هل تحل المظلة النووية الأوروبية محل المظلة الأميركية - الأطلسية؟

باريس تريد قدراتها النووية للدفاع عن «مصالحها الحيوية» ولكنها منفتحة على إفادة أوروبا منها

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب الرئيس دونالد ترمب ويظهر في الصورة نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماع الاثنين في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب الرئيس دونالد ترمب ويظهر في الصورة نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماع الاثنين في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

هل تحل المظلة النووية الأوروبية محل المظلة الأميركية - الأطلسية؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب الرئيس دونالد ترمب ويظهر في الصورة نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماع الاثنين في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب الرئيس دونالد ترمب ويظهر في الصورة نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماع الاثنين في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ب)

لم ينتظر فريدريتش ميرتز، رئيس الحزب «الديمقراطي المسيحي» الفائز في الانتخابات التشريعية التي شهدتها ألمانيا، الأحد الماضي، والذي سيكون المستشار الألماني القادم، تسلمه لمنصبه الجديد حتى يكشف عن توجهات جديدة في سياسة بلاده الخارجية التي كانت مرتبطة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالولايات المتحدة الأميركية وبالحلف الأطلسي منذ نشوئه. ولا تزال ألمانيا تستضيف أكبر عدد من القوات الأميركية المرابطة في أوروبا «35 ألف رجل»، فضلاً عما يقارب الـ200 قنبلة نووية، رغم أن دستورها يحرمها من الحصول على هذا السلاح.

ولأن ميرتز يبدو قلقاً، كغيره من القادة الأوروبيين، مما هي عليه اليوم السياسة الأميركية تجاه الحلف الأطلسي وتجاه أوروبا، فقد دعا، مساء الأحد، إلى «ترسيخ قدرات دفاعية مستقلة»، بحيث تكون «بديلاً عن حلف (الناتو) بشكله الحالي».

كذلك أطلق نقاشاً حول كيفية حماية القارة القديمة، خصوصاً أن واشنطن «غير مبالية بمصير أوروبا». ولأن برلين، كغيرها من العواصم الأوروبية، بحاجة لمظلة نووية تحميها، ولأن الشكوك تتزايد بشأن فاعلية المادة الخامسة من النظام الداخلي للحلف الأطلسي التي توفر الحماية الجماعية لأي عضو يتعرض لاعتداء خارجي، فإن المستشار القادم لم يتردد في طرح بالون اختبار بقوله، ليل الجمعة الماضي، إنه يتعين على باريس ولندن النظر «فيما إذا كان يمكن توسيع حمايتهما النووية لتشملنا أيضاً».

وبكلام آخر، يريد ميرتز أن يستبدل بالمظلة النووية الأميركية مظلة نووية أوروبية. والحال أن فرنسا وبريطانيا هما القوتان النوويتان الوحيدتان في القارة الأوروبية، والأولى هي الوحيدة داخل الاتحاد بعد خروج بريطانيا منه في عام 2020.

المستشار الألماني القادم فريدريتش ميرتز واقفاً بمناسبة اجتماع لنواب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» و«الاتحاد الاجتماعي المسيحي» في البرلمان الألماني (البوندستاغ) الثلاثاء (إ.ب.أ)

لا يكفي أن يطلب ميرتز ليتحقق طلبه. فقرار اللجوء إلى السلاح النووي هو سيادي بامتياز، وليس سهلاً أن تقبل أي قوة نووية مشاركة آخرين في قرار بهذه الخطورة. واللافت أنه لم يصدر أي تعليق رسمي من لندن ولا من باريس على طرح ميرتز.

ونقلت صحيفة «تلغراف» البريطانية، الأحد، تصريحات عن مسؤول فرنسي، كتمت هويته، ومفادها أن فرنسا «مستعدة» من خلال قوة الردع النووية التي تملكها للمساعدة في حماية أوروبا. وبحسب المصدر الفرنسي، فإن «نشر عدد قليل من الطائرات المقاتلة الفرنسية المسلحة نووياً في ألمانيا لا يُتوقع أن يكون أمراً صعباً، ومن شأنه أن يبعث برسالة قوية» إلى روسيا. وقال دبلوماسي ألماني للصحيفة البريطانية إنه «إذا تحرّكت فرنسا لوضع قوّات نووية في ألمانيا، فسيزيد ذلك الضغط على البريطانيين لاتّباع النهج نفسه. نحن بحاجة إلى مظلّة نووية، ونريد أن يكون لنا رأي في هذا، ويجب أن نكون مستعدين للحديث عن ذلك ودفع ثمنه».

ماكرون: نووي فرنسا أيضاً للدفاع عن أوروبا

تعد فرنسا إحدى الدول الخمس النووية «الرسمية»، وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والمتمتعة بحق النقض «الفيتو». وقد تحولت إلى دولة نووية في عام 1960 زمن رئاسة الجنرال شارل ديغول متأخرة عن بريطانيا التي سبقتها إلى امتلاك السلاح النووي بمساعدة أميركية رئيسية في عام 1952.

ووفق المعلومات المتوافرة، فإن قوة الردع النووية الفرنسية تتألف من 300 رأس نووي والتي يمكن إطلاقها من الغواصات أو الطائرات العسكرية الاستراتيجية أو بواسطة الصواريخ من مخازنها تحت الأرض. وحتى مساء الثلاثاء، غضت باريس النظر عما جاءت به «تلغراف»؛ إذ بقيت وزارتا الدفاع والخارجية صامتتين. أما الطبقة السياسية فقد غابت عن السمع بعكس ما كان عليه موقفها العام الماضي عندما طرح الرئيس ماكرون هذه الإشكالية في خطاب مطول له يوم 25 أبريل (نيسان) 2024 في جامعة السوربون في باريس. وفي كلمته المذكورة، دعا ماكرون إلى إنشاء دفاع أوروبي «ذي صدقية إلى جانب الحلف الأطلسي في مواجهة روسيا التي أصبحت تشكل تهديداً أكبر بكثير منذ غزوها لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022».

الدفاع الأوروبي يشمل أيضاً القدرات النووية الفرنسية التي أشار إليها ماكرون في حديث لمجموعة من الصحف المحلية في الشهر عينه. ووفق الرئيس الفرنسي، فإن «العقيدة الفرنسية هي أنه يمكننا استخدام السلاح النووي عندما تتعرض مصالحنا الحيوية للتهديد. وقد سبق لي أن قلت إن هناك بعداً أوروبياً لهذه المصالح الحيوية؛ لأن هذا الردع (النووي) يساهم في مصداقية الدفاع الأوروبي».

وعلى الرغم من أنه أوضح أن فرنسا ستحتفظ بـ«خصوصيتها»، فإن الرئيس أعلن مع ذلك أنها «مستعدة للمساهمة أكثر في الدفاع عن التراب الأوروبي». ومما قاله أيضاً: «دعونا نضع كل شيء على الطاولة وننظر إلى ما يحمينا حقاً بطريقة موثوقة». ورغم تأكيده «خصوصية» فرنسا بكونها صاحبة السلاح النووي، فإن الرئيس الفرنسي أكد أنها «جاهزة للمساهمة بشكل أكبر في الدفاع عن الأراضي الأوروبية».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مقابلته مع الصحافي الروسي بافيل زاروبين في مقر إقامة الدولة في نوفو أوغاريوفو خارج موسكو الاثنين (أ.ب)

فرنسا: لا إجماع على استخدام الردع النووي

منذ مجيئه إلى السلطة في عام 2017، طرح ماكرون نفسه المدافع الأول عن الاستقلالية الاستراتيجية، وعن الدعوة لقيام دفاع أوروبي قوي ليس بديلاً وإنما قائم إلى جانب الحلف الأطلسي. بيد أن الوضع اليوم تغير إلى درجة أن ألمانيا التي كانت الأكثر تعلقاً بالحلف المذكور، عدلت مقاربتها من النقيض إلى النقيض. وما يطالب به ميرتز صراحة يعد تحولاً تاريخياً في طبيعة النظرة إلى النادي الأطلسي، وإلى التطلع إلى دفاع نووي أوروبي يكون «بديلاً» عن الحلف الأطلسي.

والواضح أن تحولاً دراماتيكياً، كجعل قوة الردع النووي الفرنسية المخصصة أساساً لـ«حماية المصالح الحيوية الفرنسية»، مسخرة للدفاع عن أوروبا، وهذا يحتاج إلى ما يشبه «الإجماع» الداخلي الفرنسي حتى يرى النور. والحال أن هذا الأمر غير متوافر ويبدو من الصعب بلوغه في المستقبل القريب بالنظر لتضارب المواقف السياسية والقراءات الاستراتيجية. ويكفي أنه بمجرد أن عبّر ماكرون عن فكرته، العام الماضي، اندلعت الاحتجاجات. وسارع النائب فرنسوا كزافيه بيلامي، رئيس مجموعة حزب «اليمين الجمهوري» التقليدي في البرلمان الأوروبي، في حديث لصحيفة «لا كروا» إلى القول: «إن على رئيس الجمهورية ألا يتلفظ بأقوال كهذه»، مضيفاً أن كلامه «يتسم بخطورة استثنائية لأنه يمس السيادة الوطنية الفرنسية».

وذهبت مارين لوبن، زعيمة حزب « التجمع الوطني» اليميني المتطرف والمرشحة الدائمة لرئاسة الجمهورية، إلى انتقاد ماكرون واتهامه بـ«الكذب»، مؤكدة أنه «يرغب بتقاسم الردع النووي (الفرنسي) مع الاتحاد الأوروبي». أما حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد الذي يتزعمه الوزير والنائب السابق جان لوك ميلونشون، فقد رأى أن ماكرون «يوجه ضربة جديدة للمصداقية الفرنسية؛ إذ تحت مسمى الدفاع عن الأرض الأوروبية، فإنه يطيح بالاستقلالية الاستراتيجية الفرنسية» الممثلة بقوة الردع الوطنية. وخلاصة رأي الحزب المذكور أن مسائل الدفاع «لا يمكن تقاسمها». وحده فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة الحالي وحزب «الخضر» أيدا مقاربة ماكرون. الأول اعتبر أن «مصالح أوروبا الحيوية تشكل أيضاً أوروبا». أما الثاني فقد عبر عن دعمه لذهاب نحو قيام «أوروبا الفيدرالية»، والمدفاع المشترك أحد أسسها.

تؤشر كافة المعطيات المتوافرة على أن عصراً جديداً بدأ مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، الأمر الذي يثير قلق الأوروبيين ويدفعهم للبحث عن بديل للمحافظة على أمنهم ومصالحهم. بيد أن خلافاتهم تعوق وحدتهم، وانقساماتهم تجعلهم متشرذمين بين من يسعى للتقرب من ترمب مهما يكن الثمن، ومن يرى أن المستقبل الأوروبي يتم رسمه بعيداً عما يريده.


مقالات ذات صلة

مسؤول: ترمب يدرس سحب بعض القوات الأميركية من أوروبا

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته على هامش منتدى «دافوس» في 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مسؤول: ترمب يدرس سحب بعض القوات الأميركية من أوروبا

قال مسؤول كبير في البيت الأبيض لـ«رويترز» اليوم ​الخميس إن الرئيس دونالد ترمب، مستاء من تقاعس الحلفاء في حلف شمال الأطلسي عن المساعدة في تأمين مضيق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في الناتو التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مستقبلاً الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في وزارة الخارجية بواشنطن الأربعاء (رويترز)

أوكرانيا تبقى رهينة مزاج ترمب تجاه «الأطلسي»

خرج ترمب من الاجتماع مع الأمين العام لـ«الناتو» من غير إعلان خطوة دراماتيكية ضد الحلف لكنه كرر اتهامه له بأنه «لم يكن هناك عندما احتجناه»

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle 02:53

تقرير: ترمب يدرس معاقبة دول بـ«الناتو» لعدم دعمها حرب إيران

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأميركية، أن ترمب يدرس خطة لمعاقبة بعض أعضاء حلف الناتو الذين لم يقدموا الدعم الكافي خلال حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن، 6 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ترمب: هناك من سرّب معلومات عن الطيار المفقود لإيران... سنصل إليه

قال ​الرئيس الأميركي ترمب، ‌إنه ‌سيطالب ​الصحافي ‌الذي ⁠كان ​أول من ⁠سرب خبر عملية إنقاذ أحد ⁠الطيارين الأميركيين ​في ‌إيران ‌بالكشف عن مصدره، وهدده بالسجن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

اتهام رجل سوداني بالتسبب في حادث بالقنال الإنجليزي أودى بحياة 4

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

اتهام رجل سوداني بالتسبب في حادث بالقنال الإنجليزي أودى بحياة 4

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت «الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة» في بريطانيا، اليوم (السبت)، إنَّها وجَّهت تهمة تعريض حياة الآخرين للخطر إلى رجل سوداني يبلغ من العمر 27 عاماً بعد موت 4 مهاجرين في أثناء محاولتهم عبور القنال الإنجليزي من فرنسا إلى بريطانيا على متن زورق صغير الأسبوع الماضي.

وأضافت الوكالة، المعنية بالتحقيق في الجريمة المنظمة، أنَّها وجَّهت إلى النور محمد علي، الذي أُلقي القبض عليه، أمس (الجمعة)، تهمة «تعريض حياة آخرين للخطر في أثناء رحلة بحرية» إلى بريطانيا.

ووقع الحادث، يوم الخميس، قبالة سواحل سانت إتيان أو مون قرب كاليه في شمال فرنسا.

قارب مطاطي يحمل مهاجرين يشق طريقه نحو إنجلترا في القنال الإنجليزي... 6 أغسطس 2024 (رويترز)

وقالت الوكالة إن القتلى الـ4، وهم امرأتان ورجلان لم يتم الكشف عن هوياتهم حتى الآن، لقوا حتفهم في أثناء محاولتهم ركوب زورق أجرة يستخدمه المهربون على نحو متزايد لتفادي الشرطة.

وأضافت أن 38 شخصاً أُعيدوا إلى شاطئ فرنسا بعد الواقعة، بينما واصل 74 مهاجراً الإبحار إلى بريطانيا.

وأوضحت الوكالة أنَّه من المتوقع أن يمثل علي، الذي من المعتقد أنَّه قاد الزورق، أمام المحكمة، اليوم (السبت).

وأصبح عدد الأشخاص الذين يعبرون القنال الإنجليزي طلباً للجوء في بريطانيا قضيةً ملحةً لرئيس الوزراء كير ستارمر، مثلما كانت كذلك لأسلافه في الحكومة البريطانية.


انتخابات المجر... قلق أوروبي وتوافق بين واشنطن وموسكو لدعم رئيس الوزراء

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)
TT

انتخابات المجر... قلق أوروبي وتوافق بين واشنطن وموسكو لدعم رئيس الوزراء

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)

يوم الثلاثاء الماضي، نشرت وكالة «بلومبرغ» خبراً تضمّن نصّ مكالمة هاتفية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، أُجريت ظهر السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقد قال الأخير لبوتين: «أنا في خدمتك متى احتجت إلى المساعدة»، مضيفاً: «إن صداقتنا بلغت مستوى عالياً، بحيث يمكنني أن أقدّم لك العون بأي شكلٍ كان».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الكرملين - 28 نوفمبر 2025 (أ.ب)

يومها، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن عن قمة ستجمعه بالرئيس الروسي في العاصمة المجرية بودابست، وتنهي الحرب الدائرة في أوكرانيا في غضون أسبوعين. لكن تلك القمة لم تعقد، والحرب في أوكرانيا ما زالت تدور رحاها.

وقام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، بزيارة للجالية المجرية في غرب أوكرانيا، قبل 3 أيام من الانتخابات، وسبق أن وجّه أوربان انتقادات لزيلينسكي وعطّل تمويلاً أوروبياً لأوكرانيا، كما عرقل طلب كييف الانضمام إلى التكتل المؤلف من 27 دولة.

وتعطِّل المجر قرضاً من الاتحاد الأوروبي لكييف بـ90 مليار يورو (100 مليار دولار)، ما يضع المالية الأوكرانية تحت ضغوط هائلة في خضم حرب تخوضها البلاد في مواجهة الغزو الروسي. وتقول المجر، وهي من دول الاتحاد الأوروبي القليلة التي ما زالت تشتري الوقود الروسي، إنها ستُواصل عرقلة القرض إلى أن تسمح أوكرانيا مجدداً بعبور النفط الروسي أراضيها عبر خط أنابيب دروجبا.

فانس إلى جانب أوربان عندما قال «جئت لأساعد أوربان بكل ما أوتيت في هذه الانتخابات» (أ.ف.ب)

وفيما كانت وسائل الإعلام تتناقل الخبر الذي وزّعته «بلومبرغ»، كانت طائرة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس تهبط في مطار بودابست في زيارة تأييد وتضامن مع «الصديق فيكتور» الذي يخوض، الأحد، انتخابات حاسمة قد تؤدي إلى سقوطه بعد 16 عاماً من إمساكه السلطة بيد من حديد في المجر. لذلك لم تكن مستغربة زيارة فانس، وهي الأولى لمسؤول أميركي بهذا المستوى إلى المجر منذ 35 عاماً، كما لم تكن مستغربة التصريحات التي أدلى بها إلى جانب أوربان عندما قال «جئت لأساعد أوربان بكل ما أوتيت في هذه الانتخابات»، بعد أن اتهم الاتحاد الأوروبي بالتدخل فيها «بشكل لم يسبق أن رأيت له مثيلاً أبداً»، واصفاً التحالف بين المجر والولايات المتحدة بأنه «تعاون أخلاقي».

وتعهّد الرئيس ترمب، الجمعة، بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» للولايات المتحدة لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه أوربان في انتخابات الأحد. وأعلن ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي: «نحن متحمسون للاستثمار في الازدهار المستقبلي الذي سيتحقق بفضل استمرار قيادة أوربان»، الذي يواجه معركة صعبة في وجه منافسه المؤيد للاتحاد الأوروبي بيتر ماغيار.

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

وقبل يومين من موعد الانتخابات المرتقبة، احتشد أكثر من مائة ألف شخص في ساحة كبرى والشوارع المحيطة بها وسط العاصمة، لحضور حفل موسيقي يضم عشرات من أشهر نجوم الغناء في البلاد، في رسالة مفتوحة تحث المواطنين على التوجه إلى مراكز الاقتراع الأحد، والتصويت لإسقاط حكومة فيكتور أوربان.

هذا المشهد يظهر بوضوح أن الانتخابات المجرية ليست مجرد انتخابات أخرى في الروزنامة الأوروبية، ويؤكد أن نتائجها سوف تتجاوز الحدود الوطنية، وتنعكس على امتداد القارة الأوروبية من حيث كونها اختباراً حاسماً لقدرة الاتحاد الأوروبي على الصمود في وجه الصدمات الآيديولوجية، وأيضاً لقدرة القوى اليمينية المتطرفة على ترسيخ نموذجها السياسي البديل عن النظام الليبرالي الديمقراطي وتصديره خارج الحدود.

بيتر ماغيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)

لم يعد الرهان في بودابست، فحسب، مقصوراً على استمرار زعامة أوربان أو سقوطه، بل حول قدرة المشروع الأوروبي على التعايش مع المؤامرات التي تحاول نسفه من الداخل، أو تُعيد صياغته.

منذ بداية ولايته الثانية على رأس الحكومة المجرية عام 2010، أجرى أوربان تعديلات عميقة في النظام السياسي المجري تحت شعار «الديمقراطية اللاليبرالية»، فألغى معظم المؤسسات الرقابية على نشاط السلطة التنفيذية، وأحكم سيطرته على وسائل الإعلام الكبرى، وأعاد تشكيل السلطة القضائية؛ ما أطلق صفارات الإنذار أكثر من مرة داخل الاتحاد الأوروبي. وبعد تحذيرات متكررة، اتخذ الاتحاد بحق المجر عقوبات مالية شديدة، أرفقها مؤخراً بتلميح إلى المباشرة بإجراءات الطرد من النادي الأوروبي، عقب فضائح التواطؤ مع موسكو.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى وصوله لحضور اجتماع المجلس الأوروبي في بروكسل - 18 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

لكن، ولأول مرة منذ 16 عاماً، يخوض أوربان انتخابات لم يعد ضامناً نتائجها، بل إن أحدث الاستطلاعات ترجّح فوز مرشح المعارضة، بيتر ماغيار، الذي انشق قبل سنوات عن الحزب الذي يقوده أوربان، ويعرف جيداً مواطن القوة والضعف لدى رئيس الوزراء الحالي. وقد اتهم ماغيار الولايات المتحدة بالتدخل في الانتخابات، على خلفية زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى بودابست لتأكيد دعم واشنطن لأوربان.

رئيس الوزراء فيكتور أوربان خلال حملته الانتخابية في 27 مارس 2026 (رويترز)

من هنا، تطرح هذه الانتخابات مجموعة من التساؤلات الأساسية على الصعيدين الأوروبي والدولي. أولاً: هل يمكن لحكومة تدعمها الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل أن تخسر انتخابات في منافسة حرّة ونزيهة؟ وثانياً: في حال خسر أوربان بفارق ضئيل، هل سيقبل بنتائج الانتخابات؟ وقد بيّنت التجارب المقارنة أن هذا النوع من الأنظمة يميل إلى التشكيك في النتائج التي تهدد استمراريته، ويلجأ إلى الطعن القانوني الذي قد يستغرق البت فيه فترة طويلة، بما قد يُهدد بحدوث صدام بين مؤسسات الدولة.

ثالثاً: ماذا سيكون رد فعل الاتحاد الأوروبي في حال خسر مرشح المعارضة بفارق ضئيل؟ هل سيستمر في المواجهة مع أوربان، ويذهب إلى تفعيل مواد الميثاق وصولاً إلى طرد المجر، بما يهدد صدقية الاتحاد بوصفه ضامناً للقيم والمبادئ الديمقراطية؟

زيلينسكي مع فيكتور أوربان (رويترز)

ورابعاً، ماذا ستكون تداعيات سقوط أوربان على حلفائه في أوروبا، الذين ينظرون إليه بوصفه نموذجاً سياسياً ناجحاً لكسر التوافق الليبرالي من داخل المؤسسات الأوروبية؟ فيكتور أوربان ليس مجرد حليف للقوى اليمينية المتطرفة في الاتحاد الأوروبي، بل هو مرجع رمزي لها قد تؤدي هزيمته إلى ضعضعة صفوفها، وفقدان الزخم الذي تميّز به صعودها في السنوات الأخيرة المنصرمة. لكن لا شك في أن فوز أوربان سيعطي هذه القوى دفعاً إضافياً، ويرسخ إمكانية تصدير النموذج المجري.

المجر على مفترق حاسم، والاتحاد الأوروبي أيضاً، لأن هذه الانتخابات لن تُحدد فحسب مستقبل المجر السياسي، بل ستحمل إجابة عن سـؤال أساسي يطرحه الأوروبيون على أنفسهم منذ فترة: إلى أي مدى يمكن للسبل الديمقراطية أن تجهض الجهود المتواصلة لتقويض سيادة القانون؟ ولا شك في أن نتيجة الانتخابات المجرية، أياً كانت، ستبدو لها تداعيات أبعد من بودابست بكثير، إذ تواجه الديمقراطيات الأوروبية تحديات يتوقف على كيفية الخروج منها مستقبل المشروع الأوروبي في السنوات المقبلة.


روسيا وأوكرانيا تفرجان عن أسرى حرب قُبيل هدنة عيد الفصح

جنود أوكرانيون يؤدون صلاة العيد في قرية قرب سلوفيانسك (إ.ب.أ)
جنود أوكرانيون يؤدون صلاة العيد في قرية قرب سلوفيانسك (إ.ب.أ)
TT

روسيا وأوكرانيا تفرجان عن أسرى حرب قُبيل هدنة عيد الفصح

جنود أوكرانيون يؤدون صلاة العيد في قرية قرب سلوفيانسك (إ.ب.أ)
جنود أوكرانيون يؤدون صلاة العيد في قرية قرب سلوفيانسك (إ.ب.أ)

تستعد روسيا وأوكرانيا لوقف مؤقت لإطلاق النار لمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي، اليوم (السبت)، سبقه تبادل لأسرى الحرب وضربات بالمسيّرات خلال الليل.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن روسيا وأوكرانيا تبادلتا 175 أسير حرب لكل منهما، في أحد المجالات القليلة للتعاون بين الجانبين.

وليل الجمعة - السبت، أطلقت روسيا ما لا يقل عن 160 طائرة مسيرة على أوكرانيا، ما أسفر عن مقتل 4 أشخاص في شرق البلاد وجنوبها، حسبما ذكرته السلطات.

وكانت منطقة أوديسا الواقعة في الجنوب، من بين المناطق الأكثر تضرراً، إذ أفادت السلطات بمقتل شخصين وتضرر بنية تحتية مدنية.

وتسببت ضربات بمسيرات أوكرانية في اندلاع حريق بمستودع نفطي، وألحقت أضراراً بمبانٍ سكنية في منطقة كراسنودار جنوب روسيا، وفق السلطات.

وقتل شخصان في ضربة بالطيران المسير الأوكراني على الجزء الذي تحتله روسيا من منطقة دونيتسك الشرقية في أوكرانيا، حسبما قالت السلطات المعنية في روسيا.

وأعلن الكرملين عن هدنة مؤقتة تبدأ من الساعة الرابعة بعد الظهر (13:00 ت.غ) السبت، وتستمر حتى نهاية يوم الأحد، أي لمدة 32 ساعة.

وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن أوكرانيا ستلتزم بوقف إطلاق النار، وسترد على أي انتهاكات روسية «بالمثل». وقال في منشور على منصة «إكس»: «ستلتزم أوكرانيا بوقف إطلاق النار وسترد بالمثل. إن عدم شنّ روسيا غارات جوية أو برية أو بحرية يعني عدم ردّنا».