الفاتيكان يعلن انشقاق «جمعية القديس بيوس العاشر»... والحرمان الكنسي لأساقفتها

البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان يوم 29 يونيو 2026 (رويترز)
البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان يوم 29 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الفاتيكان يعلن انشقاق «جمعية القديس بيوس العاشر»... والحرمان الكنسي لأساقفتها

البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان يوم 29 يونيو 2026 (رويترز)
البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان يوم 29 يونيو 2026 (رويترز)

رد الفاتيكان بقوة، اليوم (الخميس)، على جمعية تقليدية رسّمت أساقفة دون موافقة البابا، ليعلن الفاتيكان انشقاق «جمعية القديس بيوس العاشر» والحرمان الكنسي لأساقفتها.

وتجاوز مكتب العقيدة بالفاتيكان العقوبات الدنيا التي ينص عليها القانون الكنسي للرد على عمليات ترسيم أربعة أساقفة جدد في المعهد اللاهوتي التابع للجمعية في إيكون بسويسرا.

وفرض الفاتيكان، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، الحرمان الكنسي على الأساقفة الأربعة الجدد وأسقفين شاركا في المراسم. وأعلن أن عمليات الترسيم «عمل انشقاقي»، وأن الجمعية نفسها هي التي تسببت في انفصال متعمَّد أو انشقاق مع الكنيسة الكاثوليكية.

قساوسة من «جمعية القديس بيوس العاشر» في كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان (حساب الجمعية عبر منصة «إكس»)

وتحيي «جمعية القديس بيوس العاشر»، المعروفة اختصاراً بـ«إس إس بي إكس»، القداس اللاتيني القديم، وتعارض الإصلاحات التحديثية للكنيسة الكاثوليكية، التي تعدها مليئة بـ«الهرطقات والأخطاء». ورغم كونها حركة هامشية ضمن اليمين الكاثوليكي، فإن «جمعية القديس بيوس العاشر» تشكّل شوكة في خاصرة الفاتيكان منذ خمسة عقود؛ لادعائها أنها أكثر كاثوليكية من الكرسي الرسولي.

وأعرب مارك أندريه مابيلارد، مدير الإعلام في الجمعية، عن صدمته من قسوة العقوبات، ووصفها بأنها «ظالمة». وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «بالنسبة لنا، هذا الحرمان الكنسي الممتد إلى المؤمنين أمر وحشي. وهذا ليس ما نتوقعه من الأب الذي نرجع إليه كل يوم».

وتابع: «يقال لنا: أنتم تزعمون أن لديكم الحقيقة. حسناً. أنا فقط أقول إن لدينا بالتأكيد عيوبنا، لكن عيبنا الرئيسي اليوم هو وجود قائد لا يريد التواصل معنا. وهذا أمر فظيع».

وفي مرسوم شديد اللهجة، حذرت «دائرة عقيدة الإيمان»، وهي أعلى سلطة رقابية في الكنيسة التي يبلغ عدد أتباعها 1.4 مليار شخص، الكاثوليك في جميع أنحاء ​العالم من أن «جماعة القديس بيوس العاشر»، التي تتخذ من سويسرا مقراً لها، أصبحت الآن مخالفة للقوانين الكنسية وخارجة عليها.

وذكر المرسوم أن هذه الجماعة المتشددة، التي تنكر تعاليم الكنيسة الأساسية، لا يمكنها إجراء مراسم الزواج أو سماع الاعترافات بشكل صحيح.

ومن التعاليم الصارمة للكنيسة أن البابا وحده هو الذي يمكنه أن يأذن بترسيم أساقفة جدد، من أجل الحفاظ على روابط الكنيسة بتلاميذ السيد المسيح الاثني عشر.

ولم يتسنَّ الحصول على تعليق فوري من الجماعة بشأن مرسوم الفاتيكان. وقال أحد أعضائها، الذي ذكر أنه غير مخول بالتحدث، لكنه عرّف عن نفسه بأنه الأب بنديكت، لوكالة «رويترز»، بعد قداس في إيكون بسويسرا، إنه يتوقع أن تواصل المجموعة عملها كما كان ‌يحدث في السابق. وأضاف: «سنواصل ‌مسيرتنا فحسب. نحن نحترم البابا. وسنظل نصلي من أجله».

كما انتقد رد ​الفاتيكان. وأوضح: «هذه ‌العقوبة تظهر... أننا ​لم نغلق الباب في وجه البابا، ولا في وجه الفاتيكان، بل هم من أغلقوه في وجوهنا. وهذه هي الحقيقة المحزنة».

مرسوم الفاتيكان يتجاوز التوقعات

تعتبر الكنيسة أن ترسيم الأساقفة دون تصريح أمر خطير للغاية لدرجة أنه يؤدي تلقائياً إلى طرد المشاركين في المراسم من الكنيسة، أو «انفصالهم» عن الكنيسة ككل، وعدم قدرتهم على تلقي الأسرار المقدسة حتى يتوبوا ويطلبوا المغفرة.

ومع ذلك، ذهب الفاتيكان إلى أبعد مما كان ‌متوقعاً، وأعلن أن جميع كهنة «جماعة القديس بيوس العاشر»، وجميع الكاثوليك ‌الذين «ينتمون رسمياً» إلى هذه الجماعة، أصبحوا الآن منشقين ومطرودين من الكنيسة.

ويشير ​تعبير «الانشقاق» إلى انفصال خطير ورسمي داخل المجتمع الكاثوليكي.

البابا ليو الرابع عشر يحيي المشاركين في احتفال بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية بنابولي (رويترز)

وأعلن الفاتيكان، ‌في وقت لاحق من اليوم (الخميس)، أن الكاثوليك العاديين المتأثرين بقرار الحرمان الكنسي يمكنهم العودة الكاملة إلى ‌الكنيسة من خلال مقابلة أسقفهم وتوقيع وثيقتين؛ إحداهما لإعلان الإيمان، والأخرى إقرار بالالتزام بتعاليم الكنيسة الرسمية.

وعلى كهنة الجمعية الراغبين في التوبة اتخاذ خطوات مماثلة، لكن عليهم أيضاً كتابة رسالة إلى البابا يطلبون فيها المغفرة، ويعلنون إيمانهم بصحة إصلاحات الكنيسة منذ ستينيات القرن الماضي.

البابا يؤيد إصلاحات الستينيات

تنكر «جمعية القديس بيوس العاشر» التعاليم الأساسية للمجمع الفاتيكاني الثاني، وهو اجتماع تاريخي ‌للأساقفة في الفاتيكان في ستينيات القرن الماضي سعى إلى إجراء مجموعة من الإصلاحات للكنيسة العالمية، وإصلاح علاقاتها مع اليهود والطوائف المسيحية الأخرى.

كما سمح المجمع بإقامة القداس باللغات المحلية، بعد أن كان يقام حتى ذلك الحين باللغة اللاتينية فقط. وترفض المجموعة هذا التغيير، مشيرة إلى رغبتها في الحفاظ على طابع الغموض والرسمية الذي يتميز به الطقس اللاتيني.

البابا ليو الرابع عشر يوقِّع على رسالته العامة الأولى بعنوان «الإنسانية الرائعة» في الفاتيكان يوم 15 مايو 2026 (رويترز)

وقال ماسيمو فاجيولي، الخبير في شؤون البابوية، لوكالة «رويترز»، إن ليو يؤمن إيماناً راسخاً بإصلاحات المجمع، الذي غالباً ما يشير إليه الكاثوليك باسم «الفاتيكان الثاني».

وقال فاجيولي، الأستاذ بجامعة فيلانوفا الواقعة خارج فيلادلفيا: «يؤمن تماماً دون أي شك بحقيقة أن هذه الكنيسة هي (الفاتيكان الثاني)»، مضيفاً: «لقد أظهر أنه لا يريد التنازل عن ذلك».

وكان البابا ليو قد صرح للصحافيين، في يونيو (حزيران)، بأن الانقسامات مع «جماعة القديس بيوس العاشر» هي انقسامات «مؤلمة»، لكنه وصف إصلاحات «الفاتيكان الثاني» بأنها «عناصر أساسية» في تعاليم الكنيسة. وقال البابا: «علينا أن نمضي قدماً».

وتقول المجموعة، التي أسسها المطران مارسيل ليفيبفر، إنها تضم 733 كاهناً في جميع أنحاء العالم. وتقول قيادتها، التي لطالما كانت علاقاتها متوترة مع الفاتيكان، إنها كانت بحاجة إلى ترسيم أساقفة جدد لتوفير عدد ​كافٍ من الأساقفة لقيادة المجموعة.

وكان ليفيبفر قد ​طُرد من الكنيسة في عام 1988 بعد أن رسّم أربعة أساقفة دون إذن من البابا يوحنا بولس الثاني آنذاك. وسعى بنديكت السادس عشر، خليفة يوحنا بولس الثاني، إلى تجديد الحوار مع المجموعة، ورفع قرارات الحرمان الأربعة المتبقية.


مقالات ذات صلة

البابا ليو يدعو جماعة كاثوليكية إلى عدم الانشقاق

العالم البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)

البابا ليو يدعو جماعة كاثوليكية إلى عدم الانشقاق

دعا البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، جمعية كاثوليكية تقليدية إلى التراجع عن خطّتها القاضية بتعيين أساقفة جدد من دون موافقة الفاتيكان.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر يحيي المشاركين في احتفال بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في نابولي (رويترز)

البابا ليو الرابع عشر يحتفل بالعام الأول لرئاسته الكنيسة بزيارة لجنوب إيطاليا

قال البابا ليو الرابع عشر إنه يشعر بأنه «أول المبارَكين» لدى احتفاله، بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية، وذلك خلال زيارة لجنوب إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (بومبيي)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ) p-circle

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر الاثنين بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له.

«الشرق الأوسط» (روما)
المشرق العربي بطريرك اللاتين في القدس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا يقيم صلاةً بمناسبة أحد الشعانين بعد أن منعته إسرائيل من الوصول إلى كنيسة القيامة (أ.ف.ب)

إسرائيل تعرقل طقوس «الفصح» في «كنيسة القيامة»... وإدانات دولية واسعة

في إجراء لم يحدث «منذ قرون»، منعت الشرطة الإسرائيلية بطريرك اللاتين في القدس من دخول «كنيسة القيامة» لإقامة «قداس أحد الشعانين» ضمن طقوس الاحتفال بعيد الفصح.

كفاح زبون (رام الله) شوقي الريّس (روما) «الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)

الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

قال أحد كبار رجال الدين الكاثوليك إن الفاتيكان سيعزّز الإجراءات الأمنية داخل كاتدرائية القديس بطرس بعد أعمال التخريب، لكنه يريد تجنّب «العسكرة».

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)

بريطانيا وألمانيا لإطلاق شراكة جديدة لمكافحة الهجمات الإلكترونية

الذكاء الاصطناعي زاد حجم الهجمات الإلكترونية وسرعتها (رويترز)
الذكاء الاصطناعي زاد حجم الهجمات الإلكترونية وسرعتها (رويترز)
TT

بريطانيا وألمانيا لإطلاق شراكة جديدة لمكافحة الهجمات الإلكترونية

الذكاء الاصطناعي زاد حجم الهجمات الإلكترونية وسرعتها (رويترز)
الذكاء الاصطناعي زاد حجم الهجمات الإلكترونية وسرعتها (رويترز)

تعتزم بريطانيا وألمانيا إطلاق شراكة جديدة لمكافحة ​أعمال التخريب والهجمات الإلكترونية بالتزامن مع عقد لقاء بين رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، في برلين اليوم ‌الخميس، بعد فترة ‌وجيزة من ​تحذيرهما ‌من ⁠التهديد ​الهجين القادم ⁠من روسيا.

وأفاد مقر داوننغ ستريت بأن الشراكة الجديدة ستشمل تبادل المعلومات وتنسيق الإجراءات لرصد وردع وإحباط ⁠التهديدات التي تستهدف البنية ‌التحتية ‌الحيوية أو التي ​تتم ‌عبر الهجمات الإلكترونية وأعمال التخريب، حيث تقول المملكة المتحدة إن الأعداء، «وخاصة روسيا»، يشكلون تهديدا هجينا في أوروبا وخارجها.

وحذر ‌رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية، الاثنين، من ⁠أن «المواجهة ⁠التي نخوضها مع روسيا اتخذت بعدا جديدا وأكثر خطورة»، كما أعلنت ألمانيا الشهر الماضي أنها توصلت إلى استنتاج مفاده أن روسيا مسؤولة عن محاولة هجوم ​بطائرة مسيرة ​على مطار لايبزيج -هاله في أغسطس (آب).


فرنسا: طلاب مدارس ثانوية يدعون للاجتماع برئيس الوزراء لاحتواء حراك طلابي

متظاهرون يرفعون لافتات في أحد شوارع فرنسا ضمن احتجاجات طلابية على مستوى البلاد  (رويترز)
متظاهرون يرفعون لافتات في أحد شوارع فرنسا ضمن احتجاجات طلابية على مستوى البلاد (رويترز)
TT

فرنسا: طلاب مدارس ثانوية يدعون للاجتماع برئيس الوزراء لاحتواء حراك طلابي

متظاهرون يرفعون لافتات في أحد شوارع فرنسا ضمن احتجاجات طلابية على مستوى البلاد  (رويترز)
متظاهرون يرفعون لافتات في أحد شوارع فرنسا ضمن احتجاجات طلابية على مستوى البلاد (رويترز)

دعت جمعيات تمثّل طلاب المدارس الثانوية في فرنسا، الأربعاء، إلى الاجتماع برئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو الذي تكثّف حكومته المبادرات لاحتواء حراك طلابي، عشية تظاهرات جديدة مقرّرة الخميس.

ويندد طلاب المدارس الثانوية الذين انطلق حراكهم من ضواحي باريس في سبتمبر (أيلول)، بسوء حالة المباني، واكتظاظ الفصول الدراسية، وعدم توفّر بدلاء عن المعلمين المتغيبين، لا سيما في الأحياء الشعبية.

وقال رياض راني رئيس «الاتحاد النقابي لطلاب المدارس الثانوية» في تصريحات لصحافيين «لدينا اقتراحات مشفوعة بأرقام لتقديمها، لذا نطالب بالاجتماع برئيس الوزراء اعتبارا من الأسبوع المقبل».

وأعلن رئيس الوزراء من جهته أن «القرارات الأولى للحكومة ستقدّم في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)» لاحتواء الأزمة.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو متحدثاً عن الوضع في المدارس الثانوية (إ.ب.أ)

وقال «لم يأت غضب الشباب من عدم. ولا بدّ من مراعاة المخاوف التي أعربوا عنها».

وكان سيباستيان لوكورنو أعلن في وقت سابق عن تخصيص فترات دراسية (تمتد لنصف يوم) خالية من الدروس، اعتبارا من الأربعاء، لإتاحة «زمن ديموقراطي داخلي»، في خطوة تهدف إلى تمكين التلاميذ والموظفين من طرح الصعوبات التي يواجهونها على مستوى كل مؤسسة تعليمية على حدة.

- 18 تحقيقا -

غير أن هذه المبادرة لم تلق استحسان عدد كبير من الطلاب، من أمثال كلارا (اسم مستعار) التي رأت أن الحكومة «لا تأخذ الطلاب على محمل الجدّ».

كذلك، ترفض أكبر نقابة لمديري المؤسسات التعليمية اعتماد القرار المذكور، وتطالب باجتماع مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بحضور طلاب.

ودعت اتحادات طالبية إلى تنظيم مسيرات جديدة الخميس في باريس ومدن أخرى.

ضباط شرطة فرنسيون يدفعون حاوية نفايات مشتعلة خلال احتجاج طلاب مدرسة ثانوية ضد الحكومة أمام مدرسة كانتو الثانوية في أنغليت جنوب غرب فرنسا (د.ب.أ)

وتراجعت حدّة التظاهرات الطالبية الأربعاء، مع استئناف الدراسة في جزء كبير من المؤسسات، وذلك في ظل تكثيف الحكومة مساعي التهدئة.

وأكّد لوكورنو في خطاب ألقاه مساء الأربعاء أن «قوى الأمن لم تتلق توجيهات للاشتباك مع الطلاب».

قوات الدرك الفرنسية تشتبك مع متظاهرين خلال مظاهرة تضامنية مع طلاب المدارس الثانوية (ا.ف.ب)

وقبل ذلك، أعلن وزير الداخلية لوران نونييز عن تعليق استخدام القنابل الصوتية، بعد أن بُترت جراء إحداها يد متظاهر يبلغ 15 عاما وفق تقارير.

ودافع أمام الجمعية العامة عن نهجه في حفظ النظام، نافيا أيّ تغيّر في موقفه

ومنذ بداية الحراك في 28 سبتمبر (أيلول)، أصيب بجروح 215 طالبا و89 مدرّسا و761 شرطيا ودركيا وتمّ توقيف 6629 شخصا، بحسب ما قال لوكورنو في خطابه، مشيرا إلى فتح 18 تحقيقا في هذا الخصوص.

-أسبوع أسود-

يؤيّد 55 في المئة من الفرنسيين هذا الحراك الطالبي، بحسب استطلاع للآراء أجري لحساب «بي اف ام تي في».

ومن المرتقب تنظيم تجمّع كبير الخميس عند الساعة الواحدة ظهرا في ساحة باستيل في باريس، في حين ستقام تجمّعات أخرى في ضواحي العاصمة الفرنسية.

وقال بيار، وهو طالب في سنته الأخيرة في الثانوية اختار اسما مستعارا هو «أسبوع أسود... حتّى السبت».

متظاهرون يشتبكون مع شرطة مكافحة الشغب الفرنسية خلال مظاهرة تضامنية مع طلاب المدارس الثانوية (ا.ف.ب)

والأربعاء، شهدت 459 مؤسسة تعليمية تعليقا كاملا أو جزئيا للحصص، في مقابل 891 الثلاثاء بحسب وزارة التعليم، واقتصرت «الاضطرابات» على 232 مؤسسة، في مقابل 496 الثلاثاء.

ويطالب الطلاب، في جملة مطالبهم، بإلغاء منصة التوجيه التعليمي «باركورسوب»، وهو أمر يرفضه وزير التعليم العالي فيليب باتيست.

في الأثناء، فتحت جبهة أخرى أمام السلطة التنفيذية، وهي قطاع التعليم العالي، حيث شهد 40 في المئة من المؤسسات اضطرابات الثلاثاء، وفق الوزارة.

واجتمع باتيست بعد ظهر الأربعاء بمسؤولين نقابيين، لكن هؤلاء انسحبوا من الاجتماع احتجاجا على ميزانية غير كافية لقطاع التعليم لسنة 2027 وإعرابا عن تضامنهم مع الحراك الاحتجاجي.

وقالت المتحدثة باسم «الاتحاد الطلابي» صابرين خرباش في أعقاب الاجتماع «كان كلاما في الهواء لمدّة ساعة».


السلطات الفرنسية تخسر رهان تهدئة الشارع الطلابي... وتعبئة جديدة الخميس

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب في مدينة بوردو يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب في مدينة بوردو يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية تخسر رهان تهدئة الشارع الطلابي... وتعبئة جديدة الخميس

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب في مدينة بوردو يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب في مدينة بوردو يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

لم يتردد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في الإدلاء بدلوه بشأن حراك تلامذة التعليم الثانوي، الذي يهز المجتمع الفرنسي منذ نحو 20 يوماً، والذي يضع الحكومة في موقف بالغ الصعوبة. ففي تدوينة على منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، عدّ ترمب أن «ما يحدث في فرنسا ليس سوى (نتيجة) لهجرة جماعية خارجة عن السيطرة؛ فالأمر لا يتعلق بالمدارس، بل بالإسلام الساعي إلى الاستيلاء على بلد كان عظيماً في السابق».

وصدر عن أريك سيوتي، رئيس «اتحاد أحزاب اليمين من أجل الجمهورية» اليميني المتشدد، قولٌ شبيه بما جاء على لسان ترمب؛ إذ عدّ، الأربعاء، أن الحراك «يتلاعب به حزب (فرنسا الأبية) والحركات الإسلاموية»، مطالباً بـ«إعادة فرض النظام بأقصى درجات الحزم، وإيقاف مثيري الشغب»، وبـ«فرض عقوبات جنائية رادعة».

كلام ترمب، بعيداً عن سيوتي، لم يثر أي ردة فعل فرنسية تُذكر، وجاء في نهاية يوم من التعبئة الطلابية الواسعة عمّت عدداً من المدن الفرنسية التي شهدت مظاهرات شارك فيها بين 256 ألف شخص وفق تقديرات الشرطة، و450 ألف شخص وفق إحصاءات المنظمين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يشاركان في اجتماع بشأن «الشراكة من أجل البحر الأبيض المتوسط» بمدينة سبليت في كرواتيا يوم 7 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وكان لافتاً تنوع المتظاهرين بين تلامذة ثانويين، وطلاب جامعيين، وأساتذة، ومعلمين، الذين استجابوا لدعوات نقاباتهم للمشاركة، وقد انضم إليهم الآلاف من أهالي التلامذة الذين برروا مشاركتهم بالرغبة في حماية المظاهرات من عنف رجال الأمن. وتُبيّن الإحصاءات المتوافرة أن عناصر الشرطة والدرك ألقوا القبض، منذ 28 سبتمبر (أيلول) الماضي، على 6547 متظاهراً؛ غالبيتهم من القصر، ومنهم 488 يوم الثلاثاء.

وقالت وزارة العدل إن أكثر من 1800 شخص يخضعون للملاحقة القضائية بتهم غير محددة، بينهم 1483 قاصراً. أما حصيلة الجرحى، فقد وصلت في صفوف التلاميذ إلى 215 فرداً، و715 في صفوف رجال الأمن، و85 من أعضاء الجسم التربوي. وبما أن الثلاثاء كان يوم التعبئة العامة و«الفصل الثالث» من الحراك، فإن إقفال المدراس الثانوية بلغ مستوى غير مسبوق، إذ طال 891 ثانوية؛ ما يعادل ربع إجمالي الثانويات في فرنسا. أما في باريس ومنطقتها، فإن الإقفال طال نصف الثانويات.

عنف مع المتظاهرين

لا تنقل هذه الأرقام صورة وافية عن الأجواء السائدة في المظاهرات، وعن عنف الجدل في الوسط السياسي الذي يؤجّجه اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى في الربيع المقبل.

انتشار أمني واسع خلال المظاهرات الطلابية في باريس يوم 6 أكتوبر 2026 (رويترز)

ففي مدينة لانس، شمال فرنسا، بترت قنبلة صوتية تُستخدم لتفريق المتظاهرين إحدى يدي قاصر عمره 15 عاماً. وفي مدينة تور، جنوب غربي باريس، اقتُلعت عين أحد التلامذة لإصابته بطلقة رصاص مطاطية. وثمة حوادث شبيهة دفعت إدارة الشرطة لفتح 18 تحقيقاً لتجلية الظروف التي أحاطت بهذه الإصابات والتي، من جهة، أثارت قلق الأهالي، ومن جهة ثانية؛ وفرت الذرائع لأحزاب اليسار (والمعارضة بشكل عام) للتنديد بعنف «القمع» الذي يتعرض له المتظاهرون. وفي المقابل، فإن رئيس الحكومة، سيباستيان لوكورنو، ووزير الداخلية، لوران نونيز، رفضا مقولة «العنف المفرط وغير المتناسب». إلا إن الأخير عدل موقفه، وقال الأربعاء، في حديث صحافي، إنه أمر بوقف استخدام القنابل الصوتية المستخدمة عادة لتفريق المتظاهرين.

حقيقة الأمر أن الحكومة كانت تأمل أن يعود التلامذة إلى مدارسهم بعد يوم التعبئة الأخير، وكانت تراهن على 3 أمور:

امتدّت المظاهرات الطلابية خارج فرنسا واستخدمت الشرطة البلجيكية الغاز المسيل للدموع في لييج يوم 7 أكتوبر (رويترز)

الأول: تراجع الحراك ومؤشره عدد الثانويات التي ما زال التعليم فيها متوقفاً. والثاني: إعلان وزير التربية إطلاق «منصة» إلكترونية للتعرف على مظالم التلامذة ومطالبهم في مرحلة أولى، والسعي إلى الاستجابة لها في مرحلة ثانية. وقال وزير التربية للنواب إن 35 ألف تلميذ لجأوا إليها. كذلك، أشار إلى بدء العمل على ملف توفير الأساتذة بدلاء المتغيبين، كما فتح ملف إجراء إصلاحات في الثانويات المحتاجة إليها. أما رئيس الحكومة، فقال للنواب، مساء الثلاثاء، إنه مستعد للنظر في ما يمكن تحسينه في آلية توجيه الطلاب للمرحلة الجامعية «باركورسوب». كذلك، دعا سيباستيان لوكورنو مديري الثانويات إلى وقف التعليم نهاية الأسبوع لنصف يوم يخصص لما سماه «زمن الديمقراطية الداخلي»، بحيث يجري وصل الحوار المنقطع بين التلامذة والإدارة. وأعلن لوكورنو أنه سيلقي كلمة عامة مساء الأربعاء سيخصص قسماً منها لملف التلامذة. وسبق للحكومة أن تراجعت عن فرض رسوم تعليمية جديدة وردَت في الصيغة الأولى لميزانية الدولة التي ستناقش بدءاً من 21 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

الخميس يوم تعبئة جديد

بيد أن آمال الحكومة خابت. فالنقابة الرئيسية للتلامذة أعلنت الخميسَ يومَ تعبئة جديداً لتعطيل الدراسة والإضراب والتظاهر.

وتضامن الطلاب الجامعيين مع التلامذة يتوسع، بدليل أن 80 مجمعاً جامعياً تعطلت فيها الدراسة الأربعاء. وكان اللافت في باريس الأربعاء أن «معهد العلوم السياسية»، الذي تتخرج فيه النخبة الفرنسية، أعلن تضامنه مع الحراك، وأُغلقت أبوابه، وحصلت مناوشات بين الطلاب وشرطة مكافحة الشغب التي أطلقت الغاز المسيل للدموع على المعتصمين.

رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو (يمين) ووزير الداخلية لوران نونيز في حديث هامس خلال جلسة لمجلس النواب يوم 7 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

ولوحظ حضور نائبين ينتميان إلى حزب «فرنسا الأبية» المتهمة بـ«بصب الزيت على النار» و«تسييس الحراك». وشكا تيو شين، ممثل النقابة الطلابية اليمينية في «المعهد»، بأن ما يحدث فيه «ينقل صورة سلبية عن المؤسسة»، و«يفقدنا المصداقية. فالأمر يتكرر دائماً. إنها أقلية من الطلاب تسمح لنفسها باحتجاز آلاف الطلبة رهائن».

وحضّرت 3 نقابات طلابية رئيسية مذكرة لرفعها لوزير التعليم العالي، تضم 10 مطالب؛ منها وضع حد لـ«الانتقائية» في عملية التوزيع الجامعي، وإيجاد 250 ألف فرصة إضافية لطلاب التعليم العالي، ورفع قيمة المنح الطلابية، وإصلاح شهادة «الماسترز».

حتى مساء الثلاثاء، ترك الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إدارة الأزمة لرئيس الحكومة ولوزراء: الداخلية، والتربية، والتعليم العالي. بيد أن التعبئة الواسعة، والتخوف من أن تكبر كرة الثلج المتدحرجة، واقتراب موعد الحراك الاجتماعي العام المرتقب يوم 17 أكتوبر... أمور دفعت به إلى الخروج عن صمته.

وبرز ذلك من خلال استدعائه المسؤولين الأربعة إلى قصر «الإليزيه». وتشير معلومات متداولة في أوساط حكومية إلى أن ماكرون «غير راضٍ» عن أداء سيباستيان لوكورنو، ولا عن كيفية إدارة الأزمة والتعاطي مع الاعتصامات والمظاهرات.

وقال وزير الداخلية في حديث لإذاعة «آر تي إل»، إن ماكرون «ذكّر بضرورة الحفاظ على النظام، والتدخل في أعمال العنف، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة أن يكون التدخل متناسباً». وأضاف: «طلب منا الرئيس أن نتحلى بالتعاطف، وأن نشرح ما نقوم به، وأن نوضح الأمور بشكل جيد، وكذلك أسباب تدخل الشرطة».

وعنوان الخوف الحكومي هو أن تتداخل المطالب الاجتماعية الخاصة بغلاء المعيشة والتضخم وأسعار الطاقة ورفع مستوى الرواتب بالمطالب التعليمية بمستوييها الثانوي والجامعي، وأن يحدث نوع من التنسيق بين جميع الناقمين والمطالبين؛ مما سيُدخل البلاد في حالة من انعدام الاستقرار.