بريطانيا تبحث جهود حماية الملاحة وتُحذّر من تداعيات استهداف الطاقة

فولكنر لـ«الشرق الأوسط»: نفذنا 650 ساعة دعم جوي... و108 آلاف بريطاني عادوا منذ بدء الحرب

وزير شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البريطاني هيمش فولكنر
وزير شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البريطاني هيمش فولكنر
TT

بريطانيا تبحث جهود حماية الملاحة وتُحذّر من تداعيات استهداف الطاقة

وزير شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البريطاني هيمش فولكنر
وزير شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البريطاني هيمش فولكنر

قال وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني، هيمش فولكنر، إن بلاده تجري محادثات مع شركائها حول العالم بشأن أهمية إعادة فتح مضيق هرمز، مشدداً في حوار مع «الشرق الأوسط» على أن حرية الملاحة «مبدأ أساسي» و«حاجة مُلحّة للمنطقة والعالم»، وأن العمل جارٍ مع الحلفاء لضمان تطبيق هذا المبدأ عملياً.

وكشف الوزير أن الطيارين البريطانيين نفّذوا 650 ساعة من الدعم الجوي ضمن عمليات دفاعية في الشرق الأوسط، لافتاً إلى استمرار جهود التصدي للطائرات المسيّرة، وتسخير قدرات الرادارات الأرضية والصواريخ المضادة للطائرات لحماية المواطنين البريطانيين والحلفاء في المنطقة.

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله نظيرته البريطانية إيفيت كوبر في الرياض يوم 12 مارس (واس)

إلى ذلك، أشاد فولكنر بالدور «المهم» الذي لعبته السعودية خلال الأزمة الحالية، مُعرباً عن امتنان بلاده للدعم الذي قدمته للمواطنين البريطانيين، وواصفاً تعاطي المملكة وشركاء خليجيين آخرين معهم بأنه «كريم للغاية». وذكر كبير الدبلوماسيين البريطانيين أن لندن تجري مشاورات منتظمة مع الرياض، بصفتها شريكاً مهماً، مستشهداً في ذلك بزيارة وزيرة الخارجية إيفيت كوبر إلى الرياض قبل أيام.

ومنذ بداية حرب إيران في 28 فبراير (شباط)، سجّلت المملكة المتحدة عودة نحو 108 آلاف مواطن من دول المنطقة إلى المملكة المتحدة، عبر رحلات تجارية وأخرى خاصة مستأجرة، وفق فولكنر الذي أشار إلى عمل حكومة بلاده «ليلاً ونهاراً» لدعم من يواجهون صعوبات في العودة.

مباحثات دولية

استحضر فولكنر بياناً مشتركاً أصدره، الخميس، قادة المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان، أدانوا فيه «بأشد العبارات» الهجمات الأخيرة التي نفذتها إيران ضد سفن تجارية غير مسلحة في الخليج، واستهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك منشآت النفط والغاز، وما وصفوه بـ«الإغلاق الفعلي» لمضيق هرمز.

وأعرب القادة عن قلقهم البالغ إزاء تصاعد النزاع، داعين إيران إلى الوقف الفوري لتهديداتها وعمليات زرع الألغام والهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وسائر المحاولات الرامية إلى تعطيل حركة الملاحة التجارية، والامتثال لقرار مجلس الأمن رقم 2817. كما أعربوا عن استعدادهم للمساهمة في «الجهود المناسبة» لضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز، مرحبين بالتزام عدد من الدول بالمشاركة في «التخطيط التحضيري» لتحقيق هذا الهدف.

وفيما أحجم الوزير عن الخوض في تفاصيل «الجهود المناسبة» التي قد تكون لندن مستعدة للمشاركة فيها، رأى أن البيان يعكس التزام بلاده بـ«العمل الوثيق مع الأصدقاء والحلفاء بشأن مسألة تثير قلقاً حاداً ليس فقط في المنطقة بل في العالم».

دعم جوي مكثّف

في ظل تصاعد وتيرة استهداف إيران جيرانها في الخليج ومنشآت مدنية وبنية الطاقة التحتية، قال فولكنر إن بلاده على تواصل مستمر مع أصدقائها وشركائها بشأن ما يمكنها تقديمه من دعم، مشيراً إلى أن المملكة المتحدة نفذت 650 ساعة من الدعم الجوي وأسقطت عدداً كبيراً من الطائرات المسيّرة.

وأضاف أن لدى بريطانيا رادارات أرضية وصواريخ مضادة للطائرات، وأنها تؤدي «دوراً كاملاً» في ضمان أمن شركائها، لكنها تناقش أيضاً ما يمكنها القيام به أكثر.

وذكر الوزير أنه بحث، الأربعاء، إلى جانب شركاء إقليميين وشركات دفاع بريطانية وأخرى أوكرانية، سبل تقديم دعم إضافي لدول المنطقة، خصوصاً في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة الذي يشهد تطوراً تكنولوجياً سريعاً.

وفيما يتعلق باحتياجات شركاء بريطانيا الدفاعية، قال فولكنر إن لندن ستستمر في التنسيق مع حلفائها لضمان حماية المدنيين والبنية التحتية من الاستهدافات، وعودة حرية الملاحة، وتمكين السكان من ممارسة حياتهم اليومية دون خوف.

ورداً على سؤال حول مؤشرات تصاعد وتيرة النزاع، شدّد فولكنر على أن المملكة المتحدة تسعى إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي، وتعمل مع شركائها لمنع اتساع نطاق النزاع، محذراً من أن استمراره قد يقوض التقدم الذي تحقق في المنطقة، ومؤكداً استمرار التنسيق مع شركاء الخليج في هذا الإطار.

استهداف منشآت الطاقة

وفي شأن قنوات الاتصال مع إيران، أوضح الوزير البريطاني أن بلاده تحتفظ بسفير إيراني في لندن، كما أن سفيرها في طهران، رغم سحبه مؤقتاً، لا يزال على اتصال مع النظام الإيراني. وبيّن أنه استدعى السفير الإيراني ثلاث مرات هذا العام، بهدف إيصال الرسائل البريطانية «بوضوح وبشكل مباشر وقوي».

وتطرق فولكنر إلى تصاعد استهداف منشآت الطاقة، عادّاً أنه يمثل مصدر قلق للمملكة المتحدة والعالم، لما له من تداعيات على حرية الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.

دخان يتصاعد من مصفاة نفط تضررت جراء هجوم إيراني على حيفا بإسرائيل يوم 19 مارس (رويترز)

وأوضح أن الحكومة البريطانية تأخذ في الاعتبار تأثير هذه التطورات على تكلفة المعيشة، وتعمل على اتخاذ إجراءات لحماية المواطنين، من بينها الاستثمار في الطاقة المتجددة والنووية، وفرض سقف لأسعار الطاقة لحماية الغالبية العظمى من المواطنين، مع توقع انخفاض الفواتير في شهر أبريل (نيسان). لكنه شدّد على أن استمرار الهجمات على البنية التحتية للطاقة يمثل تهديداً خطيراً، ما يفسر الدور النشط الذي تلعبه بريطانيا لوقفها.

امتداد النزاع إلى لبنان

وفي الملف اللبناني، قال الوزير إن بلاده قررت حماية تمويل المساعدات للبنان بسبب الوضع الإنساني، مشدّداً على أن لندن لا تريد أن يمتد النزاع إلى لبنان.

وذكر فولكنر أنه أجرى اتصالات مع نظيره اللبناني، وظل على تواصل معه خلال هذه الأزمة، مؤكداً ضرورة حماية المدنيين والحكومة، ومديناً بشدة هجمات «حزب الله» التي قد تجر البلاد إلى النزاع، مع الالتزام بمواصلة الجهود الدبلوماسية لمنع التصعيد.


مقالات ذات صلة

حظر روسيا تصدير الديزل يعمق أزمة المعروض عالمياً

الاقتصاد اصطفاف السيارات أمام محطة وقود في موسكو - 9 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

حظر روسيا تصدير الديزل يعمق أزمة المعروض عالمياً

أثار قرار روسيا الأسبوع الماضي بحظر صادرات الديزل اضطراباً في أسواق الطاقة العالمية؛ إذ إنه يفاقم نقص الإمدادات من هذا الوقود الصناعي ويدفع الأسعار إلى الارتفاع

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية تصاعد النيران والدخان من ناحية مطار إيرانشهر بعد ضربات أميركية الأسبوع الماضي (رويترز) p-circle

إيران: مقتل 17 شخصاً وإصابة 115 في الهجمات الأميركية الأخيرة

أسفرت الغارات الجوية والصاروخية الأميركية التي استهدفت 6 مدن إيرانية يومي 8 و9 يوليو الحالي عن مقتل 17 شخصاً وإصابة 115 آخرين.

شؤون إقليمية صورة من «فانتور» لمجمع بارشين (أرشيفية)

تقرير: إيران قد تكون بصدد إعادة بناء بعض منشآتها النووية

كشفت صور أقمار اصطناعية حصرية حصلت عليها شبكة «سي إن إن» من شركة «فانتور» مؤشرات تفيد بأن إيران قد تكون بصدد إعادة بناء بعض منشآتها النووية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية الجديدة لدى عودته إلى واشنطن (رويترز)

ترمب: 1000 صاروخ جاهز للإطلاق نحو إيران إذا حاولت اغتيالي

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، بأن الولايات المتحدة «ستبيد بالكامل» إيران إذا حاولت اغتياله، أو نجحت في ذلك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)

إيران تؤكد أنها «أوفت بكلمتها»... وترمب يشدّد على انتهاء الهدنة

أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم (السبت)، أن طهران «أوفت بكلمتها» بشأن مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (طهران)

الجيش الأوكراني: استهدفنا 21 ناقلة روسية ببحر آزوف

صورة نشرها الجيش الأوكراني لاستهداف ناقلة روسية في بحر آزوف (رويتزر)
صورة نشرها الجيش الأوكراني لاستهداف ناقلة روسية في بحر آزوف (رويتزر)
TT

الجيش الأوكراني: استهدفنا 21 ناقلة روسية ببحر آزوف

صورة نشرها الجيش الأوكراني لاستهداف ناقلة روسية في بحر آزوف (رويتزر)
صورة نشرها الجيش الأوكراني لاستهداف ناقلة روسية في بحر آزوف (رويتزر)

أعلن ​الجيش الأوكراني، السبت، أنه استهدف 21 ناقلة روسية بالطائرات المسيرة في ‌بحر ‌آزوف ​خلال ‌الليل، ⁠وذلك ​في إطار حملة ⁠تهدف إلى قطع إمدادات الوقود عن ⁠قوات موسكو ‌في الأراضي التي ‌تحتلها ​من ‌أوكرانيا.

وأضاف ‌في بيان أنه استهدف ‌أيضاً أربع قاطرات بحرية وسفينتي ⁠شحن وكراكة ⁠تستخدم لتزويد القوات العسكرية بالإمدادات اللوجستية ودعم البنية التحتية للموانئ.

من جانبها، أعلنت السلطات الروسية، اليوم، أن شخصاً قُتل جراء هجوم بطائرات مسيرة استهدف أربع سفن، بينها ناقلة تحمل شحنة من الميثانول، في خليج تاغانروغ ببحر آزوف، وفق «رويترز».

وكتب يوري سليوسار حاكم منطقة روستوف الواقعة في جنوب روسيا على تطبيق «تلغرام»: «فقد أحد البحارة على متن سفينة للدعم الفني حياته. وأتقدم بخالص التعازي إلى أسرة الفقيد وذويه. ولم يصب أي شخص آخر بأذى».

وأضاف أن السفن تعرضت لأضرار متفاوتة، لكنه أكد أنه «لا يوجد أي احتمال لحدوث تسرب للميثانول».

وأوضح سليوسار أنه جرى تدمير أكثر من 18 طائرة مسيرة خلال صد الهجوم الجوي على المنطقة.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن وحدات الدفاع الجوي أسقطت ما مجموعه 178 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق مختلفة خلال الليل.

وأدت هجمات بطائرات مسيرة أمس الجمعة إلى اندلاع حرائق في مستودعين للوقود وفي ميناء تاغانروغ البحري.


الشرطة البريطانية تفرج عن موقوف في قضية مقتل برلمانية سابقة

آن ويديكومب (أ.ب)
آن ويديكومب (أ.ب)
TT

الشرطة البريطانية تفرج عن موقوف في قضية مقتل برلمانية سابقة

آن ويديكومب (أ.ب)
آن ويديكومب (أ.ب)

أفرجت الشرطة البريطانية، اليوم (السبت)، عن مشتبه به يبلغ من العمر 26 عاماً، في قضية مقتل آن ويديكومب، العضو السابقة في البرلمان البريطاني والمتسابقة في برامج تلفزيون الواقع.

وقالت شرطة ديفون آند كورنوال في جنوب غربي إنجلترا، إن الرجل لم يعد قيد التحقيق. وأضافت أن «المحققين ما زالوا ينفذون كثيراً في إطار التحقيق الجاري، ونحن ما زلنا ملتزمين بالوقوف على الملابسات الكاملة المحيطة بالحادث».

وعثر على ويديكومب (78 عاماً)، جثة هامدة الخميس، في منزلها الريفي النائي على أطراف متنزه دارتمور.

وأوقفت الشرطة الرجل أمس (الجمعة)، في بلدة تبعد أميالاً قليلة. وقالت لاحقاً إنه لا يجرى التعامل مع هذه الجريمة على أن لها صلة بالإرهاب، ولا معلومات تشير إلى أنها ذات دوافع سياسية، وفق ما أوردته وكالة «أسوشييتدبرس».

وشغلت ويديكومب مقعداً في مجلس العموم البريطاني بين عامي 1987 و2010، وعرفت بآرائها المحافظة اجتماعياً، التي عارضت حقوق الإجهاض.


أوروبا... نهاية «السلام الطويل» وبداية الاستعداد للحرب

رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
TT

أوروبا... نهاية «السلام الطويل» وبداية الاستعداد للحرب

رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي

يخبرنا التاريخ الموثّق بأن أوروبا شهدت أكثر من ألفي حرب؛ بدءاً من صراعات المدن الإغريقية ووصولاً إلى الحرب الروسية - الأوكرانية. وكان هذا نتاجاً لجغرافيتها القائمة على تشرذم الدول التي يتمسك كل منها بحدوده وسيادته، بالإضافة إلى تباين الانتماءات الإثنية والدينية، والطموحات التوسعية، والصراعات على الموارد وتبدّل التحالفات بصورة متكررة. غير أن هذه الحلقة كُسرت بعد الحرب العالمية الثانية مع قيام التحالفات الحديثة وتعميق التكامل الاقتصادي بين الدول الأوروبية، خصوصاً بعد إنشاء الاتحاد الأوروبي.

وعاش الأوروبيون حالة من التراخي والاطمئنان لعدة عقود؛ معتقدين أن الحروب الكبرى ولّت إلى غير رجعة في قارتهم. وقد بدأت هذه الفترة التي عُرفت باسم «السلام الطويل» بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وترسخت بشكل أكبر بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

وانعكس هذا التراخي مباشرة على العقيدة العسكرية الأوروبية، فقُلّصت الموازنات الدفاعية إلى مستويات قياسية (أقل من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، وأُلغي التجنيد الإلزامي، وتحولت الجيوش إلى قوات احترافية صغيرة مخصصة لمهمات حفظ السلام الخارجية.

«شارل ديغول» حاملة الطائرات الوحيدة التي تملكها فرنسا (أ.ف.ب)

وكانت «الصفعة الأولى» على وجه السلام حرب البوسنة (1992 - 1995) التي اندلعت بعد تفكك يوغوسلافيا. غير أن الأوروبيين الذين عجزوا عن وقفها (تولت الولايات المتحدة مهمة فرض السلام) رأوا فيها حدثاً إقليمياً طُويت صفحته.

وجاءت الصفعة الثانية بضم روسيا لشبه جزيرة القرم في مارس (آذار) 2014، لتعقبه الحرب الانفصالية في شرق أوكرانيا بين الناطقين بالروسية والجيش الأوكراني. وتطور هذا الصراع إلى حرب شاملة عندما غزت روسيا أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، فسقط «وهم السلام».

* مؤشرات التراجع

تمر أوروبا بمرحلة تراجع ملحوظ، خصوصاً في النمو الاقتصادي والاستقرار الديمقراطي والأمن. ورغم أن مستويات المعيشة لا تزال مرتفعة مقارنة بمناطق أخرى من العالم، فإن تراكم الأزمات المتزامنة بدأ يقوض تدريجياً مكاسب تحققت على مدى عقود.

وتبرز في هذا السياق صدمات الطاقة والتضخم التي ولّدتها الأزمات الجيوسياسية، لا سيما الصراع في الشرق الأوسط والاضطرابات التي طالت طرق الشحن العالمية الحيوية. ونتيجة لذلك، خفّضت المفوضية الأوروبية توقعاتها للنمو الاقتصادي لعام 2026 إلى نحو 1.1 في المائة فقط، في حين عاود معدل التضخم الارتفاع ليبلغ نحو 3.1 في المائة على مستوى الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وأجبر التضخم المرتفع واستمرار ارتفاع تكاليف الطاقة ما يقارب ثلثي الأسر على السعي المستمر إلى تقليص الإنفاق حتى على الاحتياجات الأساسية، وفق عدد من التقارير المتخصصة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته... وبدا في الخلف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال قمة الحلف بأنقرة (رويترز)

يضاف إلى ذلك أن الفارق بين الاقتصاد الأوروبي ومنافسيه يتّسع؛ فضعف نمو الإنتاجية، وشيخوخة القوى العاملة، وارتفاع الدين العام، وتراجع الاستقلالية الاستراتيجية، كلها عوامل تدفع أوروبا نحو مرحلة طويلة من النمو البطيء، بمعدلات أدنى بكثير من متوسطاتها التاريخية.

وعلى المستوى السياسي، أورد تقرير الديمقراطية الصادر عن معهد «V-Dem (Varieties of Democracy» السويدي المرموق، أن «الموجة الثالثة من الاستبداد» (تآكل المؤسسات، وتردّي القوانين الانتخابية، والتضييق على حرية التعبير...) التي يقول علماء السياسة إنها بدأت في عام 2010، باتت تؤثر بعمق في أوروبا. وقد صُنّفت 5 دول أوروبية؛ هي إيطاليا، وكرواتيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، والمملكة المتحدة، ضمن الدول التي تشهد تراجعاً ديمقراطياً ملحوظاً.

في موازاة ذلك، يواجه نموذج أوروبا القائم على الانفتاح والتكامل، ضغوطاً متزايدة؛ فقد دفعت موجات الهجرة غير النظامية، وتصاعد التوترات الثقافية الداخلية، والانقسامات السياسية، عدداً من الحكومات الأوروبية إلى تشديد إجراءاتها الحدودية وإعادة فرض قيود كانت قد خُففت سابقاً.

* تصاعد أعباء الدفاع

مع تنامي الأخطار الأمنية الناجمة عن النزاعات الإقليمية، خصوصاً الحرب الروسية - الأوكرانية، راحت الحكومات الأوروبية تضخ مليارات اليوروهات لتعزيز موازنات الدفاع وتطوير القدرات العسكرية المشتركة. ورغم أهمية هذه النفقات لتعزيز الأمن، فإنها تستنزف موارد عامة كان يمكن توجيهها إلى البنية التحتية المدنية، والخدمات الاجتماعية، وبرامج الرعاية.

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

تفصيلاً، سجل الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفاعاً ضخماً خلال السنوات الأخيرة؛ إذ رفعت دول الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إنفاقها العسكري بأكثر من 98 في المائة منذ عام 2020. وفي عام 2025، ارتفع الإنفاق الدفاعي الأساسي في أوروبا نحو 20 في المائة مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى 418 مليار يورو.

وأعادت موجة إعادة التسلح التاريخية هذه رسم المشهد المالي العسكري في القارة على النحو الآتي:

- الإنفاق الإجمالي: من المتوقع أن يبلغ الإنفاق الدفاعي الأساسي لدول الاتحاد الأوروبي في عام 2026، نحو 454 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 2.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد.

- الاستثمارات: تشهد الاستثمارات في المعدات العسكرية والبنية التحتية الدفاعية ارتفاعاً غير مسبوق؛ إذ قفز الإنفاق الدفاعي لدول «الناتو» الأوروبية وكندا بأكثر من 90 مليار دولار (نحو 20 في المائة) خلال عام 2025 وحده.

- الزيادات الوطنية: تتصدر القوى الأوروبية الكبرى هذه الموجة؛ إذ تعتزم ألمانيا رفع إنفاقها الدفاعي السنوي إلى 118 مليار يورو، في حين سجلت دول مثل إسبانيا وإيطاليا زيادات سنوية تاريخية في موازناتها الدفاعية، سعياً إلى تحقيق أهدافها الأمنية الجديدة.

* موقف ترمب من الحلفاء

كانت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الشركاء الأوروبيين التجاريين والحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، العتبة التي جعلت القادة الأوروبيين يتجاوزون سياساتهم المتحفظة نحو اعتماد مقاربة مختلفة لمسألة الأمن الاستراتيجي؛ فالمظلة الأميركية التي حمت أوروبا الغربية طوال عقود رُفعت عملياً، وأمضى ترمب جانباً كبيراً من قمة «الناتو» بأنقرة في توجيه انتقادات علنية إلى حلفائه، معدداً سلسلة من الشكاوى، تراوحت بين بطء التقدم في الوفاء بالتزامات الإنفاق الدفاعي، وضعف انخراطهم في الحرب مع إيران.

نموذج أول لدبابة «Capint» التي ستخرج من مصانع «KNDS» الألمانية - الفرنسية خلال معرض دفاعي في فيلبانت قرب باريس - 15 يونيو 2026 (رويترز)

كذلك، أمر بـ«وقف جميع المبادلات التجارية» مع إسبانيا، فيما بدا أنه رد على رفض مدريد الالتزام بهدف الحلف الخاص بالإنفاق الدفاعي. ووصف إسبانيا بأنها «قضية خاسرة» و«شريك سيئ للغاية في (الناتو)».

كما استغل ترمب القمة ليكرر رغبته في أن تستحوذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، وقال: «غرينلاند مهمة جداً للولايات المتحدة، لكنها ليست مهمة بالنسبة إلى الدنمارك. نحن بحاجة إليها لحماية العالم، وليس الولايات المتحدة فقط».

* هل يكفي السلاح لضمان الأمان؟

الواقع أنه قبل انعقاد قمة «الناتو» في أنقرة، تصدر مطلب زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي جدول الأعمال في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا. ورغم أن تعزيز القدرات العسكرية ضرورة لا يختلف الأوروبيون بشأنه، فإن اختزال أمن قارتهم في زيادة مشتريات الأسلحة يعكس فهماً قاصراً لطبيعة التحديات التي تواجهها.

صحيح أن القوة العسكرية تظل ركيزة أساسية للردع، لا سيما بعد أن كشفت الحرب في أوكرانيا ضعف الجاهزية الدفاعية الأوروبية، فإن الأمن لا يقوم على السلاح وحده؛ بل يعتمد أيضاً على التماسك السياسي، وشرعية المؤسسات الديمقراطية، والقيم المشتركة التي يُفترض أن تجمع دولاً متحالفة.

لذا، يحذر مراقبون من تحول «الناتو» إلى تحالف يقوم على منطق المقايضة، بحيث تصبح الحماية الأميركية مرتبطة فقط بحجم الإنفاق الدفاعي الأوروبي الذي سيغذي حكماً الاقتصاد الأميركي عبر شركات الصناعات العسكرية. فهذا المنطق يتجاهل أن الحلف، منذ تأسيسه عام 1949، لم يكن مجرد تحالف عسكري؛ بل نشأ بوصفه كياناً سياسياً يفاخر بأنه يستند إلى الديمقراطية وسيادة القانون والحريات الفردية، وهي عوامل تعزز الثقة بين الحلفاء وتسهل التعاون العسكري والاستخباراتي.

دمار في أحد أحياء كييف السكنية سبّبه قصف روسي (أ.ف.ب)

ويرى محللون أوروبيون أن الولايات المتحدة نفسها تحتاج إلى حلفاء أقوياء وموثوقين في مواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة والمستقبلية، وأن مساهمة أوروبا لا تقتصر على الجوانب العسكرية؛ بل تشمل قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية، بما يعزز مكانة «الناتو» وقدرته على المواجهة.

في المحصلة، يشكل رفع الإنفاق الدفاعي شرطاً ضرورياً لتعزيز الردع، لكنه لا يكفي وحده لبناء أمن أوروبي مستدام؛ فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع تعويض هشاشة الديمقراطية أو ضعف المؤسسات أو تآكل التماسك السياسي. لذلك، فإن أمن أوروبا في العقود المقبلة سيقاس ليس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل أيضاً بقدرتها على صون نموذجها الديمقراطي وتعزيز وحدتها الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية.