تساؤلات حول نشر قوة سلام في حال إبرام هدنة بأوكرانيا

موسكو ترفض ودول أوروبية مترددة و«قواعد اشتباك» غير معروفة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره اجتماعاً مع قادة أركان جيوش الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في باريس في 11 مارس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره اجتماعاً مع قادة أركان جيوش الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في باريس في 11 مارس (أ.ف.ب)
TT

تساؤلات حول نشر قوة سلام في حال إبرام هدنة بأوكرانيا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره اجتماعاً مع قادة أركان جيوش الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في باريس في 11 مارس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره اجتماعاً مع قادة أركان جيوش الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في باريس في 11 مارس (أ.ف.ب)

تتقاسم باريس ولندن الدور الريادي لجهة الدفع باتجاه تشكيل قوة مشتركة يمكن أن تنضم إليها دول أخرى مثل كندا وأستراليا للإشراف على هدنة محتملة في الحرب بين روسيا وأوكرانيا أو لضمان اتفاق سلام قد يتوصل إليه الطرفان.

وتعمل العاصمتان الأوروبيتان بالتناوب؛ فبعد أسبوع شهد اجتماعاً موسعاً لقادة أركان 37 بلداً أوروبياً وغير أوروبي (ضم كندا وأستراليا واليابان ونيوزيلندا وضباطاً من الحلف الأطلسي)، في باريس بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون، ها هو اجتماع مماثل سيُعقد في لندن، الخميس المقبل، بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. وكان الأخير قد أدار، السبت الماضي، «قمة» عن بُعد لقادة أوروبيين وغير أوروبيين مقتدياً بما فعله ماكرون يوم 17 فبراير (شباط) الماضي. وبعيداً عن التسابق بين لندن وباريس، فإن الطرفين يعملان يداً بيد من أجل ولادة القوة المشتركة؛ فماكرون حث قادة الأركان الذين حضروا إلى باريس في 11 من الشهر الحالي للانتقال إلى «المرحلة العملية» لتشكيل القوة المذكورة. والسبت الماضي، قال ستارمر، في معرض تقديمه لخلاصات «القمة» غير الرسمية، إن اجتماع الخميس المقبل سيكون لـ«مناقشة المرحلة العملانية»؛ أي تشكيل القوة الموعودة وتعيين الدول التي ستوفر وحدات من جنودها وعديدها، ولكن قبل ذلك تحديد مهماتها غير الواضحة حتى اليوم. وأشار ناطق باسم ستارمر إلى أن «قدرات المساهمين في قوة «تحالف الراغبين» سوف «تتباين، ولكن القوة ستكون كبيرة مع وجود عدد كبير من الدول الراغبة في المشاركة».

حتى اليوم، هناك أمر محسوم وقوامه أن العمود الفقري لهذه القوة سيتشكل من البريطانيين والفرنسيين. وسبق للجانب البريطاني أن أشار إلى قوة من 20 إلى 30 ألف رجل. وتضمنت تصريحات ماكرون لمجموعة من الصحف الصادرة في الأقاليم الفرنسية ونُشرت، السبت، بعض التفاصيل، ومنها أن القوة المشتركة لن تُنشر على خط وقف إطلاق النار، بل في عدد من «النقاط الرئيسية» الحساسة على الأراضي الأوكرانية. وترى مصادر معنية في باريس أن الغرض هو «تجنُّب الاحتكاك» مع القوات الروسية، وأنه في حال التوصل إلى اتفاق سلام، فإن مهمة القوة، بحسب الرئيس الفرنسي، ستكون «توفير الضمانات الأمنية» التي تطالب بها أوكرانيا حتى لا تتعرض أراضيها لاحقاً لاستهداف روسي.

صورة نشرها الجيش الأوكراني الاثنين تظهر بعض جنوده يطلقون قذيفة «هاون» باتجاه مواقع روسية في موقع غير مُعلن في دونيتسك (أ.ف.ب)

عقبات ومحاذير

رغم ما تؤكده لندن وباريس من أن «دولاً كثيرة» منها غير أوروبية مثل كندا واليابان وتركيا، مستعدة للمشاركة في «تحالف الراغبين» ميدانيا، فإن دولاً أوروبية رئيسية كألمانيا وبولندا وإيطاليا غير متحمسة لإرسال جنودها إلى أوكرانيا ولو من أجل مهمات غير قتالية. ووفق تصريحات ماكرون المشار إليها، فإن مهمة القوة الموعودة يمكن أن تشمل عمليات تدريب القوات الأوكرانية، ودعم دفاعات البلاد وغيرها من المهام المتصلة.

بيد أن هناك عقبات يصعب تخطيها من شأنها أن تحول دون نشر هذه القوة على الأراضي الأوكرانية. وأولى العقبات الرفض الروسي الجذري لها والذي عبر عنه وزير الخارجية سيرغي لافروف أكثر من مرة وتناوله، الأحد، ديمتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن القومي المعروف بتصريحاته النارية. ووصف الأخير ما يقوم به ماكرون وستارمر بأنهما «يلعبان لعبة غبية». وإذ ذكر أن موسكو حذرت مراراً من أن «قوات حفظ السلام يجب أن تكون من دول لا تنتمي إلى الحلف الأطلسي» توجه مباشرة إلى ماكرون وستارمر قائلاً: «أنتما تريدان تقديم المساعدة العسكرية للنازيين الجدد في كييف. هذا يعني الحرب مع الأطلسي. استشيرا ترمب، أيها الوغدان». بيد أن الرئيس الفرنسي قلل من أهمية ما تقوله موسكو؛ إذ أكد، في المقابلة نفسها، أن موافقة موسكو على نشر هذه القوة ليست ضرورية، وأن أوكرانيا «دولة ذات سيادة، وإذا طلبت أن تكون قوات الحلفاء على أراضيها فالأمر ليس متروكاً لروسيا لقبوله أو عدم قبوله».

ليس معروفاً ما إذا كانت دول «تحالف الراغبين» تتبنى كلها الموقف الفرنسي خصوصاً أن العديد منها، بما فيها بريطانيا، يربط مشاركته بـ«توافر الضمانات» الأميركية لدعم ومساندة القوة المشتركة. والحال أن الطرف الأميركي، بلسان الجنرال كيث كيلوغ الذي ثبَّته الرئيس ترمب، نهاية الأسبوع، «مبعوثاً خاصاً» إلى أوكرانيا، أكد مسبقاً ومراراً بمناسبة «مؤتمر الأمن» في ميونيخ، الشهر الماضي، أن واشنطن «لن توفر ضمانات أمنية» من جهة ومن جهة أخرى، أن القوة الأوروبية «لن تكون تحت الراية الأطلسية»، بل تقع مسؤوليتها على الدولة التي ترسلها. ووفق مصدر أوروبي في باريس، فإن المحادثات الأميركية ــ الروسية قائمة؛ وبالتالي فإن مصير القوة المشتركة مرهون، إلى حد كبير، بما يمكن أن تفضي إليه هذه التفاهمات. والمستبعد أن تصر لندن وباريس على إرسال قوة عسكرية إلى أوكرانيا «من دون ضوء أخضر من واشنطن». وفي أي حال، فإن أطرافاً أوروبية، كألمانيا، ترى أن البحث في إرسال قوة إلى أوكرانيا «مبكر» وبالتالي يتعين ترقب المسار الذي ستسلكه الاتصالات القائمة والتي يلعب الأميركيون فيها الدور المركزي.

قواعد الاشتباك

ثمة أسئلة رئيسية تُطرح منذ اليوم، وتفتقر لإجابات واضحة، أولها يتناول ما يسمى «قواعد الاشتباك» التي تعني طبيعة تصرف القوة الموعودة في حال تعرُّض مواقعها أو مواقع أوكرانية لهجمات روسية. والسؤال هو: هل تكتفي بتسجيل الانتهاكات الروسية أم أنها مخولة بالرد عليها؟ وفي حال الرد والرد المضاد، ألن يفضي ذلك إلى اشتباكات واسعة وحتى إلى مواجهة مباشرة بين ثاني أكبر قوة نووية في العالم ومع قوة مشتركة عمادها قوتان نوويتان أوروبيتان (فرنسا وبريطانيا)؟ وفي أي حال، يتعين تذكُّر أن ترمب أخذ على الرئيس زيلينسكي في الاجتماع الشهير في المكتب البيضاوي أن ما يطلبه من ضمانات أمنية يمكن أن يفضي إلى حرب نووية، في إشارة إلى سيناريو مواجهة أميركية ــ روسية.

حتى اليوم، لم تشر أية جهة مسؤولة إلى المدة الزمنية التي سيستغرقها نشر القوة المشتركة، ولا إلى كيفية تنظيمها وتمويلها وسلسلة القيادة التي ستتولى إدارتها. وإذا كان التصور المتعارف عليه أنها ستنتشر في «نقاط رئيسية»، فليس من المعروف طبيعة هذه النقاط: أهي العاصمة والمدن الكبرى أم المواقع الحساسة مثل المراكز الصناعية أو الدفاعية الاستراتيجية؟

الواضح حتى اليوم أنه «لا توجد خريطة طريق» واضحة لما ينوي «تحالف الراغبين» القيام به، ولا ترجمة مفصلة للأهداف المرتقبة، ولا لكيفية تحقيقها، ومن ثم فإن ما يدعو إليه ماكرون وستارمر للانخراط في «المرحلة العملانية» الذي يعني الدخول في تفاصيل المهمة يبدو أمراً ملحاً. والصعوبة أن الاتفاق على العناوين دائماً ما يكون أكثر سهولة من الاتفاق على الجزئيات التي منها تنبت الصعوبات.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الفرقاطة الروسية «أميرال غولوفكو» تطلق قذيفة مدفعية خلال مناورة بحرية (د.ب.أ)

روسيا تعزز الدفاعات الجوية على ساحل بحر البلطيق بعد ضربات أوكرانية

تعتزم روسيا تعزيز الدفاعات الجوية في مواقع حسّاسة في منطقة لينينغراد على ساحل بحر البلطيق، وفق ما أعلن الحاكم الإقليمي الجمعة، عقب ضربات أوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف، أوكرانيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

مسيّرة روسية تنتهك المجال الجوي لرومانيا

قالت وزارة الدفاع الرومانية، اليوم (الجمعة)، إن أنظمة الرادار رصدت اختراق طائرة مسيّرة للمجال الجوي للبلاد خلال هجوم شنته روسيا ليلا على الجارة أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بوخارست)
أوروبا رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو خلال  لقاء صحافي في السفارة الأوكرانية في واشنطن  (رويترز)

رئيسة وزراء أوكرانيا تعبر عن ثقتها في الدعم الأميركي لبلادها 

غادرت رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو، الولايات المتحدة أمس (الخميس)، وهي تشعر بالتفاؤل إزاء ما وصفتها بالمحادثات الإيجابية ​التي أجرتها مع كبار…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ) p-circle

«ناتو» يدعو من برلين إلى «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف

الحلفاء يدعون إلى عدم وقف المساعدات لأوكرانيا خلال اجتماع مجموعة الاتصال... وزيلينسكي يطالب بعدم «رفع أي عقوبات» عن موسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)
TT

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة إن الولايات المتحدة وافقت على بيع محتمل لمعدات عسكرية لألمانيا تقدر قيمتها بنحو 11.9 مليار دولار.

وجاء في بيان الخارجية الأميركية، إن «هذا البيع المقترح سيدعم أهداف السياسة الخارجية وأهداف الأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تحسين أمن دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)».

وأضاف البيان أن ألمانيا كانت قوة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في أوروبا.

ووفقا للبيان، تسعى ألمانيا للحصول على ثمانية أنظمة قتالية متكاملة وأنظمة رادار حديثة وأنظمة إطلاق للصواريخ الموجهة، من بين معدات أخرى.

وستسمح هذه التكنولوجيا للسفن الحربية باكتشاف التهديدات مبكرا والتصدي لها والاتصال بوحدات الناتو الأخرى.

وقالت وزارة الخارجية إن «البيع المقترح سيعزز قدرة القوات البحرية الألمانية على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال تحسين الدفاع الوطني والإقليمي بالإضافة إلى إمكانية التشغيل البيني مع القوات الأميركية وقوات حلف الناتو».

وتم تقديم الصفقة إلى الكونغرس الأميركي، الذي لا يزال بإمكانه الاعتراض عليها.


زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنّها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق.

وقال زيلينسكي: «إن طبيعة ما جرى مؤخراً في فنزويلا، وتداعيات الأحداث هناك، ينبغي أن تمنع قيادة بيلاروسيا من ارتكاب أخطاء مماثلة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نفّذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك، حيث لا يزالان محتجَزين حتى الآن، ويواجهان تُهماً؛ من بينها التآمر لتهريب المخدّرات.

وكشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت قيام بيلاروسيا بتوسيع شبكة طرقها وبناء مواقع مدفعية في مناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا.

ولم يقدّم الرئيس الأوكراني أدلة ملموسة على تلك الأنشطة داخل بيلاروسيا.

كانت روسيا قد استخدمت الأراضي البيلاروسية منطلقاً في غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وأضاف زيلينسكي: «نحن نفترض أن روسيا ستحاول مجدداً جرّ بيلاروسيا إلى حربها» ضد أوكرانيا.

وأوضح أنه كلف «الجهات المعنية» بتوجيه تحذير إلى مينسك من العواقب المحتملة، مؤكداً أن أوكرانيا مستعدة للدفاع عن أراضيها واستقلالها.


40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
TT

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة، يشارك فيها رئيس البرازيل لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، إلى جانب رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانتشيث، وهو منتقد آخر للرئيس الأميركي دونالد ​ترمب، وينتمي إلى التيار اليساري ‌مثل لولا.

وقال رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني لارس كلينغبايل، الذي يشارك هو الآخر في هذا اللقاء إن هذا «أول اجتماع عالمي من نوعه ولحظة تاريخية».

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال خطابه المُتَلفز (إ.ب.أ)

وينتمي كلينغبايل إلى هيئة رئاسة «التحالف التقدمي» الذي أُسس عام 2013 في مدينة لايبزيغ الألمانية، وتضم أكثر من 130 حزباً ديمقراطياً اجتماعياً واشتراكياً.

دعا كلينغبايل، الذي يشغل أيضاً منصبي نائب المستشار الألماني ووزير المالية، إلى إقامة شبكة عالمية للقوى التقدمية كقوة موازنة لما وصفه بـ«اليمين العالمي». وقال في تصريحات لـ«وكالة الأنباء الألمانية» في برلين: «اليمين العالمي بات منذ مدة طويلة مترابطاً بشكل جيد على مستوى العالم... لذلك من المهم الآن أن نجتمع نحن كقوى تقدمية، بما يتجاوز أوروبا بكثير.

الرئيس البرازيلي ناقش وضع نيمار مع مدرب المنتخب كارلو أنشيلوتي (رويترز)

وقال كلينغبايل: «للأسف انحرفت المعايير لدى الرئيس ترمب»، مضيفاً أن سياساته أصبحت نموذجاً لعالم يفرض فيه الأكثر استعراضاً للقوة نفسه، مؤكداً أن المطلوب الآن هو بناء الجسور، وتعزيز مؤسسات قوية مثل الأمم المتحدة، وأضاف: «لا نريد مجتمعات منقسمة ومستمرة في الاستقطاب»، مشيراً إلى أن ما حدث في المجر يمنح بعض الأمل، حيث تم إقصاء فيكتور أوربان - أحد أبرز ممثلي الأحزاب الشعبوية اليمينية - من السلطة.

وأضاف: «الأمر لا يتعلق فقط بالتبادل، بل أكثر من ذلك، بجعل هذا الترابط السياسي فعالاً»، موضحاً أن الهدف هو تقديم نموذج مقابل «لبوتين وترمب ومن هم على شاكلتهما» يقوم على قواعد واضحة، وقانون دولي قوي.

وقال الرئيس البرازيلي: «لا يحق لأحد أن يخيف الآخرين. يجب ⁠أن ⁠يتحمل أصحاب النفوذ مسؤولية أكبر في الحفاظ على السلام»، واصفاً نفسه بأنه زعيم يفضل الاحترام على الخوف.

ووجّه لولا انتقاداً لاذعاً للرئيس الأميركي دونالد ​ترمب في مقابلة مع صحيفة «ألباييس» الإسبانية نُشرت، الخميس، قائلاً إن على قادة العالم السعي إلى كسب الاحترام بدلاً من الحكم بالترهيب. وأضاف: «لم يُنتخب من أجل ذلك، ودستوره لا يسمح بذلك». ووصف لولا نهج الرئيس الأميركي في ⁠السياسة الخارجية بأنه «لعبة مغلوطة للغاية» ‌يقودها افتراض ‌أن القوة العسكرية والاقتصادية لواشنطن ​تخولها بوضع ‌القواعد.

الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز خلال اجتماع في كراكاس بفنزويلا 13 مارس 2026 (رويترز)

وتأتي تصريحات لولا بعدما حذّر ترمب، هذا الشهر، من أن «حضارة بكاملها ستموت» في إيران ما لم تفتح طهران مضيق هرمز. وقال لولا للصحيفة: «لا يحق لترمب أن يستيقظ صباحاً، ويهدد دولة»، لافتاً إلى أن الدستور الأميركي يقسّم السلطة في ما يتعلّق بالحرب والسياسة الخارجية بين الكونغرس والرئيس. وأضاف الرئيس اليساري البالغ 80 عاماً أن «من الضروري أن يتولى قادة الدول القوية مسؤولية أكبر في المحافظة على السلام».

أعضاء اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً بينما يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة (رويترز)

ودعا إلى إجراء انتخابات حرة في فنزويلا دون تدخل من واشنطن، وذلك عقب العملية المفاجئة التي نفذتها القوات الخاصة الأميركية في الثالث من يناير (كانون الثاني)، ​وألقت فيها ​القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في كراكاس.

ويفترض رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أن تصدر عن المؤتمر رسالة مفادها أن «التعاون يجعلنا أقوى لا أضعف». وفي إشارة إلى الرئيس الأميركي، قال كلينجبايل: «هذا التحالف ليس موجهاً في المقام الأول كحركة مضادة لترمب»، موضحاً في المقابل أن النظام العالمي يشهد تحولاً عميقاً، ويعمل باستمرار بصورة أقل وفق قوة القانون، وبصورة أكثر وفق قانون الأقوى، وأضاف: «هذا بالتحديد ما نتصدى له».

وما زالت العلاقة بين واشنطن وبرازيليا متوترة رغم عقد اجتماع بين ترمب ولولا، العام الماضي، أسهم في تخفيف حدّة التوتر، وأدى إلى خفض الرسوم التجارية. وجدد لولا دعوته لإصلاح مجلس الأمن الدولي بحيث يشمل إلغاء حق النقض (الفيتو) الذي تتمتّع به الدول الخمس دائمة العضوية، وضم مزيد من البلدان الأفريقية ومن أميركا اللاتينية. وأضاف، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»: «حان الوقت لإعادة تشكيل الأمم المتحدة ومنحها مصداقية، وإلا فإن ترمب سيكون محقّاً»، في إشارة إلى انتقادات الرئيس الأميركي للهيئة الدولية، وقوله إنها فقدت فاعليتها.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب)

وأشار كلينغبايل إلى أنه من المتوقع أيضاً حضور قوى تقدمية من الولايات المتحدة، وقال: «نحن في الحزب الاشتراكي الديمقراطي نحافظ تقليدياً على علاقات وثيقة جداً مع الديمقراطيين في الولايات المتحدة، ونعمل حالياً على توسيع هذه الاتصالات»، موضحاً أن ذلك يشمل حكام الولايات وأعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس، وأضاف: «يجب أن نظل في حوار يتجاوز الإدارات». وقد تسفر انتخابات التجديد النصفي في الخريف المقبل عن تغيير في المشهد السياسي الأميركي».

وقال: «أنا لست مع الابتعاد عن الولايات المتحدة، لكن يجب أن نوضح أن العلاقات عبر الأطلسي تعرضت لضرر حقيقي»، مضيفاً أن «هذا قد يتغير مجدداً، لكننا في المرحلة الحالية نمرُّ بمرحلة انفصال للإدارة تحت قيادة ترمب»، مشدداً على أن أوروبا يجب أن تكون قادرة على سلوك طريقها الخاص، وقال: «هذا غير موجَّه ضد الولايات المتحدة، إنما هو التزام واضح بأوروبا مستقلة».

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

وأشار كلينغبايل إلى أنه سبق أن قال بعد الغزو الروسي لأوكرانيا إن العالم سينظم نفسه في مراكز متعددة، مضيفاً أن أوروبا يجب أن تكون مركزاً جاذباً، مثل أفريقيا أو أميركا اللاتينية، وقال: «على أوروبا أن تدافع عن دورها بثقة أكبر، فالعالم لا ينتظرنا». وفي المقابل، أشار كلينجبايل إلى وجود دول «يجب أن نسعى بنشاط لكسبها».

وبالإشارة إلى زعيم المعارضة في الهند راهول غاندي، أوضح كلينغبايل أن الهدف هو بناء تحالفات، بما في ذلك العمل على ألا تواصل دولة كبيرة مثل الهند التقارب مع روسيا.

ويرافق كلينغبايل في برشلونة وفد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي يضم أيضاً وزيرة التنمية ريم العبلي رادوفان، والأمين العام تيم كلوسندورف.