حروب كثيرة بأسماء متعدّدة

شبان يتلقون دورة تدريبية في معسكر وطني روسي وسط الصراع بين روسيا وأوكرانيا بإقليم دونيتسك (رويترز)
شبان يتلقون دورة تدريبية في معسكر وطني روسي وسط الصراع بين روسيا وأوكرانيا بإقليم دونيتسك (رويترز)
TT

حروب كثيرة بأسماء متعدّدة

شبان يتلقون دورة تدريبية في معسكر وطني روسي وسط الصراع بين روسيا وأوكرانيا بإقليم دونيتسك (رويترز)
شبان يتلقون دورة تدريبية في معسكر وطني روسي وسط الصراع بين روسيا وأوكرانيا بإقليم دونيتسك (رويترز)

إذا كانت الحرب هي السياسة لكن بوسائل أخرى، كما قال كارل فون كلوزفيتز، وإذا كانت طبيعة الحرب ثابتة على أنها تُخاض لأهداف سياسيّة، فإن تسمية الحرب وخصائصها، ترتبط بشكل كامل بالوسائل المستعملة، كما بطريقة الاستعمال لهذه الوسائل.

فالحرب تُعد، وعبر التاريخ البشري، الفعل-اللقاء الاجتماعي الأكثر دمويّة. للحرب أيضاً شعائرها (Rituals) ورموزها، إن كان قبل الحرب أو حتى بعدها؛ سواء في النصر أو في الهزيمة. لكن الأكيد أن هذه الشعائر والرموز تساعد على إعطاء الحرب شرعيّتها وقدسيّتها. كما تهدف إلى مسخ صورة العدو لتسهيل عمليّة الإجهاز عليه.

رسم تعبيري لأجهزة كمبيوتر وهواتف ذكية أمامها عبارة «الأمن السيبراني»... (أرشيفية - رويترز)

تُخاض الحرب عادةً على مسارح متعدّدة. فهي قد تكون بريّة أو بحريّة أو جويّة أو فضائية وسيبرانيّة (Warfare). تعوّدنا أن تكون الحرب البريّة هي الفيصل لقياس الانتصار. كما تعودّنا أن تكون الحرب مشتركة بين المسارح ككلّ (Combined). فعلى سبيل المثال لا الحصر، تبدأ أميركا عادةً حربها بالقوّة الجويّة التي تستهدف فيها مراكز ثقل العدو، خصوصاً القيادة والسيطرة. لكنها، تستخدم في الوقت نفسه قدرتها السيبرانيّة لشل قدرات العدو الرقميّة (Digital).

ويرى بعض الخبراء الاستراتيجيّين أن دخول الذكاء الاصطناعي (AI) إلى المسرح الحربيّ قوة تغييريّة وبامتياز (Transformative)، فهو يُشكّل تحدياً للطريقة القديمة في الحرب، الأمر الذي يُحتّم تعديلات جذريّة في كيفيّة خوض الحرب، خصوصاً ما تُسمّى العقيدة العسكريّة (Doctrinal Shift). من هنا هذا الارتباك العالميّ، خصوصاً لدى القوى العظمى، في كيفيّة تحضير القوى العسكريّة لخوض حرب المستقبل، التي بدأت تتكشّف بعض ملامحها في الحرب الروسيّة على أوكرانيا، خصوصاً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يعلن الحرب رسميّاً على أوكرانيا، بل أطلق على الحرب تسمية «العمليّة العسكريّة الخاصة». وفي هذا الإطار، لا تختلف الولايات المتحدة الأميركية عن روسيا. فهي أعلنت الحرب رسميّاً خمس مرّات (الكونغرس يُعلن الحرب) عبر تاريخها ومنذ نشأتها. لكنها خاضت حروباً كثيرة ومحدودة دون إعلان الحرب، أهمّها: الحرب الكورية، وفيتنام، وحرب الخليج، وأفغانستان، كما العراق عام 2003، هذا عدا العلميات الحربية الصغيرة مثل غرانادا، وكوسوفو، وليبيا وغيرها.

فماذا عن تسمية بعض أنواع الحروب؟

1. الحرب الشاملة (Total War): في هذه الحرب، تحشد الدولة كل إمكاناتها، وفي كل الأبعاد من أجل الحرب وتحقيق النصر، أو حماية الأمن القومي في الحدّ الأدنى. صُنفت الحرب العالمية الأولى، كما الثانية، في هذا الإطار. وتقابل الحرب الشاملة، الحرب المحدودة (Limited)، التي تهدف إلى تحقيق أهداف سياسيّة محدودة، وبوسائل محدودة.

2. الحرب الهجينة (Hybrid): تَستعمل هذه الحرب وسائل حربيّة تقليديّة، إلى جانب تكتيكات ووسائل غير تقليديّة، مثل حرب العصابات، والإرهاب، والحرب السيبرانيّة، كلّها في الوقت نفسه. تهدف هذه الحرب إلى التركيز على نقاط ضعف العدو، بهدف التأثير على ذهنيّة العدو (Cognitive)، وضرب معنويّاته. يأخذنا هذا التعريف، وفي حال لا يريد من يستعمل هذا النوع من الحروب الذهاب إلى حرب شاملة أو محدودة، إلى التسمية التالية.

3. الحرب في المنطقة الرماديّة (Grey Area): هي الحرب التي لا تصل إلى عتبة الحرب الحقيقيّة (Threshold) لكن دون تخطّيها. في هذه الحرب تُستعمل وسائل معيّنة وبشكل يمكن فيه إنكار المسؤوليّة (Deniability)، لكن دون الذهاب إلى الحرب. عادةً، تهدف الحرب إلى تحقيق مكاسب استراتيجيّة، لكن دون تخطّي الخطوط الحمر. تمارس حالياً روسيا هذا النوع من الحرب (الهجينة+المناطق الرماديّة) ضد «الناتو»، حسب بعض المصادر في الحلف. فعلى سبيل المثال، خرقت 19 مسيّرة روسيّة من نوع جيربيرا (Gerbera) الحدود البولنديّة. تمّ التعامل معها لكن بتكلفة كبيرة جدّاً، وهي، أي المسيّرات، لم تكن مُحمّلة برؤوس حربيّة متفجّرة.

4. حرب الخوارزميات (Algorithm): بعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى الحرب، تغيّرت خصائص الحرب جذريّاً. في هذه الحرب تُستخدم الخوارزميات لتسريع الحرب، عبر تحليل كمّ كبير جداً من البيانات (Data). لا يزال الإنسان يسيطر على هذه الحرب، خصوصاً أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى ما تُسمّى نقطة التفرّد (Singularity)، حيث يصبح فيها الذكاء الاصطناعي موازياً أو متقدّماً على الوعي والذكاء البشريّ. يُسهم الذكاء الاصطناعي بهذه الحرب في تسريع عملية اتخاذ القرار، بهدف الحفاظ على زمام المبادرة في المعركة. كما يُسهم في رقمنة مسرح الحرب (Digitizes)، وربط القوى المقاتلة من أسلحة مختلفة من ضمن شبكة عنكبوتية آنيّة (Battlespace).

5. حرب الـ«Agentic»: بعد التقدّم الملحوظ في مجال الذكاء الاصطناعيّ، بدأت ملامح وخصائص جديدة تتكشّف حول خوض الحرب، أهمّها «الحرب الوكيليّة»، أي بالوكالة (Agents). وإذا كان التاريخ العسكري القديم، كما الحديث، يعجّ بالأمثلة حول الحروب بالوكالة البشريّة (War by Proxies)، فإن القرن الـ21 سيشهد حروباً بالوكالة لكنها ستكون هجينة ومختلطة بين البشري والآليّ.

في هذه الحرب، ستُستعمل نظم ذكيّة قادرة على جمع الداتا، والاستشعار (Sensors)، وتحليلها وتحويلها إلى معرفة (Knowledge)، واتخاذ القرار والتنفيذ، دون الرجوع إلى العنصر البشريّ.

وأخيراً وليس آخراً، قد يمكن الحديث عن حرب المدن، كما حرب العصابات.

تهدف حرب المدن إلى السيطرة على بيئة حضريّة (Urban) يتمركز فيها العدو. في هذه الحرب، وهي صعبة جدّاً، ومُكلفة للجيوش التقليديّة، يتم القتال من بيت إلى بيت. في هكذا نوع من الحروب، تتراجع أهميّة وفاعلية الأسلحة التقليديّة مثل الدبابة.

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على خان يونس في جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)

تدور حالياً حرب مدن في قطاع غزّة، وذلك إلى جانب العمق الجغرافيّ العمودي والمُتمثّل في شبكة الأنفاق. أما حرب العصابات فهي تعتمد على الكرّ والفرّ (Hit & Run)، والكمائن، وغيرها من التكتيكات، والهدف دائماً هو استنزاف العدو إلى الحد الأقصى، بهدف إجباره على تغيير قراراته السياسيّة. إذا هي حرب ذات طبيعة مزدوجة؛ عسكرية وسياسيّة في الوقت نفسه. كانت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل في جنوب لبنان، ومنذ عام 1985 حتى عام 2000، أي عام الانسحاب الإسرائيليّ من جنوب لبنان، حرب عصابات وبامتياز.


مقالات ذات صلة

الصين: الحرب على البعوض دخلت عصر الذكاء الاصطناعي

علوم جهاز شركة «فوتون ماتريكس»

الصين: الحرب على البعوض دخلت عصر الذكاء الاصطناعي

يُوظِّف تقنية تحديد الأهداف الموجودة في السيارات ذاتية القيادة بدقة

«الشرق الأوسط» (تشانغتشو (الصين))
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وادي السيليكون يخسر رهان الـ600 مليون دولار في انتخابات الكونغرس الأميركي

لم تنجح مئات الملايين من الدولارات التي ضخها كبار المستثمرين في قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة في إنقاذ المرشحين الجمهوريين من خسائر انتخابية واسعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا «أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»

«أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»

تعتزم «أوبن إيه آي» دمج المحادثة وتنفيذ المهام في تجربة موحدة داخل «شات جي بي تي»، مع بدء اختبارها تدريجياً.

نسيم رمضان (لندن)
علوم هل يمكن لروبوتات الدردشة الإجابة عن أسئلتك الطبية؟

هل يمكن لروبوتات الدردشة الإجابة عن أسئلتك الطبية؟

تساؤلات حول دقة الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية

«الشرق الأوسط» (كمبردج (ولاية ماساشوستس الأميركية))

إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
TT

إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)

أعلن جهاز الأمن الداخلي الأوكراني (إس بي يو)، الأربعاء، إقالة مسؤولَين رفيعين ورد اسماهما في تحقيق على صلة بمراكز اتصال احتيالية.

وقال جهاز الأمن الداخلي إن رئيسه أوليكسندر بوكلاد، أعفى مسؤولَين كبيرَين في الجهاز من مهامهما بعد ورود اسميهما في تحقيق يجريه المكتب الوطني لمكافحة الفساد (نابو).

وأضاف في بيان عبر تلغرام أن بوكلاد يتوقّع إجراء تحقيق «شفاف وموضوعي ونزيه» من جانب المكتب، رغم التوتر بين المؤسستين. وتفاقم الخلاف بينهما العام الماضي بعدما حاول الرئيس فولوديمير زيلينسكي تقليص استقلالية مكتب مكافحة الفساد.

من جهته، قال مكتب مكافحة الفساد، إن أحد مسؤولي جهاز الأمن «هدد باستخدام سلاح ناري» ومنع المحققين من دخول مواقع كانوا ينفذون فيها عمليات تفتيش الأربعاء.

ووفقًا للمكتب، فإن مسؤولين كبارًا في جهاز الأمن والنيابة العامة والشرطة دفعوا رشاوى لعناصر من أجهزة إنفاذ القانون مقابل غض الطرف عن أنشطة مراكز اتصال احتيالية.

وأضاف أن عمليات الاحتيال استهدفت أوكرانيين وأجانب، وشملت بيع مخدرات وإنتاج سجائر مقلدة وعملات أجنبية مزورة.

واتهم مجموعة إجرامية مؤلفة من 12 شخصًا على الأقل بتنظيم «اعتداءات وخطف وهجمات مخطط لها».

وكانت التحقيقات دفعت المدعي العام الأوكراني رسلان كرافتشينكو إلى الاستقالة في أيلول/سبتمبر بعد تفتيش مكاتب تابعة له، علمًا أنه نفى ارتكاب أي مخالفات.

وبحسب المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومقرها سويسرا، يوفر قطاع مراكز الاتصال الاحتيالية في أوكرانيا وظائف لنحو 60 ألف شخص، أي ما يعادل نحو ثلثي العاملين في القطاع المصرفي.

وتقدّر المبادرة أن هذه الأنشطة تدر إيرادات قد تصل إلى مليار دولار شهريًا.


زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة أجريت معه الأربعاء، إنه يأمل في أن تؤدي المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة إلى توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

وذكر أنه يأمل في أن تكون التغييرات التي ستنتج عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل في صالح كييف.

وأوضح: «أنا ممتن أيضاً للجمهوريين، لكن الديمقراطيين يتحدثون بمزيد من الوضوح عن دعم أوكرانيا وتقديم المساعدة لها».

وأضاف: «إنهم يتحدثون عن تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا... ولذلك، هناك أمل في أن يتشكل توازن للقوى وأن نتلقى مزيداً من الدعم».

وقال زيلينسكي إن تلقي المزيد من المساعدات الأميركية ربما يكون له تأثير على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبذل زيلينسكي جهوداً كبيرة لتعزيز العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا سيما بعد اجتماع شهد توتراً في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025، عندما اتُهم الرئيس الأوكراني «بعدم الامتنان» تجاه المساعدات الأميركية.

وفي الأسابيع الماضية، اتخذ ترمب عدة خطوات تظهر محاباة لروسيا، بما في ذلك اتفاق لاستيراد الديزل الروسي وتخفيف العقوبات.

لكن من المقرر أن تُستأنف محادثات ثلاثية تقودها الولايات المتحدة مع أوكرانيا وروسيا الأسبوع المقبل، بعد توقف دام عدة أشهر.


أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

عندما فاز دونالد ترمب بولايته الرئاسية الثانية، استقرَّت في الأوساط الأوروبية موجة من القلق الذي كان يتراكم جراء المخاوف التي تولَّدت من إقامته الأولى في البيت الأبيض، ومن الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية وانتهت بوضع الحليف التقليدي في خانة الخصوم، والوعيد المبطّن بتقويض المشروع الأوروبي.

وعندما ظهرت النتائج الأولى للانتخابات النصفية فجر الأربعاء، وتأكدت سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، سادت في المؤسسات ومعظم العواصم الأوروبية أجواء من الارتياح الحذر؛ خرج عنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يلعب بكل أوراقه في انتخابات عامة مسبقة مصيرية أواخر هذا الشهر، إذ قال: «اقترع المجتمع الأميركي، أمس، ضد السياسات التي تتسبب بالفقر، وضد الحقد والذكورية، وضد إنكار التغيُّر المناخي، وضد مزايا النخب»، ثم أضاف: «هذا ما حصل في البرازيل، والآن في الولايات المتحدة، وقريباً في إسبانيا».

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

لكن العواصم الكبرى في الاتحاد اختارت عدم التعليق مباشرة على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وكذلك فعلت المؤسسات الأوروبية، إدراكاً منها بأن الهزيمة القاسية التي أصابت النهج الترمبي هي رسالة احتجاج شديدة دوافعها محلية بامتياز: ضد غلاء المعيشة المطرد، وطرد مئات الآلاف من المهاجرين وإساءة معاملتهم، وتقليص الخدمات الصحية العامة، والفساد الجامح المتفشي في المحيط العائلي للرئيس، وأن فقدان الأغلبية في الكونغرس لن ينتقص من صلاحياته الواسعة جداً في السياسة الخارجية، لا، بل من المرجح أن يدفعه إلى التركيز عليها أكثر لاستعادة الهيبة التي فقدها داخلياً.

جميع الأوساط الأوروبية التي استمزجتها «الشرق الأوسط» بعد صدور النتائج النهائية للانتخابات النصفية تميل إلى الاعتقاد أن الهزيمة ستحفِّز الرئيس الأميركي على مضاعفة جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفتح الأبواب أمام أسرته وشركائه لمزيد من الصفقات المجزية في روسيا قبل خروجه من البيت الأبيض.

ويخشى الأوروبيون أنه لن يتردَّد في استخدام الوسائل والأدوات التي في متناوله لدفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نحو مزيد من التنازلات الاستسلامية، مثل المعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تزوِّد بها واشنطن القوات المسلحة الأوكرانية، وخدمة «ستارلينك» الساتلية، والأسلحة التي منذ فترة تبيعها الولايات المتحدة لكييف.

ويستبعد الأوروبيون أن ينجح الكونغرس الأميركي الجديد في دفع ترمب نحو تغيير سياسته من حرب أوكرانيا، خصوصاً ما يتعلق منها بالعقوبات المفروضة على روسيا والتي رفع كثيراً منها مؤخراً، ما لم يخرج من صفوف النواب الجمهوريين العدد الكافي من الرافضين لهذه السياسة، وينضموا إلى الأغلبية الديمقراطية الجديدة التي تعارض التخلي عن أوكرانيا في أحرج مراحل الحرب.

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس صرَّح مؤخراً بأن روسيا خسرت في الشهر الماضي وحده 52 ألف جندي بين قتيل وجريح، وأن هذا «عدد غير قابل للاحتمال».

على الجبهة الأطلسية، لا يتوقع الأوروبيون مزيداً من الصدمات والمفاجآت بعد فصول الضغط الأخيرة التي تعرَّضوا لها لزيادة الإنفاق العسكري والتَّوصُّل إلى اتفاق جديد مع الدنمارك حول غرونلاند.

لكن يخشى البعض، في حال تجدُّد الهجمات ضد إيران، أن يلجأ ترمب إلى التصعيد في وجه الدول التي امتنعت، في السابق، عن فتح مجالها الجوي، أو استخدام قواعدها المشتركة، أمام المقاتلات الحربية الأميركية.

لكن أكثر ما يبعث على الارتياح في الأوساط التي تخشى من عواقب صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة على المشروع الأوروبي، وتماهيها مع أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي من بينها دعم المقاومة لهذا المشروع، أن دائرة الذين يجنحون نحو الخروج من تحت المظلة الترمبية مرشحة للاتساع في المعسكر اليميني المتطرف، خصوصاً بعد سقوط أوربان في المجر، وبولسونارو في البرازيل، وبعد أن كانت أحزاب يمينية متطرفة وازنة في أوروبا، مثل «التجمع من أجل الجمهورية» في فرنسا، و«إخوان إيطاليا»، قد سلكت هذا الطريق، علماً بأن أحزاباً أخرى مثل «فوكس» الإسباني و «البديل من أجل ألمانيا» ما زالت على ولائها للرئيس الأميركي.

الاشتراكيون الأوروبيون كانوا الأكثر احتفالاً بالنصر الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأميركية، إذ صرَّحت رئيسة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي، إيراتشي غارسي، بقولها: «إنها الموجة الزرقاء، وهي بداية نهاية حروب ترمب، والرسوم الجمركية غير القانونية، والاعتداءات على النظام الديمقراطي». أما الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، فقد اكتفت بتصريح مقتضب جاء فيه: «نتيجة هذه الانتخابات كانت واضحة، والاتحاد الأوروبي جاهز للتعاون مع الكونغرس الجديد، بجناحيه، الديمقراطي والجمهوري».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

العبرة الرئيسية التي يخرج بها المحللون الأوروبيون من هذه الهزيمة المدوية التي مُني بها الجمهوريون وترمب في الانتخابات النصفية الأميركية، هي أن الديمقراطية ما زالت حيّة في الدولة التي احتفلت هذه السنة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، وأن النظام الديمقراطي قادر دائماً على احتواء الشطط التوتاليتاري ومنع تفشيه أو رسوخه. لكن ثمة مَن يحذِّر من أن هذه الهزيمة قد تؤجِّج عند الرئيس الجريح نزعته الانتقامية المتأصلة، وتدفعه نحو مزيد من التصعيد على أكثر من جبهة.