​هل ينجح «الناتو» في الحفاظ على وحدته؟

أوكرانيا ليست أولوية وروسيا تراقب موقف ترمب منها

أعلام الدول الأعضاء بـ«الناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)
أعلام الدول الأعضاء بـ«الناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)
TT

​هل ينجح «الناتو» في الحفاظ على وحدته؟

أعلام الدول الأعضاء بـ«الناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)
أعلام الدول الأعضاء بـ«الناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)

مع توجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى هولندا للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعلى رأس اهتماماته كيف يمكن وضع حد للحرب الروسية - الأوكرانية، وكيف يقنع قادة الحلف بالوفاء بالتزاماتهم الدفاعية، كان «إنجازه» لاتفاق وقف الحرب بين إسرائيل وإيران، ذا أهمية خاصة، سواء للولايات المتحدة أو للمناطق والدول التي تشهد أزمات وحروباً، وتنتظر من يضع حداً لها. وبمعزل عن التحليلات، المتفائلة منها أو المتشائمة، فقد تمكنت إدارة ترمب من تجنب حرب، كان من الممكن أن تطول في الشرق الأوسط، وهو ما كان يخشاه الرئيس ولا يفضله مؤيدو حركة «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» (ماغا). وأثبت أنه لا يزال قادراً على عقد الصفقات، انطلاقاً من شعاره «السلام من خلال القوة»، الذي سيكون محط اختبار أيضاً في أوكرانيا.

الرئيس الأميركي مشاركاً بقمة حلف الأطلسي في 2018 (د.ب.أ)

الحفاظ على الوحدة

ومع ذلك، فقد أدى تجاهل ترمب لأوكرانيا في الأيام والأسابيع الماضية التي سبقت الحرب بين إسرائيل إيران، واستمرار الجدل حول الإنفاق الدفاعي لدول الناتو، إلى خفض سقف التوقعات التي قد تخرج بها القمة. وهو ما شهدته الجلسة الافتتاحية التي لم تتطرق إلّا عرضاً للحرب في أوكرانيا، بينما هيمن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران على المناقشات.

لكن حين يطالب ترمب دول الحلف بزيادة الإنفاق، فإنه لا يتحدث كثيراً عن السبب، أي روسيا. وفي قمة ستركز بشكل كبير على محاولة إرضاء الرئيس الأميركي، سيبتعد قادتها قدر الإمكان عن طرح هذه الإشكالية. فقد يكون الحفاظ على وحدة «الناتو»، هي القضية الأهم التي يمكن الخروج بها، في ظل الضربات وحملات التشكيك التي ما انفك ترمب يوجهها للحلف، والتي انضم إليه فيها دول أوروبية أخرى أيضاً.

ورغم أن الأمر يصب في مصلحة روسيا التي كررت، الثلاثاء، اتهام دول الحلف بما سمته «العسكرة المفرطة»، فقد وضعها موقفها العاجز في حرب إسرائيل مع إيران، في موقف لا تحسد عليه هي الأخرى، في حال قرر ترمب تغيير موقفه منها. وفيما توقع مارك روته، الأمين العام لحلف «الناتو»، أن مسألة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران لن تشغل الانتباه عن المحور الرئيس للقمة، كشف أنه ينبغي على أعضاء الحلف عدم القلق إزاء التزام الولايات المتحدة تجاه «الناتو».

جندي يقف خارج المبنى الذي تُعقد فيه اجتماعات قمة رؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي التي تستمر يومين (أ.ف.ب)

روته يطمئن الحلفاء

وقال روته خلال تجمع عام قبل الافتتاح الرسمي للقمة: «هناك التزام كامل تجاه (حلف شمال الأطلسي) من الرئيس الأميركي والقيادة الأميركية العليا للحلف». لكنه أضاف أن مثل هذا الدعم يأتي بعد توقعات بزيادة إنفاق الدول الأوروبية وكندا على الدفاع. وأكد روته على أنه يأمل الموافقة على قضية الإنفاق الدفاعي ورفعه إلى 5 في المائة، من 2 في المائة، كما طلب ترمب.

ويهدف الاجتماع، الذي ينعقد على مدى يومين، أيضاً إلى إرسال إشارة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن الحلف متحد وعازم على تعزيز دفاعاته وردع أي هجوم من موسكو، رغم انتقادات ترمب السابقة للحلف.

أعلام البلدان المشاركة بقمة «حلف شمال الأطلسي» التي تعقد في لاهاي (إ.ب.أ)

وغالباً ما يعبر ترمب عن إحباطه من الرئيس بوتين لمقاومته وقف إطلاق النار في أوكرانيا، لكنه رفض فرض عقوبات على روسيا أو حتى الاعتراف بأنها مسؤولة عن غزو أوكرانيا. ويريد إعادة فتح العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع موسكو، وقد دأب على التقليل من شأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وشرعيته. وخلال قمة «مجموعة السبع» في كندا الأسبوع الماضي، التي غادرها ترمب مبكراً، انتقد عدم مشاركة روسيا في المجموعة، وألغى اجتماعاً مع زيلينسكي، ومن المتوقع أن تقتصر مشاركته في قمة «الناتو» على أقل من 24 ساعة.

وقال ماثيو ويتاكر، السفير الأميركي الحالي لدى حلف «الناتو»، الثلاثاء: «نريد نسبة 5 في المائة على الإنفاق الدفاعي والإنفاق المتعلق به، وأعتقد أننا سنعمل حالياً على إقناع جميع الحلفاء بالموافقة على ذلك». وأضاف: «هي لحظة تاريخية - وربما تكون من أهم اللحظات في تاريخ هذا التحالف».

تفاؤل دونه عقبات

غير أن هذا التفاؤل دونه عقبات، حيث صرّح رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بأن بلاده ستنفق «لا أكثر ولا أقل» من 2.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. وقال إن عتبة الـ5 في المائة «ستتعارض مع دولة الرفاهية لدينا ورؤيتنا للعالم». وأفاد بيان صادر عن مكتبه بأن الاتفاق النهائي مع أمين عام الحلف روته يؤكد أنه «ليس جميع الحلفاء مُلزمين بهدف الـ5 في المائة».

في المقابل أصر روته، يوم الاثنين، في إشارة إلى إسبانيا، على أن «الناتو» لا يملك خيار الانسحاب، وقال إن هدف الإنفاق البالغ 5 في المائة لا يزال قائماً، لكنه أقر بأن لإسبانيا «حقاً سيادياً» في المرونة لتحقيقه.

وعلى عكس القمم الثلاث الأخيرة للحلف، التي أعقبت الغزو الروسي عام 2022 لن تكون أوكرانيا حاضرة بشكل بارز هذه المرة. ومن المتوقع أن يحضر الرئيس زيلينسكي عشاء مع قادة الحلف الثلاثاء، وسيعقد وزراء الخارجية اجتماعاً للتشاور حول أولويات ساحة المعركة.

المساعدات الأميركية حاسمة

وفي حين تتعثر مفاوضات واشنطن مع روسيا، ويُظهر ترمب رغبة ضئيلة في دفع روسيا إلى وقف إطلاق النار، فإن إنهاء صفقات الأسلحة الأميركية من شأنه أن يزيد من صعوبة الموقف ضد أوكرانيا في ساحة المعركة، بعدما شارفت شحنات الأسلحة التي وافقت عليها إدارة الرئيس السابق جو بايدن على النفاد، وأقرّ مسؤولون أوروبيون بأن إدارة ترمب لا ترغب في تقديم مساعدات جديدة. وهو ما سيزيد الضغط على الحلفاء الأوروبيين لسد الثغرات، ولن تكون الضمانات السابقة بانضمام أوكرانيا في نهاية المطاف إلى الحلف جزءاً من البرنامج.

ومع ذلك، قدّم الحلفاء الأوروبيون وكندا بالفعل لأوكرانيا 35 مليار دولار مساعدات أمنية حتى الآن هذا العام، وفقاً لأمين عام الحلف روته، وهو ما يزيد على نصف هدف الـ50 مليار دولار لعام 2025. وقال كورت فولكر، السفير الأميركي السابق لحلف الناتو والمبعوث الخاص إلى أوكرانيا خلال إدارة ترمب الأولى: «لن يُكثر (الناتو) من الكلام عن أوكرانيا». وأضاف أن ذلك يعود إلى اختلاف إدارة ترمب والقادة الأوروبيين حول التهديد الذي تُشكّله روسيا على أوروبا وحلف الناتو إذا لم تنجُ أوكرانيا بوصفها دولة ذات سيادة. وقال مسؤولون في حلف «الناتو» إنه نتيجة لذلك، يُقدّر الرئيس الروسي أن لديه مكاسب أكبر من الانتظار، في ظلّ ازدياد الزخم في صفّه، وتعثر الدبلوماسية، وتفاقم حالة عدم اليقين بشأن المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا.

أعلام البلدان المشاركة بقمة «حلف شمال الأطلسي» التي تعقد في لاهاي (إ.ب.أ)

لا انهيار متوقعاً لكييف

ويقول مسؤولون أوروبيون إن تعهداتهم الأخيرة بالمساعدات العسكرية قد منحت الجيش الأوكراني مزيداً من الوقت، وإن كييف تُنتج مزيداً من احتياجاتها المادية، بما في ذلك المدفعية والطائرات من دون طيار. وفيما يخطط زيلينسكي للتحدث مجدداً مع ترمب، وإقناعه بأن تدفع أوكرانيا ثمن استمرار تدفق الأسلحة الأميركية، طرح مسؤولون أوروبيون أيضا تمويلاً مقدماً لتسليم أسلحة أميركية مستقبلية. ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين أوروبيين قولهم، إن حلفاء ترمب يعتقدون أنهم قادرون على إقناعه ببيع أسلحة أميركية إلى كييف إذا أسهموا نقداً أو إذا فعلت أوكرانيا ذلك، بما في ذلك في شكل قروض. وقال أحدهم: «هناك أفكار حول كيفية جعل هذا الأمر مفيداً للجميع». وأضاف أن الموافقة على ذلك ستعتمد أيضاً على أهواء الرئيس، واصفاً مسؤولي ترمب بأنهم مترددون في اتخاذ خطوات كبيرة يعتقدون أنها قد تُغضب الكرملين وتُعيق طموح ترمب لإجراء محادثات سلام أو التقارب مع موسكو.

ومع ذلك، فإنّ وقف المساعدات العسكرية الأميركية من شأنه أن يُقوّض فرص أوكرانيا في تحقيق مكاسب في ساحة المعركة. ويقول مسؤولو الحلف إنهم لا يتوقعون انهياراً وشيكاً في خطوط المواجهة، وإنّ الأوكرانيين قد يصمدون لعام آخر في ظلّ الوضع الراهن.


مقالات ذات صلة

حرب أوكرانيا تكشف أوهام الأوروبيين «الأميركية» وهواجسهم «الروسية»

تحليل إخباري المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)

حرب أوكرانيا تكشف أوهام الأوروبيين «الأميركية» وهواجسهم «الروسية»

رغم الشكوك فإن الأوروبيين يتمسكون بالمظلة النووية الأميركية - الأطلسية وحرب أوكرانيا تكشف أوهامهم «الأميركية» وهواجسهم «الروسية»>

ميشال أبونجم (باريس)
تحليل إخباري مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

تحليل إخباري أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات...

أنطوان الحاج
شؤون إقليمية طائرة «كيزيليما» المقاتلة المسيّرة على سطح سفينة «تي سي جي أناضولو» أول سفينة هجومية برمائية تركية إلى جانب طائرات مسيّرة أخرى ومروحيات عسكرية في قيادة حوض بناء السفن البحرية في إسطنبول يوم 29 أغسطس 2025 (رويترز)

تركيا ترسل سفينة حربية لتعزيز الجناح الشرقي لـ«الناتو»

سيتم استخدام السفينة الحربية التركية «تي سي جي أناضولو»، التي تشارك بمناورات حلف شمال الأطلسي العسكرية في بحر البلطيق، بوصفها قوة رادعة في الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
أوروبا نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك-كاميش خلال مؤتمر صحافي عقب اختبار لأنظمة أسلحة في ميدان تدريب المعهد العسكري لتكنولوجيا التسليح في زيلونكا إحدى ضواحي وارسو ببولندا يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

بولندا تدعو فرنسا وإيطاليا وإسبانيا إلى زيادة الإنفاق الدفاعي

دعا وزير الدفاع البولندي في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» إسبانيا وفرنسا وإيطاليا إلى زيادة إنفاقها الدفاعي لتعزيز قدرات الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو».

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا خلال تدريب «الناتو» في بحر البلطيق قبالة ميدان بوتلوس للتدريب العسكري في ألمانيا بتاريخ 18 فبراير 2026 (رويترز)

مناورات لـ«الناتو» على ضفاف البلطيق لردع روسيا

شارك الآلاف من قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في مناورات جرت الأربعاء على ساحل ألمانيا المطل على بحر البلطيق في تدريب لردع روسيا.

«الشرق الأوسط» (فيلنيوس)

حرب أوكرانيا تكشف أوهام الأوروبيين «الأميركية» وهواجسهم «الروسية»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)
TT

حرب أوكرانيا تكشف أوهام الأوروبيين «الأميركية» وهواجسهم «الروسية»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)

تعي الأكثرية الساحقة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أهمية الخطر الذي تُشكّله روسيا بالنسبة لأمنها. لذا، فإن تركيزها توجه، في السنوات الأربع الأخيرة، إلى الارتقاء بقدراتها الدفاعية الذاتية.

وكان إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي ووريث العقيدة الديغولية، من أشد الدعاة لبناء «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية، وذلك منذ عام 2017. وبرزت دعوته مجدداً في كلمته أمام منتدى ميونيخ، حيث حث أقرانه على «إظهار القوة والمثابرة بشأن أوكرانيا... لأنه الوقت المناسب لإبداء الجرأة وقيام أوروبا قوية».

ودعا ماكرون أوروبا لأن «تتعلم كيف تصبح قوة جيوسياسية (رغم أن ذلك) لم يكن جزءاً ⁠من حمضنا النووي... ولذا علينا أن نعيد ترتيب وتنظيم هيكل أمننا في أوروبا؛ إذ إن الهيكل السابق صُمّم بالكامل في زمن الحرب الباردة، وبالتالي لم يعد ملائماً». ودعا جان نويل بارو، وزير خارجيته، إلى «بناء أوروبا قوية ومستقلة... بغض النظر عن الخطابات التي تُلقى في مؤتمر ميونيخ للأمن».

ترمب مستقبلاً بوتين لدى وصوله للمشاركة في قمة ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

وفي السياق نفسه، طالبت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بقيام «أوروبا قوية ومستقلة... تتحمل مسؤولياتها، بما في ذلك تفعيل بند الدفاع المشترك» الذي يشبه البند الخامس من معاهدة الحلف الأطلسي. أما كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، فقد ناشد الأوروبيين «الاستعداد للقتال» وقال: «دعونا نضاعف قوانا، ونبني قاعدة صناعية مشتركة عبر أوروبا، قادرة على تعزيز إنتاجنا الدفاعي».

كذلك حث المستشار الألماني الأوروبيين على العمل لبناء «أوروبا قوية»، وتقوية الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي؛ لذا تدفع برلين بمئات مليارات اليورو لتعزيز قدراتها العسكرية، ولتتحول كما قال في كلمته أمام مؤتمر ميونيخ إلى «أقوى جيش أوروبي تقليدي». وتسير بولندا على خطى مثيلاتها الأوروبية لجهة تحديث قواتها.

أولوية الملف النووي

كل ما سبق لا يمكن فهمه إلا على ضوء المخاوف الأوروبية من خطط عدائية روسية على المدى القريب وقبل نهاية العقد الراهن. ومن نافل القول إن الاتحاد الأوروبي يعاني من انقساماته الداخلية المترتبة على الحاجة للتوفيق بين 27 دولة تريد أن تكون سيدة نفسها في مسائل السياسة الخارجية والدفاع. ورغم تشظيهم، فقد اجتاز الأوروبيون في السنوات الأخيرة مراحل مهمة في تعزيز صناعاتهم الدفاعية من خلال برامج إنتاج عسكرية مشتركة، وكذلك الارتقاء بميزانياتهم العسكرية الذي تم غالباً بضغط من ترمب.

وبعد أن كانت غالبية أعضاء التكتل الأوروبي دون سقف الـ2 في المائة من ناتجها الداخلي الخام المخصص للدفاع، فإن معظمها وصل اليوم إلى نسبة 3 في المائة وهدفها المعلن الوصول إلى 5 في المائة مع نهاية العقد الجاري.

وباستثناء فرنسا وبريطانيا الدولتين النوويتين الوحيدتين في القارة القديمة، فإن الميزانيات الدفاعية مركزة على الأسلحة التقليدية المتنوعة، وإن جزءاً منها للحرب السيبرانية والاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي. لكن الحاجة التي تستشعرها أوروبا عنوانها الحماية من السلاح النووي.

فمنذ خمسينات القرن الماضي وإلى سنة خلت، أي حتى عودة ترمب إلى البيت الأبيض، كان الأوروبيون ينعمون بحماية المظلة النووية الأميركية - الأطلسية. وحدها فرنسا تمتلك، داخل التكتل الأوروبي، قوة ردع نووي مستقلة. كذلك أيضاً حال بريطانيا التي خرجت من الاتحاد في عام 2020. لكن ثمة فروقاً بين حالتي فرنسا وبريطانيا؛ إذ إن القدرات النووية البريطانية مرتبطة عضوياً بالردع النووي الأميركي لكون الصواريخ البريطانية المجهزة برؤوس نووية التي تطلق من الغواصات العاملة بالدفع النووي، إنتاج مشترك أميركي - بريطاني ما يعني أن لندن لا تتمتع بالحرية نفسها التي تتمتع بها باريس لجهة استقلالية ردعها النووي.

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

كذلك تجدر الإشارة إلى أن واشنطن نشرت في خمس دول أوروبية صواريخ (ما بين 80 و100 صاروخ) مجهزة برؤوس نووية في ألمانيا، وبلجيكا، وإيطاليا، وهولندا وتركيا. وهذه الصواريخ مخزنة في خمس قواعد جوية خاضعة للرقابة الأميركية، وبالتالي لا يمكن استخدامها إلا بقرار مشترك أميركي - أوروبي. والخلاصة أن أوروبا أوكلت للشريك الأميركي، خلال العقود الماضية، توفير المظلة النووية التي وفرت لها الحماية، ولكن إلى متى؟

عرض الخدمات الفرنسية

هذا الواقع كان موجوداً سابقاً. لكنه اليوم تغير. وما فاقم من المخاوف الأوروبية أن «الخصم» الروسي لم يفتأ يذكّر الغرب بأنه يمتلك هذا السلاح، وأنه لن يتردد في اللجوء إليه. وخلال السنوات القليلة الماضية وبسبب الحرب في أوكرانيا، تطورت العقيدة النووية الروسية، حيث صدرت تصريحات لمسؤولين روس لا تستبعد اللجوء إلى السلاح النووي «الموضعي» أي على أرض المعركة. وهذا الأمر المستجد يضع أوروبا في حالة من الترقب، وانعدام اليقين في ظل الشروخ الجدية مع واشنطن واستبعاد ترمب، أكثر من مرة، تفعيل البند الخامس من معاهدة الحلف الأطلسي بشكل «آلي»، وهي تنص على أن أي اعتداء «خارجي» على عضو في الحلف يعد اعتداءً على الجميع.

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

وعندما يهدد ترمب بالاستيلاء بالقوة على أراض غرينلاند لدولة أطلسية، فإن البند الخامس يفقد كامل معناه، ويدفع الأوروبيين للبحث عن شبكة أمان مختلفة أو أخرى. وفي هذا السياق، يتعين وضع «عرض الخدمات» النووية الذي تقدم به الرئيس الفرنسي في ميونيخ، حيث أعلن عن وجود «حوار استراتيجي (بشأن الردع النووي) مع المستشار الألماني وشركاء أوروبيين آخرين لبحث كيفية مواءمة عقيدتنا الوطنية للردع - التي تظل سيادية - مع مصالح أمنية مشتركة».

ولأن الموضوع بالغ الحساسية، فقد سارع ماكرون للإشارة إلى أن الأمر «لا يتعلق بتقاسم السلاح النووي الفرنسي، بل بإدماج الردع ضمن مقاربة شاملة لأمن أوروبا». ورغم أن ماكرون يركز على الشراكة مع ألمانيا، حيث إن الهدف يقوم على «خلق تقارب في نهجنا الاستراتيجي وثقافتنا الاستراتيجية بين البلدين... وهو ما يحصل للمرة الأولى في التاريخ مع ألمانيا»، فإنه يوسع «أشكال التعاون النووي الخاص» ليشمل «بعض الدول الرئيسية» الأوروبية التي لم يحددها.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)

«فرملة» أوروبية

يعي الرئيس الفرنسي أهمية «اللحظة» الراهنة والدور المتفرد الذي يمكن أن تلعبه بلاده. لكن مشكلته أنه لم يضع «عرض الخدمات» في إطار شبكة الأمان النووية الأطلسية. لذا، فإن المستشار الألماني سارع إلى وضع النقاط على الحروف بتأكيده أن «المناقشات (مع ماكرون) لا تستهدف استبدال المظلة (النووية) الأميركية، بل تعزيز الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي».

وخلاصته ليست الابتعاد عن الولايات المتحدة، بل إن أولويته المطلقة «تعزيز أوروبا داخل حلف شمال الأطلسي... وإعادة تأسيس الشراكة الأطلسية ما دمنا غير قادرين على ضمان أمننا بوسائلنا الخاصة». وبنظره أن تخطي العلاقة مع واشنطن «غير واقعية»، خصوصاً أن الولايات المتحدة، رغم الدعوات لتحمل أوروبا مسؤولياتها الدفاعية التقليدية، ما زالت ملتزمة، وفق مسؤوليها، بتوفير الغطاء النووي لأوروبا.

لذا يريد المستشار الألماني الذي تمنع المعاهدات الدولية التي وقعتها برلين من الذهاب نحو الاستحواذ على السلاح النووي، التركيز على التكامل مع أميركا (التي ما زالت لها قواعد في ألمانيا) في إطار الحلف الأطلسي وليس الانفصال عنها، وهو ما توحي به ضمناً دعوات ماكرون.

تفترق مقاربة ميرتس عن دعوات ماكرون، بيد أنها تتطابق حرفياً مع مقاربة أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته الذي دافع في مؤتمر صحافي في ميونيخ، يوم 14 الحالي، عن أهمية المؤسسة التي يتولى إدارتها.

أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته متحدثاً بمؤتمر صحافي بميونيخ يوم 14 فبراير (د.ب.أ)

وقال روته ما حرفيته: «أعتقد أن أي نقاش في أوروبا يهدف إلى تعزيز الردع النووي الجماعي أمر جيد، لكن لا أحد في أوروبا يدعو إلى استبدال المظلة النووية الأميركية»، مضيفاً أن «الجميع يدرك أنها الضامن النهائي، وأن سائر النقاشات الأخرى تأتي مكملة لها». وبالمقابل فقد رحّب بأن أوروبا «باتت تضطلع بدور أكبر على صعيد القيادة في حلف شمال الأطلسي... وتولي اهتماماً أكبر بدفاعها الذاتي»، مؤكداً أن وجود «أوروبا قوية داخل (ناتو) قوي يعني أن الصلة بين ضفتي الأطلسي ستكون أقوى من أي وقت مضى».

فرنسا وحيدة

تجد فرنسا نفسها وحيدة في الدعوة إلى تطوير قدرات نووية خارج الحلف الأطلسي. فبريطانيا مثلاً، كما جاء على لسان رئيس وزرائها كير ستارمر في ميونيخ، متمسكة بدمج قدراتها الردعية في إطار الحلف الأطلسي الذي تدعو إلى تقويته، وتعدها جزءاً لا يتجزأ من الردع الأطلسي.

وتسير بولندا على نهج بريطانيا لجهة التمسك بالمظلة النووية الأميركية - الأطلسية، وهي ترفض مبدأ الردع الأوروبي الأحادي، وترى في المظلة الأميركية - الأطلسية ضمانة قائمة وفورية رغم الظنون والشكوك «الحكومية». وما يصح على بولندا يصح أيضاً على غالبية دول أوروبا الوسطى والشرقية وعلى دول بحر البلطيق التي لا ترغب بمقايضة مظلة نووية أميركية - أطلسية موجودة وجماعية بمظلة نووية أوروبية غير موجودة، وقيامها يستوجب التغلب على عقبات دستورية فرنسية.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مغادراً مطار بودابست بعد زيارة رسمية للمجر، يوم 16 فبراير (أ.ف.ب)

كذلك، فإن باريس نفسها لا تنظر إلى ردعها النووي على أنه قادر على تغطية كل بلدان القارة القديمة. هكذا تبدو صورة الوضع الأوروبي اليوم: بينت حرب أوكرانيا وخطط ترمب أن واشنطن لم تعد الحليف الموثوق به الذي يضمن لها الأمن والاستقرار كما فعل منذ خمسينات القرن الماضي. وبالمقابل، فإنها ترى في روسيا خصماً خطراً يهدد بيئتها. ولأنها ترى أن التهديدات جدية وأن الشريك الأميركي يوفر لها خشبة الخلاص منها، فإنها تتمسك بأمريكا ولا تعرف متى تفلت من بين يديها.


عشية ذكرى الغزو الروسي... زيلينسكي يحض ترمب على الوقوف بجانب أوكرانيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

عشية ذكرى الغزو الروسي... زيلينسكي يحض ترمب على الوقوف بجانب أوكرانيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

حض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الاثنين، نظيره الأميركي دونالد ترمب على البقاء «إلى جانبنا»، وذلك قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي الدامي لأوكرانيا، وفقاً لمقابلة مع شبكة «سي إن إن».

وقال زيلينسكي لـ«سي إن إن» في كييف إنه على الولايات المتحدة أن «تبقى إلى جانب (...) دولة ديمقراطية تحارب ضد شخص واحد. لأن هذا الشخص هو الحرب. (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين هو الحرب».

وتابع الرئيس الأوكراني: «إذا كانوا يريدون حقاً وقف بوتين، فإن أميركا قوية جداً».

وعندما سُئل إن كان يعتقد أن ترمب يمارس ضغطاً كافياً على بوتين، أجاب زيلينسكي: «لا».

وأضاف: «لا يمكننا أن نمنحه كل ما يريده. لأنه يريد احتلالنا. إذا منحناه كل ما يريد، فسنخسر كل شيء (...) جميعنا، وعلى الناس حينها إما الفرار أو الانضمام إلى الروس»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

كانت روسيا قد شنت غزوها الشامل لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، ما أشعل فتيل حرب تعد الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وأسفرت الحرب عن مقتل عشرات آلاف المدنيين ومئات آلاف الجنود من الجانبين. كما نزح ملايين اللاجئين من أوكرانيا التي تعرضت مناطق شاسعة فيها للتدمير.


فرنسا تقيد صلاحيات السفير الأميركي بعد تغيبه عن «استدعاء رسمي»

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ب)
TT

فرنسا تقيد صلاحيات السفير الأميركي بعد تغيبه عن «استدعاء رسمي»

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ب)

طلب وزير الخارجية الفرنسي، الاثنين، منع السفير الأميركي تشارلز كوشنر من التواصل المباشر مع أعضاء الحكومة الفرنسية، وذلك بعد تخلفه عن حضور اجتماع لمناقشة تصريحات أدلت بها إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن مقتل ناشط من اليمين المتطرف إثر تعرضه للضرب.

كانت السلطات الفرنسية قد استدعت كوشنر، وهو والد جاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس ترمب، إلى مقر وزارة الخارجية (كي دورسيه)، مساء الاثنين، إلا أنه لم يحضر، وفقاً لمصادر دبلوماسية.

وبناء على ذلك، اتخذ وزير الخارجية جان نويل بارو خطوة لتقييد وصول كوشنر للمسؤولين «في ضوء هذا المفهوم الخاطئ والواضح للتوقعات الأساسية لمهمة السفير، الذي يحظى بشرف تمثيل بلاده».

ومع ذلك، تركت الوزارة الباب مفتوحاً أمام المصالحة، حيث ذكرت في بيان نقلته وكالة «أسوشيتد برس» أنه «لا يزال من الممكن بالطبع للسفير تشارلز كوشنر القيام بمهامه والحضور إلى (كي دورسيه)، حتى نتمكن من إجراء المناقشات الدبلوماسية اللازمة لتجاوز المنغصات التي يمكن أن تنشأ حتماً في علاقة صداقة تمتد لـ250 عاماً».

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.