موسكو ودمشق تطلقان مسار تطبيع العلاقات

بوتين ولافروف التقيا الشيباني والجانبان أقرّا تشكيل لجنة لمراجعة الاتفاقيات المشتركة

TT

موسكو ودمشق تطلقان مسار تطبيع العلاقات

مؤتمر صحافي مشترك لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (إ.ب.أ)
مؤتمر صحافي مشترك لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (إ.ب.أ)

أطلق لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في موسكو، الخميس، مساراً لتطبيع العلاقات بين الطرفين. وتعدّ زيارة الشيباني أبرز اجتماع يجريه مسؤول سوري رفيع المستوى في روسيا، بعد الإطاحة بحليفها القديم الرئيس السوري السابق، بشار الأسد، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأعطت الزيارة العلاقات بين موسكو ودمشق دَفعةً قوية، إذ أسفرت عن اتفاق على تشكيل لجنة حكومية مشتركة لمراجعة كل الاتفاقات الحكومية والعقود المبرمة بين البلدين، في أول خطوة عملية لوضع ترتيبات جديدة للعلاقة.

وأوضح الشيباني أن هناك فرصاً كبيرة لسوريا قوية موحدة، معبراً عن أمله في أن تكون موسكو إلى جانب دمشق في هذا المسار. الزيارة اشتملت كذلك على لقاء وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف، نظيره مرهف أبو قصرة، برفقة وزير الخارجية أسعد الشيباني، ورئيس الاستخبارات العامة حسين سلامة، وجرى البحث في عدد من القضايا العسكرية المشتركة.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو (إ.ب.أ)

مرحلة جديدة

وذكرت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) أن بوتين استقبل الشيباني والوفد المرافق له في الكرملين.

وقالت إدارة الإعلام بوزارة الخارجية والمغتربين السورية إن اللقاء التاريخي بين بوتين والشيباني أكد انطلاق مرحلة جديدة من التفاهم السياسي والعسكري بين البلدين، تقوم على احترام سيادة سوريا ودعم وحدة أراضيها.

وأضافت إدارة الإعلام، في بيان، أن الرئيس الروسي شدّد على رفض بلاده القاطع لأي تدخلات إسرائيلية أو محاولات لتقسيم سوريا، وأكد التزام موسكو بدعمها في إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار.

من جانبه، أكّد الشيباني التزام سوريا بتصحيح العلاقات مع روسيا على أسس جديدة تراعي مصالح الشعب السوري، وتفتح آفاق شراكة متوازنة، معتبراً أن لقاء اليوم «يمثّل مؤشراً سياسياً قوياً على بدء مسار إعادة العلاقات السورية الروسية، بما يعزز التوازن الإقليمي ويخدم تمكين الدولة السورية».

وذكر البيان أن سوريا «تحذر» من التدخلات الإسرائيلية التي تدفع البلاد نحو الفوضى، و«تؤكّد» أن أبوابها مفتوحة لكل من يحترم سيادتها ووحدتها ويحافظ على أمنها واستقرارها.

وخلال الزيارة، اتفق الجانب السوري والروسي على تنشيط الحوار الثنائي والاتصالات بين الجهات المختلفة في البلدين. وكما كان متوقعاً، لم تغب التطورات في الجنوب السوري والتدخلات الإسرائيلية المتواصلة في سوريا عن طاولة النقاش، في إطار بحث كل «التحديات التي تواجهها سوريا الجديدة»، وفقاً لوصف لافروف، الذي تمنى لـ«الشعب السوري الصديق أن يتجاوزها سريعاً».

واتجهت الأنظار بقوة هذه المرة إلى قاعة الاجتماعات الفاخرة في مبنى وزارة الخارجية الروسية، حيث وُضع العلم السوري الجديد للمرة الأولى، في أثناء استقبال أول مسؤول سوري يزور العاصمة الروسية منذ إطاحة النظام المخلوع.

دعوة الشرع لقمة أكتوبر

كان لافروف قد وجَّه في مايو (أيار) الماضي دعوة إلى الشيباني لزيارة موسكو. وأكّدت موسكو مراراً خلال الأسابيع الماضية تطلعها لتنشيط الحوار مع السلطات السورية. وانعكس هذا التوجه خلال الكلمات الترحيبية التي استهلَّ بها لافروف اللقاء، فهو أعاد التذكير بالعلاقات التاريخية التي تربط البلدين، وتحدث فضلاً عن الشق السياسي والتجاري والاقتصادي، عن الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والثقافية، مشيراً إلى أن عشرات الآلاف من السوريين تلقوا تعليمهم في جامعات الاتحاد السوفياتي وروسيا.

جلسة مفاوضات بين وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني ونظيره الروسي سيرغي لافروف في وزارة الخارجية الروسية بموسكو (د.ب.أ)

هذا المدخل وظَّفه لافروف للانطلاق إلى الوضع الحالي للعلاقات، إذ أكد الوزير أن موقف موسكو تجاه دمشق «لا يعتمد على الوضع السياسي أو تغيير الحكومة، بل يرتكز على تقاليد راسخة من الصداقة والاحترام المتبادل». وقال إن موسكو تتطلع لزيارة الرئيس أحمد الشرع، مذكِّراً بأن الأخير تلقَّى دعوة للمشاركة في أول قمة روسية - عربية تُعقد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وتابع لافروف: «بالطبع، نأمل أن يتمكن الرئيس الشرع من المشاركة في القمة الروسية - العربية الأولى، المقرر عقدها في 15 أكتوبر».

وأكد لافروف أن بلاده تتابع باهتمام التطورات المحيطة بسوريا، وأعرب عن أمله في أن «ينجح الشعب السوري الصديق في تذليل الصعوبات ومواجهة التحديات الناشئة».

ورأى أن طريق تطبيع الوضع في سوريا يمر عبر الحوار الشامل وحماية حقوق جميع ممثلي شعب الجمهورية. وزاد أن الانتخابات البرلمانية في سوريا ينبغي أن تكون شاملة، بمشاركة جميع المجموعات العرقية والدينية.

وشدّد على أن روسيا «تؤيد الرفع الكامل للعقوبات المفروضة على سوريا، وهي أصلاً لم تدعمها أبداً، وتعد إلغاءها من الغرب خطوةً صائبة». وأشاد الوزير بدور الحكومة السورية في ضمان أمن المواطنين الروس والمنشآت الروسية في سوريا. معرباً عن «امتنان موسكو» لذلك.

وخلال مؤتمر صحافي مشترك أعقب المحادثات، قال لافروف إن الطرفين اتفقا على آلية لإجراء مراجعة شاملة لجميع الاتفاقيات والعقود المبرمة بين موسكو ودمشق.

وزاد: «ناقشنا اليوم، بالطبع، آفاق تطوير تعاوننا في ظل الظروف الجديدة في جميع المجالات، في التجارة والاقتصاد، وفي المجال الأمني، حيث تراكمت لدينا أيضاً خبرة واسعة، وفي المجالات الإنسانية والثقافية والتعليمية».

وأكّد أن الاتفاق على تشكيل لجنة حكومية مشتركة سوف يسهم في ترتيب المراجعة المطلوبة، خصوصاً لعشرات الاتفاقات المتعلقة بالتعاون في مجال الأمن، وتدريب الكوادر، وفي المجالين المدني والعسكري. وزاد: «مسائل كلها تهم زملاءنا السوريين، وسنعمل على ذلك».

وأكّد لافروف استعداد روسيا للمساعدة في إعادة إعمار سوريا، وقال إنه اتفق مع نظيره السوري على مواصلة الحوار في هذا الشأن.

في الشق السياسي المتعلق بالوضع حول سوريا، شدّد لافروف على احترام وحدة وسلامة الأراضي السورية، وأكد موقف بلاده «الراسخ ضد استخدام الأراضي السورية ساحةً للتنافس الجيوسياسي بين القوى الأخرى أو لتصفية الحسابات بين الدول المختلفة». وأضاف وزير الخارجية: «لذلك، ندعو باستمرار إلى توحيد الجهود الدولية في اتجاه واحد لتطبيع الوضع في الجمهورية العربية السورية».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلتقي نظيره السوري أسعد الشيباني في دار الاستقبال التابعة لوزارة الخارجية الروسية بموسكو (د.ب.أ)

بحاجة إلى جميع الشركاء

بدوره، رحَّب الشيباني بالحوار الجاري مع موسكو، وقال إن سوريا حالياً «في مرحلة إعادة الإعمار وبحاجة إلى جميع الشركاء، ونعمل على الاستفادة من دروس الماضي لبناء المستقبل، وشكَّلنا لجنة لإعادة النظر في الاتفاقات السابقة مع روسيا بما يضمن مصالح سوريا».

وفي إشارة لافتة، قال الوزير السوري إن «هناك بعض الأطراف تود إفساد العلاقة بين سوريا الجديدة وروسيا، ونحن هنا نمثل سوريا الجديدة». مضيفاً أن دمشق «تتطلع إلى إقامة علاقات صحيحة وسليمة مع روسيا تكون قائمة على التعاون والاحترام». وفي تعليق متصل، قال الوزير إن دمشق تنطلق من أن «الحوار الجاري مع موسكو له أبعاد وأهمية استراتيجية». وزاد: «نمر بمرحلة مليئة بالتحديات، وهناك فرص كبيرة لسوريا، ونطمح لأن تكون روسيا إلى جانبنا». مؤكداً أن «العلاقات مع موسكو ستكون لها آفاق جديدة قريباً».

لكنَّ الشيباني لم يتجاهل مع العبارات الودية، التذكير بضرورة أن تقوم موسكو بخطوات لدفع مسار تطبيع العلاقات.

وقال إن بلاده «تتطلع إلى تعاون كامل وصادق في دعم العدالة الانتقالية في سوريا». مشيراً إلى أن «جزءاً كبيراً من الشعب السوري ما زال يحمل جراحاً من الفترة السابقة، ما يستوجب التعامل بمسؤولية مع دروس الماضي لصياغة التعاون في المستقبل».

وأضاف: «قدم اجتماعنا اليوم فرصة جديدة يمكن أن تسهم بها روسيا في مسار التعافي في سوريا والاستقرار الإقليمي ومصالح الشعب السوري». وتطرق إلى الوضع في الجنوب والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، مؤكداً أنه «لا يمكن لسوريا أن تمضي بثقة في إعادة البناء في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة»، وأشاد بموقف موسكو، وزاد: «لقينا من روسيا التزاماً برفض هذه الاعتداءات، ووقفت إلى جانب سوريا في شجب هذه الانتهاكات».

وقال الوزير: «ليست لدينا نيات عدائية تجاه إسرائيل، وما نريده هو بناء سوريا... لكنّ التدخل الإسرائيلي المستمر يُعقِّد المشهد في السويداء».

وشدّد على أن «حماية الدروز مسؤولية الدولة السورية»، وقال إن «الدولة ملتزمة بمعاقبة مرتكبي أي انتهاكات». لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن «أي سلاح خارج الدولة سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار، كما حصل في السويداء، والحل يكمن في أن تأخذ الدولة دورها، فهي الضامن الوحيد للمدنيين».

وأعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن أمل موسكو في حضور الرئيس السوري أحمد الشرع القمة الروسية - العربية الأولى، المقررة في أكتوبر المقبل.


مقالات ذات صلة

تحقيق أممي: أعمال العنف في محافظة السويداء السورية قد ترقى إلى جرائم حرب

المشرق العربي أشخاص يمرون على دراجة نارية بجوار مركبة عسكرية محترقة بعد اشتباكات دامية في مدينة السويداء السورية يوم 25 يوليو 2025 (رويترز)

تحقيق أممي: أعمال العنف في محافظة السويداء السورية قد ترقى إلى جرائم حرب

قالت لجنة أممية إن أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء في جنوب سوريا في يوليو (تموز) 2025، شهدت ارتكابات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي مهرجان خطابي بدعوة من وزارة الثقافة ومحافظة السويداء في ذكرى رحيل سلطان باشا الأطرش (محافظة السويداء)

خطف وضرب وتفتيش جوالات أثناء إحياء ذكرى سلطان الأطرش في بلدة سورية

قالت مديرية إعلام السويداء، إن ميليشيا «الحرس الوطني» (التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري)، اختطفت 6 أشخاص خلال إحياء ذكرى وفاة سلطان باشا الأطرش في بلدة القريا.

«الشرق الأوسط» (السويداء)
العالم العربي الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما وذلك بتعزيز التعاون الثنائي وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الشرع إلى برلين الاثنين للقاء ميرتس

كشفت وسائل إعلام ألمانية أن الرئيس السوري سيصل إلى العاصمة برلين، الاثنين، في زيارة تأتي بعد إلغاء سابق طرأ في اللحظة الأخيرة على موعد كان مقرراً في يناير.

«الشرق الأوسط» (برلين)

وزيرة الخارجية البريطانية: نشعر بقلق بالغ من العلاقات بين روسيا وإيران

وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)
وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)
TT

وزيرة الخارجية البريطانية: نشعر بقلق بالغ من العلاقات بين روسيا وإيران

وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)
وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)

عبّرت وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر، اليوم (الجمعة)، عن قلق بريطانيا وحلفائها في ‌مجموعة ‌السبع البالغ ​من ‌تنامي ⁠العلاقات ​بين روسيا وإيران، ⁠وذلك بعد اتهام القوى الأوروبية لموسكو بمساعدة طهران ⁠في استهداف ‌القوات ‌الأميركية ‌في ‌الشرق الأوسط.

وقالت كوبر، قبيل انعقاد قمة مجموعة ‌السبع في فرنسا: «نشعر بقلق بالغ إزاء ⁠العلاقات ⁠القائمة منذ وقت طويل بين روسيا وإيران فيما يتعلق بالقدرات المشتركة».

ودعت إلى تسوية سريعة للحرب في الشرق الأوسط. وقالت: «نحن بوضوح شديد نريد أن نرى تسوية سريعة لهذا النزاع تعيد إرساء الاستقرار الإقليمي». وأضافت «لا يمكن السماح لإيران بأخذ الاقتصاد العالمي رهينة عبر مضيق» هرمز الحيوي «لطرق الشحن الدولية وحرية الملاحة».


وزير الدفاع الألماني: أوروبا آمنة من صواريخ إيران بفضل «الناتو»

بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير الدفاع الألماني: أوروبا آمنة من صواريخ إيران بفضل «الناتو»

بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)

بدد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس المخاوف بشأن مدى الصواريخ الإيرانية التي يمكن نظرياً أن تصل أيضاً إلى أهداف في أوروبا.

وقال الوزير خلال زيارة إلى ثكنة عسكرية أسترالية قرب مدينة بريسبان على الساحل الشرقي لأستراليا: «أوروبا آمنة، خاصة أن ألمانيا لا تدافع عن نفسها بمفردها في إطار الدفاع الجوي، بل يتم ذلك في سياق قوات الدفاع الجوي التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأشار بيستوريوس أيضاً إلى بناء نظام الدفاع الجوي «آرو 3» الذي تم شراؤه من إسرائيل، والذي سيكون جاهزاً للاستخدام قريباً، وقال: «هذا يمثّل قفزة كبيرة إلى الأمام. ما زلت أتذكر الأصوات المنتقدة عندما قمنا بشرائه. كان يقال إنه لا توجد أصلاً صواريخ يتعين على هذا النظام التصدي لها».

ومن المفترض أن يكون «آرو 3» قادراً على تدمير الصواريخ المعادية حتى على ارتفاعات تزيد على 100 كيلومتر، وهي قدرة لا تمتلكها القوات المسلحة الألمانية حتى الآن. ويُعد موقع سلاح الجو في شونيفالده/هولتسدورف على الحدود بين ولايتي سكسونيا-أنهالت وبراندنبورغ الألمانيتين، والذي يضم ميداناً للتدريب العسكري، أول ثلاثة مواقع مخطط لها لتمركز نظام «آرو» بها في ألمانيا.

وقال بيستوريوس بشأن مدى أنظمة الأسلحة الباليستية الإيرانية: «بالطبع يمكن نظرياً لهذه الصواريخ أن تصل إلى أوروبا. لكننا - بصراحة - كنا نعرف ذلك من قبل. السؤال هو: بأي تسليح وبأي دقة؟ ولهذا فإننا نعتمد على قدرة الدفاع المشتركة التي تم تشكيلها في إطار الناتو».

وفيما يتعلق بالدفاع الجوي، أشار الوزير أيضاً إلى أن الصواريخ الموجهة لنظام «باتريوت» الأميركي ستصنعها قريباً في ألمانيا شركة «إم بي دي إيه» للصناعات الدفاعية، وقال: «لكن -لأكون صريحاً - لا يمكننا الإسراع أكثر من ذلك. لقد تم إطلاق هذا المشروع بالفعل في وقت مبكر».


حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.