صواريخ «توماهوك»... هل ستهدد العمق الاستراتيجي الروسي؟

صورة أرشيفية لإطلاق البحرية الأميركية صاروخ «توماهوك» من سفينة «كيب سانت جورج» في 23 مارس 2003 (رويترز)
صورة أرشيفية لإطلاق البحرية الأميركية صاروخ «توماهوك» من سفينة «كيب سانت جورج» في 23 مارس 2003 (رويترز)
TT

صواريخ «توماهوك»... هل ستهدد العمق الاستراتيجي الروسي؟

صورة أرشيفية لإطلاق البحرية الأميركية صاروخ «توماهوك» من سفينة «كيب سانت جورج» في 23 مارس 2003 (رويترز)
صورة أرشيفية لإطلاق البحرية الأميركية صاروخ «توماهوك» من سفينة «كيب سانت جورج» في 23 مارس 2003 (رويترز)

كيف تتصرّف دولة تعتبر نفسها قوّة عظمى تجاه المخاطر التي تهدّد أمنها القومي؟ كيف تتصرّف روسيا التي هُدّدت من كل الجبهات عبر تاريخها؟ فقد قاتلت المغول من الشرق أكثر من 400 عام، وصدّت الهجمات البولنديّة، السويديّة، الفرنسية عبر نابوليون، وكذلك هتلر من الغرب. وفي كل هذه الحروب المصيريّة، اعتمدت روسيا على سياسة الأرض المحروقة، واستغلّت العمق الجغرافي لتذويب قدرات العدو على المساحة الشاسعة، وذلك حسب المفكّر الجيوسياسي الفرنسي بيار كونيزا.

في القرن الـ21، غيّرت التكنولوجيا مفهوم العمق الجغرافيّ. ولكن هذا الأمر لا يعني أن قيمته الاستراتيجيّة أصبحت معدومة. إلا أنه في الحد الأدنى، لم يعد آمناً كما كان من قبل. وإذا كانت الغزوات القديمة على روسيا تهدف إلى احتلال الأرض، فهذا الأمر ليس في حسابات أوكرانيا والغرب حالياً، هذا عدا استحالة الأمر من كل النواحي، العسكريّة كما السياسية، وفي كل الأبعاد.

وبعد أن كانت أوكرانيا تُعتبر في الحسابات الجيوسياسيّة الروسيّة على أنها منطقة عازلة ذات أهمية كبرى مع الغرب- «الناتو»، وبعد أن صنّفها مستشار الأمن القومي الراحل زبيغنيو بريجينسكي على أنها الخاصرة الطريّة لروسيا، ومن دونها لا يمكن لروسيا أن تكون قوّة عظمى، تحوّلت أوكرانيا إلى عدو لدود في الحسابات الروسيّة، وصُنّفت على أنها ألعوبة بيد الغرب، يستعملها -وبالواسطة- لمنع روسيا من تحقيق أحلام الدولة العظمى.

وتستهدف أوكرانيا في الحرب الدائرة حالياً العمق الروسي، وعن بُعد، ودون الحاجة إلى الاجتياح البرّي، إلا لأهداف تكتيكية، كما حصل في إقليم كورسك الروسي. وهي تتجنّب حتى الآن قصف المدنيين، وذلك بعكس السلوك الروسيّ.

تجسّدت الأهداف الأوكرانيّة في داخل روسيا بضرب مراكز الثقل، والمتمثّلة بالقواعد الجويّة، وقواعد الإنتاج الحربي، كذلك كل ما يتعلّق بالبنى التحتيّة والتي تُعنى بمصادر الطاقة؛ حيث المدخول الأهم للرئيس بوتين.

في المقابل، أصبحت روسيا قادرة على ردع وضرب عمق العدو المُفترض، إن كان بالمُسيَّرات، أو الصواريخ الباليستيّة التقليديّة، أو النوويّة. وتكون بذلك قد نقلت سياسة الأرض المحروقة، والتي كانت تستعملها ضد الاجتياحات المتعدّدة، من الداخل الروسي إلى أرض أعدائها.

وتعتمد روسيا حالياً معادلة استراتيجيّة تجاه «الناتو»، تقوم على الأسس التالية: استغلال القدرة والردع النوويّ، بهدف حماية الحرب التقليديّة في أوكرانيا، وكذلك حماية الحرب الهجينة التي تخوضها روسيا مؤخّراً ضد مراكز ثقل القوى في حلف «الناتو»، بولندا وألمانيا مثلاً. بكلام آخر: تختبر روسيا الصبر الأميركي على دُفعات (Test & Wait)، ولكنها تختبر الصبر الأوروبي، وردوده بصورة مستمرّة (Test & Test again).

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتن في أنكوريج بألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

التأثير العسكري لصواريخ «توماهوك»

بعد فشل «قمة ألاسكا» بين الرئيس ترمب والرئيس بوتين، صرّح نائب الرئيس الأميركي بأن الولايات المتحدة تفكّر بتزويد أوكرانيا بصواريخ «كروز» من نوع «توماهوك». في الإطار نفسه، سُرِّب خبر عن احتمال تزويد أميركا لأوكرانيا بالاستخبارات اللازمة لضرب قطاع الطاقة في العمق الروسيّ.

واعتبر بوتين -من جهته- أن هذا القرار -في حال تنفيذه- سيُشكِّل مرحلة تصعيد خطيرة. فماذا عن التحليل العسكري لتأثير «توماهوك»؟

• هناك نوعان مختلفان من صواريخ «توماهوك»، حسب المدى الأقصى للإطلاق. يقول معهد دراسات الحرب (IWS)، إنه في حال تزويد أميركا لأوكرانيا بهذه النوعين من الصواريخ (1600 كلم، و2500 كلم)، فإن الجيش الأوكراني سيصبح قادراً على ضرب العمق الروسي، وحتى جبال الأورال وما بعدها، والتي تعتبر الفاصل بين روسيا الأوروبية وروسيا الآسيويّة.

• في حال حصول أوكرانيا على «توماهوك- 2500 كلم»، ستصبح أوكرانيا قادرة على ضرب نحو 1945 هدفاً روسياً، منها 76 قاعدة جويّة. أما في حال حصولها على «توماهوك» الأقصر مدى، (1600 كلم)، فستصبح قادرة على ضرب 1655 هدفاً عسكريّاً، منها 67 قاعدة جويّة. وفي الحالتين، سيكون الصاروخ قادراً على ضرب معمل التصنيع الأساسي لمُسيَّرات الشاهد في تتارستان (Yelabuga).

• يتميّز الصاروخ بدقّته (توجيه جي بي إس)، كما أنه مُجهّز بما يُسمّى نظام مطابقة التضاريس، كونه يُحلّق على ارتفاع عشرات الأمتار عن الأرض، الأمر الذي يُصعّب عملية رصده من الرادارات.

يملك المستخدم للصاروخ القدرة على التدخّل في جهازيّته خلال مساره إلى الهدف، لتحديث المعلومات عن الهدف. وزن الرأس الحربي التقليدي 450 كلغ. وهو قادر على حمل رؤوس نوويّة.

جنود أوكرانيون يطلقون صاروخاً من نوع «HIMARS» باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك يوم 9 أكتوبر 2025 (رويترز)

خريطة العمق الروسي بعد «توماهوك»

لا يمكن النظر إلى صاروخ «توماهوك» دون التطرّق إلى منظومة الصواريخ الأوروبيّة التي زُوّدت بها أوكرانيا. فماذا عنها؟

• زوّدت أميركا أوكرانيا بصاروخين مهمّين، هما: «هايمارس» (HIMARS)، مدى 90 كلم، وصاروخ «أتاكمز» (ATACMS)، مدى 300 كلم. ولكن أميركا لم تسمح حتى الآن باستعمال هذه الصواريخ لضرب أهداف في الداخل الروسيّ.

• زوّدت كل من فرنسا وبريطانيا أوكرانيا بصاروخ ستورم شادو (Storm Shadow)، مدى 550 كلم.

• حتى الآن لم تزوّد ألمانيا أوكرانيا بصاروخ «تورس» (Taurus)، مدى 500 كلم وأكثر.

• وإذا أضفنا النوعين من صواريخ «توماهوك» (1600كلم و2500 كلم) إلى منظومة الصواريخ أعلاه، فقد يمكن القول إن الداخل الروسي سيكون مستهدفاً وعلى مستويات عدة (Layers) من العمق داخل روسيا، وعلى الشكل التالي: 90 كلم، و300 كلم، و500 كلم، و1600 كلم، و2500 كلم. وفي هذا الإطار، قد يمكن إضافة الصاروخ من صنع أوكراني من نوع «فلامينغو» (Flamingo)، الذي يبلغ مداه 3000 كلم، ويزن رأسه الحربي نحو 1000 كلغ. فهل ستقبل روسيا؟ وهل تتيح العقيدة الروسية النووية الرد بطرق غير تقليديّة؟

في الختام، يجب طرح الأسئلة التالية: هل يستعمل الرئيس ترمب هذه المقاربة وسيلة ضغط تفاوضيّة على الرئيس بوتين؟ وهل سيوافق «البنتاغون» على التخلّي عن صواريخ «توماهوك»، وهي قليلة نسبيّاً في المخزون (3800 صاروخ)، وهو الذي يستعد لحرب محتملة في منطقة الباسفيك؛ خصوصاً أن هذه الحرب ستكون بأغلبها بحريّة، بحيث يعتبر «توماهوك» السلاح المثالي لهذه الحرب؟


مقالات ذات صلة

السعودية و«الناتو» يبحثان التعاون العسكري والدفاعي

الخليج وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (الشرق الأوسط)

السعودية و«الناتو» يبحثان التعاون العسكري والدفاعي

بحث الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «الناتو» مارك روته، أوجه التعاون العسكري والدفاعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا هجوم أوكراني على سفينة روسية بالبحر الأسود قبالة سواحل تركيا 29 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

تركيا تحذر روسيا وأوكرانيا مجدداً من استهداف السفن التجارية بالبحر الأسود

وجهت تركيا تحذيراً جديداً إلى كل من روسيا وأوكرانيا من مواصلة الهجمات على السفن التجارية ​في البحر الأسود ملوّحة بالرد

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود من الجيش الألماني يحمّلون صواريخ لمنظومة الدفاع الجوي «باتريوت» في بولندا يوم 23 يناير 2025 (د.ب.أ)

بولندا تعلن استضافتها مركزاً لصيانة نظام «باتريوت» الأميركي

أعلنت بولندا أنها ستستضيف مركزاً لصيانة نظام باتريوت للدفاع الجوي الأميركي، فيما وصفته الحكومة بأنه خطوة كبيرة إلى الأمام في التعاون الدفاعي مع واشنطن.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا عَلم أوكرانيا أمام شعار حلف «الناتو» في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا وسط العاصمة كييف 11 يوليو 2023 (رويترز)

«ناتو» يتيح لأوكرانيا شراء أسلحة عبر وكالته للمشتريات

انضمت أوكرانيا إلى شراكة تتيح لها شراء الأسلحة عبر وكالة مشتريات «ناتو»، وتعزّز تعاونها الصناعي والعسكري مع «الحلف».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم غواصة هجومية روسية من طراز «أكولا» تم رصدها بالقرب من المياه البريطانية في شهر أبريل (أ.ف.ب)

تقرير: روسيا تنشر سفن صيد للتجسس على بريطانيا

كشف تقرير نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية عن أن روسيا تنشر سفن صيد للتجسُّس على الكابلات البحرية الحيوية التابعة للمملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
TT

إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)

أعلن جهاز الأمن الداخلي الأوكراني (إس بي يو)، الأربعاء، إقالة مسؤولَين رفيعين ورد اسماهما في تحقيق على صلة بمراكز اتصال احتيالية.

وقال جهاز الأمن الداخلي إن رئيسه أوليكسندر بوكلاد، أعفى مسؤولَين كبيرَين في الجهاز من مهامهما بعد ورود اسميهما في تحقيق يجريه المكتب الوطني لمكافحة الفساد (نابو).

وأضاف في بيان عبر تلغرام أن بوكلاد يتوقّع إجراء تحقيق «شفاف وموضوعي ونزيه» من جانب المكتب، رغم التوتر بين المؤسستين. وتفاقم الخلاف بينهما العام الماضي بعدما حاول الرئيس فولوديمير زيلينسكي تقليص استقلالية مكتب مكافحة الفساد.

من جهته، قال مكتب مكافحة الفساد، إن أحد مسؤولي جهاز الأمن «هدد باستخدام سلاح ناري» ومنع المحققين من دخول مواقع كانوا ينفذون فيها عمليات تفتيش الأربعاء.

ووفقًا للمكتب، فإن مسؤولين كبارًا في جهاز الأمن والنيابة العامة والشرطة دفعوا رشاوى لعناصر من أجهزة إنفاذ القانون مقابل غض الطرف عن أنشطة مراكز اتصال احتيالية.

وأضاف أن عمليات الاحتيال استهدفت أوكرانيين وأجانب، وشملت بيع مخدرات وإنتاج سجائر مقلدة وعملات أجنبية مزورة.

واتهم مجموعة إجرامية مؤلفة من 12 شخصًا على الأقل بتنظيم «اعتداءات وخطف وهجمات مخطط لها».

وكانت التحقيقات دفعت المدعي العام الأوكراني رسلان كرافتشينكو إلى الاستقالة في أيلول/سبتمبر بعد تفتيش مكاتب تابعة له، علمًا أنه نفى ارتكاب أي مخالفات.

وبحسب المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومقرها سويسرا، يوفر قطاع مراكز الاتصال الاحتيالية في أوكرانيا وظائف لنحو 60 ألف شخص، أي ما يعادل نحو ثلثي العاملين في القطاع المصرفي.

وتقدّر المبادرة أن هذه الأنشطة تدر إيرادات قد تصل إلى مليار دولار شهريًا.


زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة أجريت معه الأربعاء، إنه يأمل في أن تؤدي المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة إلى توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

وذكر أنه يأمل في أن تكون التغييرات التي ستنتج عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل في صالح كييف.

وأوضح: «أنا ممتن أيضاً للجمهوريين، لكن الديمقراطيين يتحدثون بمزيد من الوضوح عن دعم أوكرانيا وتقديم المساعدة لها».

وأضاف: «إنهم يتحدثون عن تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا... ولذلك، هناك أمل في أن يتشكل توازن للقوى وأن نتلقى مزيداً من الدعم».

وقال زيلينسكي إن تلقي المزيد من المساعدات الأميركية ربما يكون له تأثير على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبذل زيلينسكي جهوداً كبيرة لتعزيز العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا سيما بعد اجتماع شهد توتراً في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025، عندما اتُهم الرئيس الأوكراني «بعدم الامتنان» تجاه المساعدات الأميركية.

وفي الأسابيع الماضية، اتخذ ترمب عدة خطوات تظهر محاباة لروسيا، بما في ذلك اتفاق لاستيراد الديزل الروسي وتخفيف العقوبات.

لكن من المقرر أن تُستأنف محادثات ثلاثية تقودها الولايات المتحدة مع أوكرانيا وروسيا الأسبوع المقبل، بعد توقف دام عدة أشهر.


أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

عندما فاز دونالد ترمب بولايته الرئاسية الثانية، استقرَّت في الأوساط الأوروبية موجة من القلق الذي كان يتراكم جراء المخاوف التي تولَّدت من إقامته الأولى في البيت الأبيض، ومن الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية وانتهت بوضع الحليف التقليدي في خانة الخصوم، والوعيد المبطّن بتقويض المشروع الأوروبي.

وعندما ظهرت النتائج الأولى للانتخابات النصفية فجر الأربعاء، وتأكدت سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، سادت في المؤسسات ومعظم العواصم الأوروبية أجواء من الارتياح الحذر؛ خرج عنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يلعب بكل أوراقه في انتخابات عامة مسبقة مصيرية أواخر هذا الشهر، إذ قال: «اقترع المجتمع الأميركي، أمس، ضد السياسات التي تتسبب بالفقر، وضد الحقد والذكورية، وضد إنكار التغيُّر المناخي، وضد مزايا النخب»، ثم أضاف: «هذا ما حصل في البرازيل، والآن في الولايات المتحدة، وقريباً في إسبانيا».

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

لكن العواصم الكبرى في الاتحاد اختارت عدم التعليق مباشرة على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وكذلك فعلت المؤسسات الأوروبية، إدراكاً منها بأن الهزيمة القاسية التي أصابت النهج الترمبي هي رسالة احتجاج شديدة دوافعها محلية بامتياز: ضد غلاء المعيشة المطرد، وطرد مئات الآلاف من المهاجرين وإساءة معاملتهم، وتقليص الخدمات الصحية العامة، والفساد الجامح المتفشي في المحيط العائلي للرئيس، وأن فقدان الأغلبية في الكونغرس لن ينتقص من صلاحياته الواسعة جداً في السياسة الخارجية، لا، بل من المرجح أن يدفعه إلى التركيز عليها أكثر لاستعادة الهيبة التي فقدها داخلياً.

جميع الأوساط الأوروبية التي استمزجتها «الشرق الأوسط» بعد صدور النتائج النهائية للانتخابات النصفية تميل إلى الاعتقاد أن الهزيمة ستحفِّز الرئيس الأميركي على مضاعفة جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفتح الأبواب أمام أسرته وشركائه لمزيد من الصفقات المجزية في روسيا قبل خروجه من البيت الأبيض.

ويخشى الأوروبيون أنه لن يتردَّد في استخدام الوسائل والأدوات التي في متناوله لدفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نحو مزيد من التنازلات الاستسلامية، مثل المعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تزوِّد بها واشنطن القوات المسلحة الأوكرانية، وخدمة «ستارلينك» الساتلية، والأسلحة التي منذ فترة تبيعها الولايات المتحدة لكييف.

ويستبعد الأوروبيون أن ينجح الكونغرس الأميركي الجديد في دفع ترمب نحو تغيير سياسته من حرب أوكرانيا، خصوصاً ما يتعلق منها بالعقوبات المفروضة على روسيا والتي رفع كثيراً منها مؤخراً، ما لم يخرج من صفوف النواب الجمهوريين العدد الكافي من الرافضين لهذه السياسة، وينضموا إلى الأغلبية الديمقراطية الجديدة التي تعارض التخلي عن أوكرانيا في أحرج مراحل الحرب.

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس صرَّح مؤخراً بأن روسيا خسرت في الشهر الماضي وحده 52 ألف جندي بين قتيل وجريح، وأن هذا «عدد غير قابل للاحتمال».

على الجبهة الأطلسية، لا يتوقع الأوروبيون مزيداً من الصدمات والمفاجآت بعد فصول الضغط الأخيرة التي تعرَّضوا لها لزيادة الإنفاق العسكري والتَّوصُّل إلى اتفاق جديد مع الدنمارك حول غرونلاند.

لكن يخشى البعض، في حال تجدُّد الهجمات ضد إيران، أن يلجأ ترمب إلى التصعيد في وجه الدول التي امتنعت، في السابق، عن فتح مجالها الجوي، أو استخدام قواعدها المشتركة، أمام المقاتلات الحربية الأميركية.

لكن أكثر ما يبعث على الارتياح في الأوساط التي تخشى من عواقب صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة على المشروع الأوروبي، وتماهيها مع أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي من بينها دعم المقاومة لهذا المشروع، أن دائرة الذين يجنحون نحو الخروج من تحت المظلة الترمبية مرشحة للاتساع في المعسكر اليميني المتطرف، خصوصاً بعد سقوط أوربان في المجر، وبولسونارو في البرازيل، وبعد أن كانت أحزاب يمينية متطرفة وازنة في أوروبا، مثل «التجمع من أجل الجمهورية» في فرنسا، و«إخوان إيطاليا»، قد سلكت هذا الطريق، علماً بأن أحزاباً أخرى مثل «فوكس» الإسباني و «البديل من أجل ألمانيا» ما زالت على ولائها للرئيس الأميركي.

الاشتراكيون الأوروبيون كانوا الأكثر احتفالاً بالنصر الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأميركية، إذ صرَّحت رئيسة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي، إيراتشي غارسي، بقولها: «إنها الموجة الزرقاء، وهي بداية نهاية حروب ترمب، والرسوم الجمركية غير القانونية، والاعتداءات على النظام الديمقراطي». أما الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، فقد اكتفت بتصريح مقتضب جاء فيه: «نتيجة هذه الانتخابات كانت واضحة، والاتحاد الأوروبي جاهز للتعاون مع الكونغرس الجديد، بجناحيه، الديمقراطي والجمهوري».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

العبرة الرئيسية التي يخرج بها المحللون الأوروبيون من هذه الهزيمة المدوية التي مُني بها الجمهوريون وترمب في الانتخابات النصفية الأميركية، هي أن الديمقراطية ما زالت حيّة في الدولة التي احتفلت هذه السنة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، وأن النظام الديمقراطي قادر دائماً على احتواء الشطط التوتاليتاري ومنع تفشيه أو رسوخه. لكن ثمة مَن يحذِّر من أن هذه الهزيمة قد تؤجِّج عند الرئيس الجريح نزعته الانتقامية المتأصلة، وتدفعه نحو مزيد من التصعيد على أكثر من جبهة.