في توقيت سياسي بالغ الحساسية، فجّرت رئيسة المصرف المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، قنبلة سياسية من العيار الثقيل في العاصمة باريس، بعدما ألمحت بشكل غير مسبوق إلى إمكانية ترشحها أو مغادرة منصبها في فرانكفورت مبكراً، بهدف التفرغ لخوض المعركة الرئاسية الفرنسية المقبلة عام 2027، وتقديم نفسها كـ«صوت أوروبي فرنسي» يحمي البلاد من الإعصار السياسي المقبل.
وجاءت هذه التصريحات التي وصفتها الدوائر السياسية بـ«الزلزال الهادئ» عبر مقابلة مطولة ومثيرة أجرتها لاغارد مع يومية «ليزيكو» الاقتصادية الفرنسية. الحوار الذي كان يُفترض أن يناقش قضايا التضخم وأسعار الفائدة، تحول سريعاً إلى مانشيت سياسي تصدر النقاشات في صالونات باريس، بعدما فتحت الوزيرة السابقة الباب أمام عودتها إلى المعترك المحلي لإنقاذ معسكر الوسط المشتت.
Christine Lagarde veut porter « une voix française et européenne en 2027 » https://t.co/I0BmFoAgVx
— Les Echos (@LesEchos) July 2, 2026
مناورة المغادرة المبكرة: معركة المصير عام 2027
وفقاً للجدول الزمني الرسمي، فإن ولاية لاغارد البالغة من العمر 70 عاماً على رأس الهرم النقدي الأوروبي تنتهي في أكتوبر (تشرين الأول) 2027، أي بعد ستة أشهر كاملة من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية. ورغم أن بقاءها كان يُعد من المسلمات، إلا أن لاغارد فاجأت الجميع بربط استمرارها بمدى السيطرة على معدلات التضخم واستقرار الأسواق العاصفة.
وعندما سألتها «ليزيكو» بشكل مباشر عما إذا كانت ستغادر منصبها قبل الأوان، أجابت لاغارد بعبارات تطفح بالرسائل السياسية: «إنه أمر ممكن... أريد أن أرفع صوتاً فرنسياً وأوروبياً في أفق عام 2027»، وتابعت بلهجة تحذيرية شديدة قائلة إن النقاش السياسي في فرنسا يجب ألا يبتعد عن العمق الأوروبي، واصفة أي محاولة لتقليص دور فرنسا في الاتحاد بأنه «مسار مؤلم ومدمّر» للبلاد.

بين «المزحة الدبلوماسية» وجس نبض الإليزيه
وعلى عادة رجال الدولة الكبار في استخدام «الدبلوماسية الماكرة»، حاولت لاغارد المراوغة عندما ضغط عليها المحاور لمعرفة ما إذا كانت ستقدم نفسها رسمياً، بديلاً للرئيس إيمانويل ماكرون، حيث علقت ضاحكة: «سأفكر في الأمر... لا، أنا أمزح، الأمر ليس مطروحاً اليوم». لكن هذه «المزحة» لم تمر مرور الكرام في باريس؛ إذ أجمع المحللون السياسيون على أن تصريحات لاغارد هي مناورة مدروسة بعناية لـ«جس نبض» الشارع والنخبة السياسية، فالمرأة الحديدية التي قادت صندوق النقد الدولي والمصرف الأوروبي تمتلك شبكة علاقات دولية واسعة وقبولاً كبيراً لدى قطاع الأعمال والطبقة الوسطى، مما يجعلها «شخصية الإنقاذ» المثالية لمعسكر الوسط الذي يخشى الانهيار أمام الصعود الصاروخي لليمين المتطرف بقيادة مارين لوبن وجوردان بارديلا.

ترتيبات الكواليس: صفقة باريس وفرانكفورت
التسريبات القادمة من كواليس بروكسل وفرانكفورت تشير إلى أن استقالة لاغارد المحتملة قبل أشهر من الانتخابات ليست مجرد طموح شخصي، بل هي جزء من سيناريو تكتيكي أوسع؛ فخروجها المبكر سيتيح للرئيس ماكرون، بالتنسيق مع حليفه الألماني المستشار فريدريش ميرتس، تسمية رئيس جديد للمصرف المركزي الأوروبي يضمن استمرار السياسات الحالية، وذلك قبل أن تنتهي ولاية ماكرون في الإليزيه، تحسباً لأي سيناريو يفوز فيه اليمين المتطرف بالحكم ويحاول فرض اسم مشكك في الوحدة الأوروبية.
وبين الجد والمزاح، وضعت كريستين لاغارد قدمها الأولى في «بازار الرئاسيات» الفرنسية، لتثبت أن العاصفة السياسية التي تضرب باريس قد تجبر حتى حراس المال في أوروبا على مغادرة أبراجهم العاجية والنزول إلى حلبة الصراع المباشر.

