المجمع البابوي غارق في الارتباك ومفتوح على المفاجآت

«الطبخة البابوية» ما زالت على النار ومكوناتها الدولية المضطربة قد تعكس مذاقها وتزيد في تعميق انقسام الكنيسة

دخول الكرادلة إلى كنيسة «سيستين» قبل بدء اجتماع الكرادلة في الفاتيكان لانتخاب بابا جديد يوم 12 مارس 2013 (أ.ف.ب)
دخول الكرادلة إلى كنيسة «سيستين» قبل بدء اجتماع الكرادلة في الفاتيكان لانتخاب بابا جديد يوم 12 مارس 2013 (أ.ف.ب)
TT

المجمع البابوي غارق في الارتباك ومفتوح على المفاجآت

دخول الكرادلة إلى كنيسة «سيستين» قبل بدء اجتماع الكرادلة في الفاتيكان لانتخاب بابا جديد يوم 12 مارس 2013 (أ.ف.ب)
دخول الكرادلة إلى كنيسة «سيستين» قبل بدء اجتماع الكرادلة في الفاتيكان لانتخاب بابا جديد يوم 12 مارس 2013 (أ.ف.ب)

ثمّة أجواء غريبة تخيّم على المجمع البابوي الذي يشرع بعد ظهر الأربعاء في انتخاب خلف للبابا فرنسيس، لم تعرفها المجامع السابقة، وتجعل من الصعب قراءة ما يحصل فيه منذ أيام، أو استشراف وجهة الرياح التي تدفع سفينة الكنيسة الكاثوليكية في مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخها.

كرادلة خلال قداس في اليوم التاسع من الحداد على البابا فرنسيس بكنيسة القديس بطرس في الفاتيكان يوم 4 مايو 2025 (رويترز)

آخر المعلومات المسرّبة، والتصريحات المقتضبة التي أدلى بها بعض الكرادلة لدى دخولهم إلى الجلسات الاستشارية أو خروجهم منها، تفيد بأن الكتلتين الرئيسيتين داخل المجمع: الإصلاحيين والمحافظين، لم تفلحا في تحشيد الدعم حول مرشح واحد، الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً على المفاجآت حول هوية الحبر الأعظم المقبل.

في عام 2005 كانت المفاضلة واضحة: مع راتزينغر أو ضده. وفي عام 2013: مع برغوليو أو ضده. وفي الحالتين حُسمت المعركة في أقل من 24 ساعة، 4 جولات انتخابية في الحالة الأولى، و5 في الحالة الثانية. ولكن الأمور هذه المرة لن تسير بالسرعة نفسها، بينما لا يزال الغموض يسيطر على أجواء المجمع.

وتفيد التسريبات التي أصبحت المادة الوحيدة التي تتغذَّى بها وسائل الإعلام، بأن التشاؤم سيّد الموقف في الخُطب التي يدلي بها الكرادلة، وأنه ما إن تبدأ ترتسم ملامح مرشح عن أحد الطرفين حتى يسقط تلقائياً من حسابات الطرف المقابل، ويخسر جميع احتمالات انتخابه. هذا يعني أن التوافق لا بد من أن يكون حول مرشح من خارج الكتلتين الرئيسيتين، أي في الكتلة التي تجمع بين كرادلة لا حوار ولا تواصل بينهم، ويصعب جداً تصنيفهم في خانة المؤيد لخط فرنسيس الإصلاحي أو المعارض له، وبعضهم يلتقي زملاءه للمرة الأولى.

أعضاء بارزون في الكنسية الكاثوليكية يحضرون قداس جنازة البابا فرنسيس بالفاتيكان يوم 26 أبريل (رويترز)

يقول المؤرخ الكنسي جيوفاني فيان، المدير السابق لصحيفة «أوسرفاتوري رومانو» الناطقة بلسان الفاتيكان، إن المشهد كما نقله إليه أحد الكرادلة «يشبه الدخول إلى غرفة مليئة بالمرايا». ويضيف، في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط»: «من غير المألوف، بعد أسبوعين على وفاة البابا، أن يبقى الغموض مخيماً على المجمع، وأن بعض الكرادلة ما زالوا لا يعرف بعضهم بعضاً».

ويعدُّ فيان أن التعقيدات التي تواجه هذا المجمع مردها إلى صعوبة تصور التحالفات التي يمكن أن تنشأ بين الكرادلة. حتى الذين عيَّنهم فرنسيس في السنوات الأخيرة -وهم غالبية أعضاء المجمع- يختلفون باختلاف البلدان التي ينتمون إليها.

إنها كنيسة الألفية الثالثة التي تختلف كثيراً عن كنيسة البابا يوحنا بولس الثاني، وخلفه بنيدكت السادس عشر. والصيغة التي أرادها فرنسيس لمجمع الكرادلة بتعيينه هذا العدد من أحبار العالم الثالث، تهدف إلى كسر التحالفات الكبرى التي كانت تسيطر عليها الكتل الأوروبية والأميركية والإيطالية، الأمر الذي يزيد من صعوبة تشكيل مجموعات متجانسة عند الاقتراع، ولا سيما أن البابا الراحل لم يجمع الكرادلة سوى مرة واحدة في عام 2014، أي قبل 11 عاماً من الموعد الراهن، وهذا ما يفسّر ظهور مرشحين فقط بين الأسماء المعروفة.

أبرز هذه الأسماء هو بيترو بارولين، وزير خارجية الفاتيكان والرجل الثاني في تراتبية السلطة الكنسية الذي يتصدر عادة لائحة المرشحين للخلافة. وسائل الإعلام الإيطالية، التواقة لعودة السدة الرسولية إلى كاردينال إيطالي بعد 3 حبريات «أجنبية»، كما زلّت بعض هذه الوسائل غير مرة، تؤكد أن بارولين يحظى بدعم أكيد من مجموعة لا تقل عن 40 كاردينالاً، وهذا يضمن له قدرة كبيرة على التفاوض إذا تمكن من حشد 45 صوتاً مؤيداً تشكل ثلث المجموع، وتمنع انتخاب حبر أعظم لا يحظى بدعمها. مفاد ذلك أن بارولين يمكن أن يصبح البابا المقبل إذا نجح في التحالف مع مجموعات أخرى، أو بوسعه أن يفرض مرشحاً آخر. وتقول مصادر فاتيكانية إن المجموعة المؤيدة لبارولين تنشط منذ أيام في هذا الاتجاه.

وتقول مصادر أخرى إن هذه المجموعة تتجه لتأييد مرشح آخر؛ لأن وزير الخارجية لا يقنع التيار المحافظ الذي يعدُّه «مرشح فرنسيس»، كما لا يقنع التيار الإصلاحي الذي لا يعدُّه من أتباع البابا الراحل، ويذكّر بالفتور الذي شاب العلاقة بينهما في المرحلة الأخيرة من حبرية فرنسيس. يضاف إلى ذلك أن الاتفاق الذي أبرمه الفاتيكان مع الصين -وكان ثمرة جهوده الشخصية- يلقى معارضة واسعة في الدوائر الكنسية، هذا فضلاً عن الشائعات التي سرت مؤخراً حول تدهور صحته.

الغالبية الساحقة هم من الكرادلة الذين عيّنهم البابا فرنسيس خلال حبريته، ولكن هذا لا يعني أنهم يشكلون مجموعة متجانسة تسير في خطاه الإصلاحية؛ لا؛ بل إن بعضهم انتقد بشدة مواقفه من المثليين والسماح للمتزوجين بممارسة الكهنوت. المجموعة الأميركية اللاتينية يميل معظم أعضائها إلى تأييد مرشح إصلاحي، بينما تنقسم المجموعات الأميركية الشمالية والأوروبية والإيطالية بين مؤيد للتيار المحافظ وداعم لنهج فرنسيس الإصلاحي.

المجموعة الآسيوية -من ناحيتها- تبدو متراصة وراء الكاردينال الفلبيني لويس أنطونيو تاغل الذي كانت تربطه علاقة صداقة شخصية بالبابا فرنسيس، منذ أن تعارفا عشية المجمع الذي انتخب برغوليو. ثم هناك مجموعة أخرى يتداخل أعضاؤها بين جميع الكتل الأخرى، هي مجموعة «الكوريا» (La Curia)، أي ما يعادل مجلس إدارة الكنيسة من كبار الموظفين في الفاتيكان، وهي تضمّ 27 كاردينالاً بعد أن كانت تضمّ 38 عند انتخاب فرنسيس. هذه المجموعة تعدُّ نفسها خط الدفاع الرئيسي عن التقاليد الكنسية العريقة، ويميل معظم أعضائها لتأييد مرشح ينقلب على المسار الإصلاحي الذي بدأه فرنسيس، أو على الأقل يكبح اندفاعه في بعض الأمور الحساسة التي من شـأنها أن تعمّق الانقسام في الكنيسة.

رجال الدين ينتظرون في روما جنازة البابا فرنسيس (أ.ف.ب)

كل هذه الحسابات والرهانات والترجيحات ستظهر في صورة أوضح بعد جلسة التصويت الأولى التي تبدأ في الرابعة والنصف بعد ظهر الأربعاء، وينجلي في نهايتها مشهد توزيع الأصوات والتحالفات المحتملة.

وجرت العادة في المجامع البابوية أن تفرز جلسة الاقتراع السري الأولى عدداً من الأصوات المتفرقة، تكريماً لبعض الأسماء التي تحظى بالتقدير والاحترام من غير أن تكون مرشحة. ولكن هذه الجلسة الأولى ستكون أيضاً ساعة الحقيقة التي تعطي فكرة عن حجم التأييد الذي يتمتع به المرشحون الأوفر حظاً.

يجدر التذكير هنا بأنه في الجلسة الأولى عام 2013، نال الكاردينال الإيطالي أنجيلو سكولا 25 صوتاً مقابل 12 لبرغوليو الذي هلَّل أنصاره لتلك النتيجة؛ إذ كانوا يعتقدون أن سكولا سيحصل على ضعف ما حصل عليه من تأييد. وفي الجلسات التالية راح سكولا يخسر الأصوات التي كانت تصبّ في صالح برغوليو.

يقول الزملاء الخبراء في الشؤون الفاتيكانية الذين يطلق عليهم مصطلح «Vaticanistas» إن الجلسة الأولى ستُظهر مدى الدعم الذي يحظى به بارولين، والتأييد الذي يمكن أن يجمعه الفرنسي آفيلين، أو الأميركي روبرت فرنسيس بريفوست الذي يعدُّه البعض «فلتة الشوط» القادر على حشد الدعم من كل الاتجاهات ضمن مجموعة وسطية. وثمة من يذهب إلى ترجيح فوز الكاردينال الإيطالي بييرباتيستا بيزابالَّا الذي عيّنه فرنسيس بطريركاً على مدينة القدس والأراضي المقدسة أواخر عام 2023، والذي قال يوماً أمام الفظائع التي يشهدها قطاع غزة: «أين أنت يا الله؟»، قبل أن يستدرك لاحقاً ويقول: «من غير المنصف أن نحمّل الخالق مسؤولية صنائع البشر».

البابا فرنسيس يصل للاحتفال بالقداس في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية يوم 25 مايو 2014 (رويترز)

ومن الدلائل على الارتباك الذي يسيطر على هذا المجمع، أن ثمة خبراء في الشؤون الكنسية لا يستبعدون انتخاب بابا من خارج المجمع؛ إذ من حق كل مسيحي مؤمن وبالغ أن يتولى السدة البابوية. في اليوم التالي، وبعد جلستي التصويت الصباحيتين، يأتي موعد الغداء الذي يتيح فرصة ثمينة للتواصل وتبادل الآراء، بعد أن تكون المنافسة قد انحصرت بين اسمين أو ثلاثة، وأيضاً للتفاوض حول انسحاب أحدهم لصالح غيره. إنها لحظة حاسمة للمفاضلة بين الاستسلام والصمود؛ حيث تلعب الكتل الصغيرة المشكلة من 6 أو 7 كرادلة دوراً مرجحاً للوصول إلى أغلبية الثلثين اللازمة للفوز بكرسي بطرس.

في عام 1978 وصل الكاردينال سيري إلى 4 أصوات من الأغلبية المطلوبة، ولكنه عجز عن الحصول عليها، وفي اليوم الثالث من المجمع كان الفائز هو يوحنا بولس الثاني الذي استطاع أن يستقطب مزيداً من الأصوات المؤيدة.

استناداً إلى ما سبق، وإذا كان الدخان المتصاعد من المدخنة الشهيرة لا يزال أسودَ بعد الغداء وجلستي التصويت بعد ظهر الخميس، فيمكن القول عندئذ إن المجمع وصل إلى طريق مسدود، ولا بد من العودة إلى نقطة الصفر؛ حيث تصبح النتيجة مفتوحة على كل الاحتمالات والمفاجآت.

الجموع تودع «بابا الفقراء» فرنسيس

كثيرون توقفوا مساء الاثنين عند الموعظة التي ألقاها الكاردينال الإيطالي بالداسارّي رينا، خلال قداس الحداد الثالث على روح البابا فرنسيس، وقال فيها: «هذا ليس وقت التوازنات، ولا المناورات، ولا الحذر والانسياق وراء غريزة العودة إلى الوراء، ولا الانتقام ونسج التحالفات. لا بد اليوم من قرار جذري للدخول في حلم الله الذي وضعه بين أيادينا».

المعلومات الشحيحة التي يتضمنها الموجز اليومي الذي توزعه أمانة الإعلام في الفاتيكان، تشير هي أيضاً إلى أن «الطبخة البابوية» ما زالت على النار، وأن كثيراً من المداخلات في الاجتماعات الاستشارية أخذت على البابا الراحل بعض قراراته وإجراءاته الإصلاحية، وأخرى أيدتها ودعت إلى الاستمرار في نهجه. يضاف إلى ذلك أن الأجواء الدولية المضطربة تنعكس هي أيضاً على المجمع، وتزيد في تعميق الانقسام داخل الكنيسة الذي تفاقمت حدته بعد الصورة التي نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بزي البابا على وسائل التواصل، والتي أثارت امتعاضاً شديداً في الأوساط الفاتيكانية. وتقول جميع المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إن رسالة ترمب واضحة، وهي أنه يرغب في أن يكون البابا الجديد نقيض فرنسيس الذي كان يدافع عن المهاجرين، وينتقد النموذج الرأسمالي الجامح، ويحذّر من تبعات التغيّر المناخي، ويحاول التقارب مع الصين.

كل الترتيبات أصبحت جاهزة في «كابيلّا سيستينا»؛ حيث تنعقد جلسات التصويت، وفي دير القديسة مرتا المتاخم لها؛ حيث يقيم الكرادلة، ويتناولون طعامهم، ويؤدون الصلوات، وينامون، ويشربون. جميع الموظفين المكلفين مساعدة الكرادلة خلال المجمع تعهدوا خطياً الحفاظ على السرية التامة، وعدم تسريب أي معلومات، تحت طائلة السجن والحرمان الكنسي، وسُحبت منهم الهواتف النقّالة، كما حصل مع الكرادلة أنفسهم.

وبينما تشخص أنظار العالم إلى مدخنة الفاتيكان لمعرفة اسم البابا رقم 267 في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وتشتعل المراهنات حول هوية الحبر الأعظم الجديد، تنصرف روما بهدوء إلى نسيان الأسقف اليسوعي الذي جاء من نهاية العالم ليهزّ شجرة الكنيسة، ويعيدها إلى جذورها الأصلية.

يقول لنا رانيرو مانشينلّي، الخيّاط المكلّف إعداد الثوب الأبيض الذي سيرتديه البابا المقبل في «قاعة الدموع» داخل «كابيلّا سيستينا» بعد انتخابه: «أتمنى أن يكون بسيطاً، ودوداً، وقريباً إلى الناس مثل فرنسيس». ولكن صعوبة التكهن بهوية الحبر الأعظم المقبل اقتضت تكليف مانشينلّي إعداد 3 أثواب بمقاسات مختلفة، يقول هو إنه يفضل أوسطها.


مقالات ذات صلة

السفير البابوي في جنوب لبنان دعماً لصمود المسيحيين

المشرق العربي السفير البابوي باولو بورجيا لحظة وصوله إلى كنيسة القليعة خلال زيارته إلى القرى المسيحية بالجنوب (متداول)

السفير البابوي في جنوب لبنان دعماً لصمود المسيحيين

دفع السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا برسائل دعم للمسيحيين في جنوب لبنان، خلال زيارة تضامنية معهم نفّذها الجمعة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر في شرفه مكتبه التي تطل على ساحة القديس بطرس (إ.ب.أ) p-circle

بابا الفاتيكان يدعو إلى إنهاء الحرب على إيران وفتح باب الحوار

دعا بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر إلى إنهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وفتح باب الحوار، محذراً من أن الصراع ينتشر في أنحاء الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (روما)
شمال افريقيا البابا ليو الرابع عشر خلال زيارة إلى تركيا قبل انتقاله إلى بيروت - 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

الصحافة الجزائرية ترحّب بزيارة «تاريخية» مرتقبة للبابا ليو الرابع عشر

رحّبت صحف جزائرية، بالزيارة المرتقبة للبابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر، معتبرة أنها تحمل رمزية «روحية وتاريخية» في أول زيارة لحبر أعظم إلى أرض القديس أوغسطينوس.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر (أ.ب)

البابا ليو: السلام في أوكرانيا «لا يمكن تأجيله»

قال البابا ليو الرابع عشر، في خطاب ألقاه يوم الأحد قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي، إن السلام في أوكرانيا «ضرورة ملحة».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم الفاتيكان (أ.ف.ب)

الفاتيكان لن يشارك في «مجلس السلام» برئاسة ترمب

أعلن الفاتيكان، الثلاثاء، أنه لن يشارك في «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، واعتبر أن هناك جوانب «تثير الحيرة».

«الشرق الأوسط» (روما)

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025، على ما أظهرت بيانات جديدة، الخميس.

ويطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول الحلف البالغ عددها 32 بزيادة إنفاقها الدفاعي، داعياً أوروبا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار تقرير لـ«الناتو» إلى أن كل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا تجاوزت الآن الهدف المحدد بتخصيص ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وهو هدف تم تحديده في عام 2014 بغرض تحقيقه في مهلة أقصاها 2024. ومنذ ذلك الحين، وتحت ضغط ترمب، حدد الناتو هدفاً جديداً هو 5 في المائة بحلول 2035.

ولدى عرضه التقرير قال الأمين العام للحلف مارك روته: «أتوقع من أعضاء الحلف في قمة (الناتو) المقبلة في أنقرة أن يُظهروا أنهم يسيرون على طريق واضح وموثوق نحو تحقيق نسبة 5 في المائة».

وحققت ثلاث دول فقط هدف 3.5 في المائة العام الماضي، وهي بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وزادت كل الدول إنفاقها العسكري العام الماضي، لكن ثلاثاً منها سجلت انخفاضاً طفيفاً في نسبة الإنفاق مقارنةً بناتجها المحلي الإجمالي.

في المقابل، تراجعت النسبة للولايات المتحدة من 3.30 في المائة عام 2024 إلى 3.19 في المائة، وفي جمهورية التشيك من 2.07 في المائة إلى 2.01 في المائة، وفي المجر من 2.21 في المائة إلى 2.07 في المائة.


تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث هجوم له على أوروبا، انتقادات لاذعة لقادة القارة لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «إنهم يشتكون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها»، لكنهم يرفضون «مناورة عسكرية بسيطة هي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط».

ومهما بدت تصريحاته اندفاعية، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أعمق؛ وهي أن ترمب وضع قادة أوروبا أمام معادلة مزدوجة. فالإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي من جانب إيران أشعل أزمة طاقة شاملة في أنحاء القارة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، الذي يثير غضب الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا، تزداد الضغوط على القادة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح خطوط الشحن.

شبح حرب العراق

لكن في الوقت نفسه، تتّجه الرياح السياسية في أوروبا بشكل كبير ضد الحرب، ما يرفع تكلفة مشاركة أوروبا فيها. فالحملة العسكرية تتعرّض لانتقادات من كثير من الأوروبيين، خصوصاً على اليسار، الذين يرون أنها غير مبررة وغير قانونية، وأنها تهدد النمو الهش في أوروبا. كما لا يزال القادة يستحضرون حرب العراق، التي دعمتها بريطانيا، وندمت عليها لاحقاً. وقال جيرار أرو، السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل والولايات المتحدة: «نحن منقسمون كعادتنا. الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على عدة مستويات. نحن في حالة صدمة كاملة مما يحدث».

ورغم المخاطر السياسية، هناك أسباب قوية تدفع أوروبا لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ففي ألمانيا، تجاوز سعر البنزين 2 يورو للتر، أي ما يعادل 9.48 دولار للغالون، ما أجبر برلين ودولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مكلفة، مثل بحث خفض الضرائب ووضع سقوف للأسعار للتخفيف من الصدمة.

وقال بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق لدى فرنسا والولايات المتحدة: «لدى الأوروبيين مصلحة كبيرة في فتح المضيق أمام ناقلات النفط والتجارة الأخرى، وفي إظهار أنهم حلفاء موثوقون للدول الخليجية».

ورغم الضغوط التي يمارسها ترمب على أوروبا، فإنه لم يُسهّل على قادتها دعمه. إذ لم تُشاور الولايات المتحدة حلفاءها بشأن العملية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بل لم تُخطر غالبيتهم مسبقاً. وجاء غياب التنسيق بعد فترة متوترة صعّد فيها ترمب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتقلّب في دعمه لأوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، وجّه ترمب إهانات إلى القادة الأوروبيين، ولا سيما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي بذل جهوداً كبيرة لكسب وده. وقال إنه «ليس ونستون تشرشل»، قبل أن يروّج لمقطع ساخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يرتجف قبل مكالمة هاتفية مع الرئيس.

انتقاد الحلفاء

وحتى عندما دعا الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم، لم يخلُ حديث ترمب من الانتقاص منهم، إذ قال إن الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى قدراتهم العسكرية. ويرى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن ذلك يكشف دافعه الحقيقي: دفع أوروبا لتحمل المخاطر السياسية للانضمام إلى الحملة العسكرية.

ويشير محللون إلى أن أوروبا يمكن أن تسهم في عملية عسكرية في المضيق، عبر نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكنهم يرون أن قيمة مشاركتها السياسية تفوق أهميتها العسكرية. وقال ميشال ياكوفليف، الجنرال الفرنسي المتقاعد والمخطط السابق في «الناتو»: «قد يكون من المفيد وجود مزيد من السفن، لكن هذا ليس طرح ترمب». وأضاف: «لو كان مستعداً للقول إن حجم المشكلة يتطلب موارد إضافية، لكان الحساب مختلفاً». وتابع: «لكن بما أنه قلّل من قيمة المساهمة العسكرية الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة سياسية». وأشار إلى أن القادة الأوروبيين مُحقّون في عدم منح ترمب غطاءً سياسياً، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو يطرح مساراً للخروج من الحرب. وكان الرئيس قد قال إن «محادثات جيدة جداً» جارية لإنهاء القتال، وهو ما سارعت إيران إلى نفيه.

وأضاف ياكوفليف أن تشكيل تحالف لتأمين المضيق يتطلب اتفاقاً على نطاق العملية ومساهمات كل طرف وسلسلة القيادة وقواعد الاشتباك، وهي عملية قد تستغرق شهرين على الأقل.

وفي الأسبوع الماضي، خفّف قادة أوروبيون، إلى جانب نظرائهم من آسيا والخليج، من معارضتهم للمشاركة في مثل هذه العملية، لكن بيانهم جاء حذراً، إذ قال: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق».

تحالف ما بعد الحرب

ويعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلف الكواليس للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لعملية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع، فيما طرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي فكرة توسيع مهام بعثات الحماية البحرية القائمة في المنطقة.

وقال أرو إن أوروبا، بالنظر إلى تاريخها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، يمكن أن تلعب دوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية في إنهاء النزاع. لكنه أضاف أن أوروبا مكبّلة بثلاثة عوامل مترابطة: عدم ثقة ترمب ببروكسل خصوصاً بعد رفضها دعم الحرب؛ ومخاوفها من أن يؤدي استعداؤه إلى الإضرار بأوكرانيا؛ وشكوك إيران فيها نظراً للتردد الأوروبي في مواجهة واشنطن بشكل أكثر وضوحاً. وختم قائلاً: «يمكننا أن نؤدي دور الوسيط، لكن ترمب يفضل الباكستانيين»، مضيفاً أن «الإيرانيين لا يثقون بنا أيضاً؛ فهم يعتقدون أننا ندعم الأميركيين».

*خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


ألمانيا: حلف «الناتو» وأميركا يعملان على صياغة موقف مشترك بشأن إيران

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في فرنسا (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في فرنسا (د.ب.أ)
TT

ألمانيا: حلف «الناتو» وأميركا يعملان على صياغة موقف مشترك بشأن إيران

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في فرنسا (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في فرنسا (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم الخميس، ​إن دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» تسعى إلى التوصل لموقف مشترك مع الولايات المتحدة بشأن الحرب على ‌إيران، مضيفاً ‌أنه ينبغي أن ​تنتهي ‌في أسرع ​وقت.

وذكر فاديفول، في دير «فو دو سيرناي» قرب باريس، قبيل اجتماع لوزراء خارجية مجموعة السبع: «من المهم، الآن، التوصل ‌إلى ‌موقف مشترك، وبالطبع بالتعاون ​مع ‌أقرب حلفائنا داخل ‌الحلف، ولا سيما الولايات المتحدة»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف فاديفول أن هناك توافقاً مع فرنسا وبريطانيا ‌في هذا الشأن، وأن المحادثات المقررة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، غداً الجمعة، لها أهمية خاصة.

وأشار إلى أنه يتعيّن فتح مضيق هرمز، وأنه يجب على القيادة الإيرانية ألا تشكل تهديداً لدول ​أخرى في ​المستقبل.