جهود وقف حرب أوكرانيا تكتسب زخماً هذا الأسبوع

وفدان في واشنطن وموسكو لحسم مصير «خطة ترمب» للسلام

عناصر إنقاذ يعملون في بناية سكنية تعرّضت لهجوم روسي بكييف يوم 29 نوفمبر (إ.ب.أ)
عناصر إنقاذ يعملون في بناية سكنية تعرّضت لهجوم روسي بكييف يوم 29 نوفمبر (إ.ب.أ)
TT

جهود وقف حرب أوكرانيا تكتسب زخماً هذا الأسبوع

عناصر إنقاذ يعملون في بناية سكنية تعرّضت لهجوم روسي بكييف يوم 29 نوفمبر (إ.ب.أ)
عناصر إنقاذ يعملون في بناية سكنية تعرّضت لهجوم روسي بكييف يوم 29 نوفمبر (إ.ب.أ)

يدخل مسار التفاوض على إنهاء الحرب الروسية - الأميركية منعطفاً مُهمّاً هذا الأسبوع، مع توجّه وفد أميركي رفيع إلى موسكو بالتوازي مع وصول وفد أوكراني إلى واشنطن؛ لمناقشة الصيغة المُعدّلة من «خطة السلام» التي أثارت غضب الحلفاء الأوروبيين وقلق كييف.

ورغم الضجيج المرافق للتحركات الدبلوماسية، فإن الطريق إلى اتفاق شامل يبدو محفوفاً بعقبات سياسية وقانونية، بعدما تحوّلت المبادرة الأميركية إلى اختبار لعلاقات واشنطن مع أوروبا من جهة، ولتوازنات السلطة داخل أوكرانيا من جهة أخرى، في حين يُظهر الكرملين ثقة متزايدة بأنّ المفاوضات الحقيقية تتم حصراً مع الولايات المتحدة.

مساران متوازيان

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن، السبت، أن وفداً برئاسة أمين مجلس الأمن القومي والدفاع، رستم عمروف، توجّه إلى الولايات المتحدة لاستكمال المحادثات بشأن «اتفاق لإنهاء الحرب». وقال إن نتائج اجتماعات جنيف السابقة سيتم حسمها «غداً»، في إشارة إلى قرب التوصُّل إلى صيغة محدَّثة من المقترحات الأميركية.

آثار دمار خلّفها قصف روسي على بناية سكنية في كييف يوم 29 نوفمبر (إ.ب.أ)

ويأتي تحرّك كييف في ظل موجة قصف روسي مكثّف على العاصمة، تسبب بمقتل 3 أشخاص، في رسالة بدت متعمّدة لإبراز أن قدرة موسكو على فرض الوقائع الميدانية لا تزال قائمةً قبل الجولة الثانية من المفاوضات.

بالتوازي، أكد الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين سيستقبل المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف خلال الأيام المقبلة، في اجتماع يُفترَض أن يحمل ملامح النسخة الجديدة من خطة السلام. وتتحدَّث تقارير روسية عن أنّ موسكو «تلقت فعلياً» تصوراً أميركياً معدّلاً تم التفاهم عليه مع الأوكرانيين في جنيف.

وكشفت صحيفة «ذي تلغراف» البريطانية عن وجود استعداد لدى إدارة ترمب للاعتراف بسيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم، إضافة إلى أجزاء من المناطق المحتلة في دونيتسك ولوغانسك (اللتين تُشكِّلان منطقة دونباس)، تمهيداً لإبرام اتفاق سلام. ونقلت الصحيفة عن مصدر مطّلع أن «الأميركيين باتوا أقل اهتماماً بالموقف الأوروبي»، على حد قوله.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى استقباله مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف في موسكو يوم 6 أغسطس (رويترز)

وتضمَّنت الخطة الأولية التي اقترحها ويتكوف، المؤلفة من 28 بنداً والتي صيغت بعد مشاورات موسعة مع الجانب الروسي، اعترافاً «فعلياً» بسيطرة موسكو على القرم ودونباس، واعترافاً مشروطاً بالأراضي الواقعة خلف خطوط التماس في خيرسون وزابوريجيا بعد وقف إطلاق النار. غير أن نسخة جديدة من 19 نقطة، تم التفاوض عليها في جنيف، جاءت أقل إرضاءً لموسكو، لكنها حافظت على «جوهر» الاعتراف بالأمر الواقع، وفق مصادر متعددة.

وتضع هذه الاقتراحات كييف في مأزق دستوري، إذ يمنع الدستور الأوكراني أي رئيس من التنازل عن أراضٍ دون إجراء استفتاء وطني، وهو ما يدفع زيلينسكي لمحاولة إيجاد مقاربة سياسية لا تُظهر بلاده طرفاً مُرغماً على تقديم تنازلات إقليمية.

سخط أوروبي

المقترحات الأميركية أثارت اعتراضاً أوروبياً صريحاً. وأكّد قادة «تحالف الراغبين»، الذي ينسّق الدعم العسكري لأوكرانيا، أنهم «واضحون بشأن مبدأ عدم جواز تغيير الحدود بالقوة». وطرحت الدول الأوروبية مقترحاً بديلاً لا يتضمَّن الاعتراف بالسيطرة الروسية على أراضٍ أوكرانية، ويتمسَّك بإرجاء بحث ملف «تبادل الأراضي» إلى ما بعد وقف إطلاق النار الكامل.

أوكرانيون توجّهوا للملاجئ خلال هجوم روسي على العاصمة كييف يوم 29 نوفمبر (أ.ف.ب)

لكن الردَّ الروسي كان أكثر حسماً. إذ قال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إن موسكو «تتفاوض حالياً مع الولايات المتحدة فقط»، مضيفاً أن «موقف الاتحاد الأوروبي لا يمكن أخذه في الاعتبار في هذه المرحلة». وبذلك، يُثبّت الكرملين قناعته بأن اللحظة الحالية مناسبة لدق إسفين بين واشنطن وعواصم أوروبا الغربية، مستفيداً من أن مبادرة ترمب ذات طابع اقتصادي بقدر ما هي سياسية، كما ظهر في التسريبات الإعلامية.

الاقتصاد مقابل السلام

تحدَّثت صحيفة «وول ستريت جورنال»، المحسوبة على الجمهوريين، في تقرير لها عن «اجتماع ثلاثي في ميامي غيّر المشهد». إذ جمع اللقاء بين ويتكوف، والمسؤول المالي الروسي كيريل دميترييف، وجاريد كوشنر، في أكتوبر (تشرين الأول)؛ لصياغة إطار اقتصادي شامل يتجاوز وقف الحرب إلى «إعادة دمج الاقتصاد الروسي في الأسواق الأميركية».

المبعوثان الأميركي ستيف ويتكوف والروسي كيريل ديمترييف في اجتماع بسان بطرسبورغ يوم 11 أبريل (رويترز)

ووفق الصحيفة، يطمح دميترييف إلى استخدام أصول البنك المركزي الروسي المجمّدة لتمويل مشروعات مشتركة بين الشركات الأميركية والروسية، بما في ذلك إعادة إعمار أوكرانيا. كما جرى الحديث عن مشروعات في القطب الشمالي ومعادن نادرة وطاقات كبرى.

وبحسب مصادر أوروبية، فقد بدأت بالفعل وفود رجال أعمال مقربين من بوتين بالاجتماع مع نظراء أميركيين؛ لبحث شراكات مستقبلية، ما أثار هلعاً في العواصم الأوروبية التي ترى في هذه الترتيبات التفافاً على منظومة العقوبات، وفق الصحيفة. وشدَّد مسؤول أوروبي على أن «الأمر لا يتعلق بالسلام، بل بالأعمال»، في حين اختصر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك الأمر بقوله: «نعرف أن هذا ليس مشروع سلام... هذا مشروع تجاري».

تصدع النظام الأوكراني

إلى جانب الضغوط الخارجية، تواجه كييف أزمةً داخليةً بعد استقالة رئيس مكتب زيلينسكي، أندريه يرماك، الشخصية الأبرز في هندسة المفاوضات مع الأميركيين. وجاءت الاستقالة على خلفية تحقيق فساد ضخم في سوء استخدام 100 مليون دولار مخصصة لقطاع الطاقة، لكن بعض المراقبين رأوا فيها خطوة استباقية لتفادي استغلال القضية بوصفها ورقة ضغط على الوفد الأوكراني.

إطفائيون أوكرانيون يخمدون حرائق خلّفها هجوم روسي على كييف يوم 29 نوفمبر (رويترز)

يرماك، الذي وُصف بأنه «رجل الظل» في إدارة الدولة، كان يقود مفاوضات جنيف وأسهم في تخفيف حدّة بنود الخطة الأميركية الأصلية التي تضمَّنت مطالب تُعدّ «خطوطاً حمراء» لكييف. ورغم غيابه، تؤكد مصادر أوكرانية أن «المؤسسة التفاوضية» لن تتأثر، لكن آخرين يرون أن زيلينسكي فقد إحدى أهم أدواته في فرض الانضباط داخل أروقة الحكم.

كما تلاحق شبهات تضارب مصالح بعض الأعضاء، بينهم عمروف، في ظل ورود بنود في الخطة تتحدَّث عن «عفو شامل»، وهو ما قد يمس التحقيقات الجارية.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

ميرتس: الجيش الألماني يمكن أن يشارك في إزالة الألغام من مضيق هرمز

 المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
TT

ميرتس: الجيش الألماني يمكن أن يشارك في إزالة الألغام من مضيق هرمز

 المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)

قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إن القوات المسلحة الألمانية يمكن أن تشارك في إزالة الألغام من مضيق هرمز بمجرد انتهاء الحرب في إيران.

وقال في فعالية نظمتها صحيفة «فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج» اليومية في فرانكفورت مساء الجمعة «يمكننا أن نفعل ذلك. وإذا طلب منا ذلك وتم في إطار تفويض أمني جماعي حقيقي - أعني من الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي - بقرار من البوندستاج (البرلمان) فهذا خيار».

وأضاف المستشار «يمكننا تحقيق ذلك عسكريا». لدى الجيش الألماني العديد من كاسحات الألغام.

وأشار ميرتس أيضا إلى أن مضيق هرمز حاليا «من الواضح أنه غير ملغوم على الإطلاق». وتابع أنه لا يعرف ما إذا كانت إيران تخطط للقيام بذلك.

وأضاف المستشار «لذلك نحن نناقش هذا الأمر من الناحية النظرية إلى حد ما».


«السبع» تُشدد على حرية الملاحة في «هرمز»

جانب من اجتماع وزراء خارجية "مجموعة السبع"  في فرنسا أمس (د.ب.أ)
جانب من اجتماع وزراء خارجية "مجموعة السبع" في فرنسا أمس (د.ب.أ)
TT

«السبع» تُشدد على حرية الملاحة في «هرمز»

جانب من اجتماع وزراء خارجية "مجموعة السبع"  في فرنسا أمس (د.ب.أ)
جانب من اجتماع وزراء خارجية "مجموعة السبع" في فرنسا أمس (د.ب.أ)

دعا وزراء خارجية «مجموعة السبع» إلى «الوقف الفوري» للهجمات التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية المدنية في الشرق الأوسط، معتبرين أن «لا شيء يبرر الاستهداف المقصود للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة أو مهاجمة المراكز الدبلوماسية».

كما شدّد وزراء المجموعة، بعد انتهاء اجتماعهم في دير فوـ دوـ سيرني قرب باريس أمس، على «الحاجة المطلقة للعودة إلى حرية الملاحة المجانية والآمنة في مضيق هرمز عملاً بالقرار الدولي رقم (2817)» الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وبموجب قوانين البحار.

من جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إنه أحرز تقدماً مع الحلفاء في معارضة التهديدات الإيرانية بفرض رسوم عبور على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز. كما رجّح أن تتمكّن واشنطن من تحقيق أهدافها العسكرية في إيران خلال أسابيع، مؤكداً أن ذلك لا يعتمد بالضرورة على نشر قوات برية.


روبيو يُرجّح حسم حرب إيران خلال «أسابيع وليس أشهراً»

جانب من أعمال اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة السبع وحلفائها قرب باريس 27 مارس (أ.ف.ب)
جانب من أعمال اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة السبع وحلفائها قرب باريس 27 مارس (أ.ف.ب)
TT

روبيو يُرجّح حسم حرب إيران خلال «أسابيع وليس أشهراً»

جانب من أعمال اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة السبع وحلفائها قرب باريس 27 مارس (أ.ف.ب)
جانب من أعمال اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة السبع وحلفائها قرب باريس 27 مارس (أ.ف.ب)

رجّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن تتمكّن واشنطن من تحقيق أهدافها العسكرية في إيران خلال أسابيع، مؤكداً أن ذلك لا يعتمد بالضرورة على نشر قوات برية.

وقال روبيو، في تصريحات أدلى بها عقب اجتماعات مجموعة السبع قرب باريس، إن لدى الولايات المتحدة «أهدافاً واضحة» في الحرب، مؤكداً: «نحن واثقون جداً أننا على وشك تحقيقها قريباً جداً». وأضاف، رداً على سؤال بشأن مدة العمليات، أن الأمر «يتعلق بأسابيع لا أشهر». وتابع أنه «عندما ننتهي منهم خلال الأسبوعين المقبلين، سيكونون أضعف مما كانوا عليه في أي وقت في تاريخهم الحديث».

روبيو متحدّثاً مع صحافيين في مطار «لو بورجيه» قبل مغادرة فرنسا بعد انتهاء أعمال مجموعة السبع 27 مارس (أ.ف.ب)

في موازاة ذلك، كشف روبيو عن تحقيق «قدر كبير من التوافق» مع الحلفاء بشأن ضرورة التصدي لأي خطوة إيرانية لفرض رسوم على السفن المارة عبر مضيق هرمز. وشدد على أن هذه الخطوة «غير قانونية وغير مقبولة وخطيرة على العالم»، مُحذّراً من تداعياتها على أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة. وأضاف أن المجتمع الدولي مطالب بوضع خطة واضحة لمواجهة هذه التهديدات، في ظل تصاعد المخاوف من تعطيل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز.

وتأتي هذه المواقف في وقت تتزايد فيه التحذيرات من انعكاسات الحرب على سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما أن مضيق هرمز يُعدّ ممراً حيوياً يمرّ عبره جزء كبير من صادرات الطاقة؛ ما يجعل أي تصعيد فيه ذا تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي.

أما عن موقف إيران من الخطة الأميركية لإنهاء الحرب، فقال روبيو إن طهران لم تُرسل رداً بعد، لكنّها بعثت «رسائل» تظهر اهتمامها بالدبلوماسية. وقال: «لم نحصل عليه (الجواب) بعد»، مضيفاً: «تبادلنا رسائل وإشارات من النظام الإيراني - ما تبقّى منه - بشأن الاستعداد للحديث عن أشياء معينة».

وقف استهداف المدنيين

دعا وزراء خارجية مجموعة السبع، بعد انتهاء اجتماعهم عصر الجمعة في دير فوـ دوـ سيرني القريب من باريس، إلى «الوقف الفوري» للهجمات التي تستهدف المدنيين والبنى (التحتية) المدنية»، عادّين أن «لا شيء يبرر الاستهداف المقصود للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة أو مهاجمة المراكز الدبلوماسية». كذلك، دعا البيان إلى «التخفيف من نتائج النزاع المترتبة على الشركاء الإقليميين والمدنيين والبنى التحتية الحساسة، والحاجة إلى التنسيق في توفير المساعدات الإنسانية».

وشدد وزراء المجموعة في بيانهم على «الحاجة المطلقة إلى العودة لحرية الملاحة المجانية والآمنة في مضيق هرمز، عملاً بالقرار الدولي رقم 2817» الصادر عن مجلس الأمن الدولي وبموجب قوانين البحار. وتوافق الوزراء السبعة على تنسيق الجهود للتخفيف من الآثار الاقتصادية الناتجة من الحرب، وتأثيرها على سلاسل الإمداد.

اختلاف الحلفاء

جاء البيان الختامي الخاص بحرب الشرق الأوسط بعد يومين من الاجتماعات المتواصلة، التي شارك في يومها الثاني وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وكان وزراء الخارجية الستة ينتظرون مشاركته للنظر في موضوعين رئيسيين. الأول، الحرب الدائرة في الشرق الأوسط منذ فبراير (شباط) الماضي بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى.

وزير الخارجية الفرنسي مستقبلاً نظيره الأميركي في مقر اجتماع «السبع» 27 مارس (إ.ب.أ)

أما الموضوع الآخر، فيتناول الحرب في أوكرانيا، ومدى انعكاس حرب الشرق الأوسط عليها، وذلك وسط مخاوف أوكرانية وأوروبية من أن تشيح الإدارة الأميركية بوجهها عما يحصل على الجبهة الأوكرانية بسبب انغماسها في حرب الشرق الأوسط. ولذا؛ عمدت باريس التي ترأس مجموعة السبع حتى نهاية العام الحالي إلى تأجيل المواضيع الساخنة (أوكرانيا، الحرب في الشرق الأوسط وتبعاتها والسلام والأمن) إلى اليوم الثاني من الاجتماعات بانتظار مشاركة روبيو فيها.

وقبل وصوله، قالت مصادر دبلوماسية أوروبية إن «لا أحد ينتظر من روبيو أن يعبر، بشأن الحرب مع إيران، عن مواقف مختلفة عن تلك التي يعبر عنها رئيسه». وبأي حال، فإن الوزير الأميركي استبق وصوله إلى فرنسا بتصريحات حادّة، إذ قال: «بصراحة، أعتقد أن الدول حول العالم، حتى تلك التي تنتقدنا قليلاً، يجب أن تكون ممتنة لوجود رئيس أميركي مستعد لمواجهة تهديد كهذا»، في إشارة إلى التهديد الإيراني. وأضاف أن «الرئيس ترمب لا يقوم فقط بتقديم خدمة للولايات المتحدة وشعبها، بل هذا من أجل العالم».

وزير الخارجية الأميركي متوسّطاً نظيريه الفرنسي والهندي في مقر اجتماع «السبع» 27 مارس (إ.ب.أ)

وبكلام قاطع، قال روبيو: «لست هنا لإرضائهم، (يقصد حلفاءه). فأنا أعمل من أجل الشعب الأميركي، وليس من أجل فرنسا أو ألمانيا أو اليابان». وإزاء ما تعدّه الإدارة الأميركية تقاعساً من أعضاء الحلف الأطلسي (ناتو)، في الاستجابة لطلب ترمب العمل من أجل فتح مضيق هرمز وتوفير الأمن للملاحة فيه، دعا روبيو الدول المهتمة بالقانون الدولي إلى «التحرك» لمواجهة إغلاق مضيق هرمز.

وفي مؤتمره الصحافي النهائي، عقب اختتام أعمال المجموعة، قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن نظيره الأميركي أفاد بأن هدف واشنطن من الحرب يكمن في تدمير القدرات الباليستية الإيرانية، من غير الإشارة إلى الأهداف الأخرى التي تركز عليها واشنطن منذ بدء الحرب وأبرزها، إلى جانب الملف الباليستي، برنامج إيران النووي وأذرعها في المنطقة، وإتاحة العبور الحر والآمن في مضيق هرمز.

وقال بارو إن باريس، التي انتقدت بقوة العملية العسكرية الأميركية - الإسرائيلية بوصفها جاءت خارج القوانين الدولية، تشارك واشنطن الأهداف نفسها التي تتعلق باستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، وأنها ترى، كما الولايات المتحدة، الحاجة الضرورية إلى إقامة نظام لمرافقة الناقلات التي تعبر مضيق هرمز بمجرد انتهاء ذروة الأعمال العسكرية.

مصير مضيق هرمز

لم يتسرب الكثير عما نقله روبيو إلى نظرائه، كما أن بارو بقي في العموميات في حديثه عما نقله الوزير الأميركي. بيد أن مصادر فرنسية وأوروبية، أفادت بأن روبيو أبلغ وزراء مجموعة السبع أن الحرب مع إيران سوف تنتهي خلال أسابيع، علماً أن الرئيس ترمب تحدث عن أربعة إلى ستة أسابيع إضافية لانتهاء الحرب.

وفي أي حال، فإن انتهاءها مربوط بالمفاوضات القائمة بين واشنطن وطهران، والتي قال عنها وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إنها غير مباشرة وسوف تتحول محادثات مباشرة في الأيام المقبلة بباكستان.

صورة جماعية لوزراء خارجية دول مجموعة السبع وحلفائها قرب باريس 27 مارس (رويترز)

من جانب آخر، احتلّ مصير مضيق هرمز جانباً واسعاً من المناقشات، بالنظر لتبعاته على اقتصادات الدول السبع وعلى الاقتصاد العالمي بشكل عام.

وبينما رفضت الدول الأوروبية الإستجابة لطلب ترمب المساعدة في تأمين مضيق هرمز عسكرياً، عُلم أن روبيو لم يطلب من المجموعة المساهمة فوراً بسفن حربية، بل الاستعداد للقيام بذلك في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب. وأشار الوزير بارو إلى هذه النقطة بالذات، أي رفض الانخراط في أي مبادرة من هذا النوع في الوقت الحالي.

في المقابل، تنشط باريس على تهيئة الأجواء لتحرّك في المضيق بعد انتهاء الحرب. وفي هذا الإطار، عقد 35 رئيس أركان في الدول الأوروبية والآسيوية والإقليمية، اجتماعاً عن بعد، بمبادرة فرنسية للنظر في كيفية المساهمة في ضمان سلامة المضيق، علماً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان أول من دعا إلى قيام «تحالف دولي» بهذا الشأن يعمل بمعزل عن الأميركيين.

لكن يبدو أن ثمة تعديلاً في المقاربة الفرنسية - الأوروبية. ومما يدل على ذلك تصريحات وزير الخارجية الألماني، الجمعة، الذي أعلن أنه لا يوجد ‌أي خلاف ‌مع الولايات ‌المتحدة ⁠بشأن إيران، مُضيفاً ⁠أنه لا بد ألا تمتلك إيران أسلحة نووية أو أن تشكل تهديداً ⁠إقليمياً.

وقال فاديفول: «نشعر ‌بالفعل ‌بالتداعيات الاقتصادية في ‌كل مكان، ولا ‌سيما في أوروبا، بشكل كبير. ولهذا السبب؛ ناقشنا ‌هذه القضايا بتفصيل دقيق، ولا يوجد أي ⁠خلاف ⁠على الإطار. لم يكن هناك، ولا يوجد، أي طلب من الولايات المتحدة، وخاصة لنا، لتقديم مساهمة عسكرية قبل انتهاء الأعمال القتالية».

مطالب شركاء أميركا

سعى شركاء واشنطن في مجموعة السبع إلى جلاء الاستراتيجة الأميركية من الحرب، والتعرف على الخطط العسكرية الأميركية - الإسرائيلية، وشروط وضع حد لها. كما سعوا إلى معرفة مدى تقدّم الجهود الدبلوماسية والوساطات وإمكانية التوصل إلى مفاوضات مباشرة.

وفي السياق، بدت لافتة تصريحات وزير الخارجية الألماني الذي أجرى محادثة مع نظيره الأميركي، الجمعة، حيث أعلن في حديث إذاعي أنه بناءً على المعلومات المتوافرة لديه، «جرت اتصالات غير مباشرة (بين الطرفين الأميركي والإيراني)، وقد تمّ أيضاً التحضير لعقد لقاء مباشر»، مُتوقعاً أن يُعقد اللقاء «في باكستان في وقت قريب جداً».

وحسب الوزير الألماني، فإن الهدف هو «إنهاء هذا النزاع في أسرع وقت ممكن، ولكن أيضاً إنهاءه بشكل مستدام. وهذا يعني تحقيق الأمن في مضيق هرمز، وضمان كبح النظام الإيراني في المستقبل، الذي تصرف بشكل سلبي بما فيه الكفاية في الماضي».

من جانبها، دعت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إلى «حل سريع لهذا النزاع يعيد الاستقرار إلى المنطقة». بيد أنها حذرت من أنه «لا يمكن لإيران أن تظل قادرة على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة بسبب مضيق يتعلق بالملاحة الدولية وحرية المرور»، مُعربةً عن القلق الذي ينتاب الكثير من الدول بسبب ما سمّته «الحصار الفعلي المستمر» الذي تفرضه إيران على مضيق هرمز الاستراتيجي والحيوي. أما موقف لندن، فيُلخّص بـ«دعم الإجراءات الدفاعية، لكن لدينا مقاربة مختلفة بشأن العمليات الهجومية التي حدثت في هذا النزاع». وبعد تردّد، سمحت بريطانيا للقوات الأميركية باستخدام قاعدتيها العسكريتين في المحيط الهادئ وإنجلترا نفسها.

«ليست حربنا»

لم تكن مهمة روبيو سهلة إزاء المواقف المنتقدة التي كانت تنتظره. فوزيرة الدفاع الفرنسية كاترين فوتران لم تتردد، أثناء الجلسة المخصصة للحرب ضد إيران، في القول إنها «ليست حربنا»، وإن «الهدف هو اعتماد المسار الدبلوماسي، الوحيد القادر على ضمان العودة إلى السلام... هناك الكثير من الدول المعنية، ومن الضروري إيجاد حل».

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

وجدّدت فوتران التأكيد على أن الدور الفرنسي «دفاعي محض»، في الإشارة إلى ما تقوم به باريس في الدفاع عن حلفائها في المنطقة. ومن جانبه، لم يتردد رئيس الأركان الفرنسي الجنرال فابيان ماندون في توجيه النقد للولايات المتحدة؛ لأنها لم تُخطر حلفاءها داخل «ناتو» بالحرب على إيران. وكانت لافتة المشاركة البريطانية في الاجتماع عن بعد، بالنظر لبقاء بريطانيا بعيدة عن «مهمة أسبيدس» الأوروبية المخصصة لمواكبة السفن وضمان أمنها من قناة السويس وحتى باب المندب، مفضلة الانخراط في عملية أميركية مشابهة.

ولا يريد شركاء واشنطن أن تتفرّد واشنطن بالتفاوض مع إيران. فوزيرة الخارجية الكندية، أنيتا أناند، ركزت في مقابلة مع صحيفة «لو موند» على ضرورة ألا «تتصرف واشنطن بمفردها» من غير مراعاة مصالح الدول التي وجدت نفسها منخرطة في الحرب رغماً عنها.

الملف الأوكراني

استبق روبيو زيارته إلى باريس بتغريدة على منصة «إكس» حاول فيها تهدئة روع الأوروبيين. وجاء في التغريدة أن «الرئيس ترمب ملتزم بالتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وتسوية تفاوضية للحرب بين روسيا وأوكرانيا في أقرب وقت ممكن».

إلا أن ما قاله روبيو بعد انتهاء الاجتماع في لقاء صحافي لم يُبدّد مخاوف الأوروبيين الذين يعبرون عن قلقهم من أن حرب الشرق الأوسط سوف تحرم الأوكرانيين من الدعم العسكري، باعتبار أن واشنطن في حاجة إلى صواريخها في الحرب الدائرة هناك. فالوزير الأميركي أشار إلى أمرين أساسيين بخصوص الحرب الأوكرانية. الأول، أنه ليست هناك أي مواعيد مجدولة لاجتماعات ثلاثية أميركية - روسية - أوكرانية في الوقت الحاضر؛ ما يعني أن جهود الوساطة مجمدة. والآخر، أن الأسلحة المخصصة لأوكرانيا لا يتم تحويلها إلى وجهات أخرى في الوقت الراهن، لكن ذلك قد يحدث في المستقبل. وقال روبيو قبل مغادرة باريس: «لم يتم تحويل أي شحنة حتى الآن، لكن ذلك قد يحدث»، مضيفاً: «إذا احتجنا إلى شيء من أجل الولايات المتحدة وكان أميركياً، فسنُبقيه أولاً لأميركا».

عامل يحمل العلم الأوكراني في مقرّ اجتماع وزراء خارجية «السبع» قرب باريس 27 مارس (أ.ب)

وتجدُر الإشارة إلى أن واشنطن تمتنع منذ العام الماضي عن تقديم أي مساعدات مالية أو عسكرية لأوكرانيا، وأن الأسلحة التي تصل إلى كييف يتم شراؤها بأموال أوروبية لتُحوّل بعد ذلك إلى الجيش الأوكراني.

وفي الاجتماع المخصص لأوكرانيا، قال وزير الخارجية الألماني إن تقويض القدرات الدفاعية الأوكرانية «من شأنه أن يخدم مصالح (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين»، مُضيفاً أنه «يجب عدم تقديم أي تنازلات بشأن الحفاظ على قدرات الدفاع الأوكرانية»، وأن بوتين «يأمل أن يصرف التصعيد في الشرق الأوسط انتباهنا عن جرائمه في أوكرانيا».