لاءات بوتين في إسطنبول: لا دور لأوروبا ولا تراجع ميدانياً ولا تسليح لأوكرانيا

الكرملين حدّد أولوياته... وينتظر مفاوضات «صعبة وشائكة»

TT

لاءات بوتين في إسطنبول: لا دور لأوروبا ولا تراجع ميدانياً ولا تسليح لأوكرانيا

وصول الرئيس الروسي لاجتماع مع كبار القادة العسكريين حول المفاوضات مع أوكرانيا في 14 مايو (سبوتنيك - رويترز)
وصول الرئيس الروسي لاجتماع مع كبار القادة العسكريين حول المفاوضات مع أوكرانيا في 14 مايو (سبوتنيك - رويترز)

قبل ساعات معدودة من انطلاق جولة مفاوضات مباشرة، هي الأولى من نوعها منذ ثلاث سنوات بين فريقي التفاوض الروسي والأوكراني، حسم الكرملين موقفه حيال أكثر الموضوعات إثارة: لن يذهب الرئيس فلاديمير بوتين إلى إسطنبول، ولا تحضيرات للقاء حالياً مع نظيره الأميركي دونالد ترمب.

كان يمكن للقاء من هذا النوع أن يمنح دفعة جدية للجهود المبذولة، ويضع العملية التفاوضية على مسار لا رجعة فيه. لكن الكرملين فضل التريث، لحين اتضاح الملامح الأولية للعملية التفاوضية، بعد أن يقدم الجانبان الروسي والأوكراني رؤيتهما لشكل الحوار وأولويات كل طرف فيه. وكان ترمب قد لمح إلى استعداده للتوجه إلى إسطنبول، وسبق ذلك تصريح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه «ينتظر بوتين» هناك. لكن موسكو، كما ظهر في تعليق الكرملين، فضلت أن تنطلق أولاً جولة مفاوضات «سياسية وفنية»، وأن يقرر الكرملين رفع مستوى الحضور فيها بناء على التقدم الذي يمكن للطرفين إحرازه.

زيلينسكي يدلي بتصريحات بعد وصوله إلى أنقرة في 15 مايو (أ.ف.ب)

الشيء المهم هنا، أن بوتين لو ذهب فعلاً إلى إسطنبول فهو كان سيذهب للقاء ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان، وليس للجلوس على طاولة مفاوضات مع زيلينسكي. وقد عكس تصريح وزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي وصف حديث زيلينسكي عن ضرورة حضور بوتين اللقاء بأنه «مثير للشفقة»، مستوى الفهم الروسي للعلاقة مع الرئيس الأوكراني حالياً.

التحضيرات الروسية

برزت في التحضيرات الروسية للعملية التفاوضية عناصر لها أبعاد أخرى. مثلاً، قرّر بوتين إرسال وفد عسكري - سياسي على مستوى إجراء نقاشات فنية، وليس لاتخاذ قرارات حاسمة. وبعد تسريبات تحدثت، الأربعاء، عن احتمال توجه لافروف مع مساعد الرئيس الروسي الرئيسي لشؤون السياسة الدولية يوري أوشاكوف إلى إسطنبول، اكتفى القرار الرئاسي بتعيين فلاديمير ميدينسكي، المفاوض الروسي في اجتماعات إسطنبول عام 2022، إلى جانب مسؤولين في القيادة العسكرية.

جانب من اجتماع رفيع بحث التطورات في الحرب الأوكرانية - الروسية في موسكو يوم 14 مايو (سبوتنيك - رويترز)

رأى خبراء أن هذا التعيين يعكس الحاجة الروسية لفهم منطلقات الطرف الآخر في الحوار، قبل اتّخاذ خطوات أكثر حسماً في التعامل مع المفاوضات.

لكن هذا لا يعني أن الوفد الروسي المفاوض لا يتمتع بالقدر الكافي من الجدية، خصوصاً أن تحركاته ونقاشاته سوف تجري بإشراف مباشر من بوتين، وفقاً للناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الذي قال إن الفريق التفاوضي سوف يقدم تقارير متواصلة عن عمله إلى الرئاسة.

وبالفعل، فقد حدّد بوتين أولوياته في الحوار، ووضع شروطه لإنجاح الجولة بشكل مسبق. وعقد الرئيس الروسي اجتماعاً مهماً، ليلة الخميس، بحضور الطاقم السياسي والعسكري في حكومته، وبمشاركة قادة القطعات المقاتلة حالياً في أوكرانيا. وتم خلال اللقاء الاستماع لتقارير سياسية وعسكرية، ووضع تصور مشترك لمسار المفاوضات المنتظر، وآليات تعامل روسيا مع كل العناصر التي قد تطرح على الطاولة من الجانب الأوكراني، أو حتى من جانب الولايات المتحدة التي ضغطت لإطلاق هذه المفاوضات.

شروط بوتين

وعلى الرغم من أن بوتين كان قد أعلن قبل أسبوع أنه مستعد لمفاوضات «من دون شروط»، ردّاً على طلب مُلحّ من جانب قادة أوروبيين وبدعم أميركي بإعلان هدنة مؤقتة لمدة شهر، لكن في الواقع فإن هذه الجولة تجري حالياً بشروط وضعها بوتين بنفسه. فهو حدّد الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن أي حوار مباشر مع الأوكرانيين، وعلى رأسها أنه لا حديث عن هدنة سلفاً، وأي وقف لإطلاق النار يجب أن يكون نتيجة الحوار، وليس مقدمة له.

وضع الرئيس الروسي شروطاً لعقد مفاوضات مباشرة مع الأوكرانيين (إ.ب.أ)

أيضاً، بوتين اختار مكان وزمان عقد المفاوضات. وخصوصاً في إسطنبول، وفي نفس القصر الرئاسي الذي جرت فيه المفاوضات قبل ثلاث سنوات، ليقول للأوكرانيين: رفضتم عروضاً سابقة هنا، والآن تعودون لنفس المكان وأنتم أضعف ونحن أقوى.

حقائق

خطوط حمراء

يرفض بوتين الحديث عن أي هدنة فورية في أوكرانيا، ويشترط أن تراعي المفاوضات التطورات الميدانية.

لكن شروط بوتين التي يمكن وصفها بأنها تشكل استراتيجية التفاوض الروسية حالياً، لا تقتصر على ذلك؛ إذ اشترط أن تنطلق المفاوضات الحالية «من نفس المكان الذي توقفت فيه المفاوضات في مارس (آذار) 2022، ولكن مع مراعاة التغيرات الميدانية التي وقعت خلال السنوات الثلاث الماضية.

المغزى واضح هنا، أنه لا مكان للحديث عن تراجع روسيا عن ضم أربع مقاطعات أوكرانية، فضلاً عن ضم شبه جزيرة القرم في 2014. والاحتمال التفاوضي قد يتعلّق فقط بالحدود الإدارية لهذه المقاطعات، التي لا تسيطر عليها روسيا بشكل كامل عسكرياً. 

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال استقبال رئيس الوزراء الماليزي في موسكو 14 مايو (أ.ب)

والمقصود أن هامش المناورة يراوح عند خطوط التماس الحالية، ولا يمكن في كل الأحوال العودة إلى حدود عام 1991، عندما أعلنت أوكرانيا استقلالها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.

وتُعدّ هذه من أبرز «لاءات بوتين»، إلى جانب موضوع رفض الهدنات المؤقتة. لكن بين تلك اللاءات عناصر معقدة أخرى، تبرز من خلال تصريحات الوزير لافروف، استباقاً لانطلاق الجولة التفاوضية.

استبعاد أوروبا

وشنّ لافروف، الخميس، هجوماً لاذعاً على الغرب عموماً، وعلى أوروبا بشكل خاص. وقال إن الغرب لا يريد استقلال روسيا، لذا فهو يواصل السعي إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بموسكو. هذه العبارات أوضحتها لاحقاً الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، عندما قالت إن موسكو ترفض مشاركة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا في المفاوضات بشكل حازم. وأوضحت أن برلين وباريس ولندن لا تستطيع بشكل واقعي الحضور على طاولة المفاوضات بشأن التسوية الأوكرانية، في حين أنها تواصل دعم كييف بشكل كامل، بما في ذلك بالأسلحة.

قادة فرنسا وأوكرانيا وبريطانيا وبولندا وألمانيا خلال الاتصال الهاتفي بالرئيس الأميركي في 10 مايو (أ.ف.ب)

ورأت أن العواصم الأوروبية «تتناقض في تصريحاتها تناقضاً صارخاً مع خطواتهم العملية (...) يقولون إنهم يريدون مكاناً على طاولة المفاوضات، ويؤكدون التوصل إلى تسوية سياسية ودبلوماسية، بينما يُخصّصون موازنات ضخمة لدعم أوكرانيا، ولا يُدينون، بل يدعمون الأنشطة الإرهابية لنظام كييف».

يقول خبراء مقربون من الكرملين إن بوتين لن يقبل مشاركة أوروبا في جولات التفاوض الحالية، وأن عرضه للمفاوضات اقتصر على قبول رعاية تركية - أميركية. ويدرك الكرملين بطبيعة الحال أن الحضور الأوروبي سيكون مطلوباً في مرحلة لاحقة، عندما يتم التطرق إلى ملفات الأمن في أوروبا، وقضايا التسلح في إطار اتفاقية سلام شاملة، لكن رفض المشاركة الأوروبية حالياً تتضمن الضغط لتقليص الدعم العسكري لأوكرانيا، ورفض أفكار أوروبية بإطلاق هدنات مؤقتة يمكن استخدامها لتسريع عمليات التسليح، وإعادة تأهيل الجيش الأوكراني.

كما أن رفض الحضور الأوروبي مرتبط أيضاً بأهمية إفشال أي أفكار قد تؤسّس لاحقاً لطرح فكرة وجود قوات حفظ سلام أوروبية في أوكرانيا، وهو أمر ترفضه موسكو بشكل قاطع.

وهذا المدخل يفتح الباب على «لا» الثالثة المهمة عند بوتين في المرحلة الراهنة، وهي موضوع تسليح أوكرانيا لاحقاً أو دعمها عسكرياً بأي شكل. وقد تطرّق لافروف لهذا الموضوع من خلال إشارته، الخميس، إلى أن واحداً من التوجهات الرئيسية للمفاوضين الروس التي لا يمكن أن ترفع عن الطاولة، يتعلق بملف مستقبل الجيش الأوكراني، وحجم تسليحه، وآليات الرقابة على هذا الموضوع.

عموماً، يمكن القول إن روسيا أرسلت وفدها التفاوضي لتحديد الملامح الأولى للحوار المنتظر، الذي وصفه لافروف بأنه «لن يكون سهلاً»، وسيكون «صعباً وشاقاً»، رغم أنه أكد ضرورة «منح فرصة للسلام». وقال لافروف: «لا أحد يضمن سلاسة الأمور، وخُلوّها من المشاكل».

وانطلاقاً من هذا الفهم، تطرح روسيا في أولى الجلسات تصوّرها لمسار المفاوضات الحالية. ووفقاً لزاخاروفا، فإن موسكو «سوف تراقب كيف سيتفاعل ممثلو كييف مع الاقتراحات الملموسة للعمل في المفاوضات» التي سيقدمها الفريق التفاوضي الروسي في إسطنبول.


مقالات ذات صلة

ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ برنار آرنو وأفراد عائلته يظهرون خلف بيل وهيلاري كلينتون وجورج دبليو بوش في حفل تنصيب الرئيس دونالد ترمب (إ.ب.أ)

ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

ترمب يكسر مقاطعته، ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض... يتخلى الحدث عن تقليد السخرية من الرئيس، ويختبر العلاقة بين الصحافة والسلطة.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)

تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن تصريحات مثيرة للجدل دفعت المعارضة إلى المطالبة بطرده تنبع من تقييم صادق للحقائق لا من أساس آيديولوجي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى يرفع قبعة كتب عليها «فلنجعل أميركا عظيمة مجدداً» موقعة من الرئيس دونالد ترمب بجوار السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض - واشنطن العاصمة (رويترز)

ترمب نحو «توسيع نطاق تفاهمات» السلام بين لبنان وإسرائيل

أعطى الرئيس الأميركي دونالد ترمب دفعة قوية لمحادثات السلام الجارية بين لبنان وإسرائيل، وشرعت إدارته في عملية لـ«توسيع نطاق تفاهمات» السلام المنشود بينهما.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

إسلام آباد تنتظر جولة أميركية ـ إيرانية مؤجلة

يتوجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان في لحظة تتداخل فيها مساعي استئناف التفاوض مع واشنطن وتصاعد التوتر حول مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران_إسلام آباد)
العالم العربي فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

جاء ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.

أحمد جمال (القاهرة)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)
أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)
TT

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)
أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

أعلنت روسيا، الجمعة، أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على النشاط عبر الإنترنت والوصول إلى الشبكة.

وقال جهاز الأمن الفيدرالي الروسي إن «هجوماً إرهابياً كان مخططاً له ضدّ قيادة روسكومنادزور، ويشمل تفجير سيارة باستخدام عبوة ناسفة، تم إحباطه»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأضاف أن «سبعة من مؤيّدي آيديولوجيا اليمين المتطرّف والنازيين الجدد، جرى تجنيدهم من قبل أجهزة استخبارات أوكرانية عبر تطبيق (تلغرام) قد تم توقيفهم خلال مداهمات نُفذت الأسبوع الماضي».

وتابع الجهاز أن «زعيم المجموعة الإرهابية وهو من سكان موسكو ومولود في عام 2004 قاوم اعتقاله باستخدام سلاح ناري وتم تحييده».

وحظيت هيئة الرقابة على الإنترنت «روسكومنادزور» بصلاحيات متزايدة؛ إذ قامت منذ أشهر بإبطاء عمل اثنين من أكبر تطبيقات المراسلة في البلاد، «تلغرام» و«واتساب»، في محاولة لدفع المستخدمين للانتقال إلى خدمة جديدة مدعومة من الدولة هي «ماكس».

كذلك، قيّدت روسيا استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) وفرضت انقطاعات متكرّرة للإنترنت طالت موسكو ومدناً كبرى أخرى ومناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا.

وبرّرت السلطات حالات قطع الإنترنت باعتبارها إجراءً أمنياً ضرورياً لمواجهة هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية، فيما قالت إن القيود على تطبيقات المراسلة تهدف إلى مكافحة أنشطة إجرامية تنطلق من كييف.


تقرير: ازدياد الاستثمارات بأسلحة الدمار الشامل في ظل توترات دولية وإنفاق عسكري غير مسبوق

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

تقرير: ازدياد الاستثمارات بأسلحة الدمار الشامل في ظل توترات دولية وإنفاق عسكري غير مسبوق

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ 8 أبريل 2010 (أ.ب)

في ظل توترات دولية متزايدة وإنفاق عسكري غير مسبوق، حذّرت منظمات غير حكومية، الجمعة، من اتجاه عدد متزايد من المؤسسات المالية إلى الاستثمار في إنتاج الأسلحة النووية، منبّهة من خطر تصعيد. ويعرب عدد من الخبراء عن قلقهم من خطر سباق تسلح نووي جديد، في وقتٍ تخوض تسع دول تملك أسلحة نووية صراعات في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وتفقد الجهودُ، التي تُبذل منذ وقت طويل للحد من التسلح ومنع الانتشار النووي زخمها.

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

وأكدت المنظمات أن الدول التسع التي تملك أسلحة نووية، وهي روسيا، والصين، وفرنسا، وباكستان، والهند، وإسرائيل، وكوريا الشمالية، وبريطانيا، والولايات المتحدة، تعمل حالياً على تحديث ترساناتها أو تطويرها، مشيرة إلى زيادة الطلب على هذه الأسلحة.

وفي تقريرٍ، نُشر الجمعة، سلّطت «الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية» (ICAN)، الحائزة جائزة نوبل للسلام، ومنظمة «باكس» المناهضة للأسلحة النووية، الضوء على ازدياد اهتمام مؤسسات مالية عدة بالشركات العاملة على تطوير وتحديث ترسانات الدول التسع النووية.

The Dimona Nuclear Reactor... Where is it located and can Iran target it?

ارتكز التقرير السنوي، الصادر بعنوان «لا تراهنوا على القنبلة»، على بيانات تشمل الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2023 وسبتمبر (أيلول) 2025، وأفاد بأن 301 جهة من بنوك وصناديق تقاعد وشركات تأمين ومؤسسات مالية أخرى موَّلت أو استثمرت في شركات تُعنى بإنتاج أسلحة نووية. وأشار التقرير إلى أن عدد المستثمرين هذا يمثل زيادة بنسبة 15 في المائة، مقارنة بالعام السابق، بعد سنوات من التراجع.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية بموقع غير محدد (أ.ب)

استراتيجية محفوفة بالمخاطر

ولفتت مديرة برنامج «الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية»، سوزي سنايدر، المشارِكة في إعداد التقرير، إلى أن «عدد المستثمرين الساعين إلى الربح من سباق التسلح يزداد، للمرة الأولى منذ سنوات». وحذّرت، في بيان، قائلة: «إنها استراتيجية قصيرة الأجل محفوفة بالمخاطر، وتسهم في تصعيد خطير»، مؤكدة أنه «من المستحيل الربح من سباق التسلح دون تأجيجه».

ويسلّط التقرير الضوء على ارتفاع حاد في القيمة السوقية لعدد من شركات الأسلحة الكبرى مع انتهاء صلاحية معاهدة «نيو ستارت» بين روسيا والولايات المتحدة في فبراير (شباط) الماضي، وكانت هي آخِر معاهدة بين القوتين النوويتين الرئيسيتين تهدف للحد من انتشار الأسلحة النووية.

كما أبرز التقرير الضغط المتزايد الذي تُمارسه الحكومات، ولا سيما في أوروبا، لحضّ المستثمرين على رفع القيود الأخلاقية التي تقيّد استثماراتهم في شركات الأسلحة.

وتُشدد الحكومات على أن الاستثمارات في إعادة تسليح أوروبا ينبغي ألا تخضع لقيود أخلاقية، ويذهب بعضها كبريطانيا إلى حدّ اعتبار هذه الاستثمارات واجباً أخلاقياً في مواجهة التهديد الروسي والمخاوف المتنامية من فقدان أوروبا حماية واشنطن.

صورة وزعتها «سنتكوم» أمس لمقاتلة أميركية من طراز «إف-35 إيه» وهي تتزود بالوقود فوق منطقة الخليج

709 مليارات دولار

وتحدّث التقرير، الصادر الجمعة، عن مشاركة 25 شركة في إنتاج أسلحة نووية. وتُعدّ «هانيويل إنترناشونال»، و«جنرال دايناميكس»، و«نورثروب غرومان» أكبر المنتجين دون احتساب التكتلات والمشاريع المشتركة. ومِن بين المنتجين الرئيسيين الآخرين «بي إيه إي سيستمز»، «وبيكتل»، و«لوكهيد مارتن».

وأفاد التقرير، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، بأن أكبر ثلاثة مستثمرين في هذه الشركات، من حيث قيمة الأسهم والسندات، هم الصناديق الأميركية «فانغارد»، و«بلاك روك»، و«كابيتال غروب».

مقاتلة «بي-2» الاستراتيجية (أرشيفية-أ.ف.ب)

وخلال الفترة التي شملها التقرير، امتلك المستثمرون أسهماً وسندات بقيمة تفوق 709 مليارات دولار في الشركات الـ25 المنتِجة للأسلحة النووية، بزيادة قدرها أكثر من 195 مليار دولار، مقارنة بالفترة السابقة.

وبالتزامن، قُدّم نحو 300 مليار دولار على شكل قروض وضمانات لمصنّعي الأسلحة النووية، بزيادة 30 مليار دولار تقريباً عن التقرير الأخير. وأشار التقرير، الذي نُشر قبل أيام قليلة من مؤتمر الدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الذي يفتتح الاثنين في نيويورك، إلى أن المقرضين الرئيسيين الثلاثة هم البنوك الأميركية العملاقة «بنك أوف أميركا»، و«جيه بي مورغان تشيس»، و«سيتي غروب».


روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)
أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)
TT

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)
أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

وقال الجيش الروسي، في بيان: «في الوقت الحالي، يوجد العسكريون الروس على أراضي جمهورية بيلاروسيا، حيث يتلقون المساعدة النفسية والطبية اللازمة»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

من جهته، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عودة 193 مقاتلاً أوكرانياً. وقال، عبر منصة «إكس»: «لقد دافعوا عن أوكرانيا على جبهات مختلفة. ومن بينهم أولئك الذين بدأت روسيا إجراءات جنائية ضدهم، بالإضافة إلى جنود جرحى».

وهذه عملية التبادل الثانية، هذا الشهر، ففي 11 أبريل (نيسان) تبادلت روسيا وأوكرانيا 175 أسير حرب من كل جانب، قبل ساعات من دخول هدنة عيد الفصح حيز التنفيذ.

وتبادلُ الأسرى والجثث هو النتيجة الملموسة الوحيدة لعدة جولات من المحادثات المباشرة بين كييف وموسكو التي نُظّمت منذ عام 2025 بضغط من واشنطن.

وتوقفت المفاوضات التي تجري بوساطة أميركية منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير (شباط) الماضي.