دبابات «ليوبارد 2» الألمانية تفشل في ساحة المعركة بأوكرانيا

جندي أوكراني يجلس داخل دبابة ألمانية الصنع من نوع «ليوبارد 2 إيه 5» بالقرب من خط المواجهة 21 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
جندي أوكراني يجلس داخل دبابة ألمانية الصنع من نوع «ليوبارد 2 إيه 5» بالقرب من خط المواجهة 21 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

دبابات «ليوبارد 2» الألمانية تفشل في ساحة المعركة بأوكرانيا

جندي أوكراني يجلس داخل دبابة ألمانية الصنع من نوع «ليوبارد 2 إيه 5» بالقرب من خط المواجهة 21 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
جندي أوكراني يجلس داخل دبابة ألمانية الصنع من نوع «ليوبارد 2 إيه 5» بالقرب من خط المواجهة 21 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

فشلت الدبابات الألمانية الثمينة من طراز «ليوبارد 2» في ساحة المعركة في أوكرانيا، وفقاً لتقييم وزارة الدفاع الألمانية.

وفي مذكرة سرية عن اجتماع بين ملحق دفاع ألماني متمركز في كييف ونحو 200 جندي من الجيش الألماني، كشف الدبلوماسي عن الصعوبات التي يواجهها الأوكرانيون في تشغيل الأسلحة الثقيلة، وفقاً لموقع «تلغراف».

ووصلت 18 دبابة من «ليوبارد 2» التي تعتبر الدعامة الأساسية للجيش الألماني إلى أوكرانيا في عام 2023 بعد أشهر من مماطلة المستشار الألماني السابق أولاف شولتس، ونقاش وطني حول ما إذا كان ينبغي على برلين إرسال أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا.

وافق السيد شولتس أخيراً على القيام بذلك بعد أن وافقت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن على إرسال دبابات «أبرامز» وبدأ الشعور العام في ألمانيا يتحول لصالح أوكرانيا.

لكن رغم كل هذه الضجة، يجد الجنود الأوكرانيون أن استخدام دبابات «ليوبارد 2» محدود، كما يقول النص الذي حصلت عليه ثلاث وسائل إعلام ألمانية.

بعض المشكلات لها علاقة بتغير طريقة الحرب نفسها، حيث إن دبابات «ليوبارد 2» معرضة لضربات الطائرات من دون طيار، مثلها مثل الدبابات بشكل عام، كما جاء في النص.

ويجعل تصميم «ليوبارد 2» المعقد من الصعب إصلاحها في ساحة المعركة، مما يعني أنه يجب إرسالها إلى أطقم إصلاح متخصصة في غرب أوكرانيا، أو حتى الذهاب بها إلى بولندا للإصلاح والصيانة.

في كثير من الحالات، أجبرت مشكلات «ليوبارد 2» الجنود الأوكرانيين على استخدامها كمدفعية.

قال سيرغي سومليني، مدير مركز مبادرة الصمود الأوروبي ومقره برلين: «المشكلة الرئيسية في مدرعات ليوبارد 2 التي أرسلت لأوكرانيا هي أن عددها قليل للغاية. إذا كان لا بد من إصلاح واحدة أو اثنتين منها، فهذا جزء كبير مما تملكه أوكرانيا الذي أصبح فجأة خارج الخدمة لفترة من الوقت».

وأضاف سومليني، الذي يقوم برحلات شهرية تقريباً إلى الخطوط الأمامية منذ عام 2022، «لم يتم تصميم دبابات ليوبارد 2 لساحة المعركة الأوكرانية. فهي تعمل بشكل جيد عندما يكون لديها دعم جوي، وهو ما تفتقر إليه أوكرانيا».

وتابع: «إن طريقة التفكير الألمانية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية تلعب دوراً أيضاً. فلقد تم تصميم الدبابة من قبل جيل من المصنعين الألمان لم يشهدوا حرباً، وبالتالي كانوا يميلون إلى المبالغة في تعقيد النظام».

ويشير إلى أن «الأنظمة الأقدم، التي صممت في الستينيات على يد من شهدوا الحرب بالفعل، فهي أكثر فائدة بكثير في ساحة المعركة ولكن دروعها أضعف».

يقول خبراء الدفاع في ألمانيا إن تجربة أوكرانيا في ساحة المعركة تنطوي على دروس واضحة، خاصة إذا اختارت روسيا اختبار «الناتو».

وقالت المتحدثة باسم حزب الخضر الألماني لشؤون الدفاع سارة ناني إن أحد الدروس الواضحة هو أن البلاد تحتاج ببساطة إلى توفير المزيد من الأنظمة.

وأضافت: «لم يعد بإمكاننا التفكير في هذه الكميات الصغيرة. علينا أن نفترض أن المركبات لديها فترة تعطل طويلة بعد تلفها وتحتاج ببساطة إلى الصيانة».

ألمانيا هي ثاني أكبر مورد للمعدات العسكرية لأوكرانيا بعد الولايات المتحدة، وقد حدد النص المسرب أيضاً مشكلات أخرى في الأنظمة التي توردها ألمانيا، مشيراً إلى أنه حتى المعدات التي تعمل بشكل جيد، مثل معدات الدفاع الجوي، تعاني من عدم كفاية مخزون الذخيرة.


مقالات ذات صلة

انتقادات في تركيا لـ«بطء» خطوات السلام مع الأكراد

شؤون إقليمية لجنة البرلمان التركي المعنية بوضع الإطار القانوني لحلّ حزب «العمال الكردستاني» تواجه انتقادات (البرلمان التركي - إكس)

انتقادات في تركيا لـ«بطء» خطوات السلام مع الأكراد

تواجه الحكومة والبرلمان في تركيا انتقادات بسبب التحرك البطيء في «عملية السلام» التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي أحد عناصر الفصائل العراقية المسلحة (متداولة - إكس)

مساعٍ إيرانية لاحتواء الخلافات بين الفصائل العراقية المسلحة

دخلت إيران على خط الوساطة في الخلاف داخل الفصائل العراقية المسلحة بشأن نزع السلاح.

حمزة مصطفى (بغداد)
الولايات المتحدة​ تحلّق طائرة حرب إلكترونية من طراز «غراولر» (رويترز) play-circle

«غراولر» في سماء فنزويلا... ما نعرفه عن قوة التشويش الأميركية التي أدت لاعتقال مادورو

لعبت طائرة الحرب الإلكترونية الأميركية «غراولر» دوراً محورياً في العملية العسكرية التي نفّذتها الولايات المتحدة أخيراً وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي.

لينا صالح (بيروت)
أوروبا نظام الدفاع الصاروخي الباليستي «آرو3» خلال سلسلة اختبارات اعتراض حية أميركية - إسرائيلية فوق ألاسكا بالولايات المتحدة (رويترز - أرشيفية) play-circle

الجيش الألماني يفشل في اعتراض مسيّرات حلقت فوق منظومة «آرو 3» الإسرائيلية

أبرزت وثيقة داخلية للجيش الألماني أنه أخفق في اعتراض طائرات مسيّرة عبر نظام الدفاع الجوي «آرو3».

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية طائرة من طراز «إف - 35» تؤدي عرضاً جوياً في معرض دبي للطيران في دبي الإمارات العربية المتحدة 17 نوفمبر 2025 (رويترز)

إردوغان يعوّل على ترمب لإعادة تركيا إلى برنامج «إف - 35»

يعوّل الرئيس التركي إردوغان على نظيره الأميركي ترمب لإعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35» بعد أن كانت استُبعدت منه.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

روسيا تقصف أوكرانيا بصاروخ فرط صوتي

صورة وزعتها خدمات الأمن الأوكراني تظهر بقايا من الصاروخ الروسي (أ.ف.ب)
صورة وزعتها خدمات الأمن الأوكراني تظهر بقايا من الصاروخ الروسي (أ.ف.ب)
TT

روسيا تقصف أوكرانيا بصاروخ فرط صوتي

صورة وزعتها خدمات الأمن الأوكراني تظهر بقايا من الصاروخ الروسي (أ.ف.ب)
صورة وزعتها خدمات الأمن الأوكراني تظهر بقايا من الصاروخ الروسي (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي واشنطن إلى اتخاذ رد فعل على استخدام روسيا صاروخاً باليستياً متوسط المدى قادراً على حمل رأس نووي في هجمات جديدة على أوكرانيا.

وأكدت موسكو أنها استخدمت للمرة الثانية صاروخ «أوريشنيك» الفرط صوتي خلال قصفها الليلي المكثف على أوكرانيا الذي أسفر عن مقتل 4 أشخاص على الأقل في كييف. واعتبرت أوكرانيا أن هذه الضربات تشكّل «تهديداً خطيراً» لأوروبا و«اختباراً» للغرب.

وندّدت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس بالضربة الروسية، وقالت إن الرئيس بوتين لا يريد السلام، وإن موسكو ترد على الدبلوماسية بمزيد من الصواريخ والدمار.

وحذرت كالاس من أن استخدام روسيا صواريخ «أوريشنيك» يمثل تصعيداً واضحاً ضد أوكرانيا وتحذيراً لأوروبا وأميركا.

وطالبت كالاس الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي بتعزيز مخزوناتها من أنظمة الدفاع الجوي.


باريس تؤكد حقها في «قول لا» لواشنطن

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
TT

باريس تؤكد حقها في «قول لا» لواشنطن

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

أكّد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الجمعة، أنّ لدى باريس الحق في أن تقول «لا» للولايات المتحدة عندما تتصرف بطريقة غير مقبولة، محذراً من أن النظام السياسي الأوروبي «في خطر»، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي خطابه السنوي أمام السفراء الفرنسيين، حذّر بارو من أن الاتحاد الأوروبي مهدد من قبل خصوم من الخارج، منتقداً في الوقت ذاته التصريحات الصادرة عن واشنطن بأن أوروبا تواجه خطر «زوال حضارتها».

وتسعى القوى الأوروبية إلى التوصل للتوفيق بين أولوياتها في ظل الحرب الروسية المستمرة منذ نحو 4 سنوات في أوكرانيا، وتنسيق ردّها على السياسة الخارجية الأميركية في نصف الكرة الغربي، وذلك عقب اعتقال واشنطن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو، وإعلان دونالد ترمب أنه عازم على ضم جزيرة غرينلاند الدنماركية.

وقال بارو: «في غضون أشهر، قررت الإدارة الأميركية، وهذا حقها، إعادة التفكير في الروابط التي تجمعنا».

وأضاف «من حقنا أيضاً أن نقول لا لحليف تاريخي، مهما كانت أهميته التاريخية، عندما يكون اقتراحه غير مقبول، وعندما يتعيّن علينا أن نقول لا».

وأشار إلى أنّ الاتحاد الأوروبي «مهدد من الخارج من خصوم يُحاولون تفكيك روابط التضامن التي توحّدنا... ومن الداخل بسبب الإنهاك الذي أصاب الديمقراطية».

وتابع: «لنكن واضحين، لا يوجد ما يضمن اليوم أننا سنظل نعيش داخل الاتحاد الأوروبي كما نعرفه، بعد 10 سنوات».

وتأتي تصريحات بارو غداة تحذير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن الولايات المتحدة «تتخلى تدريجياً» عن حلفائها، و«تتجاهل القواعد الدولية»، متحدثاً عن «عدوانية استعمارية جديدة» متنامية في العلاقات الدبلوماسية.


وزير خارجية فرنسا: الحضارة الأوروبية ليست على طريق الزوال

صورة جماعية للوزير بارو وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية وبدا في الصورة بعض السفراء - 9 يناير (إ.ب.أ)
صورة جماعية للوزير بارو وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية وبدا في الصورة بعض السفراء - 9 يناير (إ.ب.أ)
TT

وزير خارجية فرنسا: الحضارة الأوروبية ليست على طريق الزوال

صورة جماعية للوزير بارو وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية وبدا في الصورة بعض السفراء - 9 يناير (إ.ب.أ)
صورة جماعية للوزير بارو وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية وبدا في الصورة بعض السفراء - 9 يناير (إ.ب.أ)

تعيش أوروبا، وعلى رأسها فرنسا، راهناً، حالة من «انفصام الشخصية السياسية» في علاقاتها مع الولايات المتحدة. فهي، من جهة، تحتاج إليها بشكل أساسي في ملف الحرب الأوكرانية باعتبارها الطرف الوحيد القادر على «ردع» روسيا من معاودة استهداف كييف عقب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار أو اتفاقية سلام.

وقد رحب الأوروبيون، وعلى رأسهم الرئيس إيمانويل ماكرون، بمناسبة انعقاد قمة «تحالف الراغبين» الذي التأم، الثلاثاء، في قصر الإليزيه، بالتزام إدارة الرئيس دونالد ترمب بتوفير «ضمانات أمنية» لأوكرانيا. ولم يتردد ماكرون في كيل المديح للمسار الجديد للحليف الأميركي.

ومن جهة ثانية، لا يتردد الأوروبيون، وعلى رأسهم فرنسا، في توجيه انتقادات شديدة اللهجة لواشنطن بسبب سياساتها، التي تعدّها باريس خروجاً عن قواعد التعامل بين الدول وبين الحلفاء في إطار النادي الأطلسي، لدرجة أن ثمة سياسيين يتساءلون حول ما إذا ما زالت واشنطن حليفاً موثوقاً لهم.

خلال يومين متتالين، وبمناسبة مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم، الخميس والجمعة، برز هذا الانفصام على حقيقته المفجعة؛ فماكرون ووزير خارجيته تقاسما الأدوار في توجيه الانتقادات للمسارات الجديدة التي تسلكها واشنطن.

الأول يوم الخميس، والثاني في اليوم التالي؛ جان نويل بارو، المشرف على الدبلوماسية الفرنسية، لم يكن أقل عنفاً من رئيسه في خطاب دام ساعة كاملة، ألقاه صباح 9 يناير (كانون الثاني) في مقر وزارة الخارجية؛ إذ لم يكتف بانتقاد العملية الأميركية التي أفضت إلى أسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أو التنديد بالأطماع الأميركية بالسيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية من غير استبعاد اللجوء إلى القوة العسكرية، بل عاد إلى انتقاد مضمون وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي نشرت، الشهر الماضي، والتي تتطلع إلى أوروبا بنظرة فوقية، وتُنبّه الأوروبيين من أن حضارتهم سائرة إلى الزوال بسبب سياسات الهجرة وتراجع القيم التقليدية.

بارو: أوروبا ليست إلى زوال

لم يتردد بارو في الرد مباشرة على المزاعم الأميركية، حيث قال: «لا، أوروبا ليست على حافة الزوال الحضاري. والأصوات المتعجرفة التي تدّعي ذلك يجدر بها أن تحذر من زوالها هي نفسها».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (يسار) مع وزير الداخلية لوران نونيز الجمعة في مقر الخارجية بمناسبة اجتماع سفراء فرنسا عبر العالم يوم 9 يناير (إ.ب.أ)

بالمقابل، حذر بارو من المخاطر المُحدقة بالبناء الأوروبي من الخارج والداخل؛ فهو «مُهدّد من الخارج من قبل خصوم يحاولون تفكيك روابط التضامن التي تُوحّدنا» في إشارة واضحة للولايات المتحدة وروسيا والصين. كما أنّه «مُهدّد من الداخل بسبب الإرهاق الديمقراطي».

وأضاف الوزير الفرنسي: «لنكن واضحين: لا شيء يضمن اليوم أننا سنظل نعيش داخل الاتحاد الأوروبي كما نعرفه بعد عشر سنوات».

وختم قائلاً: «نعم، نظامنا السياسي اليوم في خطر، على الرغم من استقراره الثمين في عالم غير متوقع، وعلى الرغم من ثروته العلمية والتكنولوجية والثقافية والمالية الهائلة».

قال بارو مهاجماً الولايات المتحدة وروسيا والصين: «إنهم يحلمون باستغلال انقساماتنا مرة أخرى، كما فعلوا على مدى قرون. وقد بدأوا بالفعل باختبار قوة اتحادنا من خلال التهديدات والإكراه، كما يتضح من التوغلات الإقليمية على جناحنا الشرقي (أوكرانيا)، والابتزاز التجاري، والمطالبات بغرينلاند (الولايات المتحدة) التي ليست للبيع». واستطرد قائلاً إن «العالم قد يتحوّل إلى وكْر للصوص، حيث يسطو عديم الضمير على كل ما يريده».

أوروبا يتيمة؟

تكمن المشكلة الأولى لفرنسا، ومعها الاتحاد الأوروبي، في التغير الذي يلف العالم الغربي الذي عاش، منذ خمسينات القرن الماضي، في ظل منظمة الحلف الأطلسي.

ماكرون متوسّطاً ستارمر وزيلينسكي بعد اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس يوم 6 يناير (إ.ب.أ)

والحال أن الصورة اليوم تغيرت، وأوروبا قد تجد نفسها «يتيمة» بعد أن يكون قد هجرها الحليف الأميركي الذي تضغط عليه عقيدة «أميركا أولاً»، التي ركب دونالد ترمب موجتها للعودة إلى البيت الأبيض. من هنا جاء كلام بارو الذي وصف الولايات المتحدة بأنها «حليف، لسنا دائماً على توافق معه». وأضاف: «في غضون أشهر، قررت الإدارة الأميركية الجديدة، وهذا من حقها، إعادة التفكير في الروابط التي تجمعنا. ومن حقنا أيضاً أن نقول (لا) لحليف تاريخي، مهما كان تاريخياً، عندما يكون اقتراحه غير مقبول».

إذا كانت بريطانيا تعدّ أن «علاقة خاصة» تربطها بالولايات المتحدة، فإن فرنسا تغتنم كل مناسبة للتذكير بالدور الذي لعبه الكونت لافاييت، بأمر من الملك لويس الرابع عشر، لمساعدة «الثوار» الأميركيين المنتفضين على المستعمر الإنجليزي. ولم يشذ بارو عن القاعدة بقوله إن «بيننا وبين الولايات المتحدة، وهي شعب لنا معه، نحن الأوروبيين وبشكل أخص نحن الفرنسيين، تاريخ طويل وفريد، صيغ عبر الحروب والثورات المشتركة». لذا، فإن «الخيانة» الأميركية تبدو أكثر مرارة.

خصوم الخارج والداخل

لا تريد باريس أن تكتفي بالنقد واللوم، بل تريد المواجهة مع الأطراف الساعية إلى «تقويض ثقة الفرنسيين بمؤسساتهم، وتقويض التوافق الوطني، وتقويض الوحدة الأوروبية». أما لماذا يستشعر الفرنسيون بأن بلادهم مهددة، فلأنها «تُزعج المستبدين والأنظمة المسماة ليبرالية. وتزعج الأوليغارشيات الفاسدة، والتحريفيين، وأصحاب نظريات المؤامرة من كل الأطياف الذين أعلنوا علينا الحرب في ميدان الإدراك والتأثير»، في إشارة إلى الحملات الإعلامية والآيديولوجية التي تستهدف باريس كما العديد من العواصم الأوروبية، والتي تمتدّ من الكرملين إلى دائرة منظري «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» المحيطة بالرئيس الأميركي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

كذلك، فإن باريس لم تستسغ الدعم السياسي الذي يوفره ترمب وفريقه للأحزاب اليمينية المتطرفة؛ أكان في فرنسا مع حزب «التجمع الوطني»، أم في ألمانيا مع «حزب البديل»، أم «حزب الإصلاح» في بريطانيا. والسلطات السياسية في البلدان الثلاثة المذكورة ترى في الدعم الأميركي تقويضاً لمقوماتها، وتهديداً لمستقبلها، فضلاً عن أنّه تدخل في شؤونها الداخلية.

وتُراهن «الاستراتيجية الأميركية» على هذه الأحزاب لكي تستعيد أوروبا دورها و«تنعش حضارتها مجدداً». إنه امتحان صعب لفرنسا وأوروبا. ومع التطورات المستجدة، تشتد الدعوة إلى بناء «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا. لكن بين الدعوة والواقع هوة كبيرة تحتاج لعقود من العمل الجاد، وغياب الانقسامات المستحكمة بين الأوروبيين حتى تتحول، يوماً ما، إلى واقع.