أوروبا تائهة بين السعي للاستقلالية والحاجة إلى مظلة أميركية

«استراتيجية الأمن القومي» أظهرت ازدراء واشنطن للأوروبيين

الرئيس دونالد ترمب متحدثاً في تجمع حاشد في مركز روكي ماونت (كارولينا الشمالية) يوم 19 ديسمبر عن خططه لخفض تكلفة السلع الأساسية (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب متحدثاً في تجمع حاشد في مركز روكي ماونت (كارولينا الشمالية) يوم 19 ديسمبر عن خططه لخفض تكلفة السلع الأساسية (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تائهة بين السعي للاستقلالية والحاجة إلى مظلة أميركية

الرئيس دونالد ترمب متحدثاً في تجمع حاشد في مركز روكي ماونت (كارولينا الشمالية) يوم 19 ديسمبر عن خططه لخفض تكلفة السلع الأساسية (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب متحدثاً في تجمع حاشد في مركز روكي ماونت (كارولينا الشمالية) يوم 19 ديسمبر عن خططه لخفض تكلفة السلع الأساسية (أ.ف.ب)

إذا كانت الشكوك ما زالت تساور القادة الأوروبيين حول نظرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإدارته الجمهورية للقارة القديمة، فإن وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» التي نشرت في 5 ديسمبر (كانون الأول) تقطع الشك باليقين لأنها تُظهر، وبلغة فجة غير مسبوقة، الازدراء الأميركي للحليف الأوروبي أكان في إطار الاتحاد الأوروبي أم في إطار الحلف الأطلسي.

فالوثيقة الاستراتيجية التي تنشر عادة مع بداية كل عهد أميركي جديد، يراد لها أن تؤطر العلاقات الأميركية - الأوروبية للسنوات القادمة.

من هنا، يفترض بها وبالمضمون الذي حملته أن تزيل الأوهام الأوروبية في السياقات السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية والاقتصادية والتجارية والثقافية. فالفقرات التي تضمنتها بخصوص أوروبا جاءت صادمة. والأسوأ أنها جاءت في وقت تحتاج فيه أوروبا لـ«الشريك» الأميركي لأنها غير قادرة، بقواها الذاتية، أن تضع حداً للحرب الأوكرانية التي تدق أبوابها، فيما تعتبر أنها تتعرض لتهديد روسي وجودي. لا بل ثمة أصوات صدرت من ألمانيا وفرنسا وبولندا ومن دول بحر البلطيق تحذر من أن الرئيس فلاديمير بوتين المقدر له أن يبقى في السلطة حتى عام 2036 لن يتردد في مهاجمة أوروبا في فترة زمنية لا تتجاوز نهاية العقد الجاري؛ ما يحتّم على الأوروبيين التأهب وتعظيم قدراتهم، خصوصاً أن ثقتهم بالحلف الأطلسي وبالمادة الخامسة منه تتلاشى.

وللتذكير، فإن حرفية المادة الخامسة من معاهدة الحلف تنص على ما يلي: «يعتبر أي هجوم مسلح على أحد الأطراف في أوروبا أو أميركا الشمالية هجوماً على جميع الأعضاء، ويوافق كل طرف على أنه إذا وقع هجوم مسلح من هذا القبيل، فإن كل عضو، بمفرده أو بالتعاون مع الآخرين، سيقوم باتخاذ ما يراه ضرورياً، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، لاستعادة وسلامة أمن المنطقة الأطلسية. ويتفق الأطراف على أن أي تدخل من هذا النوع يُتخذ فوراً بعد وقوع الهجوم، وسيتم الإبلاغ عنه فورياً إلى مجلس الأمن الدولي وفقاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة».

انحسار المظلة الأميركية

يريد الرئيس ترمب، من خلال الوثيقة الاستراتيجية، إفهام الأوروبيين أن زمن الاستكانة للمظلة الأميركية - الأطلسية قد ولى إلى غير رجعة، وأن عليهم بالتالي أن يتحملوا عبء الدفاع عن أنفسهم. ويبرز ذلك بوضوح من خلال الفقرة التالية من الوثيقة المذكورة، التي تنص على «تمكين أوروبا من الاعتماد على نفسها والعمل كمجموعة من الدول المتحالفة ذات السيادة، بما في ذلك تحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعها الخاص، دون الرضوخ لهيمنة أي قوة معادية».

ملف أوكرانيا يثير خلافات أميركية - أوروبية (أ.ب)

في لقاء خاص بـ«الشرق الأوسط»، يُرجع البروفسور برتراند بادي، صاحب العديد من المؤلفات في العلاقات الدولية والمحاضر السابق في معهد العلوم السياسية في باريس، تحول النظرة الأميركية للحلف إلى أن ترمب «لم يعد يعتبره مربحاً» لبلاده وأن التحالف بين ضفتي الأطلسي «أصبح مكلفاً ومعوقاً لواشنطن». وإذا كان «الحلف» زمن الحرب الباردة، قد «مكّن الولايات المتحدة من فرض هيمنتها على الغرب وعلى جزء من العالم في وقت لم يكن قد ظهر ما يسمى الجنوب الشامل»، فإن انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي «سمحا للأوروبيين التحرر نوعاً ما من الهيمنة الأميركية»؛ إذ إن روسيا لم تعد تخيفهم. لذا، أخذ الحليف الأميركي يعتبر أن «حماية أوروبا، من جهة، مكلفة، ومن جهة ثانية، مضرة بالمصالح الأميركية آيديولوجياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وبرؤيتها «الجديدة» للعالم. من هنا، تأكيد ترمب على أنه يتعين على أوروبا أن تتولى حماية نفسها وزيادة إنفاقها الدفاعي.

الهجوم على أوروبا

جاء في حرفية الوثيقة الاستراتيجية عن أوروبا ما يلي: «اعتاد المسؤولون الأميركيون على النظر إلى المشكلات الأوروبية من زاوية انخفاض الإنفاق العسكري والركود الاقتصادي. وهذا صحيح، لكن المشكلات الحقيقية أعمق بكثير. فقد فقدت أوروبا القارية حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي؛ إذ انخفضت من 25 في المائة في عام 1990 إلى 14 في المائة اليوم، جزئياً بسبب القوانين الوطنية والعابرة للحدود (أي قوانين الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة الدولية) التي تقوّض الإبداع وروح المبادرة». وتضيف الوثيقة: «لكن هذا التراجع الاقتصادي يتلاشى أمام النظرة الواقعية الأكثر قتامة، وهي احتمال محو الهوية الحضارية. فالمشكلات الكبرى التي تواجه أوروبا تتعلق بأنشطة الاتحاد الأوروبي وغيرها من الهيئات العابرة للحدود، والتي تقوّض الحرية السياسية والسيادة؛ بسياسات الهجرة التي تغيّر القارة وتخلق صراعات؛ بفرض الرقابة على حرية التعبير وقمع المعارضة السياسية؛ بانخفاض معدلات الولادة وفقدان الهويات الوطنية والثقة بالنفس». وبخصوص الحلف الأطلسي، ترى الوثيقة أنه «من المرجّح أنه، في غضون بضعة عقود، سيصبح أعضاء الحلف في أغلبيتهم غير أوروبيين... ونريد أن تبقى أوروبا أوروبية وأن تستعيد الإيمان الذي كانت تتمتع به بحضارتها». ويذهب النص إلى حدّ أنه لا يرى «سبباً كبيراً للأمل» للقارة القديمة إلا في «تقدم الأحزاب الوطنية الأوروبية» أي عملياً الأحزاب اليمينية المتطرفة كما في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. وتدعو الوثيقة، صراحة، إلى «تصحيح المسار الحالي».

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (أ.ف.ب)

إشكالية السيادة

تختصر هذه الفقرة لب الرؤية الترمبية لأوروبا. ولمزيد من الإيضاح، لم يتردد ترمب في اتهام القادة الأوروبيين، في مقابلة بتاريخ 9 ديسمبر، مع موقع «بوليتيكو» بأنهم «ضعفاء» ودولهم «في حالة تدهور»، لا بل اعتبر أن «الكثير منها لن يكون قابلاً للاستمرار» في حال لم يغيروا سياستهم إزاء الهجرات. وما كان للأوروبيين أن يبقوا صامتين إزاء نزوع ترمب للتدخل في شؤونهم، فسارع أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، إلى توجيه سهامه إلى ترمب مؤكداً أن «ما لا يمكن قبوله هو هذا التهديد بالتدخل في الحياة السياسية لأوروبا» مضيفاً: «لا يمكن للولايات المتحدة أن تحلّ محل المواطنين الأوروبيين في تحديد الأحزاب الجيدة والأحزاب السيئة» وأن «الحلفاء لا يهددون بالتدخل في الحياة الديمقراطية أو في الخيارات السياسية الداخلية لحلفائهم، بل يحترمونها».

بيد أن كوستا الحريص على العلاقة القوية مع واشنطن تمسك بموقف الاتحاد الأوروبي الجماعي الذي يرى في الولايات المتحدة «حليفاً وشريكاً اقتصادياً مهماً ولكن يتعين على أوروبا أن تكون ذات سيادة». وفي السياق نفسه، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، رداً على ترمب، أن القارة القديمة «ستبقى قوية ومتحدة». وذهب يوهان فاديفول، وزير خارجية ألمانيا، في الاتجاه عينه بتأكيده أن ألمانيا ليست بحاجة إلى «نصائح تأتي من الخارج»، ولا سيما فيما يتعلّق بـ«حرية التعبير» أو «تنظيم المجتمعات الحرة». وقال جان نويل بارو، وزير خارجية فرنسا إن «شعوب أوروبا ترفض أن تصبح قارتهم تابعة وهرمة. إنها تريد أن تكون أوروبا قوة ديمقراطية لا تسمح لأحد بأن يقرر نيابة عنها»، مضيفاً أن التطورات الأخيرة «تثبت أن فرنسا على حق» في دعوتها أوروبا منذ عام 2017 إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي. وقبل بارو، قالت وزيرة الدولة في وزارة الدفاع الفرنسية أليس روفو، في جلسة لمجلس النواب، إنه يتعين على أوروبا أن تسرع عملية إعادة التسلح رداً على التحول الواضح في العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة، مضيفة: «نعيش في عالم من آكلي اللحوم، وأوروبا لا يمكن أن تتصرف بمفردها، ولن تحظى بالاحترام إلا إذا عرفت كيف تفرضه على الآخرين».

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)

الدفاع الأوروبي إلى أين؟

الحق يقال إن إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، كان سبّاقاً في الدعوة إلى «الاستقلالية الاستراتيجية» منذ عام 2017 في خطاب شهير له في جامعة السوربون في باريس، كما أنه يُعد من أشد الدعاة لقيام «دفاع أوروبي» لن يحل بالضرورة محل الحلف الأطلسي ولكن أن يقوم «إلى جانبه». بيد أن دعوته لاقت رفضاً شديداً، في البداية، من دول رئيسية بينها ألمانيا ودول في شرق أوروبا ترى في الحلف الأطلسي الضمانة الأمنية الجدية الوحيدة إزاء ما تعتبره تهديدات روسية. والدليل على ذلك أن دولتين (السويد وفنلندا) رفضتا سابقاً الانضمام إلى الأطلسي. لكن استشعار الخطر الروسي دفع بهما، مؤخراً، للانتماء إليه.

بيد أن التخوف من تراجع الاهتمام الأميركي بالحلف المذكور، أحدث هزات ارتجاجية داخل الاتحاد الأوروبي. فالمستشار الألماني المحافظ فريدريتش ميرتس ذهب إلى حد تبني الدعوة الفرنسية رداً على سياسة ترمب؛ إذ اعتبر أنه «يتعين علينا في أوروبا، وهذا يصح على ألمانيا أيضاً، أن نصبح أكثر استقلالية بكثير عن الولايات المتحدة فيما يتصل بسياسة المحافظة على أمننا». وعملياً، عمد الأوروبيون إلى زيادة نفقاتهم الدفاعية التي ارتفعت بقوة منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا. ففي عام 2024، بلغت هذه النفقات 343 مليار يورو بزيادة نسبتها 19 في المائة قياساً بعام 2023؛ بحيث اقتربت من نسبة 2 في المائة من الناتج الإجمالي الخام للدول الـ27 المنضوية في النادي الأوروبي. ومن المفترض أن تكون قد وصلت في عام 2025 إلى 381 مليار يورو بحيث تتجاوز عتبة الـ2 في المائة. يضاف إلى ما سبق أن الدول الأوروبية، داخل الأطلسي التزمت، بمناسبة قمة الحلف في شهر يونيو (حزيران) الماضي بتخصيص 5 في المائة من ناتجها الخام للدفاع؛ بحيث تكون قادرة على المحافظة على أمنها في عام 2035.

لم تتوقف الأمور عند هذا الحد. فالأوروبيون عادوا إلى التخطيط لفرض الخدمة العسكرية مجدداً بعد أن تخلت غالبية دولهم عنها بعد عام 1991. ومن أبرز الدول الساعية لذلك فرنسا وألمانيا اللتين، إلى جانب بولندا، تدفعان ببرامج تسلح عالية الوتيرة. كذلك تسعى الدول الأوروبية التي تمتلك صناعات دفاعية قوية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى إطلاق شراكات في صناعة الدفاع والاستفادة من 150 مليار يورو وضعتها المفوضية الأوروبية بتصرفها من أجل إطلاق برامج مشتركة تستجيب للحاجات الدفاعية الأوروبية في مجالات أنظمة الدفاع الجوي والمسيّرات والسيبرانية والذكاء الاصطناعي... كذلك، بدأ بحث على المستوى الأوروبي لمد المظلة النووية الفرنسية والبريطانية لحماية الدول الأوروبية الأخرى. إلا أن البحث بهذا الخصوص ما زال في بداياته والعقبات كبيرة وربما كأداء.

هل الطريق إلى دفاع أوروبي ميسرة؟ يجيب برتراند بادي على هذا التساؤل بقوله إن الأوروبيين «لم ينجحوا يوماً في إطلاق سياسة منسجمة ومُجمَع عليها في مجال العلاقات الدولية أو الدفاع. والسبب في ذلك أن حمضهم النووي نفسه سمته الأولى التنافس والصراع؛ لذلك يسود شعور بأن الأوروبيين من دون الحماية الأميركية يكونون عرضة للخطر، وهم كذلك ضعفاء أيضاً، وبالدرجة الأولى، بسبب انقساماتهم الداخلية».

ما سبق ليس سوى جانب واحد من العلاقة بين ضفتي الأطلسي. وثمة جوانب أخرى لا تقل أهمية كالتجارة البينية مثلاً؛ حيث فرضت إدارة ترمب رسوماً تبلغ 15 في المائة على الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة؛ ما اعتبرته أوساط أوروبية بمثابة «إهانة وإذلال» لحليف قديم لواشنطن. وأكثر من ذلك، فإن ترمب وإدارته لهما نظرة فوقية إزاء أوروبا. وللتذكير، فإن ترمب شجّع بريطانيا، خلال ولايته الأولى على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي ووعدها باتفاقيات اقتصادية وتجارية يسيل لها اللعاب.

حقيقة الأمر أن الخلاصة التي تفرض نفسها عنوانها الأول التبعية الأمنية التي تدفع القارة القديمة ثمنها اليوم. وخوفها الأكبر أن يشيح ترمب بنظره عنها مفضلاً عليها التحالف مع روسيا من جهة والتفرغ للتعامل مع الصين التي يعدها منافسته الأولى على جميع الأصعدة.


مقالات ذات صلة

ترمب يشدّد على أنه لم يناقش مع شي بيع الصين أسلحة أميركية

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد إلى الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند الأحد (أ.ب)

ترمب يشدّد على أنه لم يناقش مع شي بيع الصين أسلحة أميركية

نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، أن يكون قد عرض على نظيره الصيني شي جينبينغ شراء أسلحة أميركية، وذلك بعدما أفاد سفير واشنطن في بكين بأنّه قام بذلك.

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد إلى الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند الأحد (أ.ب)

ترمب: سننتصر في حرب إيران «قريباً جداً»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن مسؤولين من الولايات المتحدة أجروا محادثات، اليوم الاثنين، مع وسطاء يسعون إلى إنهاء الحرب بين واشنطن وإيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شعار شركة «إنفيديا» خلال معرض في تايبيه بتايوان (أ.ب)

«إنفيديا» تبتكر منصة لمنع اختراقات الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إنفيديا» للرقائق الإلكترونية أنها ابتكرت منصة أمنية قادرة على منع أنظمة الذكاء الاصطناعي الخارقة من الخروج عن السيطرة.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض الأحد (أ.ب)

​ترمب في قلب المعركة الانتخابية بالكونغرس

صعّد الجمهوريون والديمقراطيون حملاتهم قبل أسابيع من الانتخابات النصفية بالكونغرس أملاً في استقطاب الناخب الأميركي.

رنا أبتر (واشنطن)
أفريقيا أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ضغوط داخلية على إدارة ترمب للتدخل في إثيوبيا

ضغط أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأميركي على إدارة ترمب للتدخل لوقف التصعيد في إثيوبيا، محذرين من أن اتفاق السلام الذي أنهى حرب تيغراي عام 2022 بدأ يتفكك.

هبة القدسي (واشنطن)

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

أفاد مسؤول أوكراني إقليمي، اليوم (الاثنين)، بأنّ مسيّرة روسية تعمل بمحرّك نفّاث أصابت قرية قرب الحدود البولندية، ما أدى إلى إلحاق أضرار بمعبر حدودي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم يكشف المسؤول أي تفاصيل على صلة بطبيعة نقطة التفتيش، أو حجم الأضرار الناجمة عن الانفجار. وفي الأسابيع الأخيرة، شنّت روسيا هجمات عدة قرب حدود أوكرانيا مع بولندا، ما استدعى إدانات من وارسو وحلفائها الأوروبيين. وفي وقت سابق من الشهر الحالي، أصابت مسيّرة روسية قطاراً متّجهاً إلى وارسو في المنطقة نفسها، في هجوم وصفه وزير الخارجية البولندي بأنه «تصعيد».

وقال رومان رومانيوك القائم بأعمال حاكم منطقة فولين في غرب أوكرانيا في منشور على «تلغرام»: «لسوء الحظ، وقع انفجار بالقرب من الحدود مع بولندا في قرية ستاروفويتوف... وقد ألحق الانفجار أضراراً بمبنى المعبر عند مدخل محطة المسافرين». وقال إنه لم ترد على الفور أي تقارير تفيد بوقوع إصابات أو قتلى. وتقع قرية ستاروفويتوف على بُعد نحو كيلومترين من الحدود البولندية، بالقرب من معبر «ياغودين» الحدودي الأوكراني.

وتطرّق وزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك-كاميش إلى الضربة في منشور على منصة «إكس». وقال الوزير إن «المجال الجوي البولندي لم يُنتهك، وكانت أنظمة الدفاع الجوي والطائرات التابعة لنا على أهبة الاستعداد للرد».

ولم تصدر روسيا على الفور أي تعليق. وكان الكرملين قال في وقت سابق من الشهر الحالي رداً على سؤال بشأن الضربة قرب الحدود البولندية، إن القوات الروسية ستواصل شن ضربات «على كامل الأراضي الأوكرانية».


بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
TT

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)

قال نائب وزير الدفاع البولندي، سيزاري تومتشيك، الاثنين، إنه سيصبح في إمكان المقاتلات والمروحيات البولندية إسقاط الطائرات الأجنبية التي يتم رصدها في أجواء البلاد، وفق تدابير دفاعية تُتخذ عادة في زمن الحرب.

وتأتي هذه الخطوة ضمن أحدث الإجراءات الرامية إلى تعزيز دفاعات بولندا، العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، مع قرب إتمام الحرب في أوكرانيا المجاورة عامها الخامس، وازدياد تحذيرات حلفاء كييف من ازدياد خطر الطائرات المسيّرة الروسية.

وقال تومتشيك إن مثل هذا التغيير سيسمح «للطيار أو قائد العمليات باتخاذ قرار بإسقاط طائرة أجنبية استناداً إلى بيانات الرادار أو معلومات أخرى ترد إلى النظام».

وأشار إلى أن هذه المعايير «تطبّق عادة في حال الحرب أو الأحكام العرفية»، في حين أن المعايير المعتدة خلال فترات السلم تستوجب رؤية الطائرة بالعين المجردة، وليس فقط الاعتماد على قراءات أنظمة الرادار.

وقال المسؤول إن التغيير اعتمد لأن بولندا «تواجه احتمال دخول طائرات مسيّرة إلى أجوائها بشكل يومي».

وفي وقت سابق من سبتمبر (أيلول)، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، إن روسيا تخطط في إطار الحرب مع أوكرانيا، لشنّ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على حلفاء كييف، من بينهم بولندا.

وتتهم وارسو، وهي من أعضاء حلف شمال الأطلسي الأكثر إنفاقاً على الدفاع نسبة إلى حجم اقتصادها، موسكو، بتنفيذ استفزازات «متعددة الوسائل» على أراضيها، تشمل انتهاك مجالها الجوي باستخدام طائرات مسيّرة.


البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
TT

البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)

اختار البابا لاوون الرابع عشر مدينة ميتز الفرنسية الواقعة قرب الحدود مع ألمانيا ودوقية لوكسمبورغ لتوجيه مجموعة من الرسائل السياسية في اليوم الأخير من زيارته رباعية الأيام إلى فرنسا. ولم يكن اختيار ميتز وليد مصادفة؛ بل كون هذه المدينة اشتهرت لأن السياسي والوزير الفرنسي روبيرت شومان الذي يعد أحد آباء ولادة الاتحاد الأوروبي بمسمياته المختلفة، عاش سنوات فيها، ودُفن في ضاحية قريبة منها. كذلك، فإن «مركز المؤتمرات» الذي استضاف اللقاء السياسي، صباح الاثنين، يحمل اسم روبيرت شومان، وخطاب البابا جاء تحت مسمى «في جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة». ولأن أوروبا في قلب كلمة البابا، فإن الإليزيه عمد إلى توجيه دعوة لقادة دول الاتحاد الأوروبي وكبار مسؤوليه، إلا أن أياً من رؤساء الدول والحكومات الأوروبية لم يكن حاضراً باستثناء غيوم، دوق لوكسمبورغ ورئيس وزرائه وأمير موناكو وعدد من مسؤولي الصف الثاني في دول الاتحاد.

وقبل خطاب البابا، تحدث الرئيس الفرنسي الذي حض أوروبا على أن «تستعيد شجاعة مؤسسيها» من أجل أن «تصبح قوةً للسلام والاستقلال والديمقراطية، كما ينبغي لها أن تكون». لكن ماكرون سارع إلى توصيف الواقع الأوروبي حيث الحرب تدور منذ أكثر من 4 سنوات على الأراضي الأوروبية، وحيث الدعوات لإعادة التسلح والتحضر ربما لحروب آتية قائمة على قدم وساق. وإذ رأى أن «الأخطار تغيرت من حيث الحجم»، إلا أنه سارع لإضافة أنه «يجب أن تكون جهودنا من أجل السلام على قدر حجم التحديات، ومن أجل ضمان سيادة حقيقية، يتعين علينا بالتالي أن نتحرك». وهذا التحرك، بنظره «ضروري لضمان أمننا، والحفاظ على قيمنا»، ولتجنب ما سماه «عودة النزعات القومية» في أوروبا حيث اليمين المتطرف، أكان في ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا أو في بلدان أخرى، يحقق مزيداً من النجاحات الانتخابية.

بابا الفاتيكان والرئيس الفرنسي في جلسة حوارية مع مجموعة من المسؤولين الذين حضروا للاستماع لخطابه عن أوروبا في مركز شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين (إ.ب.أ)

وهم التسلح

ومنذ بداية ولايته، يطرح لاوون الرابع عشر نفسه داعية للسلام عبر العالم وحافزاً للتشجيع على الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان والدول. ولأن الحرب «عادت، حتى إلى أوروبا حيث تدور مجزرة جديدة عبثية، تحصد أرواح عدد لا يحصى من المدنيين كل يوم»، ولأن محاولات إيجاد حد نهائي لها استمرت حتى اليوم بسبب تمسك كل طرف بموقفه، فإن البابا حض المفاوضين على «إظهار الشجاعة في المفاوضات، وأن نكون مستعدين للتخلي عن بعض مواقفنا من أجل الخير الأكبر، أي السلام».

واستحضر البابا في ذلك دعوة مماثلة أطلقها البابا بنديكتوس الخامس عشر عام 1917، في خضم المجازر التي شهدتها الحرب العالمية الأولى. واللافت أن لاوون الرابع عشر لم يذكر أوكرانيا ولا روسيا ولا أي دولة أخرى بالاسم، إلا أن إشارته للحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات ونصف السنة جاءت جلية. ولأن الحرب مرتبطة عضوياً بزيادة التسلح، وهو الأمر الغالب اليوم في أوروبا بسبب الأوضاع والمخاطر الجيواستراتيجية، وتضاعف الإنفاق العسكري عموماً خصوصاً في أوروبا، فقد حرص البابا على التحذير من مخاطر «وهم التسلح». وقال: «علينا أن نحذّر من أن إعادة التسلح هي الحل» مضيفاً أن «علينا اليوم أن نسأل أنفسنا: هل نبذل بالفعل جهوداً إبداعية لتعزيز السلام العالمي، أم أننا نسعى ببساطة إلى وقف زحف الحرب والاستعداد بشكل أفضل لحروب نفترض أنها لا تزال قادمة». وذهب لاوون الرابع عشر إلى التنديد بعلاقات «تزداد همجية بين البشر وبين الدول»، منتقداً أيضاً «التباهي بالكذب والخداع»، وحضّ أوروبا على «وضع حدّ لهذه الدوامة بفضل احترام الآخر الذي عرفت كيف تنمّيه وتصونه».

البابا لاوون الرابع عشر في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين في طريقه إلى كاتدرائية سانت إتيان (أ.ب)

الهجرات والإرث الأوروبي

وخلال الأيام الأربعة المنصرمة، دعا البابا في أكثر من مناسبة، إلى تغليب الحوار والحوار متعدد الأطراف، محذراً من الحوارات الفارغة التي تحولت إلى «مسرحية صورية»، كما حذر من تغليب قانون القوة على قوة القانون. وفيما يقوى عود الدعوات الشوفينية والقومية المتطرفة، حرص بابا روما على التذكير بأهمية الانفتاح على التلاقح وعلى التعددية الثقافية التي في أساس البناء الأوروبي، وضرورة تغليب سيادة القانون والمساواة بين الناس. وفي هذا السياق، كان لا بد له من تناول مسألة الهجرات المتدفقة على أوروبا الساعية إلى إقفال الأبواب، وبناء الأسيجة والجدران بوجه المهاجرين واللاجئين بما في ذلك على المستوى الأوروبي الجماعي.

وبداية، أعاد البابا إلى الأذهان أن الحضارة الأوروبية «ثمرة لقاءات تمتد عبر قرون، حتى إن لم تكن هذه اللقاءات سهلة دائماً»، في إشارة إلى الهجرات التي توافدت على أوروبا خلال العصور المنصرمة، حيث «ازدهرت وتقدمت عندما تمكنت من الاستفادة من أفضل جوانب ماضيها، وإعادة ابتكارها بطرق جديدة ومبدعة من خلال الانفتاح على الآخرين».

أما اليوم، فإن «أوروبا المعاصرة تواجه مرحلة جديدة من تاريخها الطويل من اللقاءات، مع وصول عدد كبير من الرجال والنساء إلى القارة، فراراً من ساحات الحرب والاضطهاد، أو بحثاً عن حياة أفضل بعيداً عن الفقر والبؤس». وإزاء المآسي المتلاحقة في المتوسط، رفع البابا الصوت ليدعو إلى التعامل مع اللاجئين والمهاجرين بطريقة «إنسانية» بما يحفظ كرامتهم الإنسانية مكرراً دعوته من أجل توفير «مسارات قانونية وآمنة» للهجرة، والتعاون الدولي لمكافحة الاتجار بالبشر، كذلك دعا القادة الأوروبيين إلى العمل على دمج المهاجرين الذين يصلون إلى القارة الأوروبية، وتوفير الفرص لهم كما لو كانوا أفراداً في العائلة نفسها. وخلال لقائه بمجموعة من المهاجرين في مؤسسة باريسية تعمل على استقبالهم، حض البابا على إدماج اللاجئين والمهاجرين في المجتمعات التي يحلون فيها ومنحهم فرصاً للانخراط. وإزاء الدعوات للانغلاق الحضاري في المجتمعات الأوروبية، فإن لاوون الرابع عشر ركز على الانفتاح والتعددية الثقافية رغم إشارته إلى الجذور المسيحية لأوروبا.

حقيقة الأمر أن بابا روما في وادٍ وما هو جارٍ في أوروبا في وادٍ آخر. ولا يصح ذلك فقط على ملف الهجرات؛ فالبابا ندد بالقوانين الجديدة في أوروبا التي تتيح الموت الرحيم معتبراً أن ذلك يمكن عدُّه «قانونياً ولكنه ليس أخلاقياً». كذلك ندد بزواج المثليين وبالإنجاب من خلال استعارة أحشاء أخريات، ولم يفته التحذير من فقدان الجوهر الإنساني، والعيش في ظل «جنة الآلات» واستبداد الذكاء الاصطناعي.