هل تحل المظلة النووية الأوروبية محل المظلة الأميركية - الأطلسية؟

باريس تريد قدراتها النووية للدفاع عن «مصالحها الحيوية» ولكنها منفتحة على إفادة أوروبا منها

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب الرئيس دونالد ترمب ويظهر في الصورة نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماع الاثنين في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب الرئيس دونالد ترمب ويظهر في الصورة نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماع الاثنين في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

هل تحل المظلة النووية الأوروبية محل المظلة الأميركية - الأطلسية؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب الرئيس دونالد ترمب ويظهر في الصورة نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماع الاثنين في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب الرئيس دونالد ترمب ويظهر في الصورة نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماع الاثنين في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ب)

لم ينتظر فريدريتش ميرتز، رئيس الحزب «الديمقراطي المسيحي» الفائز في الانتخابات التشريعية التي شهدتها ألمانيا، الأحد الماضي، والذي سيكون المستشار الألماني القادم، تسلمه لمنصبه الجديد حتى يكشف عن توجهات جديدة في سياسة بلاده الخارجية التي كانت مرتبطة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالولايات المتحدة الأميركية وبالحلف الأطلسي منذ نشوئه. ولا تزال ألمانيا تستضيف أكبر عدد من القوات الأميركية المرابطة في أوروبا «35 ألف رجل»، فضلاً عما يقارب الـ200 قنبلة نووية، رغم أن دستورها يحرمها من الحصول على هذا السلاح.

ولأن ميرتز يبدو قلقاً، كغيره من القادة الأوروبيين، مما هي عليه اليوم السياسة الأميركية تجاه الحلف الأطلسي وتجاه أوروبا، فقد دعا، مساء الأحد، إلى «ترسيخ قدرات دفاعية مستقلة»، بحيث تكون «بديلاً عن حلف (الناتو) بشكله الحالي».

كذلك أطلق نقاشاً حول كيفية حماية القارة القديمة، خصوصاً أن واشنطن «غير مبالية بمصير أوروبا». ولأن برلين، كغيرها من العواصم الأوروبية، بحاجة لمظلة نووية تحميها، ولأن الشكوك تتزايد بشأن فاعلية المادة الخامسة من النظام الداخلي للحلف الأطلسي التي توفر الحماية الجماعية لأي عضو يتعرض لاعتداء خارجي، فإن المستشار القادم لم يتردد في طرح بالون اختبار بقوله، ليل الجمعة الماضي، إنه يتعين على باريس ولندن النظر «فيما إذا كان يمكن توسيع حمايتهما النووية لتشملنا أيضاً».

وبكلام آخر، يريد ميرتز أن يستبدل بالمظلة النووية الأميركية مظلة نووية أوروبية. والحال أن فرنسا وبريطانيا هما القوتان النوويتان الوحيدتان في القارة الأوروبية، والأولى هي الوحيدة داخل الاتحاد بعد خروج بريطانيا منه في عام 2020.

المستشار الألماني القادم فريدريتش ميرتز واقفاً بمناسبة اجتماع لنواب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» و«الاتحاد الاجتماعي المسيحي» في البرلمان الألماني (البوندستاغ) الثلاثاء (إ.ب.أ)

لا يكفي أن يطلب ميرتز ليتحقق طلبه. فقرار اللجوء إلى السلاح النووي هو سيادي بامتياز، وليس سهلاً أن تقبل أي قوة نووية مشاركة آخرين في قرار بهذه الخطورة. واللافت أنه لم يصدر أي تعليق رسمي من لندن ولا من باريس على طرح ميرتز.

ونقلت صحيفة «تلغراف» البريطانية، الأحد، تصريحات عن مسؤول فرنسي، كتمت هويته، ومفادها أن فرنسا «مستعدة» من خلال قوة الردع النووية التي تملكها للمساعدة في حماية أوروبا. وبحسب المصدر الفرنسي، فإن «نشر عدد قليل من الطائرات المقاتلة الفرنسية المسلحة نووياً في ألمانيا لا يُتوقع أن يكون أمراً صعباً، ومن شأنه أن يبعث برسالة قوية» إلى روسيا. وقال دبلوماسي ألماني للصحيفة البريطانية إنه «إذا تحرّكت فرنسا لوضع قوّات نووية في ألمانيا، فسيزيد ذلك الضغط على البريطانيين لاتّباع النهج نفسه. نحن بحاجة إلى مظلّة نووية، ونريد أن يكون لنا رأي في هذا، ويجب أن نكون مستعدين للحديث عن ذلك ودفع ثمنه».

ماكرون: نووي فرنسا أيضاً للدفاع عن أوروبا

تعد فرنسا إحدى الدول الخمس النووية «الرسمية»، وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والمتمتعة بحق النقض «الفيتو». وقد تحولت إلى دولة نووية في عام 1960 زمن رئاسة الجنرال شارل ديغول متأخرة عن بريطانيا التي سبقتها إلى امتلاك السلاح النووي بمساعدة أميركية رئيسية في عام 1952.

ووفق المعلومات المتوافرة، فإن قوة الردع النووية الفرنسية تتألف من 300 رأس نووي والتي يمكن إطلاقها من الغواصات أو الطائرات العسكرية الاستراتيجية أو بواسطة الصواريخ من مخازنها تحت الأرض. وحتى مساء الثلاثاء، غضت باريس النظر عما جاءت به «تلغراف»؛ إذ بقيت وزارتا الدفاع والخارجية صامتتين. أما الطبقة السياسية فقد غابت عن السمع بعكس ما كان عليه موقفها العام الماضي عندما طرح الرئيس ماكرون هذه الإشكالية في خطاب مطول له يوم 25 أبريل (نيسان) 2024 في جامعة السوربون في باريس. وفي كلمته المذكورة، دعا ماكرون إلى إنشاء دفاع أوروبي «ذي صدقية إلى جانب الحلف الأطلسي في مواجهة روسيا التي أصبحت تشكل تهديداً أكبر بكثير منذ غزوها لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022».

الدفاع الأوروبي يشمل أيضاً القدرات النووية الفرنسية التي أشار إليها ماكرون في حديث لمجموعة من الصحف المحلية في الشهر عينه. ووفق الرئيس الفرنسي، فإن «العقيدة الفرنسية هي أنه يمكننا استخدام السلاح النووي عندما تتعرض مصالحنا الحيوية للتهديد. وقد سبق لي أن قلت إن هناك بعداً أوروبياً لهذه المصالح الحيوية؛ لأن هذا الردع (النووي) يساهم في مصداقية الدفاع الأوروبي».

وعلى الرغم من أنه أوضح أن فرنسا ستحتفظ بـ«خصوصيتها»، فإن الرئيس أعلن مع ذلك أنها «مستعدة للمساهمة أكثر في الدفاع عن التراب الأوروبي». ومما قاله أيضاً: «دعونا نضع كل شيء على الطاولة وننظر إلى ما يحمينا حقاً بطريقة موثوقة». ورغم تأكيده «خصوصية» فرنسا بكونها صاحبة السلاح النووي، فإن الرئيس الفرنسي أكد أنها «جاهزة للمساهمة بشكل أكبر في الدفاع عن الأراضي الأوروبية».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مقابلته مع الصحافي الروسي بافيل زاروبين في مقر إقامة الدولة في نوفو أوغاريوفو خارج موسكو الاثنين (أ.ب)

فرنسا: لا إجماع على استخدام الردع النووي

منذ مجيئه إلى السلطة في عام 2017، طرح ماكرون نفسه المدافع الأول عن الاستقلالية الاستراتيجية، وعن الدعوة لقيام دفاع أوروبي قوي ليس بديلاً وإنما قائم إلى جانب الحلف الأطلسي. بيد أن الوضع اليوم تغير إلى درجة أن ألمانيا التي كانت الأكثر تعلقاً بالحلف المذكور، عدلت مقاربتها من النقيض إلى النقيض. وما يطالب به ميرتز صراحة يعد تحولاً تاريخياً في طبيعة النظرة إلى النادي الأطلسي، وإلى التطلع إلى دفاع نووي أوروبي يكون «بديلاً» عن الحلف الأطلسي.

والواضح أن تحولاً دراماتيكياً، كجعل قوة الردع النووي الفرنسية المخصصة أساساً لـ«حماية المصالح الحيوية الفرنسية»، مسخرة للدفاع عن أوروبا، وهذا يحتاج إلى ما يشبه «الإجماع» الداخلي الفرنسي حتى يرى النور. والحال أن هذا الأمر غير متوافر ويبدو من الصعب بلوغه في المستقبل القريب بالنظر لتضارب المواقف السياسية والقراءات الاستراتيجية. ويكفي أنه بمجرد أن عبّر ماكرون عن فكرته، العام الماضي، اندلعت الاحتجاجات. وسارع النائب فرنسوا كزافيه بيلامي، رئيس مجموعة حزب «اليمين الجمهوري» التقليدي في البرلمان الأوروبي، في حديث لصحيفة «لا كروا» إلى القول: «إن على رئيس الجمهورية ألا يتلفظ بأقوال كهذه»، مضيفاً أن كلامه «يتسم بخطورة استثنائية لأنه يمس السيادة الوطنية الفرنسية».

وذهبت مارين لوبن، زعيمة حزب « التجمع الوطني» اليميني المتطرف والمرشحة الدائمة لرئاسة الجمهورية، إلى انتقاد ماكرون واتهامه بـ«الكذب»، مؤكدة أنه «يرغب بتقاسم الردع النووي (الفرنسي) مع الاتحاد الأوروبي». أما حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد الذي يتزعمه الوزير والنائب السابق جان لوك ميلونشون، فقد رأى أن ماكرون «يوجه ضربة جديدة للمصداقية الفرنسية؛ إذ تحت مسمى الدفاع عن الأرض الأوروبية، فإنه يطيح بالاستقلالية الاستراتيجية الفرنسية» الممثلة بقوة الردع الوطنية. وخلاصة رأي الحزب المذكور أن مسائل الدفاع «لا يمكن تقاسمها». وحده فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة الحالي وحزب «الخضر» أيدا مقاربة ماكرون. الأول اعتبر أن «مصالح أوروبا الحيوية تشكل أيضاً أوروبا». أما الثاني فقد عبر عن دعمه لذهاب نحو قيام «أوروبا الفيدرالية»، والمدفاع المشترك أحد أسسها.

تؤشر كافة المعطيات المتوافرة على أن عصراً جديداً بدأ مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، الأمر الذي يثير قلق الأوروبيين ويدفعهم للبحث عن بديل للمحافظة على أمنهم ومصالحهم. بيد أن خلافاتهم تعوق وحدتهم، وانقساماتهم تجعلهم متشرذمين بين من يسعى للتقرب من ترمب مهما يكن الثمن، ومن يرى أن المستقبل الأوروبي يتم رسمه بعيداً عما يريده.


مقالات ذات صلة

تركيا: دفاعات حلف الأطلسي أسقطت صاروخاً إيرانياً دخل المجال الجوي

شؤون إقليمية جزء من حطام صاروخ باليستي إيراني سقط بهطاي جنوب تركيا في 4 مارس الحالي بعد تصدي دفاعات حلف شمال الأطلسي له (رويترز)

تركيا: دفاعات حلف الأطلسي أسقطت صاروخاً إيرانياً دخل المجال الجوي

أعلنت وزارة الدفاع التركية اليوم الاثنين أن صاروخاً باليستياً منطلقاً من إيران دخل المجال الجوي التركي قبل أن تسقطه ‌أنظمة الدفاع ‌الجوي والصاروخي.

«الشرق الأوسط» (أنقرة )
شؤون إقليمية تدريبات عسكرية لعناصر من «بيجاك» في أربيل شمال العراق يوم 26 فبراير الماضي (رويترز)

تركيا لوحت بالتدخل شمال العراق حال انخراط مسلحين أكراد في حرب إيران

كشفت مصادر تركية عن تلويح أنقرة بالتدخل العسكري في شمال العراق حال انخراط مسلحين أكراد في حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ف.ب)

ترمب: الولايات المتحدة ربما لن تدعم دول «الناتو» إذا دعت الحاجة

أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مجدداً عن استيائه من الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لرفضهم إرسال دعم عسكري لتأمين مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان شدد على تمسك بلاده بالحوار والدبلوماسية لحل مشاكل المنطقة (الرئاسة التركية)

تركيا تدعو للحوار والدبلوماسية لإنهاء حرب إيران

أكدت تركيا تمسكها بموقفها الثابت تجاه الحرب في إيران والتطورات في المنطقة، مطالبة جميع الأطراف بممارسة ضبط النفس والعمل على حل النزاعات عبر الحوار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب) p-circle

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

مسؤولون محليون في فرنسا يزيلون عَلم الاتحاد الأوروبي عن واجهات بلدياتهم

عَلم الاتحاد الأوروبي مرفرفاً خارج مقرّ المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
عَلم الاتحاد الأوروبي مرفرفاً خارج مقرّ المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
TT

مسؤولون محليون في فرنسا يزيلون عَلم الاتحاد الأوروبي عن واجهات بلدياتهم

عَلم الاتحاد الأوروبي مرفرفاً خارج مقرّ المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
عَلم الاتحاد الأوروبي مرفرفاً خارج مقرّ المفوضية الأوروبية في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

أزال عدد من رؤساء البلديات المنتمين إلى حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف علم الاتحاد الأوروبي عن واجهات بلدياتهم، في خطوة حظيت بدعم قياديين في الحزب، في حين وصفتها الحكومة بأنها «شعبوية».

وكتب رئيس بلدية كاركاسون في جنوب غرب فرنسا كريستوف بارتيس، الأحد، عبر منصة «إكس»، بعد وقت قصير من توليه منصبه: «فليسقط عَلم الاتحاد الأوروبي عن البلدية وليحل محلّه عَلم فرنسا»، مرفقاً رسالته بمقطع فيديو يظهر فيه وهو يزيل بنفسه عَلم الاتحاد الأوروبي، تاركاً العَلم الفرنسي وعَلم منطقة أوكسيتانيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

أما الرئيس الجديد لبلدية كاني-سور-مير (جنوب البلاد)، فنشر بدوره، الاثنين، صورة لواجهة مبنى البلدية من دون عَلم الاتحاد الأوروبي.

وفي بلدية أرن في إقليم بادكالِيه في الشمال الفرنسي، كان أنتوني غارينو-غلينكوفسكي قد استبق الأمور منذ تسلمه مهامه في 24 مارس (آذار) بإزالة العَلمين الأوروبي والأوكراني.

وتساءل الوزير المكلّف الشؤون الأوروبية بنجامان حداد في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هل سيرفضون أيضاً الأموال الأوروبية التي يتلقاها مزارعونا، وشركاتنا من أجل إعادة التصنيع، ومناطقنا؟ هل سيعيدون التعويضات التي تلقّوها من البرلمان الأوروبي؟». وقال: «هذه شعبوية تُظهر أن التجمع الوطني لم يتغيّر».

لا يوجد أي نص قانوني يلزم بوجود العَلم الأوروبي على واجهات البلديات في فرنسا. ولا يعترف الدستور الفرنسي إلا بعَلم البلاد ذي الألوان الثلاثة: الأزرق والأبيض والأحمر.

وكانت الجمعية الوطنية اعتمدت سنة 2023 مقترح قانون يرمي إلى جعل رفع العَلمين الفرنسي والأوروبي إلزامياً على واجهات بلديات المدن التي يزيد عدد سكانها على 1500 نسمة. غير أن هذا النص لم يخضع بعد للمناقشة في مجلس الشيوخ تمهيداً لجعله نافذاً.


كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)
الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)
TT

كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)
الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)

عمقت التطورات المحيطة بحرب إيران التشابك مع الصراع المتواصل منذ أربع سنوات حول أوكرانيا، خصوصاً في ملفي التهديدات المحيطة بأمن الطاقة، والتجاذبات الجديدة للأطراف المنخرطة في الأزمتين، فيما دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا إلى وقف استهداف البنى التحتية للطاقة.

وعكس الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الاثنين، مع نظيره الصربي ألكسندر فوتشيتش تفاقم المخاوف من تداعيات الصراع في إيران على ملف أمن الطاقة، واستقرار الإمدادات الروسية إلى بعض البلدان التي حافظت على علاقات شراكة تقليدية مع موسكو رغم اتساع تأثير العقوبات الغربية مثل صربيا والمجر وبلدان أخرى في القارة الأوروبية. وفي مؤشر إلى مستوى التأثير الكبير لحرب إيران، أكد الكرملين أن الرئيسين بحثا إلى جانب العلاقات الثنائية ملفي أمن الطاقة والوضع حول إيران وأوكرانيا.

وأشاد الرئيس الصربي باستمرار تدفق الغاز الروسي بشكل مستقر، عاداً أن هذا الاستقرار يعد «حيوياً للحفاظ على أمن الطاقة في صربيا» رغم التوترات الكبيرة في هذا الملف.

وتصدر روسيا الغاز إلى صربيا بشكل أساسي عبر خط الأنابيب «السيل التركي»، الذي يبدأ من روسيا عبر البحر الأسود إلى تركيا، ثم يتفرع إلى خطين: الأول يغذي السوق التركية، والثاني يتجه نحو دول جنوب ووسط أوروبا، مروراً ببلغاريا، ثم صربيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصربي ألكسندر فوتشيتش خلال لقاء بينهما في بكين 2 سبتمبر 2025 (رويترز)

وفي ظل استمرار التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في أعقاب العمليات العسكرية التي تستهدف إيران وإغلاق مضيق هرمز أمام جزء كبير من ناقلات النفط والغاز، عادت أسعار الغاز في الاتحاد الأوروبي لتسجل قفزات جديدة.

وعلى الرغم من أن أوروبا كانت قد عملت على تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، وتنويع مصادرها عبر استيراد الغاز المسال من الولايات المتحدة وقطر، فإن تصاعد الأحداث في الخليج هدّد سلاسل الإمداد العالمية ما دفع الأسعار الأوروبية إلى الارتفاع مرة أخرى.

في هذا الإطار، أكد الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف مجدداً استعداد روسيا لتوريد حوامل الطاقة إلى أي سوق في العالم، بما فيها الأوروبية.

وجاء تصريح بيسكوف أثناء رده على سؤال حول ناقلة النفط الروسية التي وصلت قبل أيام، إلى كوبا، وقال: «كانت روسيا ولا تزال مستعدة للبقاء مورداً موثوقاً للطاقة إلى أي أسواق عالمية، بما فيها الأوروبية».

في السياق ذاته، حذر كيريل ديميترييف، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي والممثل الرئاسي الخاص للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، من تداعيات «الصدمة الطاقية الوشيكة» في أوروبا، بسبب استمرار حرب إيران.

وكتب ديميترييف على منصة «إكس» أنه «ليس من المستغرب أن بيروقراطيي الاتحاد الأوروبي غير الأكفاء، الذين يدمرون الحضارة الغربية بالهجرة الجماعية، وإثارة الحروب، لا يدركون خطورة الصدمة الطاقية الوشيكة».

وجاء تعليق كبير المفاوضين الروس مع الجانب الأميركي تعقيباً على تقرير لوكالة «بلومبرغ» أكد أن أزمة الطاقة «في بدايتها»، وأن العالم «لم يستوعب بعدُ خطورة الوضع بالكامل».

تحييد الطاقة

وأعلن زيلينسكي، الاثنين، أن بعض حلفاء بلاده أرسلوا «إشارات» بشأن إمكانية تقليص ضربات بعيدة المدى على قطاع النفط الروسي في ظل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

مقر السفارة البريطانية في موسكو (إ.ب.أ)

وقال زيلينسكي إن أوكرانيا مستعدة للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة الأوكراني، مؤكداً انفتاح كييف على وقف إطلاق النار في عيد الفصح. وأضاف: «في الآونة ‌الأخيرة، في ‌أعقاب أزمة الطاقة العالمية الحادة هذه، ‌تلقينا ⁠بالفعل إشارات من ⁠بعض شركائنا حول كيفية تقليص ردودنا على قطاع النفط وقطاع الطاقة في روسيا الاتحادية».

وتسببت الضربات الروسية على البنية التحتية للطاقة ⁠في أوكرانيا بالفعل في صعوبة الحصول على ‌الإمدادات.

طرد دبلوماسي

على صعيد آخر، أعلنت موسكو أنها قررت طرد السكرتير الثاني في السفارة البريطانية في موسكو، يانس فان رينسبورغ، بعد إثبات تورطه في أنشطة استخباراتية ومحاولات منهجية لجمع معلومات اقتصادية حساسة.

وأوضحت هيئة (وزارة) الأمن الفيدرالي بروسيا في بيان أن الدبلوماسي البريطاني، قدّم بيانات كاذبة عند طلبه الحصول على تأشيرة دخول إلى الأراضي الروسية، مما يُشّكل انتهاكاً صريحاً للقوانين المحلية. كما رصد الجهاز مؤشرات على قيامه بأنشطة «تخريبية» تهدد الأمن القومي الروسي، موثقاً محاولاته المتكررة للحصول على معلومات سرية عبر لقاءات غير رسمية مع خبراء اقتصاديين روس.

وجاء في بيان للخارجية الروسية عقب استدعاء القائمة بأعمال السفير البريطاني في موسكو ديني دولاكيا أن موسكو «لن تُساوم على أمنها، ولن تتسامح مطلقاً مع وجود عملاء استخباراتيين بريطانيين غير مُصرَّح لهم، يعملون في الخفاء على أراضيها، مُحتفظةً بحقها في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لصون مصالحها الحيوية».

وجاءت هذه الخطوة، بعد مرور أيام على إعلان لندن نيتها احتجاز سفن روسية في إطار مكافحة ما وصف بأنه «أسطول الظل» الروسي الذي ينقل مواد محظورة بموجب العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.

وأكدت سفارة روسيا في بريطانيا أن قرار لندن يشكل «خطوة عدائية»، وأن روسيا ستستخدم جميع الأدوات لحماية مصالحها.

وكان مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أعلن قبل أيام، عن السماح للقوات البحرية البريطانية باعتراض السفن الخاضعة للعقوبات في مياه المملكة المتحدة.


زعيمة المعارضة البيلاروسية تدعو إلى عدم تخفيف العقوبات على بلادها

زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)
زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)
TT

زعيمة المعارضة البيلاروسية تدعو إلى عدم تخفيف العقوبات على بلادها

زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)
زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)

قالت زعيمة المعارضة البيلاروسية في المنفى، سفيتلانا تسيخانوسكايا، إن تخفيف عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد بلادها يمثّل نهجاً خاطئاً، وقد رفضت دعوات الولايات المتحدة للتكتل الأوروبي للقيام بذلك، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت تسيخانوسكايا في فيلنيوس، وفقاً لتقارير إعلامية ليتوانية، الاثنين: «نحن على تواصل مستمر مع شركائنا الأميركيين، ونحثهم على عدم الضغط على دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً ليتوانيا، لرفع العقوبات الأوروبية».

وأضافت: «من الواضح لنا جميعاً أن رفع العقوبات عن أسمدة البوتاس، على سبيل المثال، لن يؤدي إلا إلى تقوية النظام وتوفير أموال إضافية للقمع وللحرب في أوكرانيا».

وجاءت تصريحات تسيخانوسكايا، رداً على تعليقات المبعوث الأميركي الخاص جون كول، الذي دعا ليتوانيا مؤخراً إلى استئناف عبور الأسمدة البيلاروسية وعقد اجتماع رفيع المستوى مع القيادة السلطوية في منسك.