التوتر في أقصاه على أبواب المجمع البابوي

موعظة عميد مجمع الكرادلة لم يأت فيها على ذكر البابا الراحل، كما جرت العادة، الأمر الذي أثار استغراباً واسعاً.

TT

التوتر في أقصاه على أبواب المجمع البابوي

يصلون في «الكابيبلّا سيستينا» قبل البدء في عملية التصويت (إ.ب.أ)
يصلون في «الكابيبلّا سيستينا» قبل البدء في عملية التصويت (إ.ب.أ)

قبل أن تُقفل أبواب «الكابيبلّا سيستينا» على الكرادلة بعد ظهر الأربعاء لانتخاب خليفة البابا فرنسيس، كان التوتّر الذي يخيّم منذ أيام على المجمع البابوي قد بلغ أقصاه بعد تسريب معلومات عن استياء يعمّ أوساط التيار الإصلاحي بسبب ما وصفته مصادر مقرّبة من هذا التيار بأنه «مناورة يقوم بها التيار المحافظ، بدعم من (الكوريا) وأجهزة دبلوماسية لدعم ترشيح وزير خارجية الفاتيكان بيترو بارولين بهدف كبح المسار الإصلاحي الذي أطلقه فرنسيس».

جدير بالذكر أن مجموعة «الكوريا» (La Curia)، أي ما يعادل مجلس إدارة الكنيسة من كبار الموظفين في الفاتيكان، تضمّ 27 كاردينالاً بعد أن كانت تضمّ 38 عند انتخاب فرنسيس. هذه المجموعة تعدُّ نفسها خط الدفاع الرئيسي عن التقاليد الكنسية العريقة، ويميل معظم أعضائها لتأييد مرشح ينقلب على المسار الإصلاحي الذي بدأه فرنسيس، أو على الأقل يكبح اندفاعه في بعض الأمور الحساسة التي من شأنها تعميق الانقسام في الكنيسة.

الكرادلة يغادرون «الكابيبلّا بولين» في طريقهم إلى «الكابيبلّا سيستينا» (إ.ب.أ)

وتوقف المراقبون عند الموعظة التي ألقاها عميد مجمع الكرادلة جيوفاني باتيستاري، صباح الأربعاء، خلال القداس الذي يسبق بداية المجمع البابوي السري، ولم يأت فيها على ذكر البابا الراحل، كما جرت العادة في مثل هذه المناسبة، الأمر الذي أثار استغراباً واسعاً، وامتعاضاً واضحاً، في الأوساط الإصلاحية، خصوصاً وأن مثل هذا الصمت يحصل في مستهل مجمع ينعقد تحت شعار المفاضلة بين السير على خطى البابا فرنسيس أو في الاتجاه المعاكس له.

ويرى الإصلاحيون في عدم الإتيان على ذكر فرنسيس في هذه الموعظة خروجاً عن اللياقة، ومؤشراً واضحاً على أن التيار المحافظ عازم على طي صفحة البابا الراحل وتغيير مسار الكنيسة. يضاف إلى ذلك أن عميد المجمع توجه في نهاية موعظته نحو الكاردينال بارولين وعانقه، وسُمع يقول له في مكبّر الصوت «Auguri»، أي «متمنياً له الحظ»، أو «مهنئاً»، حسب السياق.

ويقول المراقبون إن لغة التلميح لها أهمية بالغة في عالم الكنيسة، وعميد المجمع هو من أربابها.

تجدر الإشارة إلى أن مواعظ عميد مجمع الكرادلة وتصريحاته خلال الفترة الفاصلة بين رحيل البابا وانتخاب خليفة له لها بعد خاص بوصفه أحد كبار المسؤولين في الفاتيكان خلال شغور السدة الرسولية، وهي تحمل مؤشرات لتحديد الوجهة التي يسير فيها المجمع السري.

الكرادلة يدخلون إلى «الكابيبلّا سيستينا» من أجل البدء في انتخاب خليفة للبابا فرنسيس (إ.ب.أ)

إلى جانب عدم ذكره البابا الراحل في موعظته، طلب باتيستا ري من الروح القدس أن يلهم الكرادلة لانتخاب الحبر الأعظم الذي تحتاج إليه الكنيسة والبشرية في هذه الظروف الصعبة والمضطربة من التاريخ، وأضاف: «إن العالم ينتظر الكثير من الكنيسة لحماية القيم الأساسية والإنسانية والروحية التي من دونها لن يحمل التعايش بين البشر الخير للأجيال الطالعة»، وذلك في إشارة إلى الكنيسة باعتبارها حصناً أخلاقياً منيعاً، كما يريد التيار المحافظ.

وعيّن البابا الأرجنتيني اليسوعي الذي أطلق ورشة إصلاحية كبيرة في المؤسسة الكنسية 81 في المائة من الكرادلة المخوّلين التصويت، خصوصاً من البلدان المهمّشة من الكنيسة أو البعيدة عن أوروبا. ونتيجة لذلك، يعدّ هذا المجمع البابوي الأكثر تمثيلاً لدول العالم في تاريخ الفاتيكان مع 70 دولة تمثّل القارات الخمس ومن أكثرها انفتاحاً. وللمرّة الأولى تحظى 15 دولة بتمثيل فيه، بينها هايتي والرأس الأخضر وجنوب السودان.

ولا شكّ في أن «بعض كنائس الجنوب تكنّ إزاء الغرب، ولا سيما الأوروبيين، ما يشبه الضغينة السياسية أو معارضة ثقافية»، على ما قال فرنسوا مابيل مدير «المرصد الجيوسياسي للشؤون الدينية»، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية. وهو أشار إلى «شرخ شهدناه جلّياً طوال حبرية البابا فرنسيس» بين «من يعتبرون أنه لا بدّ من التذكير دوماً بمبادئ العقيدة وهؤلاء الذين يدعون إلى احتضان الرعية ومواكبة» أبنائها.

الكرادلة يدخلون إلى «الكابيبلّا سيستينا» من أجل البدء في انتخاب خليفة للبابا فرنسيس (إ.ب.أ)

وتقام مساء الأربعاء جولة تصويت أولى لن تعرف نتيجتها على الأرجح قبل السابعة مساء بالتوقيت المحلي. ومن شأن هذه الدورة أن تسمح بجس النبض، ومن غير المرجّح أن يتمّ خلالها بلوغ غالبية الثلثين (أي 89 صوتاً). ومن المفترض أن يتواصل التصويت الخميس مع جولتين صباحاً وجولتين بعد الظهر. وستكون أنظار العالم موجّهة إلى المدخنة المعدنية على سطح الكنيسة التي سيخرج منها بعد كلّ جولة تصويت دخان يؤشّر إلى النتيجة، إما أبيض في حال انتخاب بابا أو أسود في حال لم يتمّ ذلك.

وخلال الأيام الماضية، عقد الكرادلة 12 «جلسة عامة» بغرض التعارف، وتشارك وجهات النظر بشأن التحديات التي تواجهها الكنيسة كي يرسموا الملامح العامة للبابا المقبل. غير أن التطوّرات الجيوسياسية قد تلقي بظلالها أيضاً على هذه الانتخابات، في ظلّ تنامي النزعة الشعبوية وعودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض وتوسّع الحرب في غزة. ويمكن إذاً «التصوّر أن الكرادلة الذين يراعون السياق العالمي الذي نشهده منذ عودة ترمب قد يعتبرون أنه لا بدّ من تعيين شخصية مخضرمة على رأس الكنيسة الكاثوليكية تكون على دراية تامة بالعلاقات الدولية»، على حد قول فرنسوا مابيل.

وهذا المجمع الانتخابي الذي يتابعه أكثر من خمسة آلاف صحافي، ووصفته «لا ستامبا» الإيطالية بـ«يوم الدينونة» بـ«ساعة الحسم» يثير اهتماماً يتخطّى بحدوده الأوساط الدينية، كما يظهر من المراهنات الواسعة على اسم البابا الجديد التي بلغت ملايين اليوروهات والإقبال الكثيف على الألعاب الإلكترونية أو مشاهدة فيلم عن الكونكلاف صدر في عام 2024.

لكن مَن مِن الكرادلة المائة وثلاثة وثلاثين سيطلّ حبراً أعظم من شرفة بازيليك القديس بطرس؟ من بين الكرادلة الأوفر حظّاً لتولّي رئاسة الكنيسة الكاثوليكية، الإيطالي بييترو بارولين، ومواطنه بييرباتيستا بيتسابالا، والمالطي ماريو غريش، والفلبيني لويس أنطونيو تاغلي، ورئيس أساقفة مرسيليا الفرنسي جان - مارك أفلين. وقال إنتسو أورسينغر وهو متقاعد من روما في الثامنة والسبعين من العمر: «أظنّ أن عليه أن يمثّل كلّ القارات حيث الكاثوليكية منتشرة». وأشار: «لا أعتبر أنه من الوارد تسمية بابا يؤيّد الإجهاض... لكن من الإيجابي جدّاً أن يذهب مثلاً لزيارة النزلاء في سجونهم. ولا بدّ من أن يكون قريباً ممن يعانون».


مقالات ذات صلة

أصيب بابا الفاتيكان به... ما هو سرطان الرئة؟

صحتك أشعة الرئة الخاصة بأحد المصابين بالسرطان (رويترز)

أصيب بابا الفاتيكان به... ما هو سرطان الرئة؟

أعلن الفاتيكان أن البابا ليو الرابع عشر جرى تشخيص حالته على أنها سرطان في الرئة بعد أن استأصل جراحون جزءاً من رئته اليمنى الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
أوروبا البابا ليو الرابع عشر بابا الفاتيكان (رويترز)

البابا يدخل المستشفى الثلاثاء لجراحة في الرئة

أعلن الفاتيكان الاثنين أن البابا لاوون الرابع عشر سيدخل المستشفى الثلاثاء للخضوع لعملية جراحية لاستئصال ورم في رئته مع إلغاء نشاطاته حتى 20 أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر بابا الفاتيكان (رويترز)

بابا الفاتيكان سيخضع لجراحة لإزالة عقدة رئوية

قال البابا ليو، بابا الفاتيكان، اليوم الأحد إن الأطباء اكتشفوا عقدة رئوية صغيرة في مرحلة مبكرة للغاية لديه خلال فحص طبي خضع له في الآونة الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

في ختام زيارته إلى فرنسا... البابا ليو يرفض العنف باسم الدين

رفض البابا ليو الرابع عشر، اليوم (الاثنين)، أي عنف يُرتكب باسم الدين، في أول خطاب له في ميتز، المحطة الثالثة والأخيرة من زيارته إلى فرنسا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي سفير المملكة العربية السعودية غازي العنزي (يساراً) بعد تقديم أوراق اعتماده للرئيس السوري أحمد الشرع بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني (حساب الرئاسة)

الشرع يتقبّل أوراق اعتماد سبعة سفراء... بينهم سفير السعودية

تقبّل الرئيس أحمد الشرع، اليوم (الأحد)، أوراق اعتماد سبعة سفراء لدى الجمهورية العربية السورية، خلال مراسم رسمية أُقيمت في قصر الشعب بدمشق، بحضور وزير الخارجية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

تغريم كبير موظفي مكتب زيلينسكي لتحدثه باللغة الروسية خلال مهام رسمية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

تغريم كبير موظفي مكتب زيلينسكي لتحدثه باللغة الروسية خلال مهام رسمية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

تحدّث رئيس مكتب الرئاسة الأوكرانية، كيريلو بودانوف، باللغة الروسية في أثناء أداء مهامه الرسمية، واضطر إلى دفع غرامة بسبب ذلك، وفقاً لما أعلنته مفوضة حماية اللغة الرسمية، أولينا إيفانوفسكا، عبر موقع «فيسبوك»، اليوم (السبت)، دون أن تذكر اسم بودانوف صراحة.

وكتبت أن الشخص المتهم اعترف بالمخالفة، وأنه سيدفع الغرامة في الموعد المحدد. وينص قانون اللغة الأوكرانية على فرض غرامات تتراوح بين 3400 و8500 هريفنيا (ما يعادل 75 إلى 187 دولاراً) في حالة ارتكاب المخالفة للمرة الأولى.

ولم يصدر بودانوف أي تعليق على الواقعة حتى الآن.

احتجاجات أمام سجن عسكري مؤقت

ومع ذلك، أشارت إيفانوفسكا إلى الواقعة التي تحول خلالها رئيس مكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى التحدث باللغة الروسية.

ويوم الاثنين، تظاهر عدة مئات من الأشخاص أمام سجن عسكري مؤقت في إحدى ضواحي كييف، للاشتباه في أن «الحرس الوطني» يسيء معاملة الجنود المتهمين بالفرار من الخدمة العسكرية والمحتجزين هناك. وقد حظيت الواقعة باهتمام دولي.

ويحقق القضاء الأوكراني فيما إذا كان أفراد من القوات العسكرية قد تجاوزوا صلاحياتهم، كما ينظر في الشبهات المتعلقة باحتمال تعمّد التحريض على أعمال الشغب.

وكان بودانوف، وهو جنرال سابق في جهاز الاستخبارات، قد حاول تهدئة الأوضاع. ويُظهر مقطع فيديو له وهو يتحدث مع أحد المتظاهرين المصابين (14 عاماً)، مستخدماً الأوكرانية في بعض الأحيان والروسية في أحيان أخرى. كما رد باللغة الروسية على شقيقة الفتى المصاب عبر الهاتف، وأصدر تعليمات باللغة الروسية أيضاً.

ومع ذلك، فإن هذا الموقف الحواري يُعد أمراً شائعاً في كييف، حيث يتنقل كثير من السكان بين اللغتين الأوكرانية والروسية في حياتهم اليومية. وحتى داخل المؤسسة العسكرية، تُعدّ الأوكرانية لغة الأوامر الرسمية، لكن العديد من الجنود يتحدثون الروسية فيما بينهم.

وبفضل عملياته الاستخباراتية الجريئة، يتمتع بودانوف بسمعة البطل في أوكرانيا.

لكن على مواقع التواصل الاجتماعي، وُجهت إليه اتهامات بالتحدث بلغة «العدو»، أي اللغة الروسية. ولا يحظر قانون اللغة على المسؤولين الحكوميين التحدث بالروسية في حياتهم الخاصة، لكنه يُلزمهم باستخدام لغة الدولة الرسمية، وهي الأوكرانية، في أثناء أداء مهامهم الرسمية.


مظاهرات جديدة في فرنسا ضد غلاء المعيشة لكنها بمشاركة أقل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

مظاهرات جديدة في فرنسا ضد غلاء المعيشة لكنها بمشاركة أقل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)

بدأت مظاهرات جديدة في فرنسا، السبت، «ضد غلاء المعيشة ومن أجل الشباب»، بمشاركة أقل مقارنةً بالأسابيع الثلاثة السابقة، وسط تدابير أمنية مشددة، ولا سيما في باريس.

وتسعى السلطات إلى تجنب تكرار مشاهد الشغب والنهب التي وقعت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) خلال المظاهرات. وباستثناء باريس التي تُعدّ بؤرة الحراك، شارك نحو 7000 شخص في 68 مظاهرة حتى وقت مبكر من بعد الظهر، وهو ما يمثل تراجعاً «ملحوظاً» في حجم المشاركة، وفق أوساط وزير الداخلية.

تهدف هذه التعبئة الجديدة، التي أعقبت مظاهرات نقابية ضخمة جرت الخميس، إلى إبقاء الضغط على السلطات قبل مؤتمر دعت الحكومة إلى عقده صباح الاثنين بمشاركة النقابات وأرباب العمل، قبل لقاءات مع المنظمات الطلابية بعد الظهر.

رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو (يسار) ووزير التربية إدوار جيفري خلال جلسة استماع في الجمعية الوطنية في 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

وقد أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عقد مؤتمر يوم الاثنين بمشاركة النقابات العمالية واتحادات أصحاب الأعمال لمناقشة القدرة الشرائية والأجور. وأشارت الحكومة إلى عزمها على رفع الحد الأدنى للأجور، كما تعهدت بتوفير المزيد من الكوادر التعليمية في المدارس وزيادة التمويل المخصص لها، فيما دعت اتحادات تمثل طلاباً ومعلّمين إلى إضراب الثلاثاء المقبل، لمواصلة الضغط على الحكومة من أجل زيادة الإنفاق على التعليم، في إطار تحركات تتواصل منذ أسابيع وتشمل إغلاق مدارس واحتجاجات.

وقالت هذه الاتحادات في بيان مشترك، السبت، إن «حراكنا في موقع قوة، بينما الحكومة في موقع ضعف وبدأت ترضخ»، مضيفة: «حان الوقت لتوسيع نطاق التحركات الاحتجاجية ومواصلة الضغط على الحكومة».

رؤساء جامعات أو ممثلون عنهم يتظاهرون في باريس الجمعة للمطالبة بإيلاء الجامعات والمدارس مزيداً من الاهتمام الحكومي (أ.ف.ب)



وبدأت الأزمة بحركة لتلامذة الثانويات احتجاجاً على وضع التربية الوطنية، قبل أن تضاف إليها مطالب بشأن غلاء المعيشة واحتجاجاً على ماكرون الذي يغادر الرئاسة في مايو (أيار) بعد عشر سنوات في السلطة.

وأكد لوكورنو في رسالة وجهها الجمعة إلى الشركاء الاجتماعيين أنه يستمع إلى «التطلعات التي يتم التعبير عنها بشأن الأجور والقدرة الشرائية» و«هواجس» أرباب العمل، مؤكداً أن المؤتمر «سيسمح بعرض الردود الملموسة على تطلعات الفرنسيين». ودعا اتحاد النقابات الشبابية والنقابات المحلية إلى التظاهر السبت «ضد غلاء المعيشة ومن أجل الشباب» ضمن مسيرة مرخص لها تتوجه من ساحة لا ريبوبليك في قلب باريس إلى ساحة لا ناسيون. وقرابة الساعة الثالثة بعد الظهر كانت المسيرة تتقدم في هدوء.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

من جانبها، دعت تنسيقية «السترات الصفراء» إلى تجمع منفصل حظرته السلطات في ساحة الكونكورد بالقرب من مقر الجمعية الوطنية. وتجمّع نحو 100 منهم في المكان بعد ظهر السبت. وأفادت مراسلة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الشرطة سارعت إلى تطويق المتظاهرين الذين كان معظمهم لا يرتدون «السترات الصفراء»، كما تم توقيف أحد قادة الحراك أمام الجمعية الوطنية. وتعتزم «السترات الصفراء» أن تنظم نحو 120 تحركاً السبت في مواقع مختلفة من فرنسا، بعدما نظمت نحو 1700 تحرك في 17 أكتوبر.

وقبل أقل من ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية التي تتصدرها مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، لا يمكن لحكومة سيباستيان لوكورنو الاعتماد على أغلبية في الجمعية الوطنية، فيما يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون أزمة اجتماعية جديدة يعتزم استغلالها مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون الذي تتوقع استطلاعات الرأي انتقاله إلى الدورة الثانية من الانتخابات. ويعقد ميلانشون تجمعاً ضخماً لإطلاق حملته.

ويعتزم ‌ميلونشون برفع الحد الأدنى للأجور وخفض سن التقاعد في البلاد إلى 60 عاماً، ​وذلك عند إطلاقه برنامجه لانتخابات 2027 السبت.

يُنظر إلى ميلونشون (75 عاماً) على أنه أقوى مرشح من اليسار، وأظهرت أحدث استطلاعات الرأي أنه سيصل إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) المقبل في مواجهة لوبان، لكنها تشير أيضاً إلى أنه سيخسر في الجولة الثانية.

يتجمع محتجون في ساحة الجمهورية (Place de la République) في باريس بفرنسا (رويترز)

ويحمل برنامجه عنوان «مستقبل مشترك»، وهو ‌النسخة الخامسة من برنامج ‌حزبه «فرنسا الأبية»، ويعيد إلى ​حد ‌كبير ⁠التأكيد ​على سياسات شكلت ⁠العمود الفقري لحملات ميلونشون السابقة للانتخابات الرئاسية.

ومن بين تعهداته الرئيسية إلغاء إصلاح نظام المعاشات التقاعدية الذي أقره الرئيس إيمانويل ماكرون، والذي رفع تدريجياً الحد الأدنى لسن التقاعد في فرنسا من 62 إلى 64 عاما ًفي محاولة لتعزيز المالية العامة. ويقول حزب «فرنسا الأبية» إنه سيعيد سن ⁠التقاعد إلى 60 عاماً لمن أسهموا في ‌النظام لمدة 40 عاماً.

كما يدعو ‌البرنامج إلى زيادة الحد الأدنى ​الصافي للأجر الشهري من نحو ‌1480 يورو إلى 1700 يورو، ويتضمن خططاً لإلغاء ‌الضريبة الموحدة على دخل رأس المال، وزيادة الضرائب على الأسر الأكثر ثراء، ووضع سقف لأسعار المواد الغذائية الأساسية.

متظاهر يرفع علماً وطنياً في ساحة الجمهورية (بلاس دو لا ريبوبليك) خلال يوم من الاحتجاجات ضد تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الوقود (أ.ف.ب)

ويؤكد حزب «فرنسا الأبية»، كما نقلت عنه «رويترز»، أيضاً دعمه للتخلي التدريجي عن الطاقة النووية لصالح نظام كهرباء ‌يعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة، بما في ذلك إلغاء برنامج المفاعلات النووية وعدم ⁠تمديد عمر محطات ⁠الطاقة النووية إلى ما بعد 60 عاماً.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، يجدد برنامج ميلونشون انتقاده طويل الأمد لحلف شمال الأطلسي، ويدعو إلى انسحاب فرنسا التدريجي من الحلف، بدءاً بالخروج من قيادته العسكرية المتكاملة.

كما ينتقد البرنامج النفوذ الألماني على السياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، ويصف برلين بأنها المدافع الرئيسي في أوروبا عن «الليبرالية المنظمة»، وهي فلسفة اقتصادية تقوم على قواعد صارمة للميزانية واستقرار الأسعار وسياسة نقدية مستقلة. ويدعو البرنامج إلى توفير حماية أكبر للصناعة ​المحلية، بما يشمل اتخاذ ​إجراءات لتشجيع نقل الإنتاج إلى فرنسا، ويدافع عن دور أكثر تدخلاً للدولة في الاقتصاد.


فرنسا تحقق في احتمال وقوف قوى أجنبية خلف بلاغات كاذبة عن وجود قنابل

أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)
أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)
TT

فرنسا تحقق في احتمال وقوف قوى أجنبية خلف بلاغات كاذبة عن وجود قنابل

أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)
أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)

أعلنت النيابة العامة في باريس، السبت، فتح تحقيق في بلاغات كاذبة بوجود قنابل استهدفت طائرات تحلق فوق الأراضي الفرنسية، يبحث خصوصاً في احتمال وقوف قوى أجنبية خلفها.

وقالت النيابة العامة، رداً على استفسار، إن التحقيق «يجري للكشف عن مرسلي الرسائل الإلكترونية التي تضمنت هذه المعلومات الزائفة للإيحاء بوقوع دمار خطير، وعن صلتهم المحتملة بقوى أجنبية».

شهدت أوروبا، الجمعة، سلسلة من بلاغات القنابل الكاذبة، عقب عشرات البلاغات المماثلة هذا الأسبوع، استهدفت رحلات جوية تجارية ومؤسسات إعلامية في آيرلندا، ما استدعى تحرّك قوات الأمن.

طائرة تحلق فوق مدينة دمبوفار المجرية فيما أعلن وزير الدفاع أن مقاتلات تولت حراسة طائرة من بروكسل إلى صوفيا بعد تهديدات بوجود قنابل (رويترز)

واستدعت الإنذارات في أنحاء أوروبا تحويل مسارات طائرات ومرافقتها بمقاتلات وإخلاءها وتفتيشها.

وجرى تحويل مسار طائرة تابعة لشركة «إير لينغوس» إلى مدينة إيفرو إثر تلقي إنذار بوجود قنبلة.

وأعلن مكتب رئيس الوزراء، الجمعة، عن تلقي أربعة إنذارات جديدة تتعلق بطائرات كانت تحلق فوق الأراضي الفرنسية، لافتاً إلى أن فرق إزالة المتفجرات أجرت «عمليات تفتيش أمنية» لها. وأفاد مصدر مطلع بهبوط ثلاث من هذه الطائرات في مطار أورلي، بينما هبطت الرابعة في بوردو، وجميعها هبطت بسلام.

طائرة تقلع من مطار ليوناردو دا فينشي الدولي قرب روما الخميس (أ.ب)

يأتي ذلك فيما يندد مسؤولون أوروبيون منذ أشهر بتصاعد عمليات زعزعة الاستقرار لصالح روسيا وإيران، سواء تمثلت في حملات التضليل، أو أعمال التخريب، أو الهجمات السيبرانية، وغيرها.