بعد 3 سنوات من الحرب الروسية - الأوكرانية: انقلاب أميركي كامل في الموقف منها واحتمالات الحل مساوية لمواصلتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماعهما في هلسنكي عام 2018 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماعهما في هلسنكي عام 2018 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بعد 3 سنوات من الحرب الروسية - الأوكرانية: انقلاب أميركي كامل في الموقف منها واحتمالات الحل مساوية لمواصلتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماعهما في هلسنكي عام 2018 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماعهما في هلسنكي عام 2018 (أرشيفية - أ.ف.ب)

قبل 3 سنوات، لم يكن أحد يتصور إمكانية اندلاع حرب طاحنة في أوروبا تعيد التذكير بتاريخ صراعات دولها، التي حصدت خلال حربين عالميتين أرواح الملايين، ودمرت العمران في غالبية مدنها الرئيسية. لكن الحرب الأوكرانية - الروسية، ذكّرت الجميع بأن الحروب الدموية ومساعي البعض لإظهار القوة أو استعادة أمجاد سابقة، لا تزال ممكنة.

وعلى مدى ثلاث سنوات دامية، لقي مئات الآلاف من الروس والأوكرانيين حتفهم في القتال، وأصيب كثيرون آخرون، ونزح ملايين الأوكرانيين وتحولت مدن بأكملها إلى خراب أو قُطِّعت أوصالها بفعل الخنادق، في تذكير صادم بالحرب العالمية الأولى.

صورة مركبة تجمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يمين) ونظيره الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

انقلاب الموقف الأميركي

اليوم، وفي الذكرى السنوية الثالثة لهذه الحرب، انقلبت المواقف منها رأساً على عقب. الولايات المتحدة غيرت اصطفافها، أوروبا خارج المداولات، أوكرانيا تبحث عن خيارات أحلاها مر، ورعاة الوساطة وموقعها تبدل من هلسنكي إلى الرياض. فالرئيس الأميركي ترمب الذي وعد بإنهاء الحرب بدأ في التواصل مع موسكو وأرسل مفاوضيه للقاء الروس.

ومن الناحية النظرية، يرجح أن تؤدي المحادثات إلى حسم الصراع هذا العام. لكن عملياً لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أن هذا الأمر قد يتحقق. فأوكرانيا خارج المفاوضات عملياً وسط تصاعد غير مسبوق في الهجمات السياسية والشخصية مع واشنطن. والأوروبيون يشعرون بالغضب والخذلان عن «التنازلات المسبقة» التي قدمها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حتى من قبل أن تبدأ المفاوضات، من دون أن يقدم أي شيء في المقابل. لا بل جدد تمسكه بمطالبه التي رفعها منذ اليوم الأول لـ«عمليته العسكرية الخاصة»؛ نزع سلاح أوكرانيا وإخضاعها و«هزيمة النازيين الجدد» فيها، ومنع انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي.

كيلوغ قال إن ترمب سيستخدم جميع أدوات القوة الأميركية لإنهاء الحرب (أ.ف.ب)

ترمب متمسك برؤيته

ومع تمسك ترمب برؤيته لحل الصراع من دون «الضمانات» التي تطالب بها أوكرانيا، خصوصاً في المجال الأمني لمستقبلها، فقد تؤدي النتيجة إلى اكتشافه تعقيدات هذا الصراع بالفعل، ما قد يمنع على الأقل توقع الحلول السريعة، أو يؤدي في نهاية المطاف إلى انسحابه من المفاوضات، سواء أراد استئناف دعم كييف، رداً على تمسك بوتين بمطالبه أو اختار «الحياد» الذي قد يخدم ولو بشكل غير مباشر موسكو.

ويرى البعض أن كييف، ورغم إدراكها أهمية الدعم الأميركي، لكنها لا تستطيع تحمل فكرة الهزيمة بعد كل التضحيات التي قدمتها. وفي حال تمسك ترمب برؤيته في فرض الحل، فقد تجد نفسها مضطرة إلى مواصلة القتال. كما أن الأوروبيين مقتنعون بأن موسكو لن تتوقف عن محاولاتها إخضاع، ليس أوكرانيا فقط، بل وإعادة تغيير التوازن في القارة بمجملها، وبأن بوتين سيستمر في محاولة الاستيلاء على أو تدمير أكبر قدر ممكن من أوكرانيا قبل أي اتفاق سلام، ويشيرون إلى حشد القوات الروسية في بيلاروسيا، على أنها دليل عن استعداده لتهديد دول أوروبية أخرى.

الرئيس دونالد ترمب متحدثاً خلال جلسة عمل في البيت الأبيض لمجموعة من حكام الولايات يوم الجمعة 21 فبراير (أ.ب)

ركود الجبهات

لكن في الواقع، كانت الحرب في أوكرانيا قد وصلت إلى حالة ركود واضحة، منذ ما قبل التغيير الذي طرأ على المشهد الدولي، بعد عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى السلطة. ورغم أن الولايات المتحدة اصطفت في البداية مع حلفائها الأوروبيين ضد روسيا، لكن سلوكهم معاً لم يكن يوحي باستعدادهم لحسم الحرب سريعاً لمصلحة أوكرانيا. وبدلاً من ذلك، ظهر جلياً أن إطالة أمد الحرب كانت تهدف إلى استنزاف طويل لروسيا، من دون السماح لأوكرانيا بالتحول إلى لاعب قوي على الملعب الأوروبي، في ظل مقاربات وتحفظات، لطالما عبّر عنها الأوروبيون عن الدور الذي يمكن أن تلعبه كييف. وهو ما ترجم في التدرج والتردد و«التقطير» في توفير الأسلحة الأميركية والغربية أو في السماح باستخدامها. ومع استمرار روسيا في الاستيلاء على أراضٍ أوكرانية ولو بوتيرة بطيئة ومكلفة بشرياً واقتصادياً لم يعد بالإمكان تحملها، مقابل صمود أوكرانيا المكلف هو أيضاً، فقد حققت الدولتان التكافؤ فقط في توجيه ضرباتهما بعيدة المدى، ونجحتا في التحول إلى دولتين معبئتين حربياً بالكامل.

ترمب يوقع على أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي (رويترز)



تغير طبيعة الصراع الدولي

لكن وبغض النظر عن نتيجة المفاوضات، فقد غيّرت الحرب في أوكرانيا بالفعل طبيعة الصراع في جميع أنحاء العالم، فيما الموقف الجديد للولايات المتحدة منها يطرح تحديات أكثر جذرية، في ظل نظرته تجاه الصراعات الدولية وأولوياته لتحقيق شعار «أميركا أولاً» وتحقيق «السلام من خلال القوة».

يختصر ترمب مبررات موقفه من الحرب في أوكرانيا بنقاط عدة. يقول إن واشنطن قدمت أكثر من 300 مليار دولار من المساعدات لها. لكن ما حققته من استفادة لا يتناسب مع هذا الإنفاق، وجاء على حساب دافعي الضرائب الأميركيين. ومع رفعه شعار خفض الإنفاق وإعادة ترشيق الإدارة الفيدرالية، وتعويضاً عن تلك المساعدات، يسعى إلى الحصول على اتفاق لاستغلال المعادن الثمينة مقابل الأسلحة والمساعدات الأخرى التي تلقتها كييف. وبدا أن المفاوضات التي بدأها وزير خزانته، ويواصلها مبعوثه الخاص، كيث كيلوغ، والضغوط التي يمارسها، قد تؤدي إلى خضوعها وتوقيع اتفاق قريب يرضي ترمب أولاً.

ترمب وبجانبه خريطة تحمل مسماه البديل لخليج المكسيك (سي إن إن)

المساعدات الأميركية

لكن أرقامه لا تتطابق مع تقرير المفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية، الذي كشف عن أن إجمالي المساعدات المالية التي خصصها الكونغرس لأوكرانيا منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية قبل 3 سنوات، وصل إلى 183 مليار دولار، قدمتها وكالات فيدرالية عدة، بما في ذلك البنتاغون، ووزارة الخارجية، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وأوضح أن نحو ثلاثة أرباع المخصصات المالية، أي ما يعادل 132 مليار دولار، تم إنفاقها لتلبية الاحتياجات العسكرية، مع تخصيص أكثر من 45 مليار دولار منها للبنتاغون لاستبدال المعدات التي تم إرسالها إلى كييف.

وبحسب تحقيق أجرته وكالة «نوفوستي» الروسية، فقد بلغت قيمة المساعدات المالية الغربية غير العسكرية لأوكرانيا خلال 3 سنوات 238.5 مليار دولار، فيما بلغت قيمة المساعدات العسكرية 132.5 مليار دولار.

صورة مركبة تُظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أوروبا خارج الحماية

ويقول ترمب إن العلاقة مع أوروبا وحلف شمال الأطلسي لطالما كانت على حساب أميركا. وفيما تتحمل بلاده مهمة حماية القارة وغالبية الإنفاق العسكري للحلف، كانت أوروبا تبني دولة «الرفاه الاجتماعي» متخلية عن دورها في حماية نفسها. اليوم ومع تغير الاستراتيجية الأميركية وتركيزها على منافسة الصين، طالب دول الحلف بزيادة إنفاقهم العسكري إلى 2 و3 وحتى 5 في المائة، لأن حماية أوروبا لم تعد هي أولوية واشنطن، وعليها أن تحمي نفسها بنفسها من أي هجوم روسي، على ما ورد صراحة بلسان وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، في ألمانيا أخيراً.

ومع إعلان هيغسيث خفض ميزانية البنتاغون التي ستشمل خصوصاً القيادة الأميركية في أوروبا والقيادة الأفريقية والمركزية في الشرق الأوسط، يخشى الأوروبيون أن تكون القارة أمام انسحاب أميركي شبيه بالانسحاب من أفغانستان. وتصاعدت تحذيراتهم لأخذ تهديدات ترمب على محمل الجد، بعدما بدا أن قطار المفاوضات الأميركية - الروسية لن يتوقف في المحطات التي يفضلونها. وبات البعض يعتقد أن الولايات المتحدة قد لا تبقى حليفاً تلقائياً لأوروبا، وبالكاد ستكون شريكاً هذا ما لم تتحول إلى خصم.


مقالات ذات صلة

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تصل إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في سيرناي لا فيل خارج باريس 26 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين»

اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين» خلال الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جندي أوكراني يطلق النار من مدفع «هاوتزر» باتجاه القوات الروسية على خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 18 مارس 2026 (أ.ب) p-circle

مشرّعون روس يزورون أميركا بعد سنوات من الغياب كجزء من تطبيع العلاقات

مشرعون روس يزورون أمريكا بعد سنوات من الغياب كجزء من تطبيع العلاقات الكرملين يأمل في عقد جولة جديدة من المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقيان في منتجع مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب) p-circle

زيلينسكي: أوكرانيا وأميركا تختلفان في تقييم نوايا بوتين لإنهاء الحرب

كشف الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أن كييف لا تُشارك تقييم واشنطن بشأن استعداد روسيا لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (كييف)

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025، على ما أظهرت بيانات جديدة، الخميس.

ويطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول الحلف البالغ عددها 32 بزيادة إنفاقها الدفاعي، داعياً أوروبا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار تقرير لـ«الناتو» إلى أن كل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا تجاوزت الآن الهدف المحدد بتخصيص ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وهو هدف تم تحديده في عام 2014 بغرض تحقيقه في مهلة أقصاها 2024. ومنذ ذلك الحين، وتحت ضغط ترمب، حدد الناتو هدفاً جديداً هو 5 في المائة بحلول 2035.

ولدى عرضه التقرير قال الأمين العام للحلف مارك روته: «أتوقع من أعضاء الحلف في قمة (الناتو) المقبلة في أنقرة أن يُظهروا أنهم يسيرون على طريق واضح وموثوق نحو تحقيق نسبة 5 في المائة».

وحققت ثلاث دول فقط هدف 3.5 في المائة العام الماضي، وهي بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وزادت كل الدول إنفاقها العسكري العام الماضي، لكن ثلاثاً منها سجلت انخفاضاً طفيفاً في نسبة الإنفاق مقارنةً بناتجها المحلي الإجمالي.

في المقابل، تراجعت النسبة للولايات المتحدة من 3.30 في المائة عام 2024 إلى 3.19 في المائة، وفي جمهورية التشيك من 2.07 في المائة إلى 2.01 في المائة، وفي المجر من 2.21 في المائة إلى 2.07 في المائة.


تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث هجوم له على أوروبا، انتقادات لاذعة لقادة القارة لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «إنهم يشتكون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها»، لكنهم يرفضون «مناورة عسكرية بسيطة هي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط».

ومهما بدت تصريحاته اندفاعية، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أعمق؛ وهي أن ترمب وضع قادة أوروبا أمام معادلة مزدوجة. فالإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي من جانب إيران أشعل أزمة طاقة شاملة في أنحاء القارة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، الذي يثير غضب الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا، تزداد الضغوط على القادة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح خطوط الشحن.

شبح حرب العراق

لكن في الوقت نفسه، تتّجه الرياح السياسية في أوروبا بشكل كبير ضد الحرب، ما يرفع تكلفة مشاركة أوروبا فيها. فالحملة العسكرية تتعرّض لانتقادات من كثير من الأوروبيين، خصوصاً على اليسار، الذين يرون أنها غير مبررة وغير قانونية، وأنها تهدد النمو الهش في أوروبا. كما لا يزال القادة يستحضرون حرب العراق، التي دعمتها بريطانيا، وندمت عليها لاحقاً. وقال جيرار أرو، السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل والولايات المتحدة: «نحن منقسمون كعادتنا. الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على عدة مستويات. نحن في حالة صدمة كاملة مما يحدث».

ورغم المخاطر السياسية، هناك أسباب قوية تدفع أوروبا لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ففي ألمانيا، تجاوز سعر البنزين 2 يورو للتر، أي ما يعادل 9.48 دولار للغالون، ما أجبر برلين ودولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مكلفة، مثل بحث خفض الضرائب ووضع سقوف للأسعار للتخفيف من الصدمة.

وقال بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق لدى فرنسا والولايات المتحدة: «لدى الأوروبيين مصلحة كبيرة في فتح المضيق أمام ناقلات النفط والتجارة الأخرى، وفي إظهار أنهم حلفاء موثوقون للدول الخليجية».

ورغم الضغوط التي يمارسها ترمب على أوروبا، فإنه لم يُسهّل على قادتها دعمه. إذ لم تُشاور الولايات المتحدة حلفاءها بشأن العملية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بل لم تُخطر غالبيتهم مسبقاً. وجاء غياب التنسيق بعد فترة متوترة صعّد فيها ترمب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتقلّب في دعمه لأوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، وجّه ترمب إهانات إلى القادة الأوروبيين، ولا سيما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي بذل جهوداً كبيرة لكسب وده. وقال إنه «ليس ونستون تشرشل»، قبل أن يروّج لمقطع ساخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يرتجف قبل مكالمة هاتفية مع الرئيس.

انتقاد الحلفاء

وحتى عندما دعا الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم، لم يخلُ حديث ترمب من الانتقاص منهم، إذ قال إن الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى قدراتهم العسكرية. ويرى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن ذلك يكشف دافعه الحقيقي: دفع أوروبا لتحمل المخاطر السياسية للانضمام إلى الحملة العسكرية.

ويشير محللون إلى أن أوروبا يمكن أن تسهم في عملية عسكرية في المضيق، عبر نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكنهم يرون أن قيمة مشاركتها السياسية تفوق أهميتها العسكرية. وقال ميشال ياكوفليف، الجنرال الفرنسي المتقاعد والمخطط السابق في «الناتو»: «قد يكون من المفيد وجود مزيد من السفن، لكن هذا ليس طرح ترمب». وأضاف: «لو كان مستعداً للقول إن حجم المشكلة يتطلب موارد إضافية، لكان الحساب مختلفاً». وتابع: «لكن بما أنه قلّل من قيمة المساهمة العسكرية الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة سياسية». وأشار إلى أن القادة الأوروبيين مُحقّون في عدم منح ترمب غطاءً سياسياً، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو يطرح مساراً للخروج من الحرب. وكان الرئيس قد قال إن «محادثات جيدة جداً» جارية لإنهاء القتال، وهو ما سارعت إيران إلى نفيه.

وأضاف ياكوفليف أن تشكيل تحالف لتأمين المضيق يتطلب اتفاقاً على نطاق العملية ومساهمات كل طرف وسلسلة القيادة وقواعد الاشتباك، وهي عملية قد تستغرق شهرين على الأقل.

وفي الأسبوع الماضي، خفّف قادة أوروبيون، إلى جانب نظرائهم من آسيا والخليج، من معارضتهم للمشاركة في مثل هذه العملية، لكن بيانهم جاء حذراً، إذ قال: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق».

تحالف ما بعد الحرب

ويعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلف الكواليس للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لعملية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع، فيما طرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي فكرة توسيع مهام بعثات الحماية البحرية القائمة في المنطقة.

وقال أرو إن أوروبا، بالنظر إلى تاريخها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، يمكن أن تلعب دوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية في إنهاء النزاع. لكنه أضاف أن أوروبا مكبّلة بثلاثة عوامل مترابطة: عدم ثقة ترمب ببروكسل خصوصاً بعد رفضها دعم الحرب؛ ومخاوفها من أن يؤدي استعداؤه إلى الإضرار بأوكرانيا؛ وشكوك إيران فيها نظراً للتردد الأوروبي في مواجهة واشنطن بشكل أكثر وضوحاً. وختم قائلاً: «يمكننا أن نؤدي دور الوسيط، لكن ترمب يفضل الباكستانيين»، مضيفاً أن «الإيرانيين لا يثقون بنا أيضاً؛ فهم يعتقدون أننا ندعم الأميركيين».

*خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


ألمانيا: حلف «الناتو» وأميركا يعملان على صياغة موقف مشترك بشأن إيران

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في فرنسا (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في فرنسا (د.ب.أ)
TT

ألمانيا: حلف «الناتو» وأميركا يعملان على صياغة موقف مشترك بشأن إيران

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في فرنسا (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في فرنسا (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم الخميس، ​إن دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» تسعى إلى التوصل لموقف مشترك مع الولايات المتحدة بشأن الحرب على ‌إيران، مضيفاً ‌أنه ينبغي أن ​تنتهي ‌في أسرع ​وقت.

وذكر فاديفول، في دير «فو دو سيرناي» قرب باريس، قبيل اجتماع لوزراء خارجية مجموعة السبع: «من المهم، الآن، التوصل ‌إلى ‌موقف مشترك، وبالطبع بالتعاون ​مع ‌أقرب حلفائنا داخل ‌الحلف، ولا سيما الولايات المتحدة»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف فاديفول أن هناك توافقاً مع فرنسا وبريطانيا ‌في هذا الشأن، وأن المحادثات المقررة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، غداً الجمعة، لها أهمية خاصة.

وأشار إلى أنه يتعيّن فتح مضيق هرمز، وأنه يجب على القيادة الإيرانية ألا تشكل تهديداً لدول ​أخرى في ​المستقبل.