ماذا يحمل فريقا التفاوض الروسي والأوكراني إلى إسطنبول؟

لا اختراقات متوقعة... وتبدل لهجة واشنطن يعزز مواقف كييف

صورة مُركّبة تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
صورة مُركّبة تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

ماذا يحمل فريقا التفاوض الروسي والأوكراني إلى إسطنبول؟

صورة مُركّبة تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
صورة مُركّبة تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

انطلقت الأربعاء الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا من دون توقعات بتحقيق اختراقات أو إحراز تقدم ملموس على صعيد التسوية السياسية. يذهب الفريقان إلى قصر سيراجان في إسطنبول، من دون أفكار جديدة، وبنفس مستوى التمثيل السابق. لا تفويض أوسع للمفاوضين، ولا إشارات إلى احتمال مناقشة قضايا مفصلية.

صحيح أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أدخل تعديلا طفيفا على تشكيلة الوفد الأوكراني للمفاوضات، ورفده بشخصين هما ممثل مفوض البرلمان «مجلس الرادا» لحقوق الإنسان في قطاع الأمن والدفاع، يوري كولباسا، ونائب رئيس هيئة الأركان الأوكرانية، يفغيني أوستريانسكي، لكن هذه الإضافة لن تغير شيئا في مسار المفاوضات. وحتى تبدل صفة رئيس الوفد الأوكراني رستم عمروف الذي شغل سابقا منصب وزير الدفاع وبات رئيسا لمجلس الأمن القومي لا يعني رفع السقف التمثيلي أو منحه صلاحيات أوسع لاتخاذ القرار. بينما حافظ الفريق الروسي على نفس تشكيلته السابقة التي أثارت حفيظة الغرب، ويرأس الوفد مساعد الرئيس الروسي فلاديمير ميدينسكي.

جانب من اجتماع بين ترمب وزيلينسكي في الفاتيكان يوم 26 أبريل (أ.ب)

عقد الطرفان جولتين من المفاوضات في إسطنبول في مايو (أيار) ويونيو (حزيران). أسفرتا عن تبادل للأسرى، وتسلمت أوكرانيا جثث جنود القوات المسلحة الأوكرانية القتلى. كما سلم الوفدان مسودتي مذكرات تفاهم حول رؤيتهما للتسوية السلمية. ومن المتوقع وفقا للكرملين أن يناقش الاجتماع الجديد مذكرات التفاهم وقضايا إنسانية. بينما يصر الجانب الأوكراني على مناقشة مطلب وقف النار مع الملفات الإنسانية التي تعني في الغالب تبادلا جديدا للأسرى والجثث.

اللافت أن الطرفين يذهبان إلى إسطنبول تحت تأثير الضغوط الأميركية، وليس لأن بجعبتيهما ما هو جديد للمناقشة. اتخذت موسكو قرار المشاركة على خلفية إنذار أميركي صارم، بإحراز تقدم في عملية السلام خلال خمسين يوما تنتهي بداية سبتمبر (أيلول) المقبل. واضطر زيلينسكي لإرسال وفده بعدما تلقى إشارات قوية من واشنطن بضرورة الانخراط بشكل جدي أكبر في عملية سلام.

مفاوضات مهمة لترمب

تبدو الجولة الثالثة حيوية للرئيس الأميركي دونالد ترمب أكثر من أن تكون مفيدة للطرفين الروسي والأوكراني. وكتب معلق سياسي روسي أن ترمب يرغب في إظهار تقدم ما حتى ولو شكليا من خلال استمرار عملية التفاوض، لأن انسداد الأفق نهائيا سوف يشكل ضربة موجعة لهيبة الرئيس الأميركي ويدفعه لتبني تدابير أكثر حزما مثل توسيع الانخراط الأميركي في الحرب.

الموضوع يتعلق إذن بمفاوضات من أجل المفاوضات، في غياب رؤية واضحة لآليات دفع المسار السياسي. وكما أضاف المعلق: «إذا انزلق الوضع بالولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مع روسيا، فلن تكون مسألة هينة، بل مسألة حياة أو موت. حتى الآن، بذلت الولايات المتحدة قصارى جهدها لتجنب هذا التصعيد العالمي».

ألمانيا تقول إنها على استعداد لإعطاء منظومتي دفاع جوي لأوكرانيا (رويترز)

يرى الجانب الروسي أن ترمب أوقع مع زملائه الأوروبيين كييف في فخ. إذ أُهدرت الأسلحة والمعدات التي وُعدت بها كييف بمهارة وانغمس الحلفاء الأوروبيون في خلافات حول من سيدفع ثمن الإمدادات الجديدة، وتذمر الجيش الأميركي من نقص صواريخ «باتريوت» لديه، ولم يبد أن المصنعين الأميركيين في عجلة من أمرهم لزيادة مبيعاتهم، في انتظار الأموال الأوروبية.

لكن في المقابل، لا يبدو الموقف الروسي أفضل. صحيح أن الوقائع الميدانية تميل لصالح الكرملين، لكنه يواجه أسوأ إنذار ويخشى نفاد صبر ترمب نهائيا واضطراره لاتخاذ خطوات أكثر قسوة تجاه روسيا.

لذلك استبق الطرفان الجولة بتقليص سقف التوقعات. وقال الناطق الرئاسي الروسي دميتري بيسكوف إنه «لا يوجد ما يدعو إلى التعويل على أي اختراقات كبرى خلال الجولة الجديدة من المحادثات مع أوكرانيا». وزاد: «موضوع التسوية الأوكرانية معقد للغاية، لدرجة أن التوصل إلى اتفاقات بشأن تبادل الأسرى أو إعادة جثث القتلى يصبح تقدما مهما».

مسافرون ينتظرون في مطار شيريميتيفو الدولي خارج موسكو بعد إلغاء أو تأخير كثير من الرحلات بسبب هجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية (رويترز)

مذكرتا التفاهم

في الشق السياسي، يدرك الطرفان حجم التباعد الواسع في المواقف، وقد وصف الرئيس الأوكراني الورقة الروسية التي قدمت في الجولة الثانية من المفاوضات بأنها «إنذار نهائي لن يقبله الجانب الأوكراني ولن يأخذه أحد على محمل الجد». في حين تحدث الكرملين عن عدم وجود نقاط تلاق بين الورقتين الروسية والأوكرانية.

تكونت المذكرة الروسية من ثلاثة أجزاء، أهمها المعايير الرئيسية للتسوية النهائية، وشملت تسعة شروط لإحلال السلام، بينها الإقرار بسيادة روسيا في شبه جزيرة القرم، ودونيتسك ولوغانسك ووزابوروجيا وخيرسون، والانسحاب الكامل للقوات المسلحة الأوكرانية من هذه المناطق، وإعلان حياد أوكرانيا رسميا ومنع حلول أي قوات أجنبية على أراضيها وتحديد حجم وتسليح جيشها ومنعها من تطوير قدرات نووية، وحل الجماعات القومية، وضمان حقوق السكان وحظر تمجيد النازية والدعاية لها ورفع العقوبات المفروضة على روسيا ومنع أوكرانيا من المطالبة بأي تعويضات مستقبلا.

بينما تكونت المذكرة الأوكرانية من ستة أجزاء، واشترطت وقف إطلاق نار كاملا وغير مشروط كشرط أساسي لمحادثات السلام، وإطلاق تدابير لبناء الثقة وتقديم ضمانات لعدم تكرار العدوان وضمانات لأمن أوكرانيا بمشاركة المجتمع الدولي.

الشرطة تضرب طوقاً أمنياً حول موقع هجمة عسكرية روسية في سومي بأوكرانيا (رويترز)

وشددت على سيادة أوكرانيا وأنها غير مُلزمة بالحياد، ولها الحق في اختيار الجماعة الأوروبية الأطلسية، كما رفضت فرض قيود على عدد وعتاد القوات المسلحة الأوكرانية، ونشر قوات دول ثالثة في أوكرانيا.

ورفضت الاعتراف دولياً بالمكاسب الإقليمية التي حققتها روسيا منذ عام 2014؛ ورأت أن نقطة انطلاق المفاوضات هي خطوط التماس الحالية، ولا يناقش ملف الأراضي إلا بعد وقف إطلاق النار.

تحالف الراغبين

على هذه الخلفية من تباعد مواقف الطرفين بشكل حاسم، تبرز الحاجة وفقا لخبراء روس إلى تدخل أوسع من جانب وسطاء دوليين، لكن في هذه الحالة تحذر موسكو من خطوات غربية تهدف إلى «إدامة الصراع» وفق الكرملين، بينها التحرك الأوروبي الواسع لطرح خطة للتسوية في إطار «تحالف الراغبين»، وهو مجموعة تضم 30 دولة تدعم أوكرانيا، بمبادرة من بريطانيا وفرنسا. ويناقش المشاركون في هذا التحالف فكرة إرسال قوات حفظ سلام إلى أوكرانيا لمراقبة وقف إطلاق النار. وبعد اجتماع للتحالف في روما في 10 يوليو (تموز) أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن عدد قوات التدخل الفرنسية البريطانية، التي يُفترض أن تُشكل أساس القوة العسكرية في أوكرانيا، قد يرتفع إلى 50 ألف فرد.

وتعارض موسكو بقوة فكرة وجود أي قوات غربية في أوكرانيا، وتعد هذه واحدة من النقاط الأساسية التي سببت خلافا واضحا بين بوتين وترمب، خصوصا أن فريق الأخير كان قد أدرج ضمن أفكار أميركية للتسوية قدمت في أبريل (نيسان) الماضي فكرة زج قوات فصل دولية، وأشار إلى احتمال وجود وحدات أميركية لحماية منشآت نووية.

وكعادتها في مثل هذه الظروف استبقت موسكو الجولة التفاوضية بالتأكيد على رفض مناقشة أي وجود غربي في أوكرانيا، ولوحت الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا بأن روسيا تعتبر إنشاء «تحالف الراغبين» تمهيداً لتدخل أجنبي. ووفقاً لها، ستعتبر روسيا ما يُسمى بالقوات متعددة الجنسيات هدفاً عسكرياً مشروعاً.

كيف ينعكس تبدل لهجة واشنطن؟

عموما يقلل خبراء بارزون في روسيا من أهمية جولة المفاوضات، ويرى فيودور لوكيانوف، رئيس تحرير مجلة «روسيا في الشؤون العالمية» أنه «لم يتغير شيء منذ الجولات السابقة - الجميع في نفس المكان الذي كانوا فيه. الخطاب العام - وخاصة الأميركي متأرجح، لكنه في جوهره، لا يؤثر على جدول الأعمال. لا تزال المواقف متعارضة تماماً، وفي سياق المطالب الصارمة التي فرضها ترمب على روسيا، من الواضح أن واشنطن لن تغير مواقفها». فيما رأى الخبير في «نادي فالداي» أندريه كورتونوف أن «هناك مجموعة من القضايا الفنية التي سيتعين على الطرفين مناقشتها في كل الأحوال، ومن المرجح أن تؤدي إلى قرارات محددة حول تبادل جديد لأسرى الحرب، وتسليم الجثث، وغيرهما من القضايا الإنسانية التي تم التطرق إليها خلال الجولتين الأوليين. مع بعض التعديلات (...) لا توجد آمال خاصة في تحقيق أي نوع من التقدم».

المقاتلة الفرنسية «ميراج 2000» (رويترز)

لكن الأهم هنا وفقا لخبراء أن تبدل موقف الإدارة الأميركية بتبنيها خطابا متشددا ضد روسيا، سيكون عاملاً مساهماً في الحفاظ على موقف أوكراني متشدد تجاه شروط الاتفاقيات المحتملة. إضافةً إلى ذلك، سيكون هذا حافزاً للجانب الأوكراني لتجنب مناقشة قضايا التسوية النهائية وعلى الأرجح، سيقتصر على طرح مسألة وقف إطلاق النار المؤقت، كما كان الحال سابقاً. عموما من المرجح أن تشعر أوكرانيا الآن بثقة أكبر، مع أنه من الواضح أن احتمال استعادة المساعدات الأميركية بالحجم الذي تميزت به إدارة بايدن يبدو مستبعداً للغاية.

مناورات بحرية روسية كبرى

بدأت الأربعاء تدريبات بحرية واسعة النطاق يشارك فيها أكثر من 150 سفينة و15 ألف جندي في المحيط الهادئ والمحيط القطبي الشمالي وبحر البلطيق وبحر قزوين. وقالت وزارة الدفاع إن مناورات «عاصفة يوليو» (23 إلى 27 يوليو) ستختبر جاهزية الأسطول للعمليات غير المعتادة واستخدام الأسلحة بعيدة المدى وغيرها من التكنولوجيا المتقدمة بما في ذلك الأنظمة المسيرة. وقالت الوزارة: «في البحر، ستتدرب طواقم السفن على الانتشار في مناطق القتال، وإجراء عمليات مضادة للغواصات، والدفاع عن مناطق الانتشار ومناطق النشاط الاقتصادي».

وأعلنت الوزارة أن أكثر من 120 طائرة و10 أنظمة صواريخ على الساحل ستشارك في المناورات. وسيقود التدريبات قائد القوات البحرية الأميرال ألكسندر مويسيف. ووفقا لمعظم التصنيفات العامة، تمتلك روسيا ثالث أقوى بحرية في العالم بعد الصين والولايات المتحدة. لكن القوات البحرية الروسية تكبدت سلسلة من الخسائر الجسيمة في حرب أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الفرقاطة الروسية «أميرال غولوفكو» تطلق قذيفة مدفعية خلال مناورة بحرية (د.ب.أ)

روسيا تعزز الدفاعات الجوية على ساحل بحر البلطيق بعد ضربات أوكرانية

تعتزم روسيا تعزيز الدفاعات الجوية في مواقع حسّاسة في منطقة لينينغراد على ساحل بحر البلطيق، وفق ما أعلن الحاكم الإقليمي الجمعة، عقب ضربات أوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف، أوكرانيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

مسيّرة روسية تنتهك المجال الجوي لرومانيا

قالت وزارة الدفاع الرومانية، اليوم (الجمعة)، إن أنظمة الرادار رصدت اختراق طائرة مسيّرة للمجال الجوي للبلاد خلال هجوم شنته روسيا ليلا على الجارة أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بوخارست)
أوروبا رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو خلال  لقاء صحافي في السفارة الأوكرانية في واشنطن  (رويترز)

رئيسة وزراء أوكرانيا تعبر عن ثقتها في الدعم الأميركي لبلادها 

غادرت رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو، الولايات المتحدة أمس (الخميس)، وهي تشعر بالتفاؤل إزاء ما وصفتها بالمحادثات الإيجابية ​التي أجرتها مع كبار…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
TT

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

بعد التصريح الشهير الذي أطلقه مطالع الشهر الحالي ضد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ورفضه السماح للطائرات التي تشارك فيها باستخدام القواعد الأميركية في إسبانيا، فاتحاً بذلك الباب أمام تشكيل «جبهة» أوروبية رافضة للتجاوب مع ضغوط واشنطن لجرّها إلى المشاركة في العمليات العسكرية لفتح مضيق هرمز، ذهب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خطوة متقدمة نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية»، التي تضمّ القوى التقدمية في العالم، في مدينة برشلونة، شارك فيها عدد من الرؤساء اليساريين، يتقدمهم رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم، ورئيس جمهورية جنوب إفريقيا، إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان. وضمّت هذه القمة أيضاً عدداً غفيراً من النقابات العمالية، والشخصيات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني من عشرات الدول.

عدد من الرؤساء اليساريين يتقدمهم الإسباني سانشيز والبرازيلي لولا ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم ورئيس جمهورية جنوب أفريقيا إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان (أ.ب)

تأتي هذه القمة التي كانت إسبانيا تحضّر لها منذ بداية العام الحالي، بعد سنوات شهدت خلالها القوى التقدمية مرحلة مديدة من الانتكاسات السياسية، وتراجع تأييد الأوساط الشعبية لها في النظم الديمقراطية الغربية، وفي أميركا اللاتينية، ولجوء هذه الأوساط إلى القوى الشعبوية واليمينية المتطرفة بحثاً عن حلول لأزماتها الاقتصادية والاجتماعية. كما تتزامن مع الهزيمة القاسية التي لحقت بالرمز الأوروبي والعالمي لهذه القوى، رئيس وزراء المجر فكتور أوربان، في الانتخابات العامة، التي رأى فيها كثيرون نذيراً لبداية تراجع التيّار اليميني المتطرف الذي بدأ يشعر بالحرج من تماهيه مع سياسة الإدارة الأميركية.

وكان لولا قد أدلى بتصريحات قبل وصوله إلى برشلونة، قال فيها: «ليس من حق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستيقظ في الصباح ويهدد هذا البلد أو ذاك». وفيما نفى أن تكون هذه القمة موجهة ضد ترمب، أكّد أن الهدف منها هو تشكيل جبهة سياسية عالمية بديلة عن تلك التي تضمّ اليوم الولايات المتحدة والقوى اليمينية المتطرفة في أوروبا. وقالت زعيمة الحزب الديمقراطي الإيطالي إيلي شلاين: «منذ سنوات واليمين المتطرف يقرع طبول الحرب ويغذّي الصراعات، ويدمّر الاقتصاد ويدفع المزيد من الناس إلى براثن الفقر. جاء الآن دورنا كي نبني عالماً مختلفاً، ونخوض المعارك نفسها من أجل السلام والعدالة الاجتماعية».

سانشيز يتوسط البرازيلي لولا ورئيس كولومبيا (إ.ب.أ)

وسبق لرئيس الوزراء الإسباني والرئيس البرازيلي أن عقدا لقاءات عدة في السنوات المنصرمة، وأظهرا انسجاماً تاماً بينهما على الصعيد السياسي، رغم التباين في موقف كل منهما من الحرب في أوكرانيا، إذ يدعم سانشيز بقوة الموقف الأوروبي المؤيد لأوكرانيا، بينما يراهن لولا على تسوية سلمية تحصل روسيا بموجبها على بعض الأراضي الأوكرانية.

وكانت مفاجأة هذه القمة مشاركة رئيسة المكسيك، التي نادراً ما تسافر خارج بلادها، خصوصاً وأن العلاقات مع إسبانيا كانت مشوبة بتوتر شديد منذ سنوات، بعد رفض مدريد التجاوب مع طلب الرئيس المكسيكي السابق أوبيز أوبرادور أن تعتذر إسبانيا عن المجازر التي ارتكبتها إبّان احتلال المكسيك.

كلاوديا شينباوم شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل (إ.ب.أ)

كان سانشيز قد اعترف مؤخراً بأن إسبانيا ارتكبت «تجاوزات» خلال تلك المرحلة، وقامت حكومته بعدد من المبادرات لترطيب الأجواء مع المكسيك، توّجتها تصريحات للعاهل الإسباني الملك فيليبي السادس أقرّ فيها هو أيضاً بتلك التجاوزات. وقد حرصت الرئيسة المكسيكية على حسم الجدل حول العلاقات مع إسبانيا بقولها «لا توجد أزمة سياسية مع إسبانيا. لم توجد أبداً».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وبعد أن نوّه لولا بالجهود التي يبذلها سانشيز ونجاحه في زيادة عدد «القطيع التقدمي»، قال إنه لا بد من التساؤل عن الأسباب التي تدفع الناخبين إلى تأييد القوى اليمينية المتطرفة، مضيفاً: «أعداد التقدميين إلى تراجع في كل أنحاء العالم... لكن سانشيز حقق إنجازاً استثنائياً بهذه القمة التي جاءت إليها رئيسة المكسيك ورئيس جنوب أفريقيا. من واجبنا اليوم أن نقدم للعالم خطاباً يحمل الأمل بغد أفضل، وألا نسمح بتكرار ما حصل مع هتلر. لا شيء في الدنيا أفضل من الديمقراطية، فهي تسمح مثلاً لعامل مثلي لا يحمل شهادات أن يصل إلى رئاسة البرازيل».

نائبة رئيس غانا نآنا جين أوبوكو-أغيمانغا تشارك في قمة زعماء اليسار في الدفاع عن الديمقراطية (أ.ف.ب)

من جهته قال سانشيز إن إسبانيا والبرازيل عازمتان على مضاعفة الجهود للعمل من أجل السلام، وتجديد النظام الدولي متعدد الأطراف ومؤسساته، وأضاف: «نحن نريد دمل الجراح التي يفتحها الآخرون، وإنهاء الإجحاف والفوارق الحادة في مجتمعاتنا وبين الدول، والتصدي للتحديات العالمية الكبرى مثل التغيّر المناخي والتطور التكنولوجي السريع، والدفاع عن الديمقراطية التي تتعرّض للهجوم من الموجة الرجعية العالمية وأنظمة الاستبداد والمعلومات المزورة».

سانشيز مع رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم (إ.ب.أ)

رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه لويس ثاباتيرو الذي لعب دوراً رئيسياً في التحضير لهذا اللقاء، قال «إن الأفكار هي التي تجمع بين القوى التقدمية، بينما القوى اليمينية لا تجتمع إلا حول السلطة»، واعتبر أن قمة برشلونة «محطة تاريخية من حيث كونها الأهم بالنسبة للأحزاب التقدمية في العالم منذ بداية هذا القرن، وقد أصبحنا على أبواب مرحلة جديدة نشهد فيها تراجع الخطاب السياسي الذي ينكر القرائن العلمية الدامغة، ولا يقيم للسلم وزناً ويتمتع بمشاهد المسيّرات والصواريخ وحاملات الطائرات. اليمين المتطرف إلى تقهقر، لكن من واجبنا كقوى تقدمية أن نكون متحدين في مواجهته».

وتوقف الزعيم الاشتراكي الإسباني طويلاً في كلمته أمام القرار الذي اتخذته هذا الأسبوع حكومة سانشيز بتعديل قانون الأجانب بما يسمح لأكثر من نصف مليون مهاجر غير شرعي بتسوية أوضاعهم القانونية، في خطوة معاكسة تماماً للاتجاه الذي تسير فيه بقية الحكومات الأوروبية، وقال: «أشعر بالفخر بالحزب الاشتراكي عندما تتخذ الحكومة خطوة تعطي حقوقهم للمهاجرين الذين يساهمون في بناء مجتمعنا الذي يسجّل اليوم أعلى مستويات النمو في الاتحاد الأوروبي».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وقال الرئيس الكولومبي غوستافو بترو، وهو أحد المشاركين في القمة: «إن أميركا اللاتينية قد تشهد تمرداً واسعاً إذا لم تبادر واشنطن إلى إعادة النظر في سياستها»، واعتبر أن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تركت جرحاً عميقاً في أميركا اللاتينية، إذ إن كاراكاس هي المدينة الوحيدة التي تعرضت للقصف في تاريخ المنطقة.

كلاوديا شينباوم، التي لقيت استقبالاً حاراً لدى وصولها إلى القمة كونها أول رئيسة للمكسيك تزور إسبانيا منذ ثماني سنوات، شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل، ودعت إلى مضاعفة الجهود وتوحيدها لضبط أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي الضخمة «التي أصبحت هي البوصلة الرئيسية للمشهد الاجتماعي والسياسي في معظم البلدان».

الرئيسة الآيرلندية كاثرين كونولي تشارك في لقاء برشلونة لقوى الحشد التقدمي العالمي (إ.ب.أ)

لكن إلى جانب الشعارات السياسية والدعوات إلى رصّ الصفوف وتوحيد الجهود والتنسيق لخوض المعارك الانتخابية في لوائح مشتركة، احتلت الطروحات الاقتصادية حيّزاً رئيسياً في أعمال القمة الموازية تحت عنوان «الحشد التقدمي العالمي» التي ركّزت على التدابير الهادفة إلى حماية المواطنين لمنع اتساع الفجوة بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة من جهة، وطبقة كبار الأغنياء، الذين يشكلون 0.0001 في المائة من سكان العالم، يستحوذون على 17 في المائة من الثروة العالمية. ويفيد تقرير وضعته منظمة «أوكسفام» المنبثقة عن جامعة أكسفورد، بأن مداخيل 1 في المائة من السكان الأثرياء نمت ضعف مداخيل الطبقات المتوسطة، وحصلت وحدها على نصف الأرباح التي نجمت عن ارتفاع أسعار المواد الأولية عبر أدواتها الاستثمارية.

الصحافية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام ماريا ريسا تشارك في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

يأتي اختيار مدينة برشلونة، وليس مدريد، لاستضافة هذه القمة، لكون هذه الأخيرة قد تحولت منذ سنوات إلى معقل القوى اليمينية والمحافظة في إسبانيا، بينما يدير برشلونة مجلس بلدي يساري ويتولى رئاسة حكومة كاتالونيا الإقليمية فيها اشتراكي سبق أن شغل مناصب وزارية في حكومات سانشيز. وفيما كان رئيس الوزراء الإسباني يعقد القمة الثنائية مع لولا على هامش القمة، كانت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد، اليمينية إيزابيل آيوسو، تستضيف زعيمة المعارضة الفنزويلية كورينا ماتشادو التي رفضت دعوة سانشيز للحلول ضيفة رسمية على حكومته.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)
TT

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة إن الولايات المتحدة وافقت على بيع محتمل لمعدات عسكرية لألمانيا تقدر قيمتها بنحو 11.9 مليار دولار.

وجاء في بيان الخارجية الأميركية، إن «هذا البيع المقترح سيدعم أهداف السياسة الخارجية وأهداف الأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تحسين أمن دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)».

وأضاف البيان أن ألمانيا كانت قوة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في أوروبا.

ووفقا للبيان، تسعى ألمانيا للحصول على ثمانية أنظمة قتالية متكاملة وأنظمة رادار حديثة وأنظمة إطلاق للصواريخ الموجهة، من بين معدات أخرى.

وستسمح هذه التكنولوجيا للسفن الحربية باكتشاف التهديدات مبكرا والتصدي لها والاتصال بوحدات الناتو الأخرى.

وقالت وزارة الخارجية إن «البيع المقترح سيعزز قدرة القوات البحرية الألمانية على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال تحسين الدفاع الوطني والإقليمي بالإضافة إلى إمكانية التشغيل البيني مع القوات الأميركية وقوات حلف الناتو».

وتم تقديم الصفقة إلى الكونغرس الأميركي، الذي لا يزال بإمكانه الاعتراض عليها.


زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنّها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق.

وقال زيلينسكي: «إن طبيعة ما جرى مؤخراً في فنزويلا، وتداعيات الأحداث هناك، ينبغي أن تمنع قيادة بيلاروسيا من ارتكاب أخطاء مماثلة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نفّذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك، حيث لا يزالان محتجَزين حتى الآن، ويواجهان تُهماً؛ من بينها التآمر لتهريب المخدّرات.

وكشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت قيام بيلاروسيا بتوسيع شبكة طرقها وبناء مواقع مدفعية في مناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا.

ولم يقدّم الرئيس الأوكراني أدلة ملموسة على تلك الأنشطة داخل بيلاروسيا.

كانت روسيا قد استخدمت الأراضي البيلاروسية منطلقاً في غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وأضاف زيلينسكي: «نحن نفترض أن روسيا ستحاول مجدداً جرّ بيلاروسيا إلى حربها» ضد أوكرانيا.

وأوضح أنه كلف «الجهات المعنية» بتوجيه تحذير إلى مينسك من العواقب المحتملة، مؤكداً أن أوكرانيا مستعدة للدفاع عن أراضيها واستقلالها.