ضربات الطاقة الأوكرانية... ماذا تريد موسكو من التصعيد؟

رجال إطفاء يعملون على إخماد نيران بمبنى أصابته مسيّرة روسية في خاركيف الثلاثاء (رويترز)
رجال إطفاء يعملون على إخماد نيران بمبنى أصابته مسيّرة روسية في خاركيف الثلاثاء (رويترز)
TT

ضربات الطاقة الأوكرانية... ماذا تريد موسكو من التصعيد؟

رجال إطفاء يعملون على إخماد نيران بمبنى أصابته مسيّرة روسية في خاركيف الثلاثاء (رويترز)
رجال إطفاء يعملون على إخماد نيران بمبنى أصابته مسيّرة روسية في خاركيف الثلاثاء (رويترز)

عشية استئناف المحادثات الثلاثية في أبوظبي، جاء الهجوم الروسي الواسع على منشآت الطاقة والبنية التحتية الأوكرانية، كأنه «تصحيح قاسٍ» لأي انطباع بأن هدنة الأسبوع التي تحدّث عنها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تحوّلت إلى مسار ثابت. فبدلاً من أن تكون الأيام الماضية جسراً لبناء الثقة، تحوَّلت إلى نافذة قصيرة لالتقاط الأنفاس قبل عودة موسكو إلى أكثر أدواتها إيلاماً: ضرب الكهرباء والتدفئة في ذروة موجة صقيع.

الهجوم العنيف على قطاع الطاقة، مع استخدام كثيف للصواريخ والطائرات المسيّرة على نطاق واسع، أدى إلى انقطاعات كبيرة في التيار والتدفئة في كييف ومناطق أخرى. وفي لحظة سياسية حساسة، لا يمكن قراءة هذا التصعيد بوصفه «خرقاً تقنياً» لتفاهم غامض، بل بوصفه إشارة مقصودة إلى حدود ما تراه موسكو التزاماً، وإلى طبيعة أوراق الضغط التي تريد حملها إلى طاولة التفاوض.

مصافحة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأمين العام لـ«ناتو» مارك روته في كييف الثلاثاء (أ.ف.ب)

تعريف روسيا للتهدئة

وفق المعطيات المتداولة عن «وقف استهداف الطاقة»، كان التفاهم أصلاً هشاً ومؤقتاً، أقرب إلى إجراء لخفض التصعيد، لا إلى اتفاق وقف نار. وقد أشارت تقارير إلى أن موسكو وافقت على وقف ضرب منشآت الطاقة الأوكرانية حتى 1 فبراير (شباط)، لا أكثر. من هنا، يمكن لروسيا أن تدفع بحجة شكلية: «المدة انتهت»، لكن اختيار التوقيت - العودة بضربة كثيفة في أبرد أيام الشتاء وقبيل محادثات أبوظبي - يوحي بأن الغاية ليست قانونية/إجرائية، بل تفاوضية بامتياز: رسم خط أحمر يقول إن «تعليق النار» إن حصل، فهو أداة بيد موسكو، تُشغّلها وتُطفئها وفق الحاجة.

ويرى البعض أن هذه نقطة جوهرية لفهم ما يعنيه الهجوم: موسكو لا تنظر إلى التهدئة بوصفه التزاماً متبادلاً طويلاً، بل بوصفه إيماءةً قصيرةً تُمنح عندما تُفيدها في إدارة علاقتها مع واشنطن أو تحسين شروطها، ثم تُسحب بسرعة عندما تريد رفع الكلفة على كييف وحلفائها.

ضرب الطاقة ليس مجرد استهداف للبنية التحتية، بل لاستقرار الحياة اليومية: التدفئة، الماء، النقل، المستشفيات، والقدرة على استمرار الاقتصاد في زمن الحرب. تقارير تحدثت عن أضرار واسعة وانقطاع تدفئة عن مئات المباني في كييف وحدها. الرسالة إلى الداخل الأوكراني مباشرة: تكلفة الاستمرار سترتفع، وقد ترتفع أسرع من قدرة الدولة على التعويض.

والرسالة إلى القيادة الأوكرانية أعمق: إن كنتم تراهنون على أن «مساراً إيجابياً» بدأ مع واشنطن، فموسكو قادرة على إعادة تعريف المزاج السياسي خلال ساعات عبر خلق أزمة إنسانية خدمية، بما يضع زخم المفاوضات تحت ضغط الرأي العام ومتطلبات الصمود.

بيد أن التصعيد يشي بأن موسكو تراهن على 3 فرضيات متداخلة:

- إدارة ترمب تريد «تجميد الجبهة» أكثر مما تريد معاقبة موسكو، وإذا كان هدفها هو وقف الحرب بسرعة، فروسيا قد ترى أن أقصى ما ستواجهه هو بيانات إدانة وضغوط محدودة، من دون تحوّل جذري في ميزان الدعم العسكري.

- الضربة تخلق إحراجاً سياسياً لواشنطن دون أن تكلف موسكو ثمناً فورياً. لذلك ترغب روسيا في اختبار ذلك عملياً.

- اختبار الحديث عن الضمانات وترتيبات الردع، والسجال داخل المعسكر الغربي حول شكلها وما إذا كانت قوات أوروبية على الأرض جزءاً من الحل أم جزءاً من المشكلة، في ظل اقتناع موسكو بهشاشة العلاقات الأميركية - الأوكرانية نفسها.

متطوعون بولنديون يوزعون الطعام في إحدى ضواحي كييف حيث أدت الهجمات الروسية إلى انقطاع الطاقة الكهربائية الثلاثاء (أ.ف.ب)

معضلة التنفيذ والردع

زيارة الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي» (ناتو) مارك روته إلى كييف - وفق ما أوردته التقارير - ترافقت مع حديث عن ترتيبات أمنية محتملة بعد أي اتفاق، تشمل سيناريوهات نشر قوات/وسائط ردع أوروبية. لكن موسكو لطالما رفضت فكرة وجود قوات غربية في أوكرانيا كجزء من تسوية، لأنها تسحب من روسيا أهم أدواتها: التهديد بالعودة إلى القصف والتقدم دون تكلفة ردعية مباشرة.

والأهم أن الأحاديث الأوروبية عن «الردع» تصطدم بسؤال التنفيذ: مَن يتخذ قرار الرد؟ وبأي سقف؟ وبأي زمن؟ في هذا السياق، برزت تقارير عن مقترح «متعدد المستويات» لفرض أي وقف إطلاق نار، يبدأ بإنذار دبلوماسي سريع، ثم يتدرج إلى ردود أشد إذا تكرر الخرق. من زاوية موسكو، ضرب الطاقة عشية المفاوضات يمكن أن يكون أيضاً محاولة استباقية لتفريغ هذه الفكرة من مضمونها: إذا كان الردع سيقوم على «خطوط واضحة» للخرق والعقاب، فروسيا تذكّر الجميع بأنها تملك مساحةً واسعةً للمناورة الرمادية - هجمات تُصنّف «انتقاماً» أو «رداً» أو «استهدافاً مزدوج الاستخدام»، وتالياً تُعقّد الإجماع الغربي على رد موحّد.

ماذا بعد رفع السقف؟

أضرار جراء هجوم بمسيّرة روسية في منطقة سكنية بكييف الثلاثاء (إ.ب.أ)

في منطق التفاوض تحت النار، القاعدة بسيطة: مَن يرفع الألم يرفع تكلفة «اللا اتفاق»، وبالتالي يرفع سعر التنازل. موسكو تريد الذهاب إلى أبوظبي وهي تحمل ورقتين: ورقة المعاناة المدنية، للضغط على كييف لخفض مطالبها في الضمانات والترتيبات الميدانية. وورقة القدرة المستمرة، لإثبات أن روسيا لم تُستنزف إلى حد فقدان المبادرة، وأنها قادرة على موجات كبيرة من النيران عندما تختار ذلك.

بالتوازي، تسمح الضربة لموسكو بإعادة صياغة السردية التي تقول «نحن نرد على أعمال أوكرانية»، وهو تبرير ورد على لسان وزارة الدفاع الروسية بحسب تقارير. هذا النوع من السرديات ليس موجهاً فقط للإعلام الداخلي الروسي، بل أيضاً لإرباك النقاش الغربي حول «من يعرقل الدبلوماسية».

لذلك تذهب موسكو إلى أبوظبي مراهنة على طرح تثبيت هدنة طاقة جديدة ومحدودة زمنياً، بوصفه إجراءً إنسانياً - خدماتياً، ليس وقف نار شاملًا، مع بقاء الجبهة مشتعلة في قطاعات أخرى. وقد تقوم بمحاولة مقايضة الطاقة بالضمانات، عبر عرض تمديد وقف ضرب البنى التحتية مقابل تخفيف صيغ الردع الأوروبية/الأميركية أو تمييع آليات الرد على الخروق. كما قد تحاول الاستمرار في نمط «التصعيد المُدار»، عبر ضربات كبيرة على فترات، لإبقاء كييف في «وضع البقاء»، ولإبقاء واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما رفع الدعم النوعي (دفاع جوي أكثر مثلاً)، أو القبول بتسوية أسرع بشروط أقل.

ومع ذلك، لا يعد الهجوم دليلاً على موت الدبلوماسية، بقدر ما هو تذكير روسي بأن الدبلوماسية، في تصور موسكو، لا تنفصل عن الإكراه. والأجواء الإيجابية التي غذّاها حديث هدنة الأسبوع تبدو الآن اختباراً سريعاً لمدى قابلية واشنطن وكييف وأوروبا لتحويل نوايا التهدئة إلى قواعد ملزمة. وحتى يحدث ذلك، ستظل منشآت الطاقة إحدى أكثر نقاط الضعف التي تراهن روسيا على أنها تُكسبها ما لا تكسبه الدبابات وحدها.


مقالات ذات صلة

قلق أوروبي من إفراط أمين عام «ناتو» في محاباة ترمب

أوروبا صورة أرشيفية لمارك روته تعود لعام 2021 أمام البرلمان الهولندي عندما كان رئيساً للوزراء (أ.ف.ب) play-circle

قلق أوروبي من إفراط أمين عام «ناتو» في محاباة ترمب

قلق أوروبي من إفراط أمين عام «ناتو» في محاباة ترمب وروته يعترف ودول الحلف ترى أنه قد تجاوز الحدود بإظهاره التأييد غير المشروط للرئيس الأميركي على حسابها

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا زيلينسكي وروته في كييف اليوم (رويترز)

روته في كييف بعد ساعات من أكبر هجوم روسي هذا العام

قام الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته بزيارة مفاجئة إلى كييف، اليوم (الثلاثاء)، بعد ساعات على شن روسيا أكبر هجوم بالمُسيَّرات والصواريخ هذا العام.

«الشرق الأوسط» (كييف )
أوروبا صاروخ روسي خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

الكرملين يحذّر من «خطورة» انتهاء صلاحية آخر معاهدة نووية أميركية - روسية

نبّه الكرملين اليوم (الثلاثاء) إلى «خطورة» انتهاء صلاحية آخر معاهدة نووية بين الولايات المتحدة وروسيا هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك في فيلنيوس ليتوانيا 25 يناير 2026 (أ.ب)

زيلينسكي: روسيا ملتزمة «إلى حد كبير» بوقف استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الاثنين، إن روسيا التزمت إلى حد كبير بوقف إطلاق النار على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تظهر الكرملين في وسط موسكو 7 أغسطس 2025 (رويترز)

روسيا: سنتعامل مع أي قوات أجنبية في أوكرانيا كأهداف مشروعة

قالت وزارة الخارجية الروسية، الاثنين، نقلاً عن الوزير سيرغي لافروف، إن روسيا ستعتبر نشر أي قوات أو بنية تحتية عسكرية أجنبية في أوكرانيا تدخلاً أجنبياً.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تلميذ يطعن معلّمة في إعدادية فرنسية... ويصيبها بجروح بالغة

عناصر من الشرطة الفرنسية (رويترز-أرشيفية)
عناصر من الشرطة الفرنسية (رويترز-أرشيفية)
TT

تلميذ يطعن معلّمة في إعدادية فرنسية... ويصيبها بجروح بالغة

عناصر من الشرطة الفرنسية (رويترز-أرشيفية)
عناصر من الشرطة الفرنسية (رويترز-أرشيفية)

أصيبت معلّمة بجروح بالغة، بعد تعرّضها للطعن ثلاث مرات على يد طالب في مدرسة «لا غيشارد» الإعدادية في بلدة ساناري سور مير في فرنسا، بعد ظهر الثلاثاء.

وتمكنت فِرق الإسعاف، التي توجهت إلى مكان الحادث، من إسعاف الضحية ونقلها إلى المستشفى.

ووفق معلومات صحيفة «لو باريزيان» الفرنسية، فإن حالة المعلّمة حرجة.

ووفق معلومات الصحيفة، يبلغ الطالب 14 عاماً في سنته الأخيرة من المرحلة الإعدادية، وهدد معلّمته قبل أن يطعنها ثلاث مرات؛ مرتين في البطن، ومرة ​​في الذراع. وقد ألقت الشرطة القبض عليه.

وأعلن وزير التربية والتعليم، إدوارد جيفري، على منصة «إكس»، أنه سيتوجه إلى مكان الحادث «فوراً». وكتب: «أفكاري مع الضحية وعائلتها وجميع العاملين في قطاع التعليم، الذين أشاركهم بصدمة عميقة».

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، تعرّض مُدرّس موسيقى يبلغ من العمر 66 عاماً لهجوم بسكين في مدرسة إعدادية ببلدة بينفيلد في منطقة «با-رين» الفرنسية. وقد تُوفي الجاني وهو فتى يبلغ من العمر 14 عاماً.

وبالمثل، في يونيو (حزيران) الماضي، توفيت مُشرفة في مدرسة «فرنسواز دولتو» الإعدادية ببلدة نوجان الفرنسية بمنطقة هوت-مارن، بعد أن هاجمها طالب بسكين.


قلق أوروبي من إفراط أمين عام «ناتو» في محاباة ترمب

ترمب يتحدث إلى جانب أمين عام «ناتو» في البيت الأبيض 22 أكتوبر 2025 (رويترز)
ترمب يتحدث إلى جانب أمين عام «ناتو» في البيت الأبيض 22 أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

قلق أوروبي من إفراط أمين عام «ناتو» في محاباة ترمب

ترمب يتحدث إلى جانب أمين عام «ناتو» في البيت الأبيض 22 أكتوبر 2025 (رويترز)
ترمب يتحدث إلى جانب أمين عام «ناتو» في البيت الأبيض 22 أكتوبر 2025 (رويترز)

بعد مرور عام على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، لا يزال الأوروبيون يضربون أخماساً بأسداس لمعرفة الطريقة المثلى التي يجب أن يتبعوها في التعامل مع زئبقية الرئيس الأميركي وتقلباته المزاجية المتسارعة. في موازاة ذلك، يبدو أن الأمين العام للحلف الأطلسي مارك روتّه قد عثر على هذه الضّالة بالتودد والتملّق العلني المفرط أمام سيّد البيت الأبيض.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط قادة عالميين خلال قمة «ناتو» في لاهاي (أ.ب)

لكن هذه الاستراتيجية التي يعترف روتّه ذاته بأنها مثيرة للامتعاض لدى كثيرين، بدأت تثير قلقاً متزايداً في عدد من العواصم الأوروبية الكبرى التي ترى أن الأمين العام للحلف الأطلسي قد تجاوز الحدود بإظهاره التأييد غير المشروط لترمب على حساب الدول الأخرى الأعضاء في الحلف.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يتحدث خلال مؤتمر صحافي قبل اجتماع وزراء خارجيته بمقره في بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

أوساط دبلوماسية أوروبية عدّة ذكّرت روتّه بأن الحلف الأطلسي يضمّ 32 دولة، وليس مقصوراً فحسب على الولايات المتحدة، في حين يبدي أكثر من مسؤول أوروبي امتعاضه من «انبطاح» الأمين العام للحلف أمام الرئيس الأميركي، وما يبديه من اقتناع بالمدائح التي يغدقها عليه، رغم تهديدات ترمب المتكررة لأوروبا، وتقليله من شأنها، كما فعل مؤخراً عندما تحدث عن دور القوات الأوروبية في حرب أفغانستان، وأيضاً رغم إهاناته لروتّه ولقيادات أوروبية، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما حصل في دافوس عندما نشر على منصته رسائل خاصة له من الاثنين يمتدحان فيها صنائعه التي لا تصدّق في الشرق الأوسط.

في المجالس الأوروبية الخاصة يطلق المسؤولون على روتّه لقب «الهامس في أذن ترمب»، أي الذي أفلح في جذب اهتمام الرئيس الأميركي ليستمع إلى ما عنده. وقد حقق ذلك بالإطراء العلني، والمعيب أحياناً كما حصل مؤخراً في لاهاي عندما ناداه Daddy، واعترف لاحقاً بأنه ذهب بعيداً وأعرب عن أسفه. وخلال إحدى جلسات النقاش في دافوس، سئل الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب من الذي يمكن أن يخفف من حدة التوتر حول غرينلاند، فأجاب ضاحكاً: مارك روتّه.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

في ذلك الوقت كان الأمين العام للحلف الأطلسي يفاوض الجانب الأميركي حول الاتفاق الذي يبدو أنه، في الوقت الحاضر، قد أعاد الهدوء إلى مياه البحيرة الأطلسية المضطربة التي تسببت في التهديدات العسكرية والجمركية ضد الدانمارك والدول الأخرى التي دعمتها في وجه المطالب الأميركية بشأن الجزيرة القطبية.

لكن الأوروبيين يعرفون جيداً أن روتّه وصل إلى الأمانة العامة للحلف الأطلسي أواخر عام 2024، عندما كانت عودة ترمب إلى البيت الأبيض شبه مؤكدة، بتكليف أولوي واضح: إقناع الولايات المتحدة بعدم الانسحاب من حلف الدفاع الأطلسي، وعدم التخلي عن حلفائها الأوروبيين، رغم الاستخفاف الذي يبديه الرئيس الأميركي بأوروبا وقيمها.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)

المدافعون عن روتّه يقولون إن مهمته بالغة الصعوبة بوجود دونالد ترمب في البيت الأبيض، وينوّهون بأدائه لأنه نجح في إقامة علاقة جيدة مع الرئيس الأميركي، وأبعد شبح تخلّي الولايات المتحدة عن الحلف الأطلسي، وبالتالي فهو «الرجل المناسب في الموقع المناسب والوقت المناسب»، كما قال مؤخراً ديفيد ماكاليستر، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي. ويضرب مـؤيدوه مثالاً على نجاحه، بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في دافوس وأدّى إلى سحب الرسوم الجمركية في المفاوضات مع واشنطن، والتركيز على مستقبل القطب المتجمد الشمالي.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته (أ.ب)

لكن السؤال الذي يؤرّق العواصم الأوروبية الكبرى هو ما إذا كان هذا الإفراط في امتداح الرئيس الأميركي ومحاباته علناً، سيلحق الضرر بمصالح الأوروبيين عوضاً عن الدفاع عنها. وهذا ما شعر به كثيرون عندما سمعوا روتّه في البرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي يقول: «إن أوروبا ليست، ولن تكون، قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة».

وقد استدعت تلك التصريحات ردة فعل سريعة وشديدة اللهجة من باريس ومدريد اللتين ذكّرتا الأمين العام للحلف الأطلسي بأن الاستقلالية الأمنية الأوروبية هي هدف أوروبي مشترك ومرغوب من واشنطن، وأنها «ليست أضغاث أحلام كما ورد على لسان روتّه.

ويقول وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إن التذرّع بضعف أوروبا للحصول على ضمانات أمنية من الولايات المتحدة مقاربة خاطئة من شأنها أن تحفّز موسكو على المزيد من المغامرات. وتقول جانا بوجيرين، كبيرة الباحثين في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «إن سياسة روتّه الأمنية تدفع أوروبا في الاتجاه الخطأ»؛ لأن ثقة الحلفاء الأوروبيين بواشنطن أصبحت الآن مفقودة، وتذكّر بأن استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي نشرتها الإدارة الأميركية نهاية العام الماضي، تبيّن بوضوح جنوح الولايات المتحدة نحو الانكفاء عن لعب دور العباءة الأمنية للأوروبيين.

الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته (رويترز)

الأمين العام للحلف الأطلسي لا يبدو حتى الآن مكترثاً لهذه الانتقادات ويقول: «الرئيس ترمب يحسن الفعل في أمور كثيرة، وأعرف أن كثيرين يزعجهم إطرائي على ما يقوم به، ولن أتراجع عن ذلك، ولا يهمني إذا نشر رسائلي الخاصة له». لكن منتقديه بدأوا يطالبونه بتوضيح تحالفاته ويرددون «على السيّد روتّه أن يقرر إذا كان يريد أن يكون سفيراً للولايات المتحدة لدى الحلف الأطلسي، أو الأمين العام للمنظمة وجميع أعضائها».


ستارمر: المزاعم عن تسريب معلومات حساسة إلى إبستين أمر «مشين»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)
TT

ستارمر: المزاعم عن تسريب معلومات حساسة إلى إبستين أمر «مشين»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)

قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للوزراء، اليوم الثلاثاء، ​إن ما تردد عن تسريب السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة بيتر ماندلسون معلومات حكومية حساسة إلى جيفري إبستين رجل الأعمال الراحل المدان بارتكاب جرائم جنسية أمر «مشين».

وخلال ترؤسه اجتماعاً ‌لفريقه الوزاري ‌الأعلى، كرر ‌ستارمر ⁠أن ماندلسون ​يجب ‌ألا يبقى عضواً في مجلس الشيوخ البريطاني وأن الحكومة ستتعاون مع الشرطة في أي تحقيقات تجريها، وفقاً لـ«رويترز».

وقال المتحدث باسم ستارمر للصحافيين: «عبّر رئيس الوزراء ⁠عن استيائه الشديد من المعلومات التي ‌ظهرت في مطلع ‍الأسبوع في ملفات إبستين. وقال إن مزاعم تسريب رسائل بريد إلكتروني تتعلق بأعمال حكومية بالغة الحساسية أمر مشين، مضيفاً أنه غير واثق من ظهور جميع المعلومات ​بكامل تفاصيلها حتى الآن».

وتابع المتحدث: «أظهرت المراجعة الأولية للوثائق ⁠التي نشرتها وزارة العدل الأميركية بشأن جيفري إبستين أنها تحتوي على معلومات يحتمل أن تكون حساسة للسوق تتعلق بالانهيار المالي لعام 2008 والأنشطة الرسمية التي تلت ذلك من أجل استقرار الاقتصاد»، مضيفاً أن إجراءات الحماية قد تم اختراقها ‌على ما يبدو.