انتخابات المجر... قلق أوروبي وتوافق بين واشنطن وموسكو لدعم رئيس الوزراء

ترمب أوفد نائبه إلى بودابست وتعهد باستخدام «القوة الاقتصادية» الأميركية لمساعدتها إذا فاز أوربان

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)
TT

انتخابات المجر... قلق أوروبي وتوافق بين واشنطن وموسكو لدعم رئيس الوزراء

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)

يوم الثلاثاء الماضي، نشرت وكالة «بلومبرغ» خبراً تضمّن نصّ مكالمة هاتفية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، أُجريت ظهر السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقد قال الأخير لبوتين: «أنا في خدمتك متى احتجت إلى المساعدة»، مضيفاً: «إن صداقتنا بلغت مستوى عالياً، بحيث يمكنني أن أقدّم لك العون بأي شكلٍ كان».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الكرملين - 28 نوفمبر 2025 (أ.ب)

يومها، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن عن قمة ستجمعه بالرئيس الروسي في العاصمة المجرية بودابست، وتنهي الحرب الدائرة في أوكرانيا في غضون أسبوعين. لكن تلك القمة لم تعقد، والحرب في أوكرانيا ما زالت تدور رحاها.

وقام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، بزيارة للجالية المجرية في غرب أوكرانيا، قبل 3 أيام من الانتخابات، وسبق أن وجّه أوربان انتقادات لزيلينسكي وعطّل تمويلاً أوروبياً لأوكرانيا، كما عرقل طلب كييف الانضمام إلى التكتل المؤلف من 27 دولة.

وتعطِّل المجر قرضاً من الاتحاد الأوروبي لكييف بـ90 مليار يورو (100 مليار دولار)، ما يضع المالية الأوكرانية تحت ضغوط هائلة في خضم حرب تخوضها البلاد في مواجهة الغزو الروسي. وتقول المجر، وهي من دول الاتحاد الأوروبي القليلة التي ما زالت تشتري الوقود الروسي، إنها ستُواصل عرقلة القرض إلى أن تسمح أوكرانيا مجدداً بعبور النفط الروسي أراضيها عبر خط أنابيب دروجبا.

فانس إلى جانب أوربان عندما قال «جئت لأساعد أوربان بكل ما أوتيت في هذه الانتخابات» (أ.ف.ب)

وفيما كانت وسائل الإعلام تتناقل الخبر الذي وزّعته «بلومبرغ»، كانت طائرة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس تهبط في مطار بودابست في زيارة تأييد وتضامن مع «الصديق فيكتور» الذي يخوض، الأحد، انتخابات حاسمة قد تؤدي إلى سقوطه بعد 16 عاماً من إمساكه السلطة بيد من حديد في المجر. لذلك لم تكن مستغربة زيارة فانس، وهي الأولى لمسؤول أميركي بهذا المستوى إلى المجر منذ 35 عاماً، كما لم تكن مستغربة التصريحات التي أدلى بها إلى جانب أوربان عندما قال «جئت لأساعد أوربان بكل ما أوتيت في هذه الانتخابات»، بعد أن اتهم الاتحاد الأوروبي بالتدخل فيها «بشكل لم يسبق أن رأيت له مثيلاً أبداً»، واصفاً التحالف بين المجر والولايات المتحدة بأنه «تعاون أخلاقي».

وتعهّد الرئيس ترمب، الجمعة، بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» للولايات المتحدة لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه أوربان في انتخابات الأحد. وأعلن ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي: «نحن متحمسون للاستثمار في الازدهار المستقبلي الذي سيتحقق بفضل استمرار قيادة أوربان»، الذي يواجه معركة صعبة في وجه منافسه المؤيد للاتحاد الأوروبي بيتر ماغيار.

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

وقبل يومين من موعد الانتخابات المرتقبة، احتشد أكثر من مائة ألف شخص في ساحة كبرى والشوارع المحيطة بها وسط العاصمة، لحضور حفل موسيقي يضم عشرات من أشهر نجوم الغناء في البلاد، في رسالة مفتوحة تحث المواطنين على التوجه إلى مراكز الاقتراع الأحد، والتصويت لإسقاط حكومة فيكتور أوربان.

هذا المشهد يظهر بوضوح أن الانتخابات المجرية ليست مجرد انتخابات أخرى في الروزنامة الأوروبية، ويؤكد أن نتائجها سوف تتجاوز الحدود الوطنية، وتنعكس على امتداد القارة الأوروبية من حيث كونها اختباراً حاسماً لقدرة الاتحاد الأوروبي على الصمود في وجه الصدمات الآيديولوجية، وأيضاً لقدرة القوى اليمينية المتطرفة على ترسيخ نموذجها السياسي البديل عن النظام الليبرالي الديمقراطي وتصديره خارج الحدود.

بيتر ماغيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)

لم يعد الرهان في بودابست، فحسب، مقصوراً على استمرار زعامة أوربان أو سقوطه، بل حول قدرة المشروع الأوروبي على التعايش مع المؤامرات التي تحاول نسفه من الداخل، أو تُعيد صياغته.

منذ بداية ولايته الثانية على رأس الحكومة المجرية عام 2010، أجرى أوربان تعديلات عميقة في النظام السياسي المجري تحت شعار «الديمقراطية اللاليبرالية»، فألغى معظم المؤسسات الرقابية على نشاط السلطة التنفيذية، وأحكم سيطرته على وسائل الإعلام الكبرى، وأعاد تشكيل السلطة القضائية؛ ما أطلق صفارات الإنذار أكثر من مرة داخل الاتحاد الأوروبي. وبعد تحذيرات متكررة، اتخذ الاتحاد بحق المجر عقوبات مالية شديدة، أرفقها مؤخراً بتلميح إلى المباشرة بإجراءات الطرد من النادي الأوروبي، عقب فضائح التواطؤ مع موسكو.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى وصوله لحضور اجتماع المجلس الأوروبي في بروكسل - 18 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

لكن، ولأول مرة منذ 16 عاماً، يخوض أوربان انتخابات لم يعد ضامناً نتائجها، بل إن أحدث الاستطلاعات ترجّح فوز مرشح المعارضة، بيتر ماغيار، الذي انشق قبل سنوات عن الحزب الذي يقوده أوربان، ويعرف جيداً مواطن القوة والضعف لدى رئيس الوزراء الحالي. وقد اتهم ماغيار الولايات المتحدة بالتدخل في الانتخابات، على خلفية زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى بودابست لتأكيد دعم واشنطن لأوربان.

رئيس الوزراء فيكتور أوربان خلال حملته الانتخابية في 27 مارس 2026 (رويترز)

من هنا، تطرح هذه الانتخابات مجموعة من التساؤلات الأساسية على الصعيدين الأوروبي والدولي. أولاً: هل يمكن لحكومة تدعمها الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل أن تخسر انتخابات في منافسة حرّة ونزيهة؟ وثانياً: في حال خسر أوربان بفارق ضئيل، هل سيقبل بنتائج الانتخابات؟ وقد بيّنت التجارب المقارنة أن هذا النوع من الأنظمة يميل إلى التشكيك في النتائج التي تهدد استمراريته، ويلجأ إلى الطعن القانوني الذي قد يستغرق البت فيه فترة طويلة، بما قد يُهدد بحدوث صدام بين مؤسسات الدولة.

ثالثاً: ماذا سيكون رد فعل الاتحاد الأوروبي في حال خسر مرشح المعارضة بفارق ضئيل؟ هل سيستمر في المواجهة مع أوربان، ويذهب إلى تفعيل مواد الميثاق وصولاً إلى طرد المجر، بما يهدد صدقية الاتحاد بوصفه ضامناً للقيم والمبادئ الديمقراطية؟

زيلينسكي مع فيكتور أوربان (رويترز)

ورابعاً، ماذا ستكون تداعيات سقوط أوربان على حلفائه في أوروبا، الذين ينظرون إليه بوصفه نموذجاً سياسياً ناجحاً لكسر التوافق الليبرالي من داخل المؤسسات الأوروبية؟ فيكتور أوربان ليس مجرد حليف للقوى اليمينية المتطرفة في الاتحاد الأوروبي، بل هو مرجع رمزي لها قد تؤدي هزيمته إلى ضعضعة صفوفها، وفقدان الزخم الذي تميّز به صعودها في السنوات الأخيرة المنصرمة. لكن لا شك في أن فوز أوربان سيعطي هذه القوى دفعاً إضافياً، ويرسخ إمكانية تصدير النموذج المجري.

المجر على مفترق حاسم، والاتحاد الأوروبي أيضاً، لأن هذه الانتخابات لن تُحدد فحسب مستقبل المجر السياسي، بل ستحمل إجابة عن سـؤال أساسي يطرحه الأوروبيون على أنفسهم منذ فترة: إلى أي مدى يمكن للسبل الديمقراطية أن تجهض الجهود المتواصلة لتقويض سيادة القانون؟ ولا شك في أن نتيجة الانتخابات المجرية، أياً كانت، ستبدو لها تداعيات أبعد من بودابست بكثير، إذ تواجه الديمقراطيات الأوروبية تحديات يتوقف على كيفية الخروج منها مستقبل المشروع الأوروبي في السنوات المقبلة.


مقالات ذات صلة

توالي الاستقالات من حكومته يزيد الضغوط على ستارمر لمغادرة منصبه

أوروبا ديفيد لامي نائب ستارمر ووزير الدفاع جون هيلي ووزيرة الدولة جيني تشابمان يغادرون «10 داونينغ ستريت» (رويترز)

توالي الاستقالات من حكومته يزيد الضغوط على ستارمر لمغادرة منصبه

توالي الاستقالات من حكومته تزيد الضغوط على كير ستارمر لمغادرة منصبه، مع مطالبة أكثر من 80 نائباً من حزبه الحاكم علناً بتحديد موعد لاختيار خليفة له...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ النائب الجمهوري تود وارنر يرتدي علم الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تينيسي (أ.ب)

حرب ترسيم الدوائر تتسع في أميركا تمهيداً للانتخابات النصفية

وسّع الجمهوريون والديمقراطيون نطاق إعادة ترسيم الخرائط الانتخابية بولايات إضافية أملاً في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ خلال الانتخابات النصفية للكونغرس

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا تيتيه وخوري تتوسطان أعضاء لجنة «4+4» في اجتماعها الأول بروما (البعثة الأممية)

«4+4» تبحث في تونس «القضايا الخلافية» للانتخابات الليبية

على مدى 3 أيام، يتوقع أن يناقش أعضاء لجنة «4+4» الليبية في تونس القضايا الخلافية المتعلقة بالانتخابات الرئاسية البرلمانية من بينها شروط الترشح.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الصيد الموريتاني خلال الجلسة المثيرة للجدل (وزارة الصيد على «فيسبوك»)

موريتانيا: تصعيد سياسي منذ فشل الجلسات التمهيدية للحوار الوطني

تعيش موريتانيا حالة من التصعيد بين المعارضة والسلطة منذ فشل الجلسات التمهيدية للحوار الوطني الذي دعا له الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بعد إعادة انتخابه.

الشيخ محمد (نواكشوط)
آسيا الممثّل سي جوزيف فيجاي (رويترز)

نجم بوليوودي يصبح رئيساً للسلطة التنفيذية في ولاية هندية

نُصِّب الممثّل سي جوزيف فيجاي، الأحد، رئيساً للسلطة التنفيذية في ولاية تاميل نادو في جنوب شرقي الهند، إثر مفاوضات شاقة بعد إعلان فوز حزبه في الانتخابات المحلية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

هجوم جوي واسع النطاق يستهدف كييف

أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)
أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)
TT

هجوم جوي واسع النطاق يستهدف كييف

أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)
أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)

تعرضت العاصمة الأوكرانية كييف، فجر اليوم (الخميس)، لهجوم جوي روسي واسع النطاق، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن مراسليها الذين سمعوا دوي انفجارات وإطلاق نار مضاد للطائرات.

وقال رئيس بلدية العاصمة فيتالي كليتشكو «العدو يهاجم كييف بطائرات مسيّرة وصواريخ بالستية» داعياً السكان عبر «تلغرام» إلى الاحتماء.


ستارمر يواجه اتّساع التمرد عليه

رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)
رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)
TT

ستارمر يواجه اتّساع التمرد عليه

رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)
رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)

واجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أمس، أكبر تحدٍّ لقيادته حتى الآن، في ظل اتساع التمرد عليه وتداول أنباء عن استعداد وزير الصحة ويس ستريتينغ لتقديم استقالته وإطلاق سباق لاختيار بديل في «10 داونينغ ستريت».

وبينما وقف ستارمر ومئات المشرعين في صمت للاستماع إلى الملك تشارلز، وهو يتلو جدول أعمال الحكومة أمام البرلمان، ذكرت صحيفة «تايمز» أن وزير الصحة ويس ستريتينغ يستعد لتقديم استقالته بحلول اليوم (الخميس)، في تحدّ رسمي لقيادة ستارمر.

وبعد لقاء وجيز مع ستارمر، لجأ ستريتينغ إلى منصة «إكس» لترويج إنجازاته في تقليص فترات الانتظار في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية. وكتب قائلاً: «أُنجز الكثير، وما زال هناك كثير لإنجازه»، من دون أن يتطرق إلى الأنباء المتداولة ‌عن خططه للاستقالة.

وحاول ستارمر ‌تجاهل التحديات التي تواجهه. وكشف الخطاب، الذي كتبته الحكومة ​وتلاه الملك تشارلز، عن خطط لتعزيز ‌النمو الاقتصادي وأمن الطاقة والدفاع.


فرنسا تحقق في احتمال تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات المحلية

رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحقق في احتمال تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات المحلية

رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

ذكرت ثلاثة مصادر مطلعة أن السلطات الفرنسية تحقق فيما إذا كانت شركة إسرائيلية غير معروفة تدعى «بلاك كور» شاركت، بقدر ما على الأقل، في حملة تدخل خارجي استهدفت حزبا من أقصى اليسار قبل الانتخابات البلدية التي جرت في مارس (آذار).

وقال اثنان من المصادر إن أجهزة المخابرات الفرنسية تحقق حاليا في هوية الجهة التي ​ربما تكون كلفت شركة «بلاك كور» بتنفيذ فيما يُعتقد أنها حملة تشويه ضد ثلاثة مرشحين من حزب (فرنسا الأبية)، وهي حملة شملت مواقع إلكترونية مضللة وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تزعم ارتكابهم سلوكيات إجرامية، بالإضافة إلى نشر إعلانات مسيئة على الإنترنت.

ووصفت بلاك كور نفسها على موقعها الإلكتروني وصفحتها على لينكد إن بأنها «شركة نخبوية متخصصة في التأثير والفضاء الإلكتروني والتكنولوجيا، أنشئت من أجل العصر الحديث للحرب المعلوماتية»، بينما لم يكن من الممكن، بحسب وكالة «رويترز»، تحديد الجهة التي تقف وراء شركة بلاك كور، أو التحقق من مقرها، أو العثور على أي إشارة إليها في سجلات الشركات الإسرائيلية.

أرشيفية لسيباستيان ديلوغو نائب حزب فرنسا الأبية خلال مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين وسط باريس في 29 مايو 2024 (رويترز)

وقالت إنها تقدم للحكومات والحملات السياسية «استراتيجيات متطورة، وأدوات متقدمة، وأنظمة أمنية قوية لتشكيل الروايات».

وفحصت «رويترز» وثائق بلاك كور التي أقرت فيها الشركة بمسؤوليتها عن عملية منفصلة على وسائل التواصل الاجتماعي نُفذت لصالح حكومة أفريقية.

ولم تكن الوثائق مؤرخة، لكنها أشارت إلى ‌عملية بدأت في ‌يناير (كانون الثاني) من هذا العام واستمرت لمدة 14 أسبوعا. وزود أحد الأشخاص «رويترز» بالوثائق لكنه طلب حجب بعض التفاصيل.

وبعد أن ​سألت ‌«رويترز» شركة «⁠ميتا بلاتفورمز» ​المالكة ⁠لفيسبوك عن عملية الحكومة الأفريقية المذكورة في الوثائق، قالت الشركة إن «الشبكة» التي تقف وراءها مرتبطة بحملة التضليل التي أُطلقت قبل الانتخابات البلدية الفرنسية. لكن ميتا لم تذكر من هي الجهة المسؤولة.

وأوضحت «ميتا» بأنها أزالت شبكة من الحسابات والصفحات لانتهاكها قواعدها المتعلقة «بالسلوك المخادع المنسق». وقالت إن النشاط المضلل انطلق من إسرائيل واستهدف فرنسا في المقام الأول.

وقال اثنان من المصادر المطلعة على حملة التضليل المنسوبة لـ«بلاك كور» في فرنسا إنهما على علم أيضا بعمل الشركة في أفريقيا، دون الخوض في التفاصيل.

وذكر مصدران آخران أن شركتي غوغل وتيك توك رصدتا بشكل مستقل جوانب من عملية التضليل في فرنسا في أثناء عمليات مراقبة وتأمين شبكاتهما.

* حزب ⁠فرنسا الأبية يثير انقساما في الآراء

تقول السلطات الفرنسية والمرشحون أنفسهم أن العملية استهدفت سيباستيان ديلوجو المرشح لرئاسة بلدية مرسيليا ، والمرشح ‌في تولوز فرانسوا بيكيمال، والمرشح ديفيد جيرو في روبيه.

فرانسوا بيكيمال عضو البرلمان عن حزب فرنسا الأبية يقف على سطح مبنى الجمعية الوطنية في باريس في 5 مايو الحالي (رويترز)

وأماطت صحيفة «لوموند» اللثام لأول مرة عن محاور هذه العملية في مارس (آذار)، ‌عندما كشفت وكالة فيجينوم عن مخطط «تدخل رقمي أجنبي ذي نطاق محدود» يستهدف «حزبا سياسيا فرنسيا» ومرشحيه في مرسيليا وتولوز وروبيه.

وأوردت ​صحيفة (لو كانار أنشينيه) الساخرة والاستقصائية لاحقا أن السلطات تشتبه في شركة إسرائيلية، لكنها لم ‌تذكر اسمها.

وتسلط حملة التضليل المشتبه بها المنسوبة لبلاك كور الضوء على الوضع المشحون الذي أصبحت عليه حتى الانتخابات المحلية، في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا ودول أخرى من ‌تزايد الاستقطاب السياسي والتهديدات التي تواجه الديمقراطية.

وتُظهر استطلاعات الرأي أن حزب فرنسا الأبية يثير انقساما في الآراء.

ويُتهم الحزب المؤيد للفلسطينيين باستمرار بمعاداة السامية من قبل بعض قادة المجتمع اليهودي وخصومه السياسيين، وهو ما ينفيه الحزب، بينما يشعر عدد من رجال الأعمال بالقلق إزاء سياساته التي تنطوي على ضرائب عالية وإنفاق مفرط.

ومع ذلك، لا يزال الحزب يتمتع بقاعدة دعم قوية تتراوح بين 10 في المائة و15 في المائة، وهي نسبة يقول محللون إنها ربما تكون كافية للوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، المقرر إجراؤها في أبريل نيسان 2027.

ومع ترجيح استطلاعات الرأي وصول حزب (التجمع الوطني) اليميني المتطرف إلى الجولة الثانية، يخشى الفرنسيون ‌المنتمون لتيار الوسط من احتمال حدوث جولة فاصلة بين اليمين المتطرف واليسار المتشدد.

وقال حزب فرنسا الأبية إن وكالة فيجينوم نبهته إلى تدخل أجنبي يستهدف مرشحيه، وذكر أنه يتعاون مع المحققين.

وقال الحزب في بيان «نتوقع أن تشهد الانتخابات (الرئاسية) المقبلة هجمات من هذا النوع».

وأضاف «من ⁠المحتمل أن تؤدي المستجدات التكنولوجية إلى تزايد هذا ⁠الخطر بشكل كبير».

بعد نشر هذه القصة، دعا مرشح فرنسا الأبية الرئاسي لعام 2027 وزعيم الحزب جان لوك ميلونشون الحكومة إلى إقرار تشريعات أكثر صرامة ضد التدخل الأجنبي.

وقال «نحن بحاجة إلى الحماية، وإذا حصلنا عليها، فستحصل عليها جميع (الأحزاب) الأخرى أيضا».

وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية، إنها ليست على علم بوجود «بلاك كور».

* تشويه سمعة مرشحين

انسحب ديلوجو من الجولة الثانية من انتخابات مرسيليا لتجنب انقسام أصوات اليسار، ورفع دعوى تشهير في مارس بعد أن استهدفه موقع «مدونة صوفي» الذي لم يعد موجودا الآن، بعد التلميح إلى سلوك جنسي غير لائق لم يحدد.

كما انتشرت في أنحاء مرسيليا رموز استجابة سريعة (كيو.آر)، التي يمكن مسحها ضوئيا بالهاتف الذكي لتوجيه المستخدمين إلى موقع إلكتروني، وكان ذلك هو موقع المدونة. ولم تتمكن «رويترز» من تحديد هوية كاتب المدونة أو الاتصال به.

وأحجم محامي ديلوجو عن الكشف عن مضمون الشكوى لكنه أكد أنها تتعلق بالمدونة ورموز كيو.آر. ولم يرد ممثلو الادعاء في مرسيليا على طلبات للتعليق.

وقالت فيجينوم إن جيرو الفائز في انتخابات روبيه استُهدف من قبل «صفحات فيسبوك مرتبطة بالمخطط نفسه». ولم يرد جيرو على طلبات للتعليق.

وقال بيكيمال، وهو نائب قاد تحالفا يساريا في تولوز لكنه خسر في الجولة الثانية بفارق ضئيل، إنه توجه إلى الشرطة بعد أن استهدفته حسابات مجهولة على وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع إلكترونية وإعلانات مسيئة في صحيفة محلية.

وعبر بيكيمال عن أمله في أن تكشف التحقيقات الجنائية عن هوية من يقف وراء ​هذه الهجمات. وقال إنه يعتقد أنه استُهدف بسبب دعمه لغزة ولأنه «قادر على الفوز ​في ثالث أكبر مدينة في فرنسا».

وبعد خسارته الانتخابات، سعى بيكيمال إلى إلغاء النتيجة بسبب ما قال إنه تدخل أجنبي. ولم تصدر محكمة تولوز الإدارية حكمها بعد.