السلطات الروسية يوم الخميس.

وقال سيرجي أكسيونوف، الحاكم المعين من قبل موسكو، عبر تطبيق تليغرام، إن شخصاً آخر أُصيب في مكان آخر بشبه الجزيرة. ولم يكشف عن المزيد من التفاصيل.

وكانت روسيا قد ضمت شبه جزيرة القرم في عام 2014 وتستخدمها كقاعدة انطلاق ومركز للإمداد. ونتيجة لذلك، تشن كييف ضربات بانتظام على أهداف في شبه الجزيرة.

وتواصل أوكرانيا التصدي للغزو الروسي الشامل بدعم غربي منذ ما يقرب من أربعة أعوام ونصف العام.


قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
TT

قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)

لم يكن فجر العشرين من أغسطس (آب) من عام 1941 يوماً عادياً في تاريخ العاصمة الفرنسية باريس، بل كان التاريخ الفعلي لتدشين صفحة هي الأكثر قتامة في سجلات الحرب العالمية الثانية على الأراضي الفرنسية.

ففي تلك الساعات الأولى من الصباح، استيقظت عاصمة الأنوار وهي ترزح تحت طوق أمني ضربته قوات الاحتلال النازي بالتعاون الوثيق مع أجهزة الأمن التابعة لحكومة «فيشي» الفرنسية المتعاونة.

إيصال مصادرة أموال أحد الضحايا في معسكر «درانسي» بباريس قبل ترحيله إلى معسكرات الموت (ويكيبيديا)

كانت المؤامرة قد حِيكت خيوطها بدقة في المكاتب المغلقة بين ضباط «الغشتابو» والمسؤولين الفرنسيين، ولم تكن العملية مجرد إجراء أمني عابر، بل كانت الـ«بروفة» الجنرال والاختبار العملي الأول لآلة الترحيل الجماعي واسع النطاق التي استهدفت الجالية اليهودية، ممهدة الطريق لما عُرف لاحقاً بـ«الحل الأخير».

في ذلك الصباح الحزين، لم تشفع للمستهدفين أوراق مواطنتهم الفرنسية، ولا لجوؤهم السياسي الذي قادهم يوماً إلى بلد صاغ إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ليجد آلاف الرجال أنفسهم مقتادين من بيوتهم ومقار عملهم ومقاهيهم نحو مصير مجهول خلف الأسلاك الشائكة.

سجناء يهود في معسكر درانسي بباريس بين عام 1941 و1944 (موسوعة الهولوكوست)

المكيدة المبيتة وهندسة الطوق الأمني في الدائرة الحادية عشرة

انطلقت الشرطة الفرنسية، مدعومة بأوامر صارمة من القيادة العسكرية الألمانية، لتنفيذ الخطة التي ركزت جغرافيتها بشكل أساسي على الدائرة الحادية عشرة في باريس، وهي المنطقة التي كانت تنبض بحياة الجالية اليهودية وتضم عائلات من طبقات كادحة وأخرى من نخب فكرية وقانونية.

ضربت القوات طوقاً محكماً وشلّت الحركة في الشوارع الرئيسية، وبدأت عمليات المداهمة والتحقق من الهويات بناءً على قوائم أُعدت مسبقاً بعناية فائقة.

استهدفت الحملة في هذه المرحلة الرجال تحديداً، وتراوحت أعمارهم بين الشباب والكهولة، وضمت مزيجاً من اليهود الأجانب الذين فروا من جحيم الاضطهاد في أوروبا الشرقية والوسطى ظناً منهم أن فرنسا ستكون الملاذ الآمن، إلى جانب مئات المواطنين الفرنسيين الذين صدمتهم حقيقة أن هويتهم الوطنية لم تحمهم من مخالب التمييز العنصري والنازية.

معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

قطارات البؤس ورحلة التجريد من الإنسانية نحو الضاحية الشمالية

سِيق المعتقلون الذين بلغت أعدادهم في ذلك اليوم وحده أكثر من أربعة آلاف رجل في شوارع باريس، وسط ذهول وهلع العائلات التي راقبت المشهد من الشرفات والنوافذ دون القدرة على التدخل.

دُفع بهؤلاء الرجال إلى حافلات النقل العام التي صادرتها السلطات لهذا الغرض، لتتحرك القوافل ببطء نحو الضاحية الشمالية لباريس، وتحديداً إلى مجمع سكني حديث لم يكتمل بناؤه بعد في منطقة «درانسي».

نقل المعتقلين إلى معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

تحول هذا المجمع الأسمنتي العاري في غضون ساعات قليلة من مشروع سكني إلى معسكر اعتقال جماعي سيئ السمعة، ليكون المحطة الأولى والأساسية في نظام السخرة والإذلال الفرنسي تحت حكم الاحتلال.

هناك، وراء الأسلاك الشائكة، بدأت عملية منهجيّة لتجريد المعتقلين من كرامتهم الإنسانية، حيث تكدس الآلاف في غرف تفتقر لأدنى مقومات الحياة، غاب عنها الضياء وشح فيها الغذاء والرعاية الصحية، وتحولت الحياة اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء تحت حراسة مشددة تولاها في البداية عناصر الدرك الفرنسي قبل أن تتسلم الإدارة النازية زمام الأمور بالكامل.

معسكر «درانسي» كمختبر أول لقطارات الموت نحو الشرق

لم تكن حملة العشرين من أغسطس مجرد حدث معزول في سياق الحرب، بل كانت الحجر الأساس الذي بُني عليه نظام الإبادة والترحيل في فرنسا.

فقد أثبتت هذه العملية للمخطط النازي أن الأجهزة الإدارية والأمنية المحلية قادرة على تنفيذ المداهمات الجماعية بكفاءة وهدوء، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لعمليات ترحيل أوسع وأكثر وحشية، مثل «مداهمة الشتوي الصيفي» (Vel d'Hiv) في العام التالي.

معسكر درانسي بباريس (ويكيبيديا)

ومن معسكر «درانسي»، الذي بدأ يغص بالمعتقلين منذ ذلك اليوم، بدأت القوافل الحديدية وقطارات البؤس تنطلق تتابعاً نحو معسكرات الموت في أوروبا الشرقية، وعلى رأسها معسكر «أوشفيتز بيركينو».

المدخل الرئيسي لمعسكر «أوشفيتز بيركينو» ببولندا (موسوعة الهولوكوست)

ومن بين عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين مروا عبر بوابات «درانسي» الحديدية في السنوات اللاحقة، لم ينجُ سوى قلة قليلة، مما يجعل من ذكرى العشرين من أغسطس الرمز الفعلي لتدشين آلة الموت والترحيل القسري التي تركت جرحاً غائراً لا يمحوه الزمن في ضمير الوجدان الفرنسي والإنساني.


الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

شهدت مناطق في أوروبا يقطنها 80 مليون نسمة حرارة تجاوزت 40 درجة لمرة واحدة على الأقل في الفترة بين 15 يونيو (حزيران) و15 أغسطس (آب) 2026، وفق تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا الرقم ضعف ذلك المُسجل خلال صيف عام 2003 الذي شهد موجة حر قاتلة في أوروبا (باستثناء تركيا)، وفق حسابات الوكالة المستندة إلى بيانات درجات الحرارة القصوى اليومية الصادرة عن «المرصد الأوروبي للجفاف» وبيانات السكان من «مركز البحوث المشترك».

كما يتجاوز رقم عام 2026 الأعداد المسجلة في الفترة نفسها خلال صيفي عامي 2022 و2025، حين تأثر ما بين 55 و60 مليون شخص بمثل هذه الدرجات من الحرارة.

عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس وسط ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

وشهدت أوروبا الغربية أكثر بدايات الصيف حرارة على الإطلاق عام 2026، إذ بلغت درجات الحرارة في الفترة الممتدة بين يونيو ويوليو (تموز) مستويات غير مسبوقة، في ظل موجات حر متكررة، وجفاف واسع النطاق، وحرائق غابات مدمرة أججتها ظاهرة الاحترار المناخي.

منذ منتصف يونيو، طالت حرارة تجاوزت 40 درجة 30 مليون نسمة في فرنسا، ولا سيما في الغرب، و23 مليون نسمة في إسبانيا، و8 ملايين نسمة في كل من ألمانيا وإيطاليا.

وعلى نطاق أوسع، تجاوزت الحرارة 35 درجة في مناطق يقطنها 80 في المائة من سكان أوروبا، أي ما يعادل نحو 490 مليون نسمة، في حين لم تطل الموجة المناطق الجبلية ودول البلطيق وشمال أوروبا.

وأعلن معهد «كارلوس الثالث» الصحي في إسبانيا أن الحرارة تسببت في نحو 4500 وفاة إضافية بين الأول من يونيو و19 أغسطس.

وفي ألمانيا، تُقدّر السلطات الصحية عدد الوفيات بنحو 14 ألفاً حتى التاسع من أغسطس. أما في فرنسا، فقد أعلنت السلطات الصحية عن حصيلة أوّلية تتجاوز 7000 وفاة إضافية في الفترة ما بين منتصف يونيو و22 يوليو، قبل موجة الحر الثالثة التي شهدها العام واستمرت 23 يوماً على الأقل.