الاعتقالات في سرقة اللوفر تؤكد أهمية قواعد بيانات الحمض النووي

رجلان اقتحما المتحف وسرقا مجوهرات تقدر قيمتها بـ100 مليون دولار

أعضاء فريق الطب الشرعي يتفقدون نافذة في الموقع الذي اقتحم فيه اللصوص متحف اللوفر وسرقوا ثماني من جواهر التاج الفرنسية التاريخية الشهر الماضي (رويترز)
أعضاء فريق الطب الشرعي يتفقدون نافذة في الموقع الذي اقتحم فيه اللصوص متحف اللوفر وسرقوا ثماني من جواهر التاج الفرنسية التاريخية الشهر الماضي (رويترز)
TT

الاعتقالات في سرقة اللوفر تؤكد أهمية قواعد بيانات الحمض النووي

أعضاء فريق الطب الشرعي يتفقدون نافذة في الموقع الذي اقتحم فيه اللصوص متحف اللوفر وسرقوا ثماني من جواهر التاج الفرنسية التاريخية الشهر الماضي (رويترز)
أعضاء فريق الطب الشرعي يتفقدون نافذة في الموقع الذي اقتحم فيه اللصوص متحف اللوفر وسرقوا ثماني من جواهر التاج الفرنسية التاريخية الشهر الماضي (رويترز)

استغرق الأمر أقل من أسبوع لتتمكن الشرطة من تعقّب اثنين من المشتبه بهم المتهمين باقتحام متحف اللوفر، والاستيلاء على ثمانٍ من جواهر التاج التاريخية في فرنسا. وجرى تعقّب شخص ثالث، يُشتبه في أنه شريك في الجريمة، الأربعاء.

أما العنصر المشترك بين الحالات الثلاث، فكان الحمض النووي الذي لعب دوراً أساسياً في التحقيق.

متحف اللوفر في باريس يوم الأحد... مثّلت الاعتقالات إنجازاً كبيراً للمحققين الفرنسيين (أ.ب)

وأعلنت المدعية العامة لور بيكو أن الحمض النووي للرجلين اللذين اقتحما المتحف وسرقا مجوهرات تقدر قيمتها بـ100 مليون دولار، جرى العثور عليه على النافذة، وعلى واحدة من الدراجتين الناريتين القويتين اللتين استخدمهما اللصوص للفرار.

أما الحمض النووي للمشتبه به الثالث، فقد تم العثور عليه على دلو الرافعة الآلية المثبّتة على شاحنة، التي استُخدمت لرفع اثنين من اللصوص إلى شرفة الطابق الثاني من اللوفر، بحسب ما قالته بيكو في مقابلة مع إذاعة «فرانس إنفو».

شهادة على ضعف الأمن

ورغم أن هذه السرقة المذهلة قد تبدو شهادة على ضعف الأمن داخل المتاحف الأوروبية، فإنه على الجانب الآخر تعد السرعة في تعقّب المشتبه بهم شهادة على قوة استخدام الحمض النووي في التحقيقات الجنائية في فرنسا، وفق تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الثلاثاء.

كما أن هذه السرعة مؤشر على مدى الاستهتار الذي وقع فيه اللصوص في نهاية المطاف، بعد تنفيذ عملية بدت محكمة التخطيط في واحد من أشهر المتاحف في العالم، وفي وضح النهار، خاصة أنهم تركوا وراءهم عدة أدلة في أثناء محاولتهم الهرب من الشرطة وحراس الأمن، من بينها قفاز، وتاج سقط منهم، والشاحنة المزودة بالرافعة التي حاولوا إشعال النار فيها دون جدوى.

وقد تعامل المحققون مع 150 عينة جنائية مرتبطة بالجريمة، جُمعت من مسرح الجريمة ومن الأشياء التي تركها اللصوص خلفهم. وكان الحمض النووي للأشخاص الثلاثة المعتقلين مسجلاً مسبقاً في قاعدة البيانات، بسبب سوابقهم الجنائية، التي تعلق أغلبها بالسرقة.

في هذا الصدد، قال غايتان بواتيفين، محامٍ جنائي في مرسيليا كتب أطروحة الماجستير الخاصة به عن قاعدة بيانات الحمض النووي الفرنسية: «أنا على قناعة أننا لم نكن لنتمكن من العثور على هؤلاء الأشخاص، لولا أن الحمض النووي الذي عُثر عليه في هذه السرقة طابق قاعدة البيانات هذه».

كيف تعمل قاعدة بيانات الحمض النووي؟

وضمت قاعدة البيانات الفرنسية، المعروفة باسم «الملف الوطني الآلي للبصمات الوراثية»، 4.4 مليون ملف تعريف للحمض النووي حتى نهاية العام الماضي. وقد جُمعت هذه الملفات على مدار ما يقرب من ثلاثة عقود من أشخاص يُشتبه في ارتكابهم جرائم أو تمت إدانتهم، وكذلك من ضحايا الكوارث الطبيعية.

وقد أصبحت هذه القاعدة أداة أساسية في تحقيقات الشرطة، مع حرص المحققين الجنائيين على جمع عينات صغيرة من اللعاب والعرق والشعر والجلد والسائل المنوي والدم، ثم يجري إرسالها لتحليلها في مختبرات عامة وخاصة معتمدة. وترسل هذه المختبرات النتائج لمقارنتها بمحتويات قاعدة البيانات الضخمة، بحثاً عن تطابق تام.

وقال أوليفييه ألنيه، رئيس النقابة الوطنية لرجال الشرطة الجنائيين: «في غضون ساعات قليلة فقط، يمكننا الآن الحصول على نتيجة حمض نووي إيجابية».

كيف بدأت قاعدة بيانات الحمض النووي في فرنسا؟

بدأت فرنسا في بناء قاعدة بيانات الحمض النووي الخاصة بها عام 1998، بعد إلقاء القبض على القاتل المتسلسل غاي جورج، المعروف بلقب «قاتل شرق باريس».

كان جورج قد سُجن سابقاً بتهمة الاعتداء على امرأة بسلاح، وقد جمعت الشرطة عيّنة من حمضه النووي. إلا أنه في ذلك الوقت، لم يكن لدى فرنسا قاعدة بيانات مركزية، لذا لم يتمكن المحققون من مطابقة حمضه النووي مع الأدلة التي عُثر عليها في مسارح خمس جرائم قتل لنساء تعرضن جميعاً للاغتصاب.

وبعد خروجه من السجن، واصل جورج جرائمه واغتصب وقتل امرأتين أخريين. وجرى اعتقاله مجدداً وأدين في وقت لاحق بقتل سبع نساء. وأدى هذا الملف إلى الدفع نحو إنشاء قاعدة بيانات وطنية للحمض النووي.

في بداية الأمر، اقتصرت القاعدة على مرتكبي الجرائم الجنسية، لكن خلال السنوات الخمس التالية، توسعت لتضم أشخاصاً أُدينوا - أو حتى مجرد مشتبه بهم - في مجموعة أوسع من الجرائم، بما في ذلك القتل، الإرهاب، الاتجار بالمخدرات، الاعتداء، السرقة، تخريب الممتلكات.

وتتسم عملية حذف حمض نووي ما من قاعدة البيانات بأنها مرهقة للغاية لدرجة أن قلة قليلة فقط يسعون لذلك. أما الذين يرفضون تقديم عينة حمض نووي، فيواجهون عقوبة لا تقل عن عام في السجن وغرامة لا تقل عن 15.000 يورو (نحو 17.400 دولار).

بين عامي 2018 و2022، أدين قرابة 680 شخصاً سنوياً في المتوسط بتهمة رفض تقديم عينة حمض نووي، ما يكافئ أقل من 1في المائة من الأشخاص المتهمين سنوياً، وفقاً لوزارة العدل.

ونتيجة لذلك، تستمر قاعدة البيانات في التوسع. ويُمكن للمحققين الفرنسيين مقارنة الحمض النووي المُجمّع مع أكثر من 30 قاعدة بيانات وطنية أخرى في أوروبا، بالإضافة إلى قواعد بيانات أخرى مثل تلك التي تحتفظ بها الولايات المتحدة.

ضباط الشرطة خارج متحف اللوفر يوم الأحد (رويترز)

بيانات وقضايا الجرائم القديمة

رغم استخدام قاعدة البيانات بانتظام في التحقيقات العادية، فقد أثبتت فائدتها الكبيرة في القضايا القديمة التي لم تُحلّ.

وقال محققون إن الحمض النووي ربط دومينيك بيليكوت، الذي أُدين العام الماضي بتخدير زوجته جيزيل ودعوة عشرات الرجال لاغتصابها، بمحاولة اغتصاب ارتُكبت قبل أكثر من عقدين. وقد ظلّت قضية الاغتصاب التي وقعت عام 1999 مجمدة لسنوات، حتى تم اعتقال بيليكوت عام 2020، وتم جمع عيّنة من حمضه النووي، لتتطابق مع عينة محفوظة من مسرح الجريمة. (وقد وُجهت له لائحة اتهام في هذه القضية).

عام 2011، استخدم ضابط فرنسي يحقق في جريمة قتل لم تُحلّ منذ تسع سنوات، قاعدة البيانات للبحث، ليس عن تطابقات تامة، بل عن ملفات حمض نووي متشابهة. هذا البحث قادهم إلى والد القاتل، ما ساعد في حل القضية.

تقول عالمة الاجتماع جويل فايي، التي درست كيفية استخدام النظام القضائي الفرنسي للحمض النووي، إن هذا النوع من البحث عن أفراد عائلة مباشرين يتطلب وقتاً أطول بكثير، ولا يُستخدم إلا في الجرائم الخطيرة مثل القتل أو الاغتصاب.

ما الفرق بين النظام الفرنسي والنظام الأميركي؟

يشبه النظام الفرنسي يشبه إلى حد كبير نظيره الأميركي، المعروف باسم نظام فهرسة الحمض النووي الموحد (CODIS)، الذي يضم أكثر من 24.9 مليون ملف تعريف حمض نووي لأشخاص أُدينوا بجرائم أو تم اعتقالهم، بالإضافة إلى 1.4 مليون ملف لعينات جرى جمعها من مسارح الجرائم.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت وكالات إنفاذ القانون الأميركية هي الأخرى باستخدام قواعد بيانات أنساب تجارية مثل Family Tree DNA، التي يستخدمها الملايين من الأشخاص غير المتهمين بأي جرائم لاكتشاف أقاربهم البعيدين أو تتبع أصولهم.

وتوفر هذه القواعد بيانات تحتوي على تطابقات جزئية، يمكن للشرطة بعد ذلك تضييق نطاق البحث من خلالها باستخدام تقنيات أخرى.


مقالات ذات صلة

لصوص يسرقون 3 لوحات لرينوار وسيزان وماتيس من متحف إيطالي

يوميات الشرق عناصر من الشرطة الإيطالية (أرشيفية - رويترز)

لصوص يسرقون 3 لوحات لرينوار وسيزان وماتيس من متحف إيطالي

سرق لصوص ثلاث لوحات للفنانين الكبار رينوار وسيزان وماتيس من متحف في إيطاليا قبل أسبوع، حسبما أعلنت الشرطة، الأحد.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
يوميات الشرق قطع اللصوص بعض اللوحات من إطاراتها التي لا تزال معلّقة أملاً في عودتها يوماً ما (نيويورك تايمز)

سرقة متحف «غاردنر» في بوسطن... تحقيق جديد يعيد تقييم النظريات حول هوية الفاعلين

خلص مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن السرقة كانت من تنفيذ مجموعة عشوائية من رجال العصابات في بوسطن، دون أدلة كافية للمحاكمة.

توم ماشبرغ (بوسطن)
رياضة عالمية لاندو نوريس قال إن شعوره سيريالي (أ.ب)

نوريس: لا أصدق انضمامي إلى مشاهير متحف توسو

قال بطل العالم للفورمولا 1، البريطاني لاندو نوريس، إن شعوره «سريالي» مع اقتراب موعد كشف تمثال شمعي يجسّده في متحف مدام توسو في لندن، لينضم إلى نجوم الرياضة.

«الشرق الأوسط»
يوميات الشرق اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)

«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

يتهيّأ متحف «كنيسة سانسيفيرو» في مدينة نابولي الإيطالية لتقديم تجربة فنّية فريدة لعشرات الزائرين من ضعاف البصر والمكفوفين...

«الشرق الأوسط» (نابولي - إيطاليا)
يوميات الشرق مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)

كنوز قرآنية من العصور الأولى تستعرض تاريخ تدوين المصحف الشريف

على مقربة من جبل النور؛ حيث انبثقت أنوار الوحي الأولى، يقف «حي حراء الثقافي» بمكة المكرمة شاهداً على رحلة تدوين القرآن الكريم عبر العصور.

عمر البدوي (الرياض)

هيلي لـ«الشرق الأوسط» : موسكو تدعم مسيّرات طهران

هيلي لـ«الشرق الأوسط» : موسكو تدعم مسيّرات طهران
TT

هيلي لـ«الشرق الأوسط» : موسكو تدعم مسيّرات طهران

هيلي لـ«الشرق الأوسط» : موسكو تدعم مسيّرات طهران

أكّد وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أن استخبارات بلاده تُرجّح بدرجة كبيرة أن موسكو ما زالت تقدّم دعماً في مجال المسيرات لطهران.

وقال هيلي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أمس، إن روسيا زوّدت إيران، قبل الحرب، بمعلومات استخباراتية وتدريب يشمل تكنولوجيا المسيّرات وعملياتها، فضلاً عن الحرب الإلكترونية، لافتاً إلى أن هذا التعاون «لا يزال مستمراً». كما لم يستبعد المسؤول البريطاني الرفيع وجود «يد روسية خفية» وراء بعض التكتيكات الإيرانية.

وفي تعليق على زيارته إلى الرياض، الاثنين الماضي، أكّد الوزير أن العلاقة بين السعودية وبريطانيا «وثيقة وطويلة الأمد»، وأنها «تطورت إلى شراكة حديثة تستجيب للتحديات المعاصرة».

وفي إطار التعزيزات البريطانية في الشرق الأوسط، قال هيلي إن بلاده نشرت أنظمة دفاع جوي إضافية لمواجهة «الهجمات الإيرانية العشوائية»، وأوضح أن القوات البريطانية نفّذت أكثر من 1200 ساعة طيران في مهام دفاعية، إلى جانب أكثر من 80 اشتباكاً منذ اندلاع الصراع، مع تسجيل أكبر وجود جوي بريطاني في المنطقة منذ 15 عاماً.


قائد البحرية الفرنسية: الصين ستضطر للانخراط في مناقشات فتح مضيق هرمز

سفينة شحن ترفع العلم الهندي عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى ميناء مومباي في الهند يوم 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
سفينة شحن ترفع العلم الهندي عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى ميناء مومباي في الهند يوم 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

قائد البحرية الفرنسية: الصين ستضطر للانخراط في مناقشات فتح مضيق هرمز

سفينة شحن ترفع العلم الهندي عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى ميناء مومباي في الهند يوم 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
سفينة شحن ترفع العلم الهندي عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى ميناء مومباي في الهند يوم 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قال قائد البحرية الفرنسية الأميرال نيكولا فوجور، الأربعاء، إن الصين ستضطر في مرحلة ما إلى الانخراط بشكل مباشر في ‌كيفية إعادة ‌فتح مضيق ‌هرمز، لأن ⁠عدد السفن المارة ⁠عبره حالياً غير كاف على الأرجح، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف خلال مؤتمر «الحرب والسلام» الأمني في باريس: «لم ⁠نر البحرية الصينية ‌تتدخل ‌لإعادة فتح المضيق. ‌في المقابل، هناك ‌حوار سياسي مباشر بين السلطات الصينية والإيرانية لضمان مرور عدد ‌معين من السفن. هل سيكون ذلك كافياً ⁠لإعادة ⁠حركة الملاحة إلى طبيعتها؟ لا أعتقد ذلك».

وتابع: «نتيجة لذلك، من المرجح أن تضطر الصين إلى الانخراط بشكل مباشر في النقاش وإظهار استيائها من استمرار إغلاق المضيق».


موسكو تعلن «سيطرة كاملة» في لوغانسك وتؤكد تقدم قواتها «على كل الجبهات»

صورة قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)
صورة قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)
TT

موسكو تعلن «سيطرة كاملة» في لوغانسك وتؤكد تقدم قواتها «على كل الجبهات»

صورة قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)
صورة قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الأربعاء، استكمال إحكام سيطرة قواتها على كل الحدود الإدارية لمقاطعة لوغانسك (جنوب شرق). وأكدت إحراز تقدم واسع في مناطق الاشتباكات على طول خطوط التماس في منطقتي خاركيف ودونيتسك، مقتربة بذلك من إنجاز الهدف الأوسع ميدانياً الذي أعلنت عنه مراراً بإجبار القوات الأوكرانية على الانسحاب نهائياً من منطقة دونباس وفرض خط حدودي جديد مع أوكرانيا. ومع انشغال العالم بتطورات الحرب في إيران، بدا أن موسكو نجحت عبر الهجوم القوي على طول خطوط التماس في تعزيز مواقعها بشكل ملموس.

جنود روس في عربة مصفحة داخل الأراضي الأوكرانية (إ.ب.أ)

وأعلنت وزارة الدفاع أن القوات الروسية سيطرت على المنطقة باستخدام قوات من مجموعة «زاباد». وأفاد بيان وزارة الدفاع بأن «مجموعة قوات زاباد (غرب) أنجزت مهمة تحرير جمهورية لوغانسك الشعبية». وزاد أن كل الأراضي ضمن الحدود الإدارية للمقاطعة باتت تحت سيطرة كاملة للجيش الروسي.

ووفقاً للبيان العسكري فقد «حقق المقاتلون انتصارات على العدو في مناطق غروشيفكا، وغوسينكا، وماياك، وموناشينوفكا، ونيشفولدوفكا، وبالاماريفكا، وبروسيانكا في مقاطعة خاركيف، وكذلك بالقرب من كراسني ليمان وياتسكوفكا في جمهورية دونيتسك الشعبية».

وأوضح أنه «خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، تكبّد العدو خسائر بلغت 170 جندياً، ومركبة قتال مشاة، وناقلة جند مدرعة، ومركبتي قتال مدرعتين من طراز كازاك، و16 مركبة، وستة مدافع ميدانية، ومستودع ذخيرة في منطقة سيطرة المجموعة».

ونشرت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية على موقعها الإلكتروني خريطة تظهر الحدود الجديدة لأوكرانيا في ظل التقدم الروسي على طول خطوط الجبهة.

وأظهرت الخريطة بخط أحمر عريض تمدد القوات الروسية في محيط مناطق لوغانسك ودونيتسك (دونباس) وفي محيط زابوريجيا وخيرسون (جنوباً) وعلى طول الحدود مع روسيا شرقاً في محيط خاركيف وسومي.

وتظهر المساحة باللون الأحمر الفاتح كل المساحة التي باتت روسيا تحكم سيطرتها عليها داخل حدود أوكرانيا. كما تظهر المساحات التي ما زالت تحت سيطرة القوات الأوكرانية في مناطق دونيتسك وزابوريجيا وخيرسون التي ضمتها موسكو سابقاً بشكل أحادي وتطالب كييف بالانسحاب منها ضمن شروط السلام الروسية.

ولم يؤكد الجانب الأوكراني صحة المعطيات الروسية، لكن البيانات العسكرية الأوكرانية تجنبت التعليق بشكل واضح على مستوى تقدم القوات المهاجمة، ما عكس أن موسكو حققت بالفعل تقدماً ملموساً في تلك المناطق. ونشرت صحيفة «أوكراينسكايا برافدا» الأوكرانية خريطة أخرى مقابلة، حددت خطوط تماس مختلفة بعض الشيء. وأكدت أن جزءاً من لوغانسك ما زال تحت سيطرة كييف.

وكانت موسكو أعلنت العام الماضي أنها تقترب من فرض سيطرة مطلقة على لوغانسك، وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن أقل من واحد في المائة من أراضي المقاطعة ما زال تحت سيطرة أوكرانيا، في مقابل نحو 19 في المائة من أراضي دونيتسك. وتصر موسكو على انسحاب أوكراني كامل من هاتين المنطقتين كشرط أساسي لدفع عملية السلام.

صورة قمر اصطناعي لدخان من مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الأربعاء، في إفادة صحافية إنه كان على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن يتخذ قراراً واضحاً بشأن انسحاب القوات الأوكرانية من دونباس، وإن ذلك القرار كان ينبغي أن يتخذ اليوم.

جاء هذا الكلام تعليقاً على تصريح لزيلينسكي حول أن موسكو كانت أمهلته شهرين لإعلان قرار الانسحاب من دونباس وإلا فإن بنود اتفاقية السلام المقترحة سوف تتغير.

وقال المتحدث باسم الكرملين: «الأمر لا يتعلق بشهرين. يجب على زيلينسكي اتخاذ قرار اليوم بشأن انسحاب القوات الأوكرانية من دونباس، والتحرك خارج الحدود الإدارية للجمهورية. وقد تم التأكيد على ذلك مراراً وتكراراً».

وأشار بيسكوف إلى أنه «كان ينبغي على رئيس نظام كييف أن يتحمل المسؤولية ويأمر بانسحاب المسلحين أمس. كان من الممكن أن ينقذ ذلك أرواح الكثيرين ويساعد في إنهاء المرحلة الساخنة من الصراع».

لكنه، في الوقت ذاته، لم يربط الجمود الحاصل في عملية السلام مع أوكرانيا بالموقف الميداني، وزاد أن «توقف عملية السلام لا يعود إلى توقع تحقيق هذا الشرط، بل إلى تطورات الوضع في الشرق الأوسط». وأشار بيسكوف إلى أن تقدم القوات الروسية المتواصل يؤكد أنه «سيتعين على نظام كييف دفع ثمن أعلى للسلام نتيجة مماطلته في قبول الحل السلمي».

زيلينسكي مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في كييف الثلاثاء (إ.ب.أ)

وتعليقاً على عرض زيلينسكي بإعلان هدنة خلال فترة عيد الفصح قال بيسكوف: «من الواضح أن نظام كييف في أمس الحاجة إلى الهدنة، إلى أي هدنة، لأن وتيرة تقدم قواتنا حسب خبرائنا والخبراء الأجانب، تشير إلى أن القوات الروسية تتقدم في بعض الأماكن بسرعة وفي بعضها بشكل أبطأ، لكنها على طول الجبهة تسير إلى الأمام. لذلك، يمكن لزيلينسكي وعليه أن يتخذ القرار في الوقت المناسب، ففي وقت لاحق سيتعين عليه اتخاذ هذا القرار لكن بثمن باهظ».

وأضاف: «من التصريحات التي اطلعت عليها لزيلينسكي (عرض الهدنة) لم نرَ مبادرة واضحة للهدنة في عيد الفصح. هو، كالعادة تحدث عن الاستعداد والرغبة في هدنة أياً كانت ولو خلال عيد الفصح. هذا ما دار حوله حديث الرئيس زيلينسكي».

وذكر زيلينسكي الثلاثاء أنه سيطلب من الوسطاء الأميركيين نقل عرض كييف لوقف إطلاق النار على البنية التحتية للطاقة خلال عيد القيامة إلى روسيا، بعد أن قال الكرملين إنه يفتقر إلى أي نقاط مفصلة. وقال: «إذا هاجمونا، فسوف نرد. وإذا وافقوا على وقف الهجمات على بنيتنا التحتية للطاقة، فسوف نبادر بذلك».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال ترؤسه اجتماعاً بالكرملين (أ.ب)

وقال زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي: «كان من المقرر إجراء محادثة فيديو مع الجانب الأميركي، (الأربعاء) وتحدثت عن هذا الأمر الليلة الماضية مع الأمين العام لحلف الناتو». وأضاف: «اتفقنا على أن نناقش أنا، أمين عام حلف شمال الأطلسي، والمبعوث الرئاسي الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر والسيناتور الأميركي، ليندسي غراهام، وعدد قليل من الآخرين موقفنا ومدى قربنا من التوصل إلى اتفاقيات ثلاثية، أو على الأقل إمكانية عقد اجتماع ثلاثي».

واعتبرت موسكو أن طلب كييف لوقف إطلاق النار هو مجرد «حيلة دعائية جديدة» من الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وقالت ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، في إحاطة صحافية، إن هدف زيلينسكي يتمثل في «لملمة الخسائر وإعادة تنظيم صفوف القوات المسلحة الأوكرانية وتجهيزها لمواصلة القتال».

وأكد بيسكوف أنه يجري عمل مكثف في روسيا لحماية البنية التحتية الحيوية من الهجمات الإرهابية التي تشنها كييف، مشيراً إلى أن جميع المواقع الحيوية للنقل في روسيا محمية، ويتم اتخاذ التدابير اللازمة لذلك باستمرار.

ومنذ بداية العام، عقدت وفود من روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا ثلاث جولات من المحادثات. عُقدت آخرها في جنيف يومي 17 و18 فبراير (شباط). ولم تُحدد بعد تفاصيل مكان وزمان اللقاءات الجديدة. وأكد الكرملين أن تعليق المحادثات الثلاثية بشأن أوكرانيا مرتبط بانشغال الولايات المتحدة بـ«أولويات أخرى» في إشارة إلى الحرب في إيران. وكان زيلينسكي أعلن أنه سيجري محادثات مع الولايات المتحدة وبمشاركة الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، عبر تقنية «فيديو كونفرنس».

وفي تعليقه على تقارير حول أن دول الاتحاد الأوروبي قد تكون منحت أوكرانيا مجالها الجوي لمهاجمة روسيا بالمسيّرات، أضاف: «بالتأكيد، نحن نعتبر أنه إذا حدث ذلك فهذا سيلزمنا باستخلاص النتيجة المناسبة واتخاذ التدابير اللازمة».

وأعلنت إستونيا أنها رصدت طائرات مسيرة داخل وخارج مجالها الجوي خلال الليل بين يومي الاثنين والثلاثاء، وأفادت إذاعة «إي آر آر» بالعثور على حطام طائرات مسيرة.

وقال متحدث باسم الجيش في وقت متأخر الثلاثاء إن عدة طائرات مسيرة دخلت المجال الجوي لإستونيا يعتقد أنها أطلقت من أوكرانيا لضرب أهداف عسكرية في روسيا قرب حدود إستونيا. وأضاف المتحدث أن بعثة حلف شمال الأطلسي لمراقبة المجال الجوي في منطقة البلطيق ردت على ذلك، دون أن يذكر ما إذا كانت أي طائرات مسيرة قد تحطمت داخل إستونيا.

سيارة تقف على طريق قرب موقع عُثر فيه على حطام طائرة مسيّرة واحدة على الأقل بعد رصد نشاط طائرات مسيّرة أجنبية بالقرب من الحدود مع روسيا خلال الليل... في كاستر بإستونيا يوم 31 مارس 2026 (رويترز)

وقالت الشرطة في فنلندا، الأربعاء، إن طائرة مسيرة أطلقتها أوكرانيا وتم رصدها في فنلندا الثلاثاء كانت تحمل متفجرات. وذكرت الشرطة في لاتفيا أيضاً، الأربعاء، أنها بدأت تحقيقاً بعد العثور على حطام طائرة مسيرة في البلاد في وقت سابق من الأربعاء. وتحطمت طائرة مسيرة ضلت مسارها في فنلندا يوم الأحد، في أول واقعة تمتد فيها تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا إلى الأراضي الفنلندية. وقالت الشرطة يوم الاثنين إن الطائرة المسيرة بدت وكأنها كانت تحمل رأساً حربياً غير منفجر. وقالت قوات الدفاع الفنلندية وحرس الحدود الثلاثاء، كما نقلت عنهما «رويترز»، إنهما رفعا مستوى الجاهزية بسبب الهجمات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية خلال الأسبوعين الماضيين.

وفي بيان منفصل صدر الثلاثاء، قالت القوات المسلحة في لاتفيا إنها هي الأخرى رصدت طائرة مسيرة قرب الحدود بين لاتفيا وروسيا في وقت متأخر من يوم الاثنين. وأضافت أن الطائرة لم تدخل المجال الجوي للبلاد.

وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها، الثلاثاء، إن بلاده تتعاون مع دول منطقة البلطيق لتجنب حدوث مثل تلك الوقائع، مؤكداً أن الطائرات المسيرة التي تطلقها بلاده «لم تستهدف أبداً هذه الدول» وأن ما يحدث هو نتيجة «تصرفات واعية ومتعمدة من روسيا».