نزار آميدي... أمين أسرار طالباني رئيساً للعراق

وزير أسبق وقيادي في «الاتحاد الوطني الكردستاني»

الرئيس العراقي الجديد نزار آميدي (واع)
الرئيس العراقي الجديد نزار آميدي (واع)
TT

نزار آميدي... أمين أسرار طالباني رئيساً للعراق

الرئيس العراقي الجديد نزار آميدي (واع)
الرئيس العراقي الجديد نزار آميدي (واع)

بعدما كسب ثقة البرلمان الاتحادي للتصويت عليه رئيساً للجمهورية، أدى نزار آميدي، أمين أسرار الراحل جلال طالباني، اليمين الدستورية ليصبح سادس رئيس للعراق منذ الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003.

وصوّت البرلمان، السبت، على آميدي بعد جولتي تصويت، متفوقاً في الأولى على أبرز منافسيه وزير الخارجية فؤاد حسين، وفي الثانية على القيادي الكردي الإسلامي مثنى أمين.

وتولى رئاسة العراق منذ عام 2003 عدد من الرؤساء تباعاً، بدءاً من غازي مشعل عجيل الياور الذي شغل المنصب بشكل مؤقت بين 2004 و2005 عقب انتهاء سلطة الائتلاف المؤقتة، تلاه جلال طالباني الذي أصبح أول رئيس منتخب وبقي في منصبه لدورتين من 2005 إلى 2014، ثم محمد فؤاد معصوم الذي انتخب بعد انتهاء ولاية طالباني وشغل المنصب حتى 2018، وبعده برهم صالح الذي تولى الرئاسة من 2018 إلى 2022 إثر فوزه على منافسه فؤاد حسين، وصولاً إلى عبد اللطيف رشيد الذي يشغل المنصب منذ 2022 بوصفه خامس رئيس للعراق بعد 2003، حيث جاء انتخابه في ظل خلافات سياسية.

نزار آميدي (يسار) مع رئيس العراق الراحل جلال طالباني (أرشيف الاتحاد الوطني)

من هو آميدي؟

ولد نزار محمد سعيد محمد آميدي في 6 فبراير (شباط) 1968 في قضاء العمادية التابع لمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق، وهو متزوج وله أربعة أبناء.

تلقى تعليمه في مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى (شمال)، وحصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعتها. عاش وعمل في السليمانية، ومن ثم بغداد، ما أكسبه فهماً عملياً للواقع السياسي والمؤسسي والاجتماعي في كل من العراق وإقليم كردستان، كما يقول مقربون منه.

وعاش آميدي في العراق، ولم يكن من جماعات المعارضة التي غادرت البلاد خلال حقبة حكم «حزب البعث» إلى المنافي الأوروبية والغربية والإيرانية والعربية. وخلافاً للرؤساء الكرد السابقين، جلال طالباني وفؤاد معصوم وبرهم صالح وعبد اللطيف رشيد، الحاصلين على جنسيات دول أخرى، لم يحصل آميدي على جنسية سوى العراقية، كما أنه، وطبقاً لمعلومات المكتب السياسي لحزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» المرشح عنه لمنصب الرئيس، لا يجيد سوى اللغتين العربية والكردية.

ورغم النشاط السياسي في قيادة «حزب الاتحاد الوطني الكردستاني»، وعلاقته وعمله المباشر مع الرئيس الأسبق جلال طالباني، وشغله منصب وزارة البيئة لمدة سنتين، فإنه ظل بعيداً عن الأضواء، ومن النادر أن تجد له ظهوراً إعلامياً خلال العقدين الماضيين.

ولازم الغموض سيرة آميدي، وليس معروفاً ما إذا كان تجنبه للظهور العلني ناجماً عن مزاج شخصي، أم أنه مرتبط بسياق العمل الحزبي داخل «الاتحاد الوطني»، أو بسياق الوظائف الحساسة في المكتب الرئاسي التي شغلها.

وطبقاً للمعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من المكتب السياسي لـ«حزب الاتحاد الوطني»، فإن نزار آميدي شخصية سياسية وحكومية ودبلوماسية تتمتع بخبرة تمتد لأكثر من أربعة عقود في العمل العام، شملت العمل في أعلى مستويات الدولة العراقية، وتقديم المشورة لثلاثة من رؤساء جمهورية العراق، إضافة إلى توليه منصب وزير البيئة.

نزار آميدي (يمين) مرافقاً للرئيس الراحل جلال طالباني إلى رحلة علاجية (الاتحاد الوطني)

أمين الأسرار

خلال فترة جلال طالباني في قصر السلام، لازم آميدي جميع محطات الرئيس الراحل في منصب مستشار أول، ويقول مقربون إنه لطالما يُنظر إليه كـ«أمين أسرار» طالباني.

وبحكم عمله المباشر في المكتب الرئاسي، تمرّس آميدي في إدارة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، وفهم التعقيدات الدستورية والسياسية لهذه العلاقة، وأسهم عملياً في معالجتها.

ويتمتع بعلاقات عمل راسخة مع الأحزاب الكردية والقوى السياسية الرئيسية في بغداد، عززتها علاقات عمله مع الرؤساء السابقين جلال طالباني وفؤاد معصوم وبرهم صالح.

ويمتلك آميدي، طبقاً لسيرته المهنية، أكثر من 20 عاماً من الخبرة الحكومية والسياسية العليا، شملت العمل مستشاراً أول لرئيس الجمهورية (بدرجة وزير ووكيل وزارة)، إلى جانب شغله منصب وزير البيئة بين 2022 و2024.

ويشغل آميدي عضوية مجلس القيادة في «حزب الاتحاد الوطني الكردستاني»، إلى جانب رئاسة المكتب السياسي للحزب في بغداد منذ 2024، فضلاً عن عضوية «ائتلاف إدارة الدولة» الذي يقود الحكومة الاتحادية.

دعم جهود إنهاء الحرب

وفي أول خطاب له بعد تسلمه منصب رئيس الجمهورية، أكد آميدي على دعم جهود إنهاء الحرب في المنطقة، وإدانة
الاستهدافات التي تطال القوات الأمنية العراقية. وقال: «بلدنا يواجه مشكلات معقدة ويجب العمل على مواجهة آثار الأزمات، وأقدر حجم التحديات التي تواجه بلدنا في ظل مخاطر كثيرة غير مسبوقة، مما يتطلب منا الحكمة والمسؤولية لاتخاذ القرارات».

كما أكد الرئيس العراقي على الحرص «على تحقيق السلام وإشراك الجميع في إدارة الدولة، وسأكون مدافعا عن مصالح ورعاية المصالح العليا لمختلف المكونات، وتقريب وجهات النظر بين الجميع».


مقالات ذات صلة

هجمات منسوبة لإيران توقف رحلات كردستان العراق

المشرق العربي اعتراض طائرة مسيّرة في سماء أربيل بالعراق في 15 يوليو 2026 في لقطة مأخوذة من فيديو على وسائل التواصل (رويترز)

هجمات منسوبة لإيران توقف رحلات كردستان العراق

عاودت إيران وحلفاؤها من الفصائل المسلحة العراقية، بحسب مصادر كردية، قصف مناطق عديدة في إقليم كردستان بذريعة ضرب أهداف «معارضة».

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد يعد مضيق هرمز المنفذ الرئيسي لمبيعات بغداد النفطية وبعد الاضطرابات التي شهدها المضيق يسعى العراق لتسريع خطط إنشاء مسارات بديلة لتصدير الخام (رويترز)

صادرات العراق في يوليو تسجل 1.5 مليون برميل يومياً بزيادة 3 أضعاف عن التوقعات

نجح العراق في رفع معدلات تصدير النفط عبر مضيق هرمز، خلال شهر يوليو الحالي، رغم استمرار حرب إيران وتداعياتها التي يعد من أبرزها إغلاق المضيق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مقر البنك المركزي العراقي في بغداد (رويترز)

«الخزانة الأميركية» تؤهل 7 مصارف عراقية للتعامل بالدولار

توصل البنك المركزي العراقي إلى اتفاق مع وزارة الخزانة الأميركية على تأهيل سبعة مصارف عراقية للعودة إلى قنوات المراسلة المصرفية الخارجية بالعملات الأخرى.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد الزيدي يلتقي بأعضاء مجلس إدارة «إكسون موبيل» بمقر الشركة في مدينة هيوستن - 17 يوليو 2026 (المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء العراقي - رويترز)

شركات نفط أجنبية ترى مستقبلاً واعداً في العراق وتوقع اتفاقات جديدة

وقعت شركات طاقة غربية عشرات الاتفاقات مع مسؤولين عراقيين في مجالات النفط والغاز وخطوط الأنابيب، في الوقت الذي يسعى فيه العراق إلى تعزيز علاقته بأميركا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية كريس توث الرئيس التنفيذي لشركة فانتيف (Vantive) في الجهة الثانية من اليمين ينضم إليه من اليسار ستيفن كوبوس الرئيس والمدير التنفيذي لشركة إكسيليريت إنرجي (Excelerate Energy) وآلان أفرآسياب الرئيس التنفيذي لشركة كوميرسيس (Commercis) وروجر مارتلا، كبير مسؤولي الشؤون المؤسسية في شركة جنرال إلكتريك ورئيس مجلس الأعمال الأميركي العراقي خلال قمة الأعمال في غرفة التجارة الأميركية يوم 17 يوليو 2026 في واشنطن (أ.ب)

خط نفطي جديد يربط العراق وسوريا برعاية أميركية

وقع العراق وسوريا، الجمعة، اتفاقية برعاية الولايات المتحدة، لمد خط أنابيب نفطي جديد، من المفترض أن يساعد بغداد على تخفيف الحاجة إلى مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الجيش الإسرائيلي: استهداف خلية لـ«حزب الله» بعد رصد طائرة مسيرة

عَلم إسرائيل فوق مبنى بجنوب لبنان في صورة تم التقاطها من الجانب الإسرائيلي من الحدود 5 يوليو الحالي (رويترز)
عَلم إسرائيل فوق مبنى بجنوب لبنان في صورة تم التقاطها من الجانب الإسرائيلي من الحدود 5 يوليو الحالي (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي: استهداف خلية لـ«حزب الله» بعد رصد طائرة مسيرة

عَلم إسرائيل فوق مبنى بجنوب لبنان في صورة تم التقاطها من الجانب الإسرائيلي من الحدود 5 يوليو الحالي (رويترز)
عَلم إسرائيل فوق مبنى بجنوب لبنان في صورة تم التقاطها من الجانب الإسرائيلي من الحدود 5 يوليو الحالي (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف خلية تابعة لـ«حزب الله» قرب تبنيت بجنوب لبنان اليوم السبت، بعد أن رصد جنوده طائرة مسيّرة تابعة للجماعة في المنطقة.

مشهد عام يُظهر المنازل المدمرة في بلدة الخيام الحدودية بجنوب لبنان في ظل استمرار آثار الحرب (أ.ف.ب)

وأوضح الجيش في بيان أن القوات الجوية رصدت مقاتلين كانوا يشغلون طائرات مسيّرة ويتخذون مواقع احتماء بالقرب من القوات الإسرائيلية، مضيفا أن هذا النشاط يُعدّ خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار.

ولم يصدر بعد أي تعليق من «حزب الله».


عون في واشنطن سعياً لتثبيت الاستقرار والأمن في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون في واشنطن سعياً لتثبيت الاستقرار والأمن في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

غادر رئيس الجمهورية جوزيف عون، السبت، إلى واشنطن في زيارة رسمية هي الأولى لرئيس لبناني إلى الولايات المتحدة منذ عام 2009، تلبية لدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في محطة دبلوماسية يراهن عليها لبنان لدفع مسار تنفيذ «اتفاق الإطار» مع إسرائيل، وتثبيت وقف إطلاق النار، وتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي لا تزال تحتلها في جنوب البلاد.

وأعلنت الرئاسة اللبنانية، صباح السبت، في بيان لها، أن الرئيس عون واللبنانية الأولى السيدة نعمت عون، غادرا إلى واشنطن تلبية لدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولفتت إلى أنه «ستعقد قمة لبنانية - أميركية في البيت الأبيض، كما سيجري الرئيس عون لقاءات ومشاورات مع عدد من المسؤولين الأميركيين تتناول الوضع في لبنان والسبل الآيلة إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الأمن والاستقرار إلى لبنان عموماً، والجنوب خصوصاً، وانسحاب إسرائيل من المناطق اللبنانية التي تحتلها، وبسط سلطة الدولة على كافة المناطق».

ومن المقرر أن يعقد عون قمة مع ترمب في البيت الأبيض، الثلاثاء، على أن يلتقي قبيلها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إضافة إلى عدد من كبار المسؤولين الأميركيين.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بعدما دخل لبنان وإسرائيل، للمرة الأولى منذ عقود، في مفاوضات مباشرة برعاية أميركية أفضت في السادس والعشرين من يونيو (حزيران) إلى «اتفاق الإطار»، الذي ينص على تنفيذ مراحل متبادلة تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وانتشار الجيش اللبناني في مناطق جنوبية، والشروع في تطبيق ما يعرف بـ«المناطق التجريبية». وخلال الجولة الأخيرة من المفاوضات في روما، اتفق الطرفان على استكمال الهيكلية التنفيذية لهذه المناطق والبدء بتطبيقها خلال أيام، في محاولة لاختبار آلية تنفيذ الاتفاق قبل توسيعها.

مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)

إلا أن هذا المسار لا يزال يصطدم بعقبات ميدانية وسياسية، لا سيما أن إسرائيل تربط انسحابها الكامل بضمان نزع سلاح «حزب الله»، فيما لا يتضمن الاتفاق جدولاً زمنياً واضحاً للانسحاب، الأمر الذي يثير شكوكاً داخل لبنان بشأن إمكان التزام تل أبيب بتعهداتها.

«حزب الله» و«حركة أمل» يهاجمان «اتفاق الإطار»

وفي مقابل الحراك الرسمي والتعويل على جهود الدولة اللبنانية لإنهاء الحرب على لبنان، واصل «حزب الله» وحركة «أمل» تصعيدهما السياسي ضد «اتفاق الإطار». وخلال وقفة احتجاجية في مدينة صور تحت شعار «نقاوم ولا نساوم»، اعتبر الطرفان أن الاتفاق يمنح إسرائيل مكاسب سياسية وأمنية، ويكرس استمرار احتلالها لأجزاء من الجنوب، محملين السلطة اللبنانية مسؤولية السير في مسار تفاوضي «يخدم الأهداف الإسرائيلية»، بحسب تعبيرهما.

مشيعون يحملون نعش مقاتل من «حزب الله» قُتل في الحرب مع إسرائيل وذلك خلال جنازة جماعية في قرية مجدل سلم بجنوب لبنان في 18 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وقال عضو كتلة «حزب الله» النائب حسن عز الدين إن الاتفاق «يغطي جرائم العدو ويستدعي الاحتلال للبقاء»، معتبراً أنه يستبدل بالانسحاب الإسرائيلي مفهوم «إعادة الانتشار»، ويربط ذلك بنزع سلاح المقاومة، ومتهماً السلطة اللبنانية بتقديم «تنازلات مجانية»، والسير في خيارات تحقق أهداف إسرائيل والولايات المتحدة. وجدد التأكيد أن الحزب يرفض أي مسار يؤدي إلى التخلي عن سلاحه أو التفاوض المباشر مع إسرائيل.

بدوره، أعلن النائب علي خريس رفض حركة «أمل» المطلق للاتفاق، ولأي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، مؤكداً أن المطلوب هو انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط من الأراضي اللبنانية، لا القبول بما يسمى «المناطق التجريبية». كما دعا الدولة إلى عدم الذهاب نحو «خيارات خاسرة»، معتبراً أن إسرائيل لا تلتزم بأي اتفاق، وأن خيار المقاومة والوحدة الوطنية يبقى، وفق تعبيره، الضمانة الأساسية في مواجهة إسرائيل.


إسرائيل تُسابق الوقت بين تنفيذ الاتفاق وتكريس أمر واقع «تدميري» في جنوب لبنان

جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع انفجار في منطقة المنصوري بجنوب لبنان حيث قتل عسكري وجرح اثنان آخران (أ.ف.ب)
جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع انفجار في منطقة المنصوري بجنوب لبنان حيث قتل عسكري وجرح اثنان آخران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تُسابق الوقت بين تنفيذ الاتفاق وتكريس أمر واقع «تدميري» في جنوب لبنان

جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع انفجار في منطقة المنصوري بجنوب لبنان حيث قتل عسكري وجرح اثنان آخران (أ.ف.ب)
جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع انفجار في منطقة المنصوري بجنوب لبنان حيث قتل عسكري وجرح اثنان آخران (أ.ف.ب)

في وقت لا يزال تنفيذ «اتفاق الإطار» الخاص بجنوب لبنان يراوح مكانه، وسط تأجيل إطلاق «المناطق التجريبية» التي كان يُفترض أن تُشكل أولى خطوات التطبيق العملي، تبدو إسرائيل كأنها تُسابق الوقت لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل الانتقال إلى أي مرحلة عملية، بحيث إنه لا تزال الآليات التنفيذية عالقة بين التعقيدات الأمنية والسياسية، فيما تواصل إسرائيل عمليات الهدم والتجريف بوتيرة متصاعدة، في محاولة منها لاستثمار عامل الوقت وتغيير معالم المنطقة، وفرض أمر واقع بما يمنحها أوراق قوة إضافية في أي مرحلة لاحقة من تنفيذ الاتفاق.

وأعادت الولايات المتحدة تحريك الجمود، عبر اتصالات منفصلة أجرتها القيادة المركزية الأميركية مع لبنان وإسرائيل، فيما أفادت «هيئة البث الإسرائيلية» بأنّ الجيش الإسرائيلي سينسحب من بلدتي زوطر الشرقية والغربية فقط بناءً على تفاهمات مع لبنان. وأشارت إلى أنّ «إسرائيل طالبت بأن تتولّى واشنطن التحقق من خلو المناطق التجريبية من بنى عسكرية لـ(حزب الله)». وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الجيش الإسرائيلي يستعد لتسليم المنطقة التجريبية الثانية، التي لا تزال قواته منتشرة فيها. وتوقعت أن يعلن الجانب الأميركي رسمياً، الأحد، انطلاق المرحلة التجريبية، وذلك قبل اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس اللبناني جوزيف عون، الأربعاء.

مقتل عسكري بانفجار جسم مشبوه

وفي موازاة التصعيد الميداني، برز تطور أمني، الجمعة، مع إعلان قيادة الجيش اللبناني مقتل أحد العسكريين وإصابة ضابط وعسكري بجروح، إثر انفجار جسم مشبوه بآلية عسكرية في بلدة المنصوري - قضاء صور، مؤكدة أن التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الحادثة. ويُعيد هذا التطور تسليط الضوء على المخاطر التي تواجهها الوحدات العسكرية في أثناء تنفيذ مهماتها في المناطق الجنوبية، في ظل انتشار الذخائر والأجسام غير المنفجرة التي خلفتها الحرب.

وأتى ذلك في وقت كانت فيه بلدة المنصوري هدفاً للقوات الإسرائيلية التي أطلقت عدداً من الصواريخ الموجهة من الجو باتجاه أحياء بلدة المنصوري المتاخمة لمزرعة بيوت السياد، حسب «الوطنية»، مشيرة كذلك إلى غارة استهدفت أحد أحياء البلدة.

يتفقد جنود من الجيش اللبناني موقع انفجار استهدف مركبتهم في منطقة المنصوري بجنوب لبنان بالقرب من مدينة صور في 18 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

التدمير يتجاوز الأبنية إلى محو مقومات الحياة

ومنذ سريان وقف الأعمال القتالية، لم تتوقف عمليات النسف والتدمير التي طالت بلدات الحافة الأمامية، بل توسعت لتشمل أحياء سكنية ومرافق عامة وبنى تحتية، مما أدّى إلى تحويل قرى بأكملها إلى مساحات من الركام. ومع كل تأخير في تنفيذ الاتفاق، تتزايد المخاوف من أن تكون هذه العمليات جزءاً من سياسة تهدف إلى خلق واقع جديد على الأرض، يجعل عودة السكان وإعادة الإعمار أكثر صعوبة وتعقيداً.

وشهدت مدينة بنت جبيل خلال اليومَين الماضيَين تصعيداً لافتاً؛ إذ أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن القوات الإسرائيلية أقدمت، الجمعة، على نسف عدد من المنازل في المدينة، قبل أن يُسمع انفجار ضخم تبيّن أنه ناتج عن تدمير مباني مدارس المهدي في منطقة صف الهوا.

وعمد الجيش الإسرائيلي، الجمعة، أيضاً على تنفيذ تفجير ضخم في المنطقة الواقعة بين بلدة حداثا وأطراف عيتا الجبل، بالتزامن مع عمليات تمشيط في بيوت السياد والناقورة. كما وردت تقارير عن تفجير مقر لـ«الصليب الأحمر اللبناني» في بلدة بنت جبيل بالجرافات.

وكانت بلدة زوطر الغربية قد شهدت في وقت سابق تفجيراً إسرائيلياً ضخماً، في إطار استمرار العمليات العسكرية التي تنفذها القوات الإسرائيلية في عدد من قرى الجنوب.

ولم يقتصر التدمير على الأبنية السكنية والمنشآت، بل امتد إلى مقومات الحياة نفسها. فقد أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن القوات الإسرائيلية عمدت، السبت، إلى قطع جميع الأشجار المغروسة على جوانب الطرق في مدينة بنت جبيل.

نعوش عناصر «حزب الله» الذين قُتلوا خلال اشتباكات مع الجيش الإسرائيلي إلى جانب نعش رمزي للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي وذلك خلال جنازة جماعية في قرية مجدل سلم بجنوب لبنان في 18 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وفي هذا الإطار، يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد حسن جوني أن إسرائيل تتعمد من خلال كل ما تقوم به هذه الفترة، «الإبقاء على الوضع الميداني في جنوب لبنان على ما هو عليه، انطلاقاً من اعتبارها أن المواجهة مع (حزب الله) لم تنتهِ، وإن كانت تجري بوتيرة أقل من السابق».

ويوضح جوني أن «استمرار عمليات التدمير والتفجير والتوغلات والاستهدافات يندرج في إطار سعي الجيش الإسرائيلي إلى تكريس هذا الواقع، وفرض تفسيره الخاص لـ(اتفاق الإطار)، بما يسمح له بمواصلة عملياته العسكرية من دون أن يعدّ ذلك خرقاً للاتفاق».

ويرى جوني «أن إسرائيل تروّج لمفهوم مفاده أن الاتفاق يُجيز لها البقاء في الأراضي اللبنانية إلى حين (إزالة التهديد)، وهو ما تفسره بأنه استمرار وجود (حزب الله) وسلاحه، ومن ثم تُحاول تكريس معادلة تعدّ فيها أن التهديد الذي يواجهه الجيش الإسرائيلي يتقاطع مع ما يفترض أنه تحدٍّ أمام الدولة اللبنانية أيضاً»، لافتاً إلى أن «هذا التوجه يُفسّر استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، ويتلاقى مع المواقف المعلنة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، اللذَين يكرران رفض الانسحاب من جنوب لبنان قبل تحقيق هذا الهدف، بما يعكس محاولة إسرائيل فرض وقائع سياسية وميدانية جديدة تتجاوز نصوص الاتفاق المعلنة».

عائلة لبنانية تجلس أمام منزلها الذي دمّرته غارة إسرائيلية في بلدة فرون بجنوب لبنان (أ.ب)