يجد الأوروبيون أنفسهم في موقف بالغ الحرج إزاء العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، التي أفضت إلى اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وجلبه إلى الولايات المتحدة لغرض محاكمته.
وبينت ردود الفعل الأوروبية، أكانت على مستوى الاتحاد الأوروبي أو على المستوى الوطني، أن القادة الأوروبيين لا يتمتعون بالجرأة الكافية للتنديد أو حتى للانتقاد «المعتدل» للأسلوب الذي اختاره الرئيس دونالد ترمب للتخلص من حكم مادورو. ولعل أفضل دليل على ذلك ما صدر عن فريدرتش ميرتس، المستشار الألماني، الذي اعتبر السبت، في تغريدة له على منصة «إكس» أن «التقييم القانوني للتدخل الأميركي (في فنزويلا) أمر بالغ التعقيد ويتطلب دراسة متعمقة».
أما أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية أي الجهاز التنفيذي، فإنها في تغريدتها لم تأتِ على ذكر الولايات المتحدة، مكتفية بتأكيد «أننا نتابع من كثب الوضع ونقف إلى جانب شعب فنزويلا وندعم الانتقال السلمي والديمقراطي، وأن أي حل يجب أن يحترم القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

ودعت مايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد، إلى «ضبط النفس» وإلى المثابرة في «مراقبة الوضع عن قرب».
بالمقابل، فإن جيورجيا ميلوني وصفت العملية الأميركية بـ«المشروعة» وأنها تندرج في باب «الدفاع عن النفس».
وأجمع الأوروبيون على الترحيب بتنحية مادورو، مع غض النظر عن الطريقة المستخدمة، وقال كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني: «إن أحداً لن يذرف الدموع على نهاية نظامه» واعداً بـ«مناقشة الوضع المتغير في الأيام القادمة» مع الطرف الأميركي لغرض الذهاب إلى «انتقال سلمي وآمن إلى حكومة شرعية».
لماذا الخجل الأوروبي؟
ترى مصادر سياسية أوروبية في باريس أن امتناع الأوروبيين عن توجيه الانتقاد للرئيس ترمب على عمليته، التي تخرق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، «مرده إلى حاجتهم إليه في الملف الأوكراني في وقت بالغ الحساسية وخوفهم من أن طباعه لا تتقبل أي نوع من أنواع الانتقاد، وبالتالي فإنهم فضلوا تنحية مبادئهم جانبا وتغليب مصلحتهم الجيواستراتيجية على المبادئ التي يدعون الدفاع عنها».

وتذهب هذه المصادر أبعد من ذلك، معتبرة أنه «بعد أن تبين للأوروبيين أن ترمب لا يتردد في اللجوء إلى القوة لتحقيق مآربه التي لا يتردد في الكشف عنها، فإن خوفهم أن يعمد فعلاً إلى السيطرة على غرينلاند، بما في ذلك عن طريق اللجوء إلى القوة العسكرية». وفي هذا السياق، تذكر هذه المصادر بأن الأخير جدد تمسكه بوضع اليد على غرينلاند لـ«حماية أمن الولايات المتحدة». وأكد في مقابلة مع قناة «آي بي سي» الأميركية، الأحد، أن الولايات المتحدة «بحاجة ماسة إلى الاستحواذ على غرينلاند، ولا سيما لأسباب تتعلق بالأمن القومي»، مجدداً رغبته في أن تسيطر بلاده على هذه الجزيرة القطبية الشاسعة التي هي جزء من الدنمارك، حليف الولايات المتحدة في إطار الحلف الأطلسي والعضو في الاتحاد الأوروبي.
يأمل الأوروبيون، مقابل غض النظر عن أساليب ترمب الملتبسة في فنزويلا، والتي لا تحظى بأي غطاء دولي، أن تتبع واشنطن أسلوباً مغايراً في ما خص إدارة الأمور في البلد المذكور. من هنا، يأتي تذكيرهم بالحاجة إلى «الانتقال السلمي» للسلطة واحترام «الإرادة الشعبية» التي برزت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في عام 2024. ويجمع الغربيون على أن مادورو زور نتائجها وأن الفائز الفعلي فيها هو المرشح المعارض إدموندو غونزاليس. لكن يبدو واضحاً أن ترمب لن يختار هذا السبيل وأن له مخططاته الخاصة، التي كشف عن جانب منها في المؤتمر الصحافي الذي أعقب القبض على مادورو ووضحها، الأحد، في حديثه للصحافة، على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس 1» عند عودته إلى واشنطن من ولاية فلوريدا.
وقال ترمب عند سؤاله عن المرحلة اللاحقة في فنزويلا: «نحن نتعامل مع الأشخاص الذين أدوا اليمين للتو (نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز) فلا تسألوني من المسؤول لأنني سأعطيكم إجابة وستكون مثيرة للجدل للغاية... هذا يعني أننا نحن من يقود الأمور... وإذا لم يلتزموا فسننفذ ضربة ثانية... الولايات المتحدة بحاجة إلى سيطرة كاملة على النفط وغيره من الموارد في فنزويلا».

استدارة ماكرون
تسببت أزمة فنزويلا بسجال سياسي في فرنسا بسبب المواقف التي صدرت عن الرئيس إيمانويل ماكرون، السبت، والتي رأت فيها المعارضة اليسارية «انبطاحاً» أمام ترمب.
ففي تغريدة متأخرة له مساء السبت على منصة «إكس»، قال ماكرون إنه «أخذ علماً» بما حصل في كاراكاس. وكبقية القادة الأوروبيين، امتنع عن انتقاد التدخل الأميركي العسكري، معتبراً أن أهل البلاد لا يمكنهم سوى أن «يبتهجوا» بانتهاء «ديكتاتورية مادورو» الذي اتهمه بـ«مصادرة السلطة والدوس على الحريات الأساسية ملحقاً ضراراً بالغاً بكرامة شعبه». ودعا الرئيس الفرنسي إلى «انتقال سلمي وديمقراطي يحترم إرادة الشعب الفنزويلي»، على أن يقوده إدموندو غونزاليس في «أسرع وقت». بيد أن اللافت أن تغريدته جاءت «متراجعة» عما صدر قبله عن وزير خارجيته، جان نويل بارو، الذي لم يتردد في انتقاد العملية العسكرية الأميركية التي وصفها بأنها «تتعارض مع مبادئ القانون الدولي». وأضاف بارو على منصة «إكس»: «تنتهك العملية العسكرية التي أدت إلى القبض على نيكولاس مادورو مبدأ عدم اللجوء إلى القوة الذي يقوم عليه القانون الدولي. وتؤكد فرنسا مجدداً أنه لا يمكن فرض حل سياسي دائم من الخارج وأن الشعوب ذات السيادة وحدها هي التي تستطيع أن تقرر مستقبلها بنفسها». والغريب في هذا التضارب أن الرئيس الفرنسي هو المشرف على السياستين الخارجية والدفاعية لبلاده وأن هناك تنسيقاً دائماً بين الخارجية وقصر الإليزيه.
لم يتردد اليسار الفرنسي في مهاجمة ماكرون. فقد رأي أوليفيه فور، الأمين العام لـ«الحزب الاشتراكي» أن فرنسا «ليست دولة تابعة للولايات المتحدة، ولا يمكن لرئيسنا أن يتصرف كأنه مجرد ناطق باسم البيت الأبيض». وقال رئيس كتلة الحزب الاشتراكي في مجلس الشيوخ، باتريك كانر: «ماكرون يدوس هذا المساء تاريخنا الدبلوماسي كله. إنه عار». ورأى فابيان روسيل، الأمين العام لـ«الحزب الشيوعي» في مواقف ماكرون «العار الأقصى». وبنظره، فإن فرنسا «هبطت إلى مرتبة الولاية الأميركية الحادية والخمسين». واعتبر جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا المتمردة» اليساري المتشدد أن ماكرون «لا يمثل صوت فرنسا. إنه مصدر خجل لنا، إذ هو يتخلى عن (مبادئ) القانون الدولي». بالمقابل، فإن اليمين الفرنسي التقليدي والمتطرف لم ينتقد الغزوة الأميركية ولا مواقف ماكرون وبقي متأرجحاً بالنسبة لحالة فنزويلا.
إزاء الانتقادات العنيفة التي استهدفته، «صحح» الرئيس الفرنسي مواقفه مستفيداً من انعقاد مجلس الوزراء صباح الاثنين. فالناطقة باسم الحكومة الفرنسية نقلت عنه قوله إن فرنسا لا تدعم ولا توافق على «الأسلوب» الذي استخدمته الولايات المتحدة للقبض على رئيس مادورو، مضيفة أن ماكرون أكد أن فرنسا تدافع عن القانون الدولي وحرية الشعوب. كذلك، فإن ماكرون أعلن أمام مجلس الوزراء أن فرنسا «تدعم السيادة الشعبية وهذه السيادة الشعبية» التي برزت من خلال انتخابات رئاسية نددت بها المعارضة وحينها اعتبرت فرنسا وقسم كبير من الأسرة الدولية أن الفائز فيها كان المعارض إدموندو غونزاليس.
وخلاصة الرئيس الفرنسي أنه «إن حصلت عملية انتقالية، يجب أن يؤدي الفائز في (انتخابات) 2024 دوراً محورياً فيها». والحال أن ترمب لا يرى الشيء نفسه، وبالتالي فإن ما يقوله الأوروبيون بشأن مستقبل فنزويلا لا يبدو أنه يهم الرئيس الأميركي كثيراً.



