تراشق غير مسبوق بين واشنطن وبروكسل تزامناً مع زيارة ستارمر

الأوروبيون يرون أن أميركا لم تعد تراهم شريكاً

صورة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
صورة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

تراشق غير مسبوق بين واشنطن وبروكسل تزامناً مع زيارة ستارمر

صورة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
صورة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

جددت الإدارة الأميركية هجومها على أوروبا، والذي تزامن مع وصول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى واشنطن، وقبل يوم من وصول الرئيس الأوكراني إلى العاصمة الأميركية. الزيارتان سبقتهما زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لواشنطن في بداية الأسبوع.

خلال أول اجتماع تعقده الإدارة الأميركية الجديدة، كرر الرئيس دونالد ترمب اتهاماته التي أطلقها في بداية ولايته الأولى عام 2017 للاتحاد الأوروبي، والتي وصفه فيها بأنه «عدو» أنشئ «لإيذاء الولايات المتحدة في مجال التجارة». لكن هذه المرة استخدم عبارات أشد قسوة وأكثر دلالة، قائلاً: «أحب بلدان أوروبا. أنا أحب كل هذه البلدان، حقاً، كل منها مختلف. لكن لنكن صريحين، الاتحاد الأوروبي تمّ تأسيسه للإضرار بالولايات المتحدة، كان هذا هو الهدف وقد نجحوا في ذلك». وأضاف أنه يستعد لضرب أوروبا برسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على السيارات والسلع الأخرى.

ترمب في حدث انتخابي 18 يونيو 2024 (أ.ب)

ورداً على تصريحاته، قال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، في بيان، إن «الاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق للتجارة الحرة في العالم. وكان نعمة للولايات المتحدة». ودعت المفوضية إلى «العمل معاً للحفاظ على هذه الفرص لمواطنينا وشركاتنا، وليس بعضنا ضد بعض». وأكدت أن «الاتحاد الأوروبي، من خلال إنشاء سوق موحدة كبيرة ومتكاملة، عمل على تسهيل التجارة وخفض التكاليف بالنسبة للمصدرين الأميركيين وتوحيد المعايير واللوائح في 27 دولة».

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ب)

كما حذّرت المفوضية من أن الاتحاد الأوروبي سيرد بشكل «حازم وفوري» على أي رسوم جمركية، في إشارة إلى التهديدات الجديدة من الرئيس الأميركي. وأضافت أن «الاتحاد الأوروبي سوف يحمي دائماً الشركات والعمال والمستهلكين الأوروبيين من الرسوم الجمركية غير المبررة».

وتأتي تصريحات ترمب الجديدة بعد «الصدمة» التي أحدثها اتصاله الهاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لوضع نهاية للحرب في أوكرانيا، عدّه الأوروبيون بمثابة تخل عنهم وانحياز كامل لوجهة نظر روسيا.

روبيو يلغي اجتماعه مع كالاس

وكان وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قد ألغى اجتماعاً مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، رئيسة الوزراء الإستونية السابقة، كايا كالاس، الأربعاء، بعد وصولها بالفعل إلى واشنطن. ووفقاً لمعلومات «وكالة الأنباء الألمانية»، تم ذكر «مشكلات في جدولة المواعيد» على أنها التفسير الوحيد لإلغاء الاجتماع. ولم يتم تقديم أي معلومات رسمية، كما لم ترد وزارة الخارجية الأميركية على طلب للاستفسار.

الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس في بروكسل لحضور قمة غير رسمية لزعماء الاتحاد (رويترز)

ولعب الاتحاد الأوروبي دوراً أساسياً في منع الجمعية العامة للأمم المتحدة من تبني قرار لصالح موسكو بشأن الحرب في أوكرانيا، اقترحته الولايات المتحدة هذا الأسبوع. كما انتقدت كالاس مؤخراً خطط الرئيس ترمب لإنهاء الحرب في أوكرانيا، ووصفتها بأنها «صفقة قذرة»، منتقدة اقتراح واشنطن بأن تتخلى أوكرانيا عن طموحاتها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتقبل بقاء جزء من أراضيها تحت السيطرة الروسية بشكل دائم. وقال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي إن كالاس ستبقى في واشنطن حتى الخميس على الرغم من إلغاء الاجتماع مع روبيو. ويشمل جدول أعمالها اجتماعات مع أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين، والمشاركة في فعالية ينظمها معهد هدسون وهو مركز أبحاث محافظ.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يجتمع مع نظرائه من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في ميونيخ (أ.ب)

لا ضمانات أمنية أميركية

ومع وصول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى واشنطن، الخميس، بعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، لمحاولة إقناع ترمب بضرورة منح ضمانات أمنية لأي اتفاق لوقف إطلاق النار مع روسيا في أوكرانيا، كرر الرئيس الأميركي رفضه تقديم تلك الضمانات. وقال إن على أوروبا، وليس الولايات المتحدة، تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا، مستبعداً ضم كييف لحلف شمال الأطلسي عشية زيارة نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وقال ترمب: «لن أقدّم ضمانات أمنية أبعد من ذلك بكثير». وأضاف: «سنطلب من أوروبا أن تفعل ذلك لأنها جارتهم، لكننا سنحرص على أن تسير الأمور على ما يرام».

وزراء خارجية 6 دول أوروبية وأوكرانيا خلال اجتماعهم في باريس (رويترز)

وواصل الرئيس الأميركي التهرب من التطرق إلى الضمانات الأمنية التي يطالب بها الأوروبيون بإصرار لتحقيق «سلام عادل ودائم» في أوكرانيا. وعند سؤاله عن عضوية كييف في «الناتو»، أجاب: «(الناتو)، يمكنكم نسيان أمره... أعتقد أن هذا على الأرجح هو السبب وراء بدء الأمر برمّته»، في إشارة إلى اجتياح روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. وتابع: «سنبذل قصارى جهدنا للتوصل إلى أفضل اتفاق ممكن لكلا الجانبين، ولكن بالنسبة لأوكرانيا، سنحاول جاهدين التوصل إلى اتفاق جيد حتى تتمكن من استرداد أكبر قدر ممكن (من الأراضي)».

وتقول الإدارة الأميركية التي لم تعد تتحدث عن الحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا، بأن هذه القضية يجب أن تكون جزءاً من أي مفاوضات مستقبلية، في حين تحتل روسيا 20 في المائة من أراضي أوكرانيا.

وأكد ترمب زيارة نظيره الأوكراني زيلينسكي إلى واشنطن، الجمعة، لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق إطاري بشأن استغلال المعادن الأوكرانية. ويصر الرئيس الأميركي على أن هذا الاتفاق هو بمثابة تعويض عن المساعدات العسكرية والمالية التي قدمتها بلاده لكييف خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

أميركا لم تعد صديقة للأوروبيين

ونتيجة لهذه المواقف الأميركية، التي عدها البعض «تغييراً جذرياً» تجاه النظرة إلى الأوروبيين، تزايد تشكك الأوروبيين بأن ترمب وفريقه من الموالين، يعتبرون حلفاء أميركا التقليديين في أوروبا أعداء ليس فقط في التجارة، بل في كل شيء تقريباً.

ويرى بعض المسؤولين والمحللين أن إدارة ترمب ليست غير مبالية بأوروبا فحسب، بل يرى آخرون عداء صريحاً. غير أن وجهة نظر مشتركة تفيد بأن العلاقة الأساسية تغيرت، وأن أميركا أصبحت حليفاً أقل موثوقية وقابلية للتنبؤ.

ماكرون متوسطاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مساء الاثنين في قصر الإليزيه (رويترز)

وكان العديد من الزعماء الأوروبيين قد انتقد خطاب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في منتصف فبراير في ميونيخ، حيث ندد في هجوم شرس بموقف العديد من الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي. وبالنسبة للعديد من المراقبين، فقد شكل خطاب فانس، وعدَاء مساعد ترمب، الملياردير إيلون ماسك، وازدراؤه لقادة أوروبا الذي أيد مع فانس علناً حزباً متطرفاً في ألمانيا، نقطة تحول في العلاقات عبر الأطلسي.

أوروبا لأخذ زمام الأمور بنفسها

وأعرب فريدريش ميرتس، الذي من المرجح أن يصبح المستشار القادم لألمانيا، عن شكوك قوية بشأن العلاقة عبر الأطلسي التي التزم بها هو وبلاده لعقود من الزمان. ومساء الأحد، بعد فوز حزبه بأكبر عدد من الأصوات في الانتخابات الألمانية، قال ميرتس إنه بعد الاستماع إلى ترمب «من الواضح أن الأميركيين، على الأقل هذا الجزء من الأميركيين، هذه الإدارة، غير مبالين إلى حد كبير بمصير أوروبا». وتساءل هل ستظل المظلة النووية الأميركية فوق حلف شمال الأطلسي قائمة، وحتى ما إذا كان التحالف نفسه سيستمر في الوجود. وقال: «ستكون أولويتي المطلقة تعزيز أوروبا في أسرع وقت ممكن؛ حتى نتمكن خطوة بخطوة من تحقيق الاستقلال عن الولايات المتحدة حقاً».

وعدت تعليقاته مقياساً ملحوظاً للانزعاج الذي شعر به الزعماء الأوروبيون إزاء التراجع الأميركي عن سياسته تجاه أوكرانيا، وربما أكثر من ذلك، إزاء دعمها الصريح للأحزاب اليمينية المتطرفة التي تناصب العداء للحكومات الأوروبية وتدعم روسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل قمة غير رسمية للقادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا (أ.ف.ب)

ورغم أن تصريحات ميرتس عُدّت تكراراً لتصريحات أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية عام 2017، التي قالت: «لقد انتهى إلى حد ما الأوقات التي كان بوسعنا فيها الاعتماد بشكل كامل على الآخرين». وشجعت الأوروبيين على «أخذ مصيرهم بأيديهم». لكن إعادة توجيه حقيقية لسياسة الأمن الأوروبية لم تتحقق أبداً.

ويرى البعض أن موقف ترمب من أوروبا يعود لكونها ليس فقط منافساً، بل أيضاً تهديداً اقتصادياً وحتى آيديولوجياً. كما أن تأثير الاتحاد الأوروبي نابع من كونه قوة اقتصادية قادرة على إرساء القواعد والمعايير العالمية، وهو مهم بشكل خاص في مجالات تنظيم المناخ والمنافسة الرقمية ومساءلة منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.

الرئيسان الفرنسي والأوكراني في بروكسل يوم 18 ديسمبر 2024 (رويترز)

الأفضل ابتلاع تهديدات ترمب

ورغم أن الصدامات بين ضفتي الأطلسي ليست جديدة، ودائماً ما حصل تعارض بينهما في الموقف من الحروب في العراق وأفغانستان وفيتنام، فإنها الآن أصبحت آيديولوجية واستراتيجية واقتصادية في الوقت نفسه، بحسب بعض المحللين.

ورغم ذلك، يحث بعض الأوروبيين على ضرورة الهدوء، وعدم حرق كل الجسور مع ترمب. ونقلت «نيويورك تايمز» عن ليناس كوغالا، مدير مركز الدراسات الجيوسياسية والأمنية في فيلنيوس بليتوانيا، قوله إن «الضمانات الأمنية الأميركية لا يوجد لها بديل حقيقي» لفترة طويلة مقبلة. وأضاف: «إن إعلان انهيار العلاقات عبر الأطلسي سيكون أشبه بالنزول من سفينة في منتصف المحيط دون وجود أي سفينة أخرى في الأفق». لذلك، قال: «على أوروبا الآن أن تبتلع» انتقادات ترمب، و«تفعل كل ما هو ممكن للحفاظ على العلاقة سليمة».


مقالات ذات صلة

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

الاقتصاد صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، عبر شبكة معقدة من الإمدادات والأنابيب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: تخفيف العقوبات على نفط روسيا يساعدها في تمويل حربها على أوكرانيا

دان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تخفيف العقوبات على النفط الروسي بعدما مدَّدت الولايات المتحدة إعفاء يهدف لتخفيف حدة ارتفاع الأسعار جرَّاء حرب الشرق الأو

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ألكسندر لوكاشينكو رئيس روسيا البيضاء (أ.ب)

لوكاشينكو: مستعد للقاء ترمب فور إعداد «اتفاق كبير» بين أميركا وبيلاروسيا

قال ألكسندر لوكاشينكو، رئيس بيلاروسيا، إنه سيكون مستعداً للقاء نظيره الأميركي، دونالد ترمب، فور إعداد «اتفاق كبير» بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (مينسك)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

كثّفت القوات الأوكرانية هجماتها على مستودعات ومصافي النفط الروسية، التي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».


الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)

ذكرت الشرطة البريطانية، الأحد، أنها تُحقق فيما إذا كانت الهجمات بإشعال حرائق متعمدة على مواقع يهودية في لندن، من عمل وكلاء إيرانيين.

وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجال شرطة مكافحة الإرهاب يحققون في الهجمات التي استهدفت معابد يهودية ومواقع أخرى مرتبطة بالجالية اليهودية، بالإضافة إلى هجوم استهدف شركة إعلامية ناطقة باللغة الفارسية.

ولم يصب أي شخص في هذه الحرائق، وكان آخرها قد ألحق أضراراً طفيفة بمعبد يهودي في شمال لندن مساء أمس.

وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة، فيكي إيفانز، إن جماعة تُطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت عبر الإنترنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

وأضافت: «نحن على دراية بالتقارير العلنية التي تُشير إلى احتمال وجود صلات بين هذه الجماعة وإيران. وكما هو متوقع، سنواصل التحقيق في هذا الاحتمال مع تطور مجريات التحقيق».

وتابعت: «سبق أن تحدثت عن استخدام النظام الإيراني وكلاء من العناصر الإجرامية، ونحن ندرس ما إذا كان هذا الأسلوب يجرى استخدامه هنا في لندن».

ووصفت الحكومة الإسرائيلية «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بأنها جماعة حديثة التأسيس، يُشتبه في وجود صلات لها بجماعة تعمل «لحساب إيران»، وقد أعلنت هذه الأخيرة أيضاً مسؤوليتها عن هجمات استهدفت معابد يهودية في بلجيكا وهولندا.


حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

أثار تحذير وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مما وصفه بـ«آثار مدمّرة» قد تترتب على انسحاب محتمل للولايات المتحدة من البنية الأمنية الأوروبية تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك خطط موضوعة للتعامل مع هذا الاحتمال.

وقال فيدان إن مناقشات جارية حول كيفية إدارة آثار الانسحاب الأميركي المحتمل، أو التخفيف منها، مضيفاً أنه قد يكون «مدمراً» لأوروبا إذا جرى تنفيذه بطريقة غير منسقة.

واستند حديث فيدان، الذي أتى خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي اختتم أعماله في جنوب تركيا، الأحد، إلى تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في وقت سابق، بسحب بلاده من حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد أن رفض الأعضاء الأوروبيون في الحلف إرسال سفن لفتح مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأدّى القرار الأوروبي إلى تفاقم الخلافات التي كانت قد تصاعدت منذ إعلان ترمب رغبته في الاستحواذ على غرينلاند.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

وتركيا هي ثاني أكبر قوة في «الناتو»، لكنها تواجه عقبات في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال فيدان إنه كان يُعبّر منذ فترة طويلة عن شكواه من أن دول الاتحاد الأعضاء في الحلف تتصرف كأنها «نادٍ منفصل»، وتتخذ قراراتها بمفردها، حتى لو كان ذلك يتعارض مع موقف الحلف، وأرجع الموقف الأميركي إلى هذا السبب.

خطة أوروبية

وجاءت تصريحات فيدان، بالتزامن مع تقارير في صحف تركية قريبة من الحكومة، تحدثت فيها عن تحركات أوروبية لوضع خطة بديلة تحسباً لأي تراجع محتمل في الدور الأميركي داخل «الناتو» وخيارات تركيا الاستراتيجية تجاه ذلك، بما فيها إمكانية تعزيز التحالف مع الصين وروسيا، الذي تحدّث عنه علناً رئيس حزب «الحركة القومية» الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، محبذاً فكرة أن تُشكل تركيا تحالفاً مع روسيا والصين.

وقال دولت بهشلي، رئيس حزب «الحركة القومية»، في كلمة أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء الماضي: «إن موقع تركيا الجيوسياسي والجيوستراتيجي يستلزم سياسة خارجية حذرة ومتأنية ومتعددة الأبعاد»، معيداً بذلك التذكير بتصريحات أدلى بها العام الماضي حول الموضوع ذاته.

ولاحقاً، ذكرت صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية أن خطة بديلة لإعادة تشكيل هيكل الدفاع في أوروبا بدأت تتبلور، وذلك رداً على احتمال انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» وتفاقم أزمة الثقة في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي تحدث عن أهمية تحالف تركيا مع روسيا والصين (حساب الحزب في «إكس»)

وقالت الصحيفة، فيما يعد تأكيداً لحديث فيدان عن المناقشات حول تأثير الانسحاب الأميركي المحتمل على البنية الأمنية الأوروبية، إن الخطة البديلة، التي وصفتها بـ«الخطة ب»، جرى بحثها في اجتماعات رسمية واتصالات دبلوماسية، وكذلك عبر قنوات غير رسمية مثل مآدب العشاء، ما يعكس أنها لم تعتمد بوصفها سياسة رسمية بعد، لكنها في مرحلة تحضيرية متقدمة.

وحسب مسؤولين أوروبيين، فإن هذه الخطة لا تستهدف إنشاء بديل لـ«الناتو»، بل الحفاظ على قدرات الردع، خصوصاً في مواجهة روسيا؛ حيث تسعى الدول الأوروبية إلى لعب دور أكبر في هياكل القيادة داخل الحلف، وسد الفراغ الناتج عن تراجع القدرات الأميركية عبر إمكاناتها الخاصة.

وتطرقت صحيفة «ميلليت» إلى الشراكات الجديدة التي سيُسفر عنها هذا الانسحاب، بما في ذلك إمكانية التعاون العسكري بين تركيا وروسيا والصين.

ونقلت عن الأدميرال التركي المتقاعد، جيم غوردينيز، أن وجود نظام تعاون ثلاثي يجمع تركيا وروسيا والصين، مع إمكانية ضم إيران ودول أخرى مستقبلاً، سيكون كفيلاً بتغيير الجغرافيا السياسية العالمية.

روته يستبعد انسحاب أميركا

لكن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، نفى التكهنات حول إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، قائلاً إنه «يتفهم إحباط ترمب من الحلف، كما دعا أوروبا إلى تعزيز صناعتها الدفاعية». وقال روته، في مقابلة مع صحيفة «دي فيلت» الألمانية، الأحد: «لا أرى الولايات المتحدة تنسحب من (الناتو)، ولا أشك في استمرارها في حماية أوروبا بالأسلحة النووية». وأضاف الأمين العام لـ«الناتو»: «المظلة النووية الأميركية هي الضامن الأخير للأمن هنا في أوروبا، وأنا على يقين بأنها ستبقى كذلك».

جانب من لقاء ترمب وروته في واشنطن (أ.ب)

ويحتاج ترمب إلى موافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي على قرار الانسحاب من «الناتو»، وهو سيناريو يعد مستبعداً للغاية.

وكرر روته ما قاله بعد اجتماعه مع ترمب في البيت الأبيض، الأسبوع الماضي، عقب إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، قائلاً: «من الواضح أنه يشعر بخيبة أمل تجاه عدد من حلفاء (الناتو)، وأتفهم وجهة نظره».

وزير خارجية ليتوانيا كيستوتيس بودريس متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» (إعلام تركي)

في السياق ذاته، رفض وزير خارجية ليتوانيا، كيستوتيس بودريس، الدعوات إلى إنشاء هيكل دفاعي أو «جيش أوروبي» مستقل، مؤكداً ضرورة تركيز الجهود، بدلاً من ذلك، على تعزيز إطار حلف «الناتو» القائم.

ووجّه بودريس، في تصريحات على هامش مشاركته في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت، اللوم إلى الدول الأوروبية، قائلاً إنها لا تبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف «الناتو» المتفق عليها، مشككاً في جدوى العمل بشكل مستقل.

وقال: «إذا كنا لا نبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف حلف (الناتو)، بما في ذلك الولايات المتحدة، فكيف لنا أن نفعل ذلك بمفردنا؟». ورأى أن قمة «الناتو» المقبلة التي ستعقد في أنقرة، يوليو (تموز) المقبل، ستكون اختباراً حاسماً لوحدة الحلفاء ومصداقيتهم، مشدداً على ضرورة أن يعيد الأعضاء تأكيد التزاماتهم تجاه الحلف.